← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

علي حرام، إذا نوى به الظهار يكون ظهارًا على الأظهر، والتشبيه بالمحرمة تحريم، فيكون ظهارًا. وحجة القول الثاني: أن التي شبه لها امرأته ليست محرمة على التأبيد، فلا يكون لها حكم ظهر الأم إلَّا إن كان تحريمها مؤبدًا كالأم، ولما كان تحريمها غير مؤبد كان التشبيه بها ليس بظهار كما لو شبهها بظهر حائض، أو محرمة من نسائه. وأجاب المخالفون عن هذا بأن مجرد التشبيه بالمحرمة يكفي في الظهار لدخوله في عموم قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ قالوا: وأما الحائض، فيباح الاستمتاع بها في غير الفرج، والمحرمة يحل له النظر إليها ولمسها من غير شهوة، وليس في وطء واحدة منهما حد، بخلاف مسألتنا. انتهى من المغني منع تصرف يسير لا يخل بالمعنى. وقال صاحب المغني: واختار أبو بكر أن الظهار لا يكون إلَّا من ذوات المحرم من النساء، قال: فبهذا أقول. وقال بعض العلماء: إن شبه امرأته بظهر الأجنبية كان طلاقًا. قاله بعض المالكية. اهـ. قال مقيده عما الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي وأجراها على الأصول هو قول من قال: إنه يكون مظاهرًا، ولو كانت التي شبه امرأته بظهرها غير مؤبدة التحريم، إذ لا حاجة لتأبيد التحريم؛ لأن مدار الظهار على تحريم الزوجة بواسطة تشبيهها بمحرمة، وذلك حاصل بتشبيهها بامرأة محرمة في الحال ولو تحريمًا مؤقتًا؛ لأن تحريم الزوجة حاصل بذلك في قصد الرجل. والعلم عند الله تعالى.

стр. 4202

الفرع الثاني: في حكم ما لو قال لها: أنت علي كظهر أبي أو ابني، أو غيرهما من الرجال. لا أعلم في ذلك نصًا من كتاب، ولا سنَّة، والعلماء مختلفون فيه. فقال بعضهم: لا يكون مظاهرًا بذلك، قال ابن قدامة في المغني: وهو قول أكثر العلماء؛ لأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع، فأشبه ما لو قال: أنت علي كمال زيد. وهل فيه كفارة؟ على روايتين: إحدهما: فيه كفارة؛ لأنه نوع تحريم فأشبه ما لو حرم ماله. والثانية: ليس فيه شيء. ونقل ابن القاسم عن أحمد فيمن شبه امرأته بظهر الرجل، لا يكون ظهارًا، ولم أره يلزم فيه شيء، وذلك لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل للاستمتاع أشبه التشبيه بمال غيره. وقال بعضهم: يكون مظاهرًا بالتشبيه بظهر الرجل. وعزاه في المغني لابن القاسم صاحب مالك، وجابر بن زيد. وعن أحمد روايتان، كالمذهبين المذكورين، وكون ذلك ظهارًا هو المعروف عند متأخري المالكية. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر جريان هذه المسألة على مسألة أصولية فيها لأهل الأصول ثلاثة مذاهب، وهي في حكم ما إذا دار اللفظ بين الحقيقة العرفية، والحقيقة اللغوية، على أيهما يحمل. والصحيح عند جماعات من الأصوليين: أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية أولًا إن كانت له حقيقة شرعية، ثم إن لم تكن شرعية حمل على العرفية، ثم اللغوية. وعن أبي حنيفة: أنه يحمل على اللغوية قبل العرفية، قال: لأن العرفية وإن ترجحت بغلبة الاستعمال فإن الحقيقة اللغوية مترجحة بأصل الوضع. والقول الثالث: أنهما لا تقدم إحداهما على الأخرى، بل

стр. 4203

يحكم باستوائهما، فيكون اللفظ مجملًا لاستواء الاحتمالين فيهما فيحتاج إلى بيان المقصود من الاحتمالين بنية أو دليل خارج. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: واللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفى فاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز في الذي انتخب ومذهب النعمان عكس ما مضى ... والقول بالإِجمال فيه مرتضى وإذا علمت ذلك، فاعلم أن قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أبي مثلًا لا ينصرف في الحقيقة العرفية إلى الاستمتاع بالوطء أو مقدماته؛ لأن العرف ليس فيه استمتاع بالذكور، فلا يكون فيه ظهار. وأما على تقديم الحقيقة اللغوية، فمطلق تشبيه الزوجة بمحرم ولو ذكرا يقتضي التحريم، فيكون بمقتضى اللغة له حكم الظهار. والظاهر أن قوله: أنت علي كالميتة والدم، وكظهر البهيمة، ونحو ذلك كقوله: أنت علي كظهر أبي فيجرى على حكمه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة: اعلم أن قول الرجل لامرأته: أنت علي حرام، أو إن دخلت الدار فأنت حرام، ثم دخلتها، فيها للعلماء نحو عشرين قولًا كما هو معروف في محله. وقد دلت آية الظهار هذه على أن أقيس الأقوال، وأقربها لظاهر القرآن قول من قال: إن تحريم الزوجة ظهار، تلزم فيه كفارة الظهار، وليس بطلاق. وإيضاح ذلك: أن قوله: أنت علي كظهر أمي معناه: أنت علي حرام. وقد صرح تعالى بلزوم الكفارة في قوله: أنت علي كظهر

стр. 4204

أمي، ولا يخفى أن أنت علي حرام مثلها في المعنى كما ترى. وقال في المغني: وذكر إبراهيم الحربي عن عثمان وابن عباس، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران، والبتي أنهم قالوا: التحريم ظهار. اهـ. وأقرب الأقوال بعد هذا لظاهر القرآن القول بكفارة اليمين، والاستغفار لقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ بعد قوله: (لِمَ تُحَرِّم) الآية. المسألة الخامسة: الأظهر أن قوله: أنت عندي، أو مني، أو معي كظهر أمي لا فرق بينه وبين قوله: أنت علي كظهر أمي، فهو ظهار كما قاله غير واحد، وهو واضح كما ترى. المسألة السادسة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت عليّ كأمي، أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر أنه لا يكون ظهارًا إلَّا أن ينوي به الظهار؛ لاحتمال اللفظ معاني أخرى غير الظهار، مع كون الاستعمال فيها مشهورًا، فإن قال: نويت به الظهار، فهو ظهار في قول عامة العلماء. قاله في المغني، وإن نوى به أنها مثلها في الكرامة عليه والتوقير، أو أنها مثلها في الكبر أو الصفة فليس بظهار، والقول قوله في نيته. قاله في المغني. وأما إن لم ينو شيئًا فقد قال في المغني: وإن أطلق، فقال أبو بكر: هو صريح في الظهار، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان أظهرهما: أنه ليس بظهار حتى ينويه، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم، فلم ينصرف إليه بغير نية ككنايات الطلاق. انتهى منه.

стр. 4205

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول هو الأظهر عندي؛ لأن اللفظ المذكور لا يتعين للظهار لا عرفًا ولا لغة إلَّا لقرينة تدل على قصده الظهار. قال ابن قدامة في المغني: ووجه الأول يعني القول بأن ذلك ظهار أنه شبه امرأته بجملة أمه، فكان مشبهًا لها بظهرها، فيثبت الظهار كما لو شبهها به منفردًا. والذي يصح عندي في قياس المذهب أنه إن وجدت قرينة تدل على الظهار مثل أن يخرجه مخرج الحلف، فيقول: إن فعلت كذا فأنت عليَّ مثل أمي، أو قال ذلك حال الخصومة، والغضب فهو ظهار؛ لأنه إذا خرج مخرج الحلف فالحلف يراد للامتناع من شيء أو الحث عليه، وإنما يحصل ذلك بتحريمها عليه؛ ولأن كونها مثل أمه في صفتها، أو كرامتها لا يتعلق على شرط، فيدل على أنه إنما أراد الظهار، ووقوع ذلك في حال الخصومة والغضب دليل على أنه أراد به ما يتعلق بأذاها، ويوجب اجتنابها وهو الظهار، وإن عدم هذا فليس بظهار؛ لأنه محتمل لغير الظهار احتمالًا كثيرًا، فلا يتعين الظهار فيه بغير دليل. ونحو هذا قول أبي ثور. انتهى محل الغرض من المغني، وهو الأظهر فلا ينبغي العدول عنه والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة: أظهر أقوال أهل العلم عندي أنه إن قال: الحل علي حرام، أو ما أحل الله علي حرام، أو ما أنقلب إليه حرام وكانت له امرأة أنه يكون مظاهرًا، وذلك لدخول الزوجة في عموم الصيغ المذكورة. قال في المغني: نص على ذلك أحمد في الصور الثلاث. اهـ. وهو ظاهر.

стр. 4206

وهذا على أقيس الأقوال، وهو كون التحريم ظهارًا. وأظهر القولين عندي فيمن قال: ما أحل الله من أهل ومال حرام عليَّ أنه يلزمه الظهار، مع لزوم ما يلزم في تحريم ما أحل الله من مال، وهو كفارة يمين عند من يقول بذلك، وعليه فتلزمه كفارة ظهار، وكفارة يمين. وهذا الذي استظهرنا هو الذي اختاره ابن عقيل خلافًا لما نقله في المغني عن أحمد ونصره من أنه يكفي فيه كفارة الظهار عن كفارة اليمين، والعلم عند الله تعالى. المسألة الثامنة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت عليّ حرام كظهر أمي، أو أنت عليّ كظهر أمي حرام: أنه يكون مظاهرًا مطلقًا، ولا ينصرف للطلاق ولو نواه؛ لأن الصيغة صريحة في الظهار. المسألة التاسعة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت طالق كظهر أمي، أن الطلاق إن كان بائنًا بانت به، ولا يقع ظهار بقوله: كظهر أمي؛ لأن تلفظه بذلك وقع وهي أجنبية فهو كالظهار من الأجنبية، وإن كان الطلاق رجعيًا، ونوى بقوله كظهر أمي الظهار كان مظاهرًا؛ لأن الرجعية زوجة يلحقها الظهار والطلاق، وإن لم ينو به الظهار، فلا يكون ظهارًا؟ لأنه أتى بصريح الطلاق أولًا، وجعل قوله: كظهر أمي صفة له، وصريح الطلاق لا ينصرف إلى الظهار. ونقل في المغني هذا الذي استظهرنا عن القاضي. وقال: وهو مذهب الشافعي. وأما لو قدم الظهار على الطلاق فقال: أنت علي كظهر أمي طالق، فالأظهر وقوع الظهار والطلاق معًا سواء كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا؛ لأن الظهار لا يرفع الزوجية، ولا تحصل

стр. 4207

به البينونة؛ لأن الكفارة ترفع حكمه، فلا يمنع وقوع الطلاق على المظاهر منها. والعلم عند الله تعالى. المسألة العاشرة: أظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن شبه أي عضو من امرأته بظهر أمه، أو بأي عضو من أعضائها، فهو مظاهر؛ لحصول معنى تحريم الزوجة بذلك. وسواء كان عضو الأم يجوز له النظر إليه كرأسها ويدها أو لا يجوز له كفرجها وفخذها، وهذا قول مالك، والشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، ورواية أخرى: أنه لا يكون مظاهرًا حتى يشبه جملة امرأته؛ لأنه لو حلف باللَّه لا يمس عضوًا معينًا منها لم يسر إلى غيره من أعضائها، فكذلك المظاهرة؛ ولأن هذا ليس بمنصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص. وعن أبي حنيفة: إن شبهها بما يحرم النظر إليه من الأم كالفخذ والفرج هو ظهار، وإن شبهها بما يجوز النظر إليه، كاليد والرأس فليس بظهار؛ لأن التشبيه بعضو يحل النظر إليه كالتشبيه بعضو زوجة له أخرى، فلا يحصل به الظهار. وإنما استظهرنا أنه ظهار مطلقًا؛ لأن معنى التحريم حاصل به، فهو في معنى صريح الظهار، فقولهم: ولا هو في معنى المنصوص ليس بمسلم، بل هو في معناه. وقياسه على حلفه باللَّه لا يمس عضوًا معينًا منها ظاهر السقوط؛ لأن معنى التحريم يحصل ببعض، والحلف عن بعض لا يسري إلى بعض آخر، كما ترى. وقول أبي حنيفة: إن العضو الذي يحل النظر إليه لا يحصل الظهار بالتشبيه به غير مسلم أيضًا؛ لأنه وإن جاز النظر إليه فإن التلذذ به حرام، والتلذذ هو المستفاد من عقد النكاح، فالتشبيه به مستلزم للتحريم، والظهار هو نفس التحريم بواسطة التشبيه بعضو الأم المحرم.

стр. 4208

واعلم أن القول بأن الظهار يحصل بقوله: شعرك، أو ريقك، أو كلامك علي كظهر أمي، له وجه قوي من النظر؛ لأن الشعر من محاسن النساء التي يتلذذ بها الأزواج كما بيناه في سورة الحج، وكذلك الريق فإن الزوج يمصه ويتلذذ به من امرأته، وكذلك الكلام كما هو معروف. وأما لو قال لها: سعالك أو بصاقك، أو نحو ذلك علي كظهر أمي، فالظاهر أن ليس ذلك بشيء، لأن السعال والبصاق وما يجري مجراهما، كالدمع ليس مما يتمتع به عادة. والعلم عند الله تعالى. المسألة الحادية عشرة: اختلف العلماء فيمن قال لأمته: أنت علي كظهر أمي، أو قال ذلك لأم ولده، فقال بعض أهل العلم: لا يصح الظهار من المملوكة، وهو مروى عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، وربيعة، والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد، وقال بعضهم: يصح الظهار من الأمة أم ولد كانت أو غيرها، وهو مذهب مالك، وهو مروى أيضًا عن الحسن، وعكرمة، والنخعي، وعمرو بن دينار، وسليمان بن يسار، والزهري، والحكم، والثوري، وقتادة، وهو رواية عن أحمد. وعن الحسن، والأوزاعي: إن كان يطؤها فهو ظهار، وإلَّا فلا. وعن عطاء: إن ظاهر من أمته، فعليه نصف كفارة الظهار من الحرة. واحتج الذين قالوا: إن الأمة لا يصح الظهار منها بأدلة: منها: أنهم زعموا أن قوله: يظاهرون من نسائهم يختص بالأزواج دون الإِماء.

стр. 4209

ومنها: أن الظهار لفظ يتعلق به تحريم الزوجة فلا تدخل فيه الأمة قياسًا على الطلاق. ومنها: أن الظهار كان طلاقًا في الجاهلية، فنقل حكمه، وبقي محله، ومحل الطلاق الأزواج دون الإِماء. ومنها: أن تحريم الأمة تحريم لمباح من ماله، فكانت فيه كفارة يمين، كتحريم سائر ماله عند من يقول بأن تحريم المال فيه كفارة يمين، كما تقدم في سورة الحج. قالوا: ومنها أن النبي ﷺ حرم جاريته مارية، فلم يلزمه ظهار بل كفارة يمين، كما قال تعالى في تحريمه إياها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. واحتج القائلون بصحة الظهار من الأمة بدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ قالوا: وإماؤهم من نسائهم؛ لأن تمتعهم بإمائهم من تمتعهم بنسائهم، قالوا: ولأن الأمة يباح وطؤها، كالزوجة، فصح الظهار منها كالزوجة، قالوا: وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ نزلت في تحريمه ﷺ شرب العسل في القصة المشهورة لا في تحريم الجارية. وحجة الحسن والأوزاعي وحجة عطاء كلتاهما واضحة مما تتقدم. وقال ابن العربي المالكي في قول مالك وأصحابه بصحة الظهار من الأمة: وهي مسألة عسيرة علينا؛ لأن مالكًا يقول: إذا قال لأمته: أنت علي حرام لا يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم، وتصح كنايته، ولكن تدخل الأمة في عموم قوله: من نسائهم؛ لأنه أراد من محللاتهم.

стр. 4210

والمعنى فيه: أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد، فصح في الأمة أصله الحلف باللَّه تعالى. اهـ منه. بواسطة نقل القرطبي. قاله مقيده عما الله عنه وغفر له: لا يبعد بمقتضى الصناعة الأصولية، والمقرر في علوم القرآن: أن يكون هناك فرق بين تحريم الأمة وتحريم الزوجة. وإيضاح ذلك: أن قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ جاء في بعض الروايات الصحيحة في السنن وغيرها، أنه نزل في تحريم النبي ﷺ جاريته مارية أم إبراهيم، وإن كان جاء في الروايات الثابتة في الصحيحين: أنه نزل في تحريمه العسل الذي كان شربه عند بعض نسائه. وقصة ذلك مشهورة صحيحة؛ لأن المقرر في علوم القرآن أنه إذا ثبت نزول الآية في شيء معين، ثم ثبت بسند آخر صحيح أنها نزلت في شيء آخر معين غير الأول، وجب حملها على أنها نزلت فيهما معًا، فيكون لنزولها سببان، كنزول آية اللعان في عويمر، وهلال معًا. وبه تعلم أن ذلك يلزمه أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية، نزل في تحريمه ﷺ العسل على نفسه، وفي تحريمه جاريته، وإذا علمت بذلك نزول قوله: لم تحرم، في تحريم الجارية: علمت أن القرآن دل على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ظهارًا منها، وأنه تلزم فيه كفارة يمين، كما صح عن ابن عباس ومن وافقه، وقد قال ابن عباس لما بين أن فيه كفارة يمين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ومعناه: أن النبي ﷺ كفر عن تحريمه جاريته كفارة يمين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ

стр. 4211

أَيْمَانِكُمْ﴾ بعد تحريمه ﷺ جاريته المذكورة في قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. ومن قال من أهل العلم: إن من حرم جاريته لا تلزمه كفارة يمين، وإنما يلزمه الاستغفار فقط، فقد احتج بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ بعد قوله: لم تحرم، وقال: إن النبي ﷺ لما حرم جاريته قال مع ذلك: "واللَّه لا أعود إليها" وهذه اليمين هي التي نزل في شأنها: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ولم تنزل في مطلق تحريم الجارية. واليمين المذكورة، مع التحريم في قصة الجارية. قال في نيل الأوطار: رواها الطبراني بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي المشهور، لكنه أرسله. اهـ. وكذلك رواه عنه ابن جرير. وقال ابن كثير في تفسيره: إن الهيثم بن كليب رواه في مسنده بسند صحيح، وساق السند المذكور عن عمر ﵁، والمتن فيه التحريم واليمين كما ذكرنا، وعلى ما ذكرنا من أن آية: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ نزلت في تحريمه ﷺ جاريته، فالفرق بين تحريم الجارية، والزوجة ظاهر؛ لأن آية (لم تحرم) دلت على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ظهارًا، وآية: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية. دلت على أن تحريم الزوجة تلزم فيه كفارة الظهار المنصوص عليها في المجادلة؛ لأن معنى: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ على جميع القراءات هو أن يقول أحدهم لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وهذا لا خلاف فيه، وقوله: أنت علي كظهر أمي معناه أنت علي حرام، كما تقدم إيضاحه، وعلى هذا فقد دلت آية التحريم على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة على حكم تحريم الزوجة، وهما حكمان متغايران كما ترى، ومعلوم أن

стр. 4212

ابن عباس ﵄ لم يقل بالفرق بينهما بل قال: إن حكم تحريم الزوجة، كحكم تحريم الجارية المنصوص في آية التحريم، ونحن نقول: إن آية الظهار تدل بفحواها على أن تحريم الزوجة ظهار؛ لأنَّ أنت علي كظهر أمي، وأنت علي حرام معناهما واحد كما لا يخفى، وعلى هذا الذي ذكرنا فلا يصح الظهار من الأمة، وإنما يلزم في تحريمها بظهار، أو بصريح التحريم كفارة يمين، أو الاستغفار كما تقدم. وهذا أقرب لظاهر القرآن، وإن كان كثير من العلماء على خلافه. وقد قدمنا أن تحريم الرجل امرأته فيه للعلماء عشرون قولًا، وسنذكرها هنا باختصار، ونبين ما يظهر لنا رجحانه بالدليل منها إن شاء الله تعالى. القول الأول: هو أن تحريم الرجل امرأته لغو باطل، لا يترتب عليه شيء. قال ابن القيِّم في إعلام الموقعين: وهو إحدى الروايتين، عن ابن عباس، وبه قال مسروق، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء، والشعبي، وداود وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولي المالكية. اختاره أصبغ بن الفرج. وفي الصَّحيح عن سعيد بن جبير أنَّه سمع ابن عباس يقول: إذا حرم الرجل امرأته، فليس بشيء ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وصح عن مسروق أنَّه قال: ما أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد، وصح عن الشعبي في تحريم المرأة: لهو أهون علي من نعلي. وقال أبو سلمة: ما أبالي أحرمت امرأتي أو حرمت ماء النهر. وقال الحجاج ابن منهال: إن رجلًا جعل امرأته عليه حرامًا، فسأل عن ذلك حميد بن عبد الرحمن، فقال حميد: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ

стр. 4213

فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب. اهـ منه. واستدل أهل هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ وعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية. وعموم قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" ومعلوم أن تحريم ما أحل الله ليس من أمرنا. القول الثاني: أن التحريم ثلاث تطليقات، قال في إعلام الموقعين: وبه قال علي بن أبي طالب ﵁، يزيد بن ثابت، وابن عمر، والحسن البصري، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقضى فيها أمير المؤمنين علي ﵁ بالثلاث في عدي بن قيس الكلابي، وقال: والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنك. وقال في زاد المعاد: وروي عن الحكم بن عتيبة ثم قال: قلت: الثابت عن زيد بن ثابت وابن عمر: أن في ذلك كفارة يمين، وذكر في الزاد أيضًا: أن ابن حزم نقل عن علي الوقف في ذلك. وحجة هذا القول بثلاث أنها لا تحرم عليه إلَّا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حرامًا عليه. القول الثالث: أنها حرام عليه بتحريمه إياها. قال في إعلام الموقعين: وصح هذا أيضًا عن أبي هريرة، والحسن، وخلاس بن عمرو، وجابر بن زيد وقتادة، ولم يذكر هؤلاء طلاقًا، بل أمروه

стр. 4214

باجتنابها فقط. وصح ذلك أيضًا عن علي ﵁، فإما أن يكون عنه روايتان، وإما أن يكون أراد تحريم الثلاث. وحجة هذا القول أن لفظه إنَّما اقتضى التحريم، ولم يتعرض لعدد الطلاق فحرمت عليه بمقتضى تحريمه. القول الرابع: الوقف. قال في إعلام الموقعين: صح ذلك أيضًا عن أمير المؤمنين علي ﵁، وهو قول الشعبي. وحجة هذا القول: أن التحريم ليس بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، إنَّما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به، وهو الطلاق، وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عرف الشرع في تحريم الزوجة، فاشتبه الأمر فيه، فوجب الوقف للاشتباه. القول الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلَّا فهو يمين. قال في الأعلام: وهذا قول طاووس، والزهري، والشافعي، ورواية عن الحسن. اهـ. وحكي هذا القول أيضًا عن النخعي، وإسحاق، وابن مسعود وابن عمر. وحجة هذا القول أن التحريم كناية في الطلاق، فإن نواه به كان طلاقًا، وإن لم ينوه كان يمينًا؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. القول السادس: أنَّه إن نوى به الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهو يمين، وإن لم ينو شيئًا فهو كذبة لا شيء فيها قاله سفيان، وحكاه النخعي عن أصحابه. وحجة هذا القول أن اللفظ محتمل لما نواه من ذلك، فيتبع نيته. القول السابع: مثل هذا إلَّا أنَّه إن لم ينو شيئًا فهو يمين

стр. 4215

يكفرها، وهو قول الأوزاعي. وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. القول الثامن: مثل هذا أيضًا إلَّا أنَّه إن لم ينو شيئًا فواحدة بائنة إعمالًا للفظ التحريم. هكذا ذكر هذا القول في: إعلام الموقعين ولم يعزه لأحد. وقال صاحب نيل الأوطار: وقد حكاه ابن حزم عن إبراهيم النخعي. القول التاسع: أن فيه كفارة الظهار. قال في إعلام الموقعين: وصح ذلك عن ابن عباس أيضًا، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وعثمان البتي، وهو إحدى الروايات عن الإِمام أحمد. وحجة هذا القول أن الله تعالى جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه ظهارًا، وجعله منكرًا من القول وزورًا، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مظاهرًا، فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار. وهذا أقيس الأقوال وأفقهها. ويؤيده أن الله لم يجعل للمكلف التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال التي يترتب عليها التحريم والتحليل، فالسبب إلى العبد، وحكمه إلى الله تعالى، فإذا قال: أنت علي كظهر أمي، أو قال: أنت علي حرام، فقد قال المنكر من القول والزور، وقد كذب، فإن الله لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرامًا، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظ الكفارتين وهي كفار الظهار. القول العاشر: أنَّه تطليقة واحدة. وهي إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب ﵁، وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة. وحجة هذا القول أن تطليق التحريم لا يقتضي التحريم

стр. 4216

بالثلاث، بل يصدق بأقله، والواحدة متيقنة، فحمل اللفظ عليها؛ لأنَّها اليقين فهو نظير التحريم بانقضاء العدة. القول الحادي عشر: أنَّه ينوي فيما أراد من ذلك، فيكون له نيته في أصل الطلاق وعدده، وإن نوى تحريمًا بغير طلاق فيمين مكفرة. قال ابن القيم: وهو قول الشافعي. وحجة هذا القول: أن اللفظ صالح لذلك كله، فلا يتعين واحد منها إلَّا بالنية، فإن نوى تحريمًا مجردًا كان امتناعًا منها بالتحريم كامتناعه باليمين، ولا تحرم عليه في الموضعين. اهـ. وقد تقدم أن مذهب الشافعي هو القول الخامس. قال في نيل الأوطار: وهو الذي حكاه عنه في فتح الباري، بل حكاه عنه ابن القيم نفسه. القول الثاني عشر: أنَّه ينوي في أصل الطلاق وعدده، إلَّا أنَّه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينو طلاقًا فهو مُؤْلٍ، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلَّا أنَّه إن نوى واحدة كانت بائنة، لاقتضاء التحريم للبينونة، وهي صغرى وكبرى، والصغرى هي المتحققة، فاعتبرت دون الكبرى. وعنه رواية أخرى: إن نوى الكذب دُيِّن، ولم يقبل في الحكم، بل يكون مؤليًا، ولا يكون ظهارًا عنده، نواه، أولم ينوه، ولو صرح به فقال: أعني بها الظهار لم يكن مظاهرًا. انتهى من أعلام الموقعين. وقال الشوكاني في نيل الأوطار، بعد أن ذكر كلام ابن القيم الذي ذكرناه آنفًا إلى قوله: وهو قول أبي حنيفة وأصحابه: هكذا قال

стр. 4217

ابن القيم. وفي الفتح عن الحنفية: أنَّه إذا نوى اثنتين فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو طلاقًا فهي يمين ويصير مؤليًا. اهـ. القول الثالث عشر: أنَّه يمين يكفره ما يكفر اليمين. قال ابن القيم في أعلام الموقعين: صح ذلك عن أبي بكر الصِّديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعائشة، يزيد بن ثابت، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعكرمة، وعطاء، ومكحول، وقتادة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور، وخلق سواهم ﵃. وحجة هذا القول ظاهر القرآن العظيم، فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الإيمان عقب تحريم الحلال، فلا بد أن يتناوله يقينًا فلا يجوز جعل تحلة الإيمان لغير المذكور قبلها، ويخرج المذكور عن حكم التحلة التي قصد ذكرها لأجله. اهـ منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن ابن القيم أراد بكلامه هذا أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، وأن قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ نازل في تحريم الحلال المذكور في قوله تعالى. ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ وما ذكره من شمول قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ لقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ على سبيل اليقين والجزم لا يخلو عندي من نظر؛ لما قدمنا عن بعض أهل العلم من أن قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ نازل في حلف النبي ﷺ لا يعود لِما حَرَّم على نفسه، لا في أصل التحريم، وقد أشرنا للروايات الدالة على ذلك في أول هذا البحث.

стр. 4218

القول الرابع عشر: أنَّه يمين مغلظة يتعين فيها عتق رقبة. قال ابن القيم: وصح ذلك أيضًا عن ابن عباس، وأبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وجماعة من التابعين. وحجة هذا القول أنَّه لما كان يمينًا مغلظة غلظت كفارتها بتحتم العتق، ووجه تغليظها تضمنها تحريم ما أحل الله، وليس إلى العبد، وقول المنكر والزور. وإن أراد الخبر فهو كاذب في إخباره معتد في إقسامه، فغلظت كفارته بتحتم العتق، كما غلظت كفارة الظهار به أو بصيام شهرين، أو بإطعام ستين مسكينًا. القول الخامس عشر: أنَّه طلاق، ثم إنَّها إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه من الواحدة وما فوقها، وإن كانت مدخولًا بها فثلاث وإن نوى أقل منها، وهو إحدى الروايتين عن مالك. وحجة هذا القول: أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يرتب عليه حكمه، وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا تحرم إلَّا بالثلاث. وبعد: ففي مذهب مالك خمسة أقوال هذا أحدها: وهو مشهورها، والثاني أنها ثلاث بكل حال نوى الثلاث، أو م ينوها اختاره عبد الملك في مبسوطه. والثالث: أنها واحدة بائنة مطلقًا. حكاه ابن خويز منداد رواية عن مالك. والرابع: أنها واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. والخامس: أنَّه ما نواه من ذلك مطلقًا، سواء قبل الدخول أو بعده، وقد عرفت توجيه هذه الأقوال. انتهى من أعلام الموقعين. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: المعروف أن المعتمد من هذه الأقوال عند المالكية: اثنان، وهما القول بالثلاث، وبالواحدة

стр. 4219

البائنة، وقد جرى العمل في مدينة فاس بلزوم الواحدة البائنة في التحريم. قال ناظم عمل فاس: وطلقة بائنة في التحريم ... وحلف به لعرف الإِقليم ثم قال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين: وأما تحرير مذهب الشافعي فإنَّه إن نوى به الظهار كان ظهارًا، وإن نوى التحريم كان تحريمًا لا يترتب عليه إلَّا تقديم الكفارة، وإن نوى الطلاق كان طلاقًا، وكان ما نواه. وإن أطلق فلأصحابه فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه صريح في إيجاب الكفارة. والثاني: لا يتعلق به شيء. والثالث: أنَّه في حق الأمة صريح في التحريم الموجب للكفارة، وفي حق الحرة كناية. قالوا: إن أصل الآية إنَّما ورد في الأمة. قالوا: فلو قال: أنت علي حرام، وقال: أردت بها الظهار والطلاق فقال ابن الحداد: يقال له: عين أحد الأمرين؛ لأنَّ اللفظة الواحدة لا تصلح للظهار والطلاق معًا، وقيل: يلزمه ما بدأ به منهما. قالوا: ولو ادعى رجل على رجل حقًا أنكره فقال: الحل عليك حرام والنية نيتي لا نيتك ما لي عليك شيء فقال: الحل علي حرام والنية في ذلك نيتك ما ك عندي شيء كانت النيَّة نيَّة الحالف لا المحلف؛ لأنَّ النيَّة إنَّما تكون ممن إليه الإِيقاع. ثم قال: وأما تحرير مذهب الإِمام أحمد فهو أنَّه ظهار بمطلقه، وإن لم ينوه إلَّا أن ينوي به الطلاق أو اليمين، فيلزمه ما نواه، وعنه رواية اثنية أنَّه يمين بمطلقه، إلَّا أن ينوي به الطلاق، أو الظهار فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثالثة: أنَّه ظهار بكلِّ حال، ولو نوى به الطلاق أو اليمين لم يكن يمينًا، ولا طلاقًا كما لو نوى الطلاق أو اليمين بقوله: أنت علي كظهر أمي، فإن

стр. 4220

اللفظين صريحان في الظهار، فعلى هذه الرِّواية لو وصله بقوله: أعني به الطلاق، فهل يكون طلاقًا أو ظهارًا؟ على روايتين: إحداهما: يكون ظهارًا كما لو قال: أنت علي كظهر أمي أعني به الطلاق، أو التحريم، إذ التحريم صريح في الظهار. والثانية: أنَّه طلاق؛ لأنَّه قد صرح بإرادته بلفظ يحتمله، وغايته أنَّه كناية فيه، فعلى هذه الرِّواية إن قال: أعني به طلاقًا طلقت واحدة، وإن قال: أعني به الطلاق، فهل تطلق ثلاثًا أو واحدة؟ على روايتين، مأخذهما هل اللام على الجنس أو العموم. وهذا تحرير مذهبه وتقريره، وفي المسألة مذهب آخر وراء هذا كله، وهو أنَّه إن أوقع التحريم، كان ظهارًا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينًا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، وعليه يدل النص والقياس، فإنَّه إذا أوقعه كان قد أتى منكرًا من القول وزورًا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرمة، وإذا حلف به كان يمينًا من الإيمان كما لو حلف بالتزام الحج والعتق والصدقة، وهذا محض القياس والفقه، ألا ترى أنَّه إذا قال: للَّه عليَّ أن أعتق، أو أحج، أو أصوم لزمه، ولو قال: إن كلمت فلانًا فللَّه عليَّ ذلك، على وجه اليمين، فهو يمين، وكذلك لو قال: هو يهودي، أو نصراني كفر بذلك. ولو قال: إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني كان يمينًا، وطرد هذا، بل نظيره من كل وجه أنَّه إذا قال: أنت علي كظهر أمي كان ظهارًا، فلو قال: إن فعلت كذا، فأنت علي كظهر أمي كان يمينًا، وطرد هذا أيضًا إذا قال: أنت طالق كان طلاقًا، ولو قال: إن فعلت كذا فأنت طالق كان يمينًا، فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنَّة والميزان. وباللَّه التوفيق، انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.

стр. 4221

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي مع كثرتها وانتشارها: أن التحريم ظهار، سواء كانت منجزًا أو معلقًا؛ لأنَّ المعلق على شرط من طلاق، أو ظهار يجب بوجود الشرط المعلق عليه، ولا ينصرف إلى اليمين المكفرة على الأظهر عندي، وهو قول أكثر أهل العلم. وقال مالك في الموطأ: فقال القاسم بن محمد: إن رجلًا جعل امرأة عليه كظهر أمه إن هو تزوجها فأمره عمر بن الخطاب إذ هو تزوجها ألا يقربها حتى يكفر كفارة المتظاهر. اهـ. ثم قال: وحدثني عن مالك: أنَّه بلغه أن رجلًا سأل القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار عن رجل تظاهر من امرأة قبل أن ينكحها، فقالا: إن نكحها فلا يمسها حتى يكفر كفارة المتظاهر. اهـ. والمعروف عن جماهير أهل العلم أن الطلاق المعلق يقع بوقوع المعلق عليه، وكذلك الظهار. وأما الأمة فالأظهر أن في تحريمها كفارة اليمين أو الاستغفار، كما دلت عليه آية سورة التحريم كما تقدم إيضاحه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثانية عشرة: أعلم أن العلماء اختلفوا في العبد والذمي هل يصح منهما ظهار؟ وأظهر أقوالهم عندي في ذلك: أن العبد يصح منه الظهار؛ لأنَّ الصَّحيح دخوله في عموم النصوص العامة إلّا ما أخرجه منه دليل خاص، كما تقدم، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: والعبد والموجود والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر

стр. 4222

وعليه فهو داخل في عموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ولا يقدح في هذا أن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ لا يتناوله؛ لأنَّه مملوك لا يقدر على العتق؛ لدخوله في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ فالأظهر صحة ظهار العبد، وانحصار كفارته في الصوم، لعدم قدرته على العتق والإِطعام، وأن الذمي لا يصح ظهاره، لأنَّ الظهار منكر من القول وزور يكفره الله بالعتق أو الصوم، أو الإِطعام، والذمي كافر، والكافر لا يكفر عنه العتق، أو الصوم، أو الإِطعام ما ارتكبه من المنكر والزور لكفره؛ لأنَّ الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة عشرة: أعلم أن أهل العلم اختلفوا في الظهار الموقت كأن يقول: أنت علي كظهر أمي شهرًا، أو حتى ينسلخ شهر رمضان مثلًا، فقال بعض أهل العلم: يصح الظهار المؤقت، وإذا مضى الوقت زال الظهار وحلت المرأة بلا كفارة، ولا يكون عائدًا بالوطء بعد انقضاء الوقت. قال في المغني: وهذا قول أحمد، وبه قال ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وأحد قولي الشافعي. وقوله الأخير لا يكون ظهارًا، وبه قال ابن أبي ليلى، والليث، لأنَّ الشرع ورد بلفظ الظهار مطلقًا، وهذا لم يطلق فأشبه ما لو شبهها بمن تحرم عليه في وقت دون وقت. وقال طاووس: إذا ظاهر في وقت فعليه الكفارة وإن بر، وقال مالك: يسقط التوقيت ويكون ظهارًا مطلقًا؛ لأنَّ هذا لفظ يوجب تحريم الزوجة، فإذا وقته لم يتوقف كالطلاق. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقرب الأقوال عندي للصواب

стр. 4223

في هذه المسألة قول من قال: إن الظاهر الموقت يصح، ويزول بانقضاء الوقت؛ لأنَّه جاء ما يدل عليه عن النبي ﷺ في حديث حسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وبعض طرقه لا يقل عن درجة الحسن وإن أعل عبد الحق وغيره بعض طرقه بالإِرسال؛ لأنَّ حديثًا صحَّحه بعض أهل العلم أقرب للصواب مما لم يرد فيه شيء أصلًا. قال أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء المعنى قالا: ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال ابن العلاء بن علقمة بن عياش، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر - قال ابن العلاء - : البياضي قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيره، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا يتابع بي، حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء، فلم ألبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر. الحديث بطوله. وفيه أن النبي ﷺ أمره بعتق رقبة، فذكر أنَّه لا يجد رقبة، فأمره بصيام شهرين، فذكر أنَّه لا يقدر، فأمر بإطعام ستين مسكينًا، فذكر كذلك فأعطاه ﷺ صدقة قومه بني زريق من التمر، وأمره أن يطعم وسقا منها ستين مسكينًا ويستعين بالباقي. ومحل الشاهد من الحديث: أنَّه ظاهر من امرأته ظهارًا مؤقتًا بشهر رمضان، وجامع في نفس الشهر الذي جعله وقتًا لظهاره، فدل ذلك على أن الظهار يصح ويلزم، ولو كان توقيته لا يصح لبين ﷺ ذلك، ولو كان يتأبد ويسقط حكم التوقيت لبينه ﷺ ؛ لأنَّ البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه.

стр. 4224

وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا أبو سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن أن سلمان بن صخر الأنصاري أحد بني بياضة، جعل امرأته عليه كظهر أمه، حتى يمضي رمضان الحديث. ثم قال الترمذي بعد أن ساقه: هذا حديث حسن، يقال: سلمان بن صخر، ويقال: سلمة بن صخر البياضي. والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم في كفارة الظهار. اهـ. وهذه الطريق التي أخرج بها الترمذي هذا الحديث غير طريق أبي داود التي أخرجه بها، وكلتاهما تقوي الأخرى، والظاهر أن إسناد الترمذي هذا لا يقل عن درجة الحسن. وما ذكروه من أن علي بن المبارك المذكور فيه كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان أحدهما سماع، والآخر إرسال، وأن حديث الكوفيين عنه فيه شيء لا يضر الإِسناد المذكور؛ لأنَّ الراوي عنه فيه وهو هارون بن إسماعيل الخزاز بصري لا كوفي، ولما ساق المجد في المنتقى حديث سلمة بن صخر المذكور قال: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وأخرجه أيضًا الحاكم، وصححة ابن خزيمة، وابن الجارود، وقد أعله عبد الحق بالانقطاع، وأن سليمان بن يسار لم يدرك سلمه، وقد حكى ذلك الترمذي عن البخاري. وفي إسناده أيضًا محمد بن إسحاق. أهـ كلام الشوكاني. وقد علمت أن الإِسناد الذي ذكرنا عن الترمذي ليس فيه سليمان ابن يسار، ولا ابن إسحاق، فالظاهر صلاحية الحديث للاحتجاج، كما ذكره الترمذي وغيره.

стр. 4225

وبذلك تعلم أن الصواب في هذه المسألة إن شاء الله هو ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة عشرة: الأظهر عندي أنَّه لو قال: أنت علي كظهر أمي إن شاء الله أساء الأدب، ولا تلزمه الكفارة، وأن الاستثناء بالمشيئة يرفع عنه حكم الكفارة، كما يرفع كفارة اليمين باللَّه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة عشرة: الأظهر أنَّه إن مات أو ماتت، أو طلقها قبل التكفير لم يلزمه شيء، وأنَّه إن عاد فتزوجها بعد الطلاق لا يجوز له مسيسها حتى يكفر؛ لأنَّ الله أوجب الكفارة على المظاهر قبل الحنث بالعود، فلا يعود إلَّا بعد التكفير، ولا وجه لسقوط الكفارة بالطلاق فيما يظهر، مع أن بعض أهل العلم يقول: إن كان الطلاق بعد الظهار بائنا، ثم تزوجها لم تلزمه كفارة، وهو مروي عن قتادة. وبعضهم يقول: إن كانت البينونة بالثلاث، ثم تزوجها بعد زوج لم تلزمه الكفارة؛ لسقوطها بالبينونة الكبرى، كما أسقطها صاحب القول الذي قبله بالبينونة الصغرى. والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة عشرة: إذا ظاهر من نسائه الأربع بكلمة واحدة، كأن يقول لهن: أنتن على كظهر أمي، فقال بعض أهل العلم: تكفي في ذلك كفارة واحدة. قال في المغني: ولا خلاف في هذا في مذهب أحمد، وهو قول علي، وعمر، وعروة، وطاووس، وعطاء، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في القديم. وقال الحسن، والنخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، والحكم،

стр. 4226

والثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد: عليه لكل امرأة كفارة؛ لأنَّه وجد الظهار والعود في حق كل امرأة منهن، فوجب عليه عن كل واحدة كفارة، كما لو أفردها به. ولنا عموم قول عمر، وعلي ﵄، رواه عنهما الأثرم، ولا يعرف لهما مخالف، فكان إجماعًا ولأن الظهار كلمة تجب بمخالفتها الكفارة، فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة، كاليمين باللَّه تعالى. وفارق ما إذا ظاهر منها بكلمات، فإن كل كلمة تقتضي كفارة ترفعها، وتكفر إثمها، وهاهنا الكلمة واحدة، فالكفارة واحدة ترفع حكمها، وتمحو إثمها، فلا يبقى لها حكم. انتهى منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقيس القولين الاكتفاء بكفارة واحدة، وأحوطهما التكفير عن كل واحدة منهن. وأما إن ظاهر منهن بكلمات متعددة بأن قال لكل واحدة منهن بانفرادها: أنت علي كظهر أمي، فالأظهر تعدد الكفارة، لأنَّ كل كلمة من تلك الكلمات منكر من القول وزور، فكل واحدة منها تقتضي كفارة. قال في المغني: وهذا قول عروة، وعطاء، وقال أبو عبد الله بن حامد: المذهب رواية واحدة في هذا. قال القاضي: المذهب عندي ما ذكره الشيخ أبو عبد الله، قال أبو بكر: فيه رواية أخرى أنَّه تجزئه كفارة واحدة، واختار ذلك، وقال: هذا الذي قلناه اتباعًا لعمر بن الخطاب، والحسن، وعطاء، وإبراهيم، وربيعة، وقبيصة، وإسحاق؛ لأنَّ كفارة الظهار حق للَّه تعالى، فلم تتكرر بتكرر سببها كالحد، وعليه يخرج الطلاق. ولنا أنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة، فكان لكل واحدة

стр. 4227

كفارة، كما لو كفر ثم ظاهر؛ ولأنها أيمان لا يحنث في إحداها بالحنث في الأخرى، فلا تكفرها كفارة واحدة، ولأن الظهار معنى يوجب الكفارة، فتتعدد الكفارة بتعدده في المحال المختلفة كالقتل، ويفارق الحد، فإنه عقوبة تدرأ بالشبهات. انتهى منه. وقد علمت أن أظهر الأقوال عندنا تعدد الكفارة في هذه المسألة. وأما إن كرر الظهار من زوجته الواحدة فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه أنَّه إن كان كرره قبل أن يكفر عن الظهار الأول، فكفارة واحدة تكفي، وإن كان كفر عن ظهاره الأول، ثم ظاهر بعد التكفير، فعليه كفارة أخرى لظهاره الواقع بعد التكفير والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة عشرة: أعلم أن كفارة الظهار هي التي أوضحها الله تعالى بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: أعلم أن أهل العلم اختلفوا في الرقبة، في كفارة الظهار، هل يشترط فيها الإِيمان أو لا يشترط فيها؟ فقال بعضهم؛ لا يشترط فيها الإِيمان، فلو أعتق المظاهر عبدًا ذميًّا مثلًا أجزأه، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة، وأصحابه، وعطاء، والثوري، والنخعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد قاله في المغني. وحجة أهل هذا القول أن الله تعالى قال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ولم يقيدها بالإِيمان، فوجب أن يجزئ ما تناوله

стр. 4228

إطلاق الآية، قالوا: وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الله في كتابه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه. وممن قال باشتراط الإِيمان في رقبة كفارة الظهار: مالك، والشافعي، والحسن، وإسحاق، وأبو عبيدة، وهو ظاهر مذهب الإِمام أحمد. قاله في المغني. واحتج لأهل هذا القول بما تقرر في الأصول من حمل المطلق على المقيد. وقد بينا مسألة حمل المطلق على المقيد في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية. بقولنا فيه: وحاصل تحرير المقام في مسألة تعارض المطلق والمقيد: أن لها أربع حالات: الأولى: أن يتحد حكمهما وسببهما معًا كتحريم الدم، فإن الله قيده في سورة الأنعام بكونه مسفوحًا في قوله تعالى: ﴿طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وأطلقه عن القيد بكونه مسفوحًا في سورة النحل والبقرة والمائدة، قال في النحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ﴾ وقال في البقرة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ. . .﴾، وقال في المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ. . .﴾ الآية. وجمهور العلماء يقولون بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة التي هي اتحاد السبب والحكم معًا، ولذلك كانوا لا يرون بالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم بأسًا؛ لأنه دم غير مسفوح. قالوا: وحمله عليه أسلوب من أساليب اللغة

стр. 4229

العربية؛ لأنهم يثبتون ثم يحذفون اتكالًا على المثبت، ومنه قول قيس بن الخطيم الأنصاري: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف فحذف راضون؛ لدلالة راض عليه. وقول ضابئ بن الحارث البرجمي: من يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب والأصل: فإني غريب وقيار أيضًا غريب، فحذف إحدى الكلمتين؛ لدلالة الأخرى عليها، وقول عمرو بن أحمر الباهلي: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن أجل الطوي رماني يعني كنت بريئًا منه، وكان والدي بريئًا منه أيضًا، وقول النابغة الجعدي: وقد زعمت بنو سعد بأني ... وما كذبوا كبير السن فاني يعني زعمت بنو سعد أني فإن وما كذبوا إلخ. وقالت جماعة من أهل الأصول: إن حمل المطلق على المقيد بالقياس، لا بدلالة اللفظ، وهو أظهرها. وقيل بالعقل، وهو أضعفها وأبعدها. الحالة الثانية: هي أن يتحد الحكم، ويختلف السبب، كالمسألة التي نحن بصددها، فإن الحكم في آية المقيد، وآية المطلق واحد، وهو عتق رقبة في كفارة، ولكن السبب فيهما مختلف؛ لأن سبب المقيد قتل خطأ، وسبب المطلق ظهار، ومثل هذا المطلق يحمل على المقيد عند الشافعية، والحنابلة، وكثير من المالكية. ولذا

стр. 4230

شرطوا الإِيمان في كفارة الظهار حملًا لهذا المطلق على المقيد، خلافًا لأبي حنيفة، ومن وافقه قالوا: ويعتضد حمل هذا المطلق على المقيد بقوله ﷺ في قصة معاوية بن الحكم السلمي ﵁: "اعتقها فإنها مؤمنة" ولم يستفصله عنها، هل هي في كفارة أو لا؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في الأقوال. قال في مراقي السعود: ونزلنَّ ترك الاستفصال ... منزلة العموم في الأقوال الحالة الثالثة: عكس هذه: وهي الاتحاد في السبب مع الاختلاف في الحكم، فقيل: يحمل فيها المطلق على المقيد، وقيل: لا، وهو قول أكثر العلماء، ومثلوا له بصوم الظهار، وإطعامه، فسببهما واحد وهو الظهار، وحكمهما مختلف، لأن أحدهما تكفير بصوم، والآخر تكفير بإطعام، وأحدهما مقيد بالتتابع، وهو الصوم، والثاني مطلق عن قيد التتابع، وهو الإِطعام، فلا يحمل هذا المطلق على هذا المقيد. والقائلون بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة مثلوا لذلك بإطعام الظهار، فإنه لم يقيد بكونه من قبل أن يتماسا مع أن عتقه وصومه قد قيدا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فيحمل هذا المطلق على المقيد، فيجب كون الإِطعام قبل المسيس، ومثل له اللخمي بالإطعام في كفارة اليمين حيث قيد بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ مع إطلاق الكسوة عن القيد بذلك في قوله: (أو كسوتهم)، فيحمل هذا المطلق على المقيد، فيشترط في الكسوة أن تكون من أوسط ما تكسون أهليكم. الحالة الرابعة: أن يختلفا في الحكم والسبب معًا، ولا حمل في هذه إجماعًا وهو واضح، وهذا فيما إذا كان المقيد واحدًا، أما إذا

стр. 4231

ورد مقيدان بقيدين مختلفين، فلا يمكن حمل المطلق على كليهما لتنافي قيديهما، ولكنه ينظر فيهما، فإن كان أحدهما أقرب للمطلق من الآخر حمل المطلق على الأقرب له منهما عند جماعة من العلماء فيقيد بقيده، وإن لم يكن أحدهما أقرب له، كلا يقيد بقيد واحد منهما، ويبقى على إطلاقه؛ إذ لا ترجيح بلا مرجح. ومثال كون أحدهما أقرب للمطلق من الآخر صوم كفارة اليمين، فإنه مطلق عن قيد التتابع والتفريق، مع أن صوم الظهار مقيد بالتتابع في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وصوم التمتع مقيد بالتفريق في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ واليمين أقرب إلى الظهار من التمتع؛ لأن كلًا من صوم الظهار واليمين صوم كفارة بخلاف صوم التمتع، فيقيد صوم كفارة اليمين بالتتابع عند من يقول بذلك، ولا يقيد بالتفريق الذي في صوم التمتع. وقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" لم تثبت؛ لإِجماع الصحابة على عدم كتب متتابعات في المصاحف العثمانية. ومثال كونهما ليس أحدهما أقرب للمطلق من الآخر: صوم قضاء رمضان، فإن الله تعالى قال فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يقيده بتتابع ولا تفريق، مع أنه تعالى قيد صوم الظهار بالتتابع، وصوم التمتع بالتفريق، وليس أحدهما أقرب إلى صوم قضاء رمضان من الآخر، فلا يقيد بقيد واحد منهما، بل يبقى على الاختيار إن شاء تابعه، وإن شاء فرقه والعلم عند الله تعالى. انتهى من (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) مع زيادة يسيرة للإِيضاح. الفرع الثاني: أعلم أن أهل العلم اختلفوا في رقبة كفارة

стр. 4232

الظهارة، هل يشترط فيها سلامتها من العيوب أو لا. فحكي عن داود الظاهري أنه جوز كل رقبة يقع عليها الاسم ولو كانت معيبة بكل العيوب، تمسكًا بإطلاق الرقبة في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قال: ظاهره ولو معيبة؛ لأن الله لم يقيد الرقبة بشيء. وذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط السلامة من العيوب القوية مع اختلافهم في بعض العيوب. قالوا: يشترط سلامتها من العيوب المضرة بالعمل ضررًا بيِّنًا؛ لأن المقصود تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررًا بينا، فلا يجزئ الأعمى؛ لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع، ولا المقعد، ولا المقطوع اليدين، أو الرجلين؛ لأن اليدين آلة البطش فلا يمكنه العمل مع فقدهما، والرجلان آلة المشي فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما، والشلل كالقطع في هذا. قالوا: ولا يجوز المجنون جنونًا مطبقًا؛ لأنه وجد فيه المعنيان: ذهاب منفعة الجنس، وحصول الضرر بالعمل. قاله في المغني. ثم قال: وبهذا كله قال الشافعي، ومالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. انتهى محل الغرض منه. وبه تعلم إجماع الأئمة الأربعة على اشتراط السلامة من مثل العيوب المذكورة. وقال ابن قدامة في المغني: ولا يجزئ مقطوع اليد أو الرجل، ولا أشلهما، ولا مقطوع إبهام اليد، أو سبابتها، أو الوسطى؛ لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء، ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر من يد واحدة، لأن نفع اليدين يزول أكثره بذلك. وإن قطعت كل واحدة من يد جاز؛ لأن نفع الكفين باق. وقطع أنملة الإِبهام كقطع

стр. 4233

جميعها، فإن نفعها يذهب بذلك؛ لكونها أنملتين، وإن كان من غير الإِبهام لم يمنع؛ لأن منفعتها لا تذهب، فإنها تفسير كالأصابع القصار، حتى لو كانت أصابعه كلها غير الإِبهام قد قطعت من كل واحد منها أنملة لم يمنع، وإن قطع من الإِصبع أنملتان فهو كقطعها؛ لأنه يذهب بمنفعتها، وهذا جميعه مذهب الشافعي؛ أي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يجزئ مقطوع إحدى الرجلين، أو إحدى اليدين، ولو قطعت رجله ويده جميعًا من خلاف أجزأت؛ لأن منفعة الجنس بقية، فأجزأت في الكفارة كالأعور، فأما إن قطعتا من وفاق، أي: من جانب واحد لم يجز؛ لأن منفعة المشي تذهب. ولنا أن هذا يؤثر في العمل، ويضر ضررًا بيننا، فوجب أن يمنع إجزاءها، كما لو قطعتا من وفاق، ويخالف العور فإنه لا يضر ضررًا بيننا، والاعتبار بالضرر أولى من الاعتبار بمنفعة الجنس، فإنه لو ذهب شمه أو وقطعت أذناه معًا أجزأ مع ذهاب منفعة الجنس. ولا يجزئ الأعرج إذا كان عرجًا كثيرًا فاحشًا؛ لأنه يضر بالعمل، فهو كقطع الرجل، إلى أن قال: ويجزئ الأعور في قولهم جميعًا. وقال أبو بكر: فيه قول آخر: إنه لا يجزئ؛ لأنه نقص يمنع التضحية والإِجزاء في الهدي، فأشبه العمى. والصحيح ما ذكرناه. فإن المقصود تكميل الأحكام، وتمليك العبد المنافع، والعور لا يمنع ذلك؛ ولأنَّه لا يضر بالعمل فأشبه قطع إحدى الأذنين، ويفارق العمى فإنه يضر بالعمل ضررًا بينًا، ويمنع كثيرًا من الصنائع، ويذهب بمنفعة الجنس ويفارق قطع إحدى اليدين والرجلين، فإنه لا يعمل بإحداهما ما يعمل بهما، والأعور يدرك بإحدى العينين ما يدرك بهما. وأما الأضحية والهدي فإنه لا يمنع منهما مجرد العور، وإنما

стр. 4234

يمنع انخساف العين، وذهاب العضو المستطاب؛ ولأن الأضحية يمنع فيها قطع الأذن والقرن، والعتق لا يمنع فيه إلَّا ما يضر بالعمل ويجزئ المقطوع الأذنين. وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك وزفر: لا يجزئ؛ لأنهما عضوان فيهما الدية، فأشبها اليدين. ولنا أن قطعهما لا يضر بالعمل الضرر البين، فلم يمنع كنقص السمع، بخلاف اليدين، ويجزئ مقطوع الأنف لذلك، ويجزئ الأصم إذا فهم بالإِشارة، والأخرس إذا فهمت إشارته وفهم الإِشارة، وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور. وقال أصحاب الرأي: لا يجزئ؛ لأن منفعة الجنس ذاهبة، فأشبه زائل العقل. وهذا المنصوص عليه عن أحمد؛ لأن الخرس نقص كثير يمنع كثيرًا من الأحكام مثل القضاء والشهادة. وأكثر الناس لا يفهم إشارته فيتضرر في ترك استعماله، وإن اجتمع الخرس والصمم. فقال القاضي: لا يجزئ، وهو قول بعض الشافعية لاجتماع النقصين فيه، وذهاب منفعتي الجنس، ووجه الإِجزاء أن الإِشارة تقوم مقام الكلام في الإِفهام، ويثبت في حقه أكثر الأحكام، فيجزئ؛ لأنه لا يضر بالعمل ولا بغيره. وأما المريض فإن كان مرجو البرء كالحمى وما أشبهها أجزأ في الكفارة، وإن كان غير مرجو الزوال لم يجز. وأما نضو الخلق - يعني النحيف المهزول خلقة - فإن كان يتمكن من العمل أجزأ وإلَّا فلا. ويجزئ الأحمق وهو الذي يصنع الأشياء لغير فائدة، ويرى الخطأ صوابًا. وكذلك يجزئ من يخنق في

стр. 4235

بعض الأحيان. والخصي والمجبوب، والرتقاء والكبير الذي قدر على العمل، لأن ما لا يضر بالعمل لا يمنع تمليك العبد منافعه، وتكميل أحكامه، فيحصل الإِجزاء به، كالسالم من العيوب. انتهى من المغني مع حذف يسير لا يضر بالمعنى. ثم قال صاحب المغني: ويجزئ عتق الجاني والمرهون وعتق المفلس عبده، إذا قلنا بصحة عتقهم، وعتق المدبر والخصي وولد الزنا؛ لكمال العتق فيهم. ولا يجزئ عتق المغصوب؛ لأنه لا يقدر على تمكينه منافعه، ولا غائب غيبة منقطعة لا يعلم خبره؛ لأنه لا تعلم حياته، فلا تعلم صحة عتقه، وإن لم ينقطع خبره أجزأه عتقه؛ لأنه عتق صحيح. ولا يجزئ عتق الحمل؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا، ولذلك لم تجب فطرته، ولا يتيقن أيضًا وجوده وحياته، ولا عتق أم الولد؛ لأن عتقها مستحق بسبب غير الكفارة والملك فيها غير كامل، ولهذا لم يجز بيعها. وقال طاووس والبتي: يجزئ عتقها؛ لأنه عتق صحيح. ولا يجزئ عتق مكاتب أدى من كتابته شيئًا. انتهى كلام صاحب المغني، وقد ذكر فيه غالب ما في مذاهب الأئمة الأربعة في المسألة. ومعلوم أن مذهب مالك ﵀: اشتراط الإِيمان في رقبة الظهار، واشتراط سلامتها من العيوب المضرة، فلا يجوز عنده عتق جنين في بطن أمه، وإن وضعته عتق من غير إجزاء عن الكفارة. ولا يجزئ عنده مقطوع اليد الواحدة، أو الأصبعين، أو الأصابع، أو الإبهام، أو الأذنين، أو أشل، أو أجذم، أو أبرص،

стр. 4236

أو أصم، أو مجنون وإن أفاق أحيانًا، ولا أخرس، ولا أعمى ولا مقعد، ولا مفلوج، ولا يابس الشق، ولا غائب منقطع خبره، ولا المريض مرضًا يشرف به على الموت، ولا الهرم هرمًا شديدًا، ولا الأعرج عرجًا شديدًا، ولا رقيق مشترى بشرط العتق؛ لما يوضع من ثمنه في مقابلة شرط العتق، ولا من يعتق عليه بالملك كأبيه، ولا عبد قال: إن اشتريته فهو حر فلو قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري، ففيه لهم تأويلان بالإِجزاء، وعدمه. ولا يجزئ عنده المدبر، ولا المكاتب، ولو أعتق شركًا له في عبد، ثم قوم عليه نصيب شريكه لم يجزه عن ظهاره عنده؛ لأن عتق نصيب الشريك وجب عليه بحكم سراية العتق، وكذلك لو أعتق نصفه عن ظهاره، ثم بعد ذلك اشترى نصفه الآخر فأعتقه تكميلًا لرقبة الظهار لم يجزه على ظاهر المدونة؛ لتبعيض العتق إن كان معسرًا وقت عتق النصف الأول؛ ولأن عتق النصف الباقي يلزمه بالحكم إن كان موسرًا وقت عتق النصف الأول. ولو أعتق ثلاث رقاب من أربع زوجات ظاهر منهن لم يجزه من ذلك شيء؛ لأنه لم تتعين رقبة كاملة عن واحدة منهن. ويجزئ عند المالكية عتق المعضوب والمريض مرضًا خفيفًا، والأعرج عرجًا خفيفًا، ولا يضر عندهم قطع أنملة واحدة، أو أذن واحدة، ويجزئ عندهم الأعور، ويكره عندهم الخصي، ويجوز عندهم عتق المرهون والجاني إن افتديا. انتهى. ومعلوم أن أبا حنيفة لا يشترط الإِيمان في كفارة الظهار كما تقدم، ولم يجزئ عنده الأعمى، ولا مقطوع اليدين معًا، أو الرجلين معًا، ولا مقطوع إبهامي اليدين، ولا الأخرس، ولا المجنون، ولا أم

стр. 4237

الولد، ولا المدبر، ولا المكاتب إن أدى شيئًا من كتابته، فإن لم يؤد منها شيئًا أجزأ عنده، وكذلك يجزئ عنده قريبه الذي يعتق عليه بالملك إن نوى بشرائه إعتاقه عن الكفارة، وكذلك لو أعتق نصف عبده عن الكفارة، ثم حرر باقيه عنها أجزأه ذلك، ويجزئ عنده الأصم والأعور، ومقطوع إحدى الرجلين وإحدى اليدين من خلاف، ويجزئ عنده الخصي، والمجبوب، ومقطوع الأذنين. اهـ. وقد قدمنا أكثر العيوب المانعة من الإِجزاء، وغير المانعة عند الشافعي في كلام صاحب المغني ناقلًا عنه، وكذلك ما يمنع وما لا يمنع عند أحمد فاكتفينا بذلك خشية كثرة الإِطالة. الفرع الثالث: أعلم أنه قد دل الكتاب والسنَّة والإِجماع على أن الصوم لا يجزئ في الظهار إلَّا عند العجز عن تحرير الرقبة، فإن عجز عن ذلك انتقل إلى الصوم، وقد صرح تعالى بأنه صيام شهرين متتابعين، ولا خلاف في ذلك. الفرع الرابع: اختلف العلماء في تحقيق مناط العجز عن الرقبة الموجب للانتقال إلى الصوم، وقد أجمعوا على أنه إن قدر على عتق رقبة فاضلة عن حاجته أنه يجب عليه العتق، ولا يجوز له الانتقال إلى الصوم، وإن كانت له رقبة يحتاج إليها؛ لكونه زمنًا أو هرمًا أو مريضًا، أو نحو ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى عجزه عن خدمة نفسه. قال بعضهم: وكونه ممن لا يخدم نفسه عادة، فقال بعضهم: لا يلزمه الإِعتاق، ويجوز له الانتقال إلى الصوم؛ نظرًا لحاجته إلى الرقبة الموجودة عنده. قال في المغني: وبهذا قال الشافعي؛ أي وأحمد.

стр. 4238

وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: متى وجد رقبة لزمه إعتاقها، ولم يجز له الانتقال إلى الصيام، سواء كان محتاجًا إليها أولم يكن؛ لأن الله تعالى شرط في الانتقال إلى الصيام ألا يجد رقبة بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ وهذا واجد، وإن وجد ثمنها، وهو محتاج إليه كوجدانها. ولنا أن ما استغرقته حاجة الإِنسان، فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى الصيام، كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم. انتهى محل الغرض منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة: أن الرقبة إن كان يحتاج إليها حاجة قوية، ككونه زمنًا أو هرمًا لا يستغني عن خدمتها، أو كان عنده مال يمكن شراء الرقبة منه، لكنه محتاج إليه في معيشته الضرورية أنه يجوز له الانتقال إلى الصوم، وتعتبر الرقبة كالمعدومة، وأن المدار في ذلك على ما يمنعه استحقاق الزكاة من اليسار. فإن كانت الرقبة فاضلة عن ذلك لزم إعتاقها، وإلَّا فلا. والأدلة العامة المقتضية عدم الحرج في الدين تدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس: إن كان المظاهر حين وجوب الكفارة غنيًا إلَّا أن ماله غائب. فالأظهر عندي أنه إن كان مرجو الحضور قريبًا لم يجز الانتقال إلى الصوم؛ لأن ذلك بمنزلة الانتظار لشراء الرقبة، وإن كان بعيدًا جاز الانتقال إلى الصوم؛ لأن المسيس حرام عليه قبل التكفير، ومنعه من التمتع بزوجته زمنًا طويلًا فيه إضرار بكلِّ من الزوجين، وفي الحديث "لا ضرر ولا ضرار" خلافًا لبعض أهل العلم في ذلك. الفرع السادس: إن كان عنده مال يشتري به الرقبة، ولكنه

стр. 4239

لم يجد رقبة يشتريها فله الانتقال إلى الصيام، لدخوله في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ الآية، وهذا واضح، وأما إن وجد رقبة تباع بزيادة على ثمن مثلها، ولم يجد رقبة بثمن مثلها، فلأهل العلم في ذلك خلاف، هل يلزمه شراؤها بأكثر من ثمن المثل أو لا يلزمه؟ وأظهر أقوالهم في ذلك عندي: هو أن الزيادة المذكورة على ثمن المثل إن كانت تجحف بماله، حتى يصير بها من مصارف الزكاة، فله الانتقال إلى الصوم. وإلَّا فلا، والعلم عند الله تعالى. الفرع السابع: أجمع أهل العلم على أن صوم شهري الظهار يجب تتابعه؛ أي: موالاة صيام أيامه من غير فصل بينها. ولا خلاف بينهم في أن من قطع تتابعه لغير عذر: أن عليه استئناف الشهرين من جديد، وهل يفتقر التتابع إلى نية فيه، لأهل العلم ثلاثة أقوال: أحدها: لا يفتقر لنية؛ لأنه تتابع واجب في العبادة، فلم يفتقر لنية تخصه كالمتابعة بين ركعات الصلاة. والثاني: يفتقر لنية التتابع وتجدد النية كل ليلة؛ لأن ضم العبادة إلى عبادة أخرى إذا كان شرطًا وجبت فيه النية، كالجمع بين الصلاتين. والثالث: تكفي نية التتابع في الليلة الأولى عن تجديد النية كل ليلة وهذا أقربها؛ لأنا لا نسلم أن صوم كل يوم عبادة مستقلة، بل الأظهر أن صوم الشهرين جميعًا عبادة واحدة؛ لأنه كفارة واحدة، فإذا نوى هذا الصوم أول ليلة فاللازم أن ينويه على وجهه المنصوص في الكتاب والسنة، وهو شهران متتابعان، وهذا يكفيه عن تجديد النية كل ليلة. وهذا ظاهر مذهب مالك، ومذهب أحمد عدم

стр. 4240

الاحتياج إلى نية التتابع مطلقًا، وللشافعية وجهان أحدهما: كمذهب أحمد، والثاني: يفتقر إلى النية كل ليلة. الفرع الثامن: اختلف أهل العلم فيما إذا كان قطع تتابع الصوم لعذر كمرض ونحوه، فقال بعض أهل العلم: إن كان قطع التتابع لعذر فإنه لا يقطع حكم التتابع، وله أن يبني على ما صام قبل حصول العذر. وهذا مذهب أحمد. قال في المغني: وروى ذلك عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاووس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم. وقال في الجديد: ينقطع التتابع، وهذا قول سعيد بن جبير والنخعي، والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي قالوا: لأنه أفطر بفعله فلزمه الاستئناف. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذا الفرع أن قطع تتابع صوم كفارة الظهار بالإِفطار في أثناء الشهرين إن كان لسبب لا قدرة له على التحرز عنه، كالمرض الشديد الذي لا يقدر معه على الصوم أنه يعذر في ذلك، ولا ينقطع حكم التتابع؛ لأنه لا قدرة له على التحرز عن ذلك واللَّه جلَّ وعلا يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والنبي ﷺ يقول: "إذ أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" وإن كان يمكنه التحرز عن الإِفطار الذي قطع به التتابع كالإِفطار للسفر في أثناء صوم الكفارة، وكما لو كان ابتداء صومه الكفارة من شعبان؛ لأن شهره الثاني رمضان، وهو لا يمكن صومه عن الكفارة، وكما لو ابتدأ الصوم في مدة يدخل فيها يوم النحر أو يوم الفطر أو أيام التشريق، فإن التتابع
следующие страницы →