← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

أو أصم، أو مجنون وإن أفاق أحيانًا، ولا أخرس، ولا أعمى ولا مقعد، ولا مفلوج، ولا يابس الشق، ولا غائب منقطع خبره، ولا المريض مرضًا يشرف به على الموت، ولا الهرم هرمًا شديدًا، ولا الأعرج عرجًا شديدًا، ولا رقيق مشترى بشرط العتق؛ لما يوضع من ثمنه في مقابلة شرط العتق، ولا من يعتق عليه بالملك كأبيه، ولا عبد قال: إن اشتريته فهو حر فلو قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري، ففيه لهم تأويلان بالإِجزاء، وعدمه. ولا يجزئ عنده المدبر، ولا المكاتب، ولو أعتق شركًا له في عبد، ثم قوم عليه نصيب شريكه لم يجزه عن ظهاره عنده؛ لأن عتق نصيب الشريك وجب عليه بحكم سراية العتق، وكذلك لو أعتق نصفه عن ظهاره، ثم بعد ذلك اشترى نصفه الآخر فأعتقه تكميلًا لرقبة الظهار لم يجزه على ظاهر المدونة؛ لتبعيض العتق إن كان معسرًا وقت عتق النصف الأول؛ ولأن عتق النصف الباقي يلزمه بالحكم إن كان موسرًا وقت عتق النصف الأول. ولو أعتق ثلاث رقاب من أربع زوجات ظاهر منهن لم يجزه من ذلك شيء؛ لأنه لم تتعين رقبة كاملة عن واحدة منهن. ويجزئ عند المالكية عتق المعضوب والمريض مرضًا خفيفًا، والأعرج عرجًا خفيفًا، ولا يضر عندهم قطع أنملة واحدة، أو أذن واحدة، ويجزئ عندهم الأعور، ويكره عندهم الخصي، ويجوز عندهم عتق المرهون والجاني إن افتديا. انتهى. ومعلوم أن أبا حنيفة لا يشترط الإِيمان في كفارة الظهار كما تقدم، ولم يجزئ عنده الأعمى، ولا مقطوع اليدين معًا، أو الرجلين معًا، ولا مقطوع إبهامي اليدين، ولا الأخرس، ولا المجنون، ولا أم

стр. 4237

الولد، ولا المدبر، ولا المكاتب إن أدى شيئًا من كتابته، فإن لم يؤد منها شيئًا أجزأ عنده، وكذلك يجزئ عنده قريبه الذي يعتق عليه بالملك إن نوى بشرائه إعتاقه عن الكفارة، وكذلك لو أعتق نصف عبده عن الكفارة، ثم حرر باقيه عنها أجزأه ذلك، ويجزئ عنده الأصم والأعور، ومقطوع إحدى الرجلين وإحدى اليدين من خلاف، ويجزئ عنده الخصي، والمجبوب، ومقطوع الأذنين. اهـ. وقد قدمنا أكثر العيوب المانعة من الإِجزاء، وغير المانعة عند الشافعي في كلام صاحب المغني ناقلًا عنه، وكذلك ما يمنع وما لا يمنع عند أحمد فاكتفينا بذلك خشية كثرة الإِطالة. الفرع الثالث: أعلم أنه قد دل الكتاب والسنَّة والإِجماع على أن الصوم لا يجزئ في الظهار إلَّا عند العجز عن تحرير الرقبة، فإن عجز عن ذلك انتقل إلى الصوم، وقد صرح تعالى بأنه صيام شهرين متتابعين، ولا خلاف في ذلك. الفرع الرابع: اختلف العلماء في تحقيق مناط العجز عن الرقبة الموجب للانتقال إلى الصوم، وقد أجمعوا على أنه إن قدر على عتق رقبة فاضلة عن حاجته أنه يجب عليه العتق، ولا يجوز له الانتقال إلى الصوم، وإن كانت له رقبة يحتاج إليها؛ لكونه زمنًا أو هرمًا أو مريضًا، أو نحو ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى عجزه عن خدمة نفسه. قال بعضهم: وكونه ممن لا يخدم نفسه عادة، فقال بعضهم: لا يلزمه الإِعتاق، ويجوز له الانتقال إلى الصوم؛ نظرًا لحاجته إلى الرقبة الموجودة عنده. قال في المغني: وبهذا قال الشافعي؛ أي وأحمد.

стр. 4238

وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: متى وجد رقبة لزمه إعتاقها، ولم يجز له الانتقال إلى الصيام، سواء كان محتاجًا إليها أولم يكن؛ لأن الله تعالى شرط في الانتقال إلى الصيام ألا يجد رقبة بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ وهذا واجد، وإن وجد ثمنها، وهو محتاج إليه كوجدانها. ولنا أن ما استغرقته حاجة الإِنسان، فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى الصيام، كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم. انتهى محل الغرض منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة: أن الرقبة إن كان يحتاج إليها حاجة قوية، ككونه زمنًا أو هرمًا لا يستغني عن خدمتها، أو كان عنده مال يمكن شراء الرقبة منه، لكنه محتاج إليه في معيشته الضرورية أنه يجوز له الانتقال إلى الصوم، وتعتبر الرقبة كالمعدومة، وأن المدار في ذلك على ما يمنعه استحقاق الزكاة من اليسار. فإن كانت الرقبة فاضلة عن ذلك لزم إعتاقها، وإلَّا فلا. والأدلة العامة المقتضية عدم الحرج في الدين تدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس: إن كان المظاهر حين وجوب الكفارة غنيًا إلَّا أن ماله غائب. فالأظهر عندي أنه إن كان مرجو الحضور قريبًا لم يجز الانتقال إلى الصوم؛ لأن ذلك بمنزلة الانتظار لشراء الرقبة، وإن كان بعيدًا جاز الانتقال إلى الصوم؛ لأن المسيس حرام عليه قبل التكفير، ومنعه من التمتع بزوجته زمنًا طويلًا فيه إضرار بكلِّ من الزوجين، وفي الحديث "لا ضرر ولا ضرار" خلافًا لبعض أهل العلم في ذلك. الفرع السادس: إن كان عنده مال يشتري به الرقبة، ولكنه

стр. 4239

لم يجد رقبة يشتريها فله الانتقال إلى الصيام، لدخوله في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ الآية، وهذا واضح، وأما إن وجد رقبة تباع بزيادة على ثمن مثلها، ولم يجد رقبة بثمن مثلها، فلأهل العلم في ذلك خلاف، هل يلزمه شراؤها بأكثر من ثمن المثل أو لا يلزمه؟ وأظهر أقوالهم في ذلك عندي: هو أن الزيادة المذكورة على ثمن المثل إن كانت تجحف بماله، حتى يصير بها من مصارف الزكاة، فله الانتقال إلى الصوم. وإلَّا فلا، والعلم عند الله تعالى. الفرع السابع: أجمع أهل العلم على أن صوم شهري الظهار يجب تتابعه؛ أي: موالاة صيام أيامه من غير فصل بينها. ولا خلاف بينهم في أن من قطع تتابعه لغير عذر: أن عليه استئناف الشهرين من جديد، وهل يفتقر التتابع إلى نية فيه، لأهل العلم ثلاثة أقوال: أحدها: لا يفتقر لنية؛ لأنه تتابع واجب في العبادة، فلم يفتقر لنية تخصه كالمتابعة بين ركعات الصلاة. والثاني: يفتقر لنية التتابع وتجدد النية كل ليلة؛ لأن ضم العبادة إلى عبادة أخرى إذا كان شرطًا وجبت فيه النية، كالجمع بين الصلاتين. والثالث: تكفي نية التتابع في الليلة الأولى عن تجديد النية كل ليلة وهذا أقربها؛ لأنا لا نسلم أن صوم كل يوم عبادة مستقلة، بل الأظهر أن صوم الشهرين جميعًا عبادة واحدة؛ لأنه كفارة واحدة، فإذا نوى هذا الصوم أول ليلة فاللازم أن ينويه على وجهه المنصوص في الكتاب والسنة، وهو شهران متتابعان، وهذا يكفيه عن تجديد النية كل ليلة. وهذا ظاهر مذهب مالك، ومذهب أحمد عدم

стр. 4240

الاحتياج إلى نية التتابع مطلقًا، وللشافعية وجهان أحدهما: كمذهب أحمد، والثاني: يفتقر إلى النية كل ليلة. الفرع الثامن: اختلف أهل العلم فيما إذا كان قطع تتابع الصوم لعذر كمرض ونحوه، فقال بعض أهل العلم: إن كان قطع التتابع لعذر فإنه لا يقطع حكم التتابع، وله أن يبني على ما صام قبل حصول العذر. وهذا مذهب أحمد. قال في المغني: وروى ذلك عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاووس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم. وقال في الجديد: ينقطع التتابع، وهذا قول سعيد بن جبير والنخعي، والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي قالوا: لأنه أفطر بفعله فلزمه الاستئناف. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذا الفرع أن قطع تتابع صوم كفارة الظهار بالإِفطار في أثناء الشهرين إن كان لسبب لا قدرة له على التحرز عنه، كالمرض الشديد الذي لا يقدر معه على الصوم أنه يعذر في ذلك، ولا ينقطع حكم التتابع؛ لأنه لا قدرة له على التحرز عن ذلك واللَّه جلَّ وعلا يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والنبي ﷺ يقول: "إذ أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" وإن كان يمكنه التحرز عن الإِفطار الذي قطع به التتابع كالإِفطار للسفر في أثناء صوم الكفارة، وكما لو كان ابتداء صومه الكفارة من شعبان؛ لأن شهره الثاني رمضان، وهو لا يمكن صومه عن الكفارة، وكما لو ابتدأ الصوم في مدة يدخل فيها يوم النحر أو يوم الفطر أو أيام التشريق، فإن التتابع

стр. 4241

ينقطع بذلك؛ لأنه قادر على التحرز عن قطعه بما ذكر؛ لقدرته على تأخير السفر من الصوم كعكسه، ولقدرته أيضًا على الصوم في مدة لا يتخللها رمضان، ولا العيدان، ولا أيام التشريق كما لا يخفى. وإذا قطع التتابع بإفطار هو قادر على التحرز عنه بما ذكر، فكونه يستأنف صوم الشهرين من جديد ظاهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وقد ترك التتابع مع قدرته عليه، هذا هو الأظهر عندنا. والعلم عند الله تعالى. تنبيه الأظهر: أنه إن وجب على النساء صوم يجب تتابعه لسبب اقتضى ذلك أن حكمهم في ذلك كما ذكرنا، فيعذرن في كل ما لا قدرة لهن على التحرز عنه كالحيض، والمرض دون غيره، كالإِفطار للسفر والنفاس؛ لأن النفاس يمكن التحرز عنه بالصوم قبله أو بعده، أما الحيض فلا يمكن التحرز عنه في صوم شهرين، أو شهر؛ لأن المرأة تحيض عادة في كل شهر. واللَّه تعالى أعلم. الفرع التاسع: في حكم ما لو جامع المظاهر منها أو غيرها ليلًا في أثناء صيام شهري الكفارة، وفي هذا الفرع تفصيل لأهل العلم. أعلم أنه إن جامع في نهار صوم الكفارة عمدًا انقطع تتابع صومه إجماعًا، ولزمه استئناف الشهرين من جديد، وسواء في ذلك كانت الموطوءة هي المظاهر منها، أو غيرها. وهذا لا نزاع فيه. وكذلك لو أكل أو شرب عمدًا في نهار الصوم المذكور. وأما إن كان جماعه ليلًا في زمن صوم الكفارة، فإن كانت المرأة التي جامعها زوجة أخرى غير المظاهر منها، فإن ذلك لا يقطع

стр. 4242

التتابع؛ لأن وطء غير المظاهر منها ليلًا زمن الصوم مباح له شرعًا، ولا يخل بتتابع الصوم في أيام الشهرين كما ترى، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه. وقال في المغني: وليس في هذا اختلاف نعلمه. وأما إن كان التي وطئها ليلًا زمن الصوم هي الزوجة المظاهر منها، فقد اختلف في ذلك أهل العلم: فقال بعضهم: ينقطع التتابع بذلك، ويلزمه استئناف الشهرين. وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنهما. وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإن أصابها في ليال الصوم أفسد ما مضى من صيامه وابتدأ الشهرين، ما نصه: وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، لأن الله تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فأمر بهما خاليين عن وطء، ولم يأت بهما على ما أمر، فلم يجزئه، كما لو وطئ نهارًا، ولأنه تحريم للوطء لا يختص بالنهار، فاستوى فيه الليل والنهار، كالاعتكاف. وروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بهذا ويبني، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنه وطء لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف كوطء غيرها، ولأن التتابع في الصيام عبارة عن اتباع صوم يوم للذي قبله من غير فارق، وهذا متحقق وإن وطء ليلًا، وارتكاب النهي في الوطء قبل إتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه كما لو وطئ قبل الشهرين، أو وطئ ليلة أول الشهرين، وأصبح صائمًا، والإتيان بالصوم قبل التماس في حق هذا لا سبيل إليه، سواء بنى أو استأنف. انتهى محل

стр. 4243

الغرض من كلام صاحب المغني. وممن قال بهذا القول: أبو يوسف. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الأخير الذي هو عدم انقطاع التتابع بجماعه للمظاهر منها في ليال الصوم هو الأظهر عندي، لأن الصوم فيه مطابق لمنطوق الآية في التتابع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وهذا قد صام شهرين متتابعين، ولم يفصل بين يومين منهما بفاصل، فالتتابع المنصوص عليه واقع قطعًا كما ترى، وكون صومهما متتابعين قبل المسيس واجب بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ لا يظهر أنه يبطل حكم التتابع الواقع بالفعل. ومما يوضحه ما ذكرنا آنفًا في كلام صاحب المغني من أنه لو جامعها قبل شروعه في صوم الشهرين، ثم صامهما متتابعين بعد ذلك، فلا يبطل حكم التتابع بالوطء قبل الشروع في الصوم، ولا يقتضي قوله تعالى: من قبل أن يتماسا بطلانه. والعلم عند الله تعالى. الفرع العاشر: أعلم أنه إن جامع المظاهر منها في نهار صوم الكفارة ناسيًا. فقد اختلف أهل العلم هل يعذر بالنسيان فلا ينقطع حكم التتابع، أو لا يعذر به، ويلزمه الاستئناف، فقال بعضهم: لا يعذر بالنسيان، وينقطع التتابع بوطئه ناسيًا، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عند أحمد. ومن حجتهم: أن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان. وقال بعضهم: يعذر بالنسيان، ولا ينقطع حكم التتابع بوطئه ناسيًا، وهو قول الشافعي، وأبي ثور وابن المنذر، قالوا: لأنه فعل المفطر ناسيًا فأشبه ما لو أكل ناسيًا. اهـ. وهذا القول له وجه قوي من النظر؛ لأن الله تعالى يقول:

стр. 4244

﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية. وقد قدمنا من حديث ابن عباس، وأبي هريرة في صحيح مسلم "أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى: نعم. قد فعلت". الفرع الحادي عشر: إن أبيح له الفطر لعذر يقتضي ذلك، وقلنا إن فطر العذر لا يقطع حكم التتابع فوطئ غيرها نهارًا لم ينقطع التتابع؛ لأن الوطء لا أثر له في قطع التتابع؛ لأن أصل الإِفطار لسبب غيره. وإن كانت الموطوءة نهارًا هي المظاهر منها جرى على حكم وطئها ليلًا. وقد تكلمنا عليه قريبًا. قال ذلك صاحب المغني. ووجهه ظاهر. وقال أيضًا: وإن لمس المظاهر منها، أو باشرها فيما دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع؛ لإِخلاله بموالاة الصيام، وإلَّا فلا يقطع واللَّه تعالى أعلم. اهـ ووجهه ظاهر أيضًا. الفرع الثاني عشر: أجمع العلماء على أن المظاهر إن لم يستطع الصوم انتقل إلى الإطعام، وهو إطعام ستين مسكينًا، وقد نص الله تعالى ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. ومن الأسباب المؤدية إلى العجز عن الصوم الهرم، وشدة الشبق، وهو شهوة الجماع التي لا يستطيع الصبر عنه. ومما يدل على أن الهرم من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم ما جاء في قصة أوس بن الصامت الذي نزلت في ظهاره من امرأته آية الظهار، ففي القصة من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي

стр. 4245

تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآيات، قال لها رسول الله ﷺ : "يعتق رقبة يعني زوجها أوسًا قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين؟ قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينًا" الحديث. ومحل الشاهد منه أنها لما قالت له: إنه شيخ كبير أقتنع ﷺ بأن ذلك عذر في الانتقال عن الصوم إلى الإِطعام، فدل على أنه سبب من أسباب العجز عنه. والحديث وإن تكلم فيه، فإنه لا يقل بشواهده عن درجة الاحتجاج. وأما الدليل على أن شدة الشبق عذر كذلك هو ما جاء في حديث سلمة بن صخر الذي تكلمنا عليه سابقًا في هذا المبحث، أنه قال: كنت امرءًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقًا من أن أصيب في ليلتي شيئًا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار. الحديث. وفيه قال: "فصم شهرين متتابعين، قال: قلت: يا رسول الله ﷺ وهل أصابني ما أصابني إلَّا في الصوم. قال: فتصدق" ومحل الشاهد منه أنه لما قال له: ثم شهرين أخبره أن جماعة في زمن الظهار إنما جاءه من عدم صبره عن الجماع؛ لأنه ظاهر من امرأته خوفًا من أن تغلبه الشهوة، فيجامع في النهار، فلما ظاهر غلبته الشهوة، فجامع في زمن الظهار، فاقتنع ﷺ بعذره، وأباح له الانتقال إلى الإِطعام. وهذا ظاهر. وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر أن الهرم، والشبق كلاهما من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم للدليل الذي ذكرنا آنفًا: وقسنا عليهما ما يشبههما في معناهما. الفرع الثالث عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه

стр. 4246

لا يجزئ في الإِطعام أقل من إطعام ستين مسكينًا، وهو مذهب مالك، والشافعي، والمشهور من مذهب أحمد خلافًا لأبي حنيفة القائل بأنه هو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه، وهو رواية عن أحمد، وعلى هذا يكون المسكين في الآية مأولًا بالمد، والمعنى فإطعام ستين مدًا، ولو دفعت لمسكين واحد في ستين يومًا. وإنما قلنا: إن القول بعدم إجزاء أقل من الستين هو الأظهر؛ لأن قوله تعالى: مسكينًا تمييز لعدد هو الستون، فحمله على مسكين واحد خروج بالقرآن عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل يجب الرجوع إليه، وهو لا يصح. ولا يخفى أن نفع ستين مسكينًا أكثر فائدة من نفع مسكين واحد في ستين يومًا، لفضل الجماعة، وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن إليهم بالإِطعام، فيكون ذلك أقرب إلى الإِجابة من دعاء واحد. وستون جمع كثير من المسلمين لا يخلو غالبًا من صالح مستجاب الدعوة فرجاء الاستجابة فيهم أقوى منه في الواحد كما لا يخفى. وعلى كل حال فقوله تعالى في محكم كتابه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ لا يخفى فيه أن قوله: فإطعام ستين مصدر مضاف إلى مفعوله، فلفظ: ستين الذي أضيف إليه المصدر، هو عين المفعول به الواقع عليه الإِطعام، وهذا العدد الذي هو المفعول به للإِطعام، مبين بالتمييز الذي هو قوله تعالى: مسكينًا، وبذلك يتحقق أن الإِطعام في الآية واقع على نفس العدد الذي هو ستون، فالاقتصار به على واحد خروج بنص القرآن عن ظاهره المتبادر منه بلا دليل يجب الرجوع إليه كما ترى. وحمل المسكين في هذه الآية الكريمة على المد من أمثلة المالكية والشافعية في

стр. 4247

أصولهم كما يسمونه التأويل البعيد، والتأويل الفاسد، وقد أشار إلى ذلك صاحب مراقي السعود بقوله: فجعل مسكين بمعنى المد ... عليه لائح سمات البعد الفرع الرابع عشر: في كلام أهل العلم في القدر الذي يعطاه كل مسكين من الطعام: أعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك، فمذهب مالك أنه يعطي كل مسكين من البر الذي هو القمح مدًا وثلثي مد، وإن كان إطعامه من غير البر كالتمر والشعير لزمه منه ما يقابل المد والثلثين من البر. قال خليل المالكي في مختصره في إطعام كفارة الظهار: لكل مد وثلثان برًا، وإن اقتاتوا تمرًا أو مخرجًا في الفطر فعدله. انتهى محل الغرض منه. وقال شارحه المواق: ابن يونس: ينبغي أن يكون الشبع مدين، إلَّا ثلثًا بمد النبي ﷺ ، وهي عيار مد هشام، فمن أخرج به أجزأه، قاله مالك. قال ابن القاسم: فإن كان عيش بلدهم تمرًا أو شعيرًا أطعم منه المظاهر عدل مد هشام من البر. انتهى محل الغرض منه. ومذهب أبي حنيفة: أنه يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعًا كاملًا من تمر أو شعير. ومذهب الشافعي: أنه يعطي كل مسكين مدًا مطلًا. ومعلوم: أن المد النبوي ربع الصاع. قال في المغني: وقال أبو هريرة: ويطعم مدًا من أي الأنواع كان، وبهذا قال عطاء، والأوزاعي، والشافعي. اهـ. ومذهب أحمد: أنه يعطى كل مسكين مدًا من بر، أو نصف صاع من تمر أو شعير. اهـ. وإذا عرفت مذاهب الأئمة في هذا الفرع، فاعلم أنا أردنا هنا أن نذكر كلام ابن قدامة في المغني في أدلتهم، وأقوالهم، قال: وجملة الأمر أن قدر الطعام في الكفارات كلها مد من بر لكل مسكين،

стр. 4248

ونصف صاع من تمر أو شعير، وممن قال: مد بر زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، حكاه عنهم الإِمام أحمد، ورواه عنهم الأثرم، وعن عطاء، وسليمان بن موسى. وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدًا من حنطة بالمد الأصغر مد النبي ﷺ . وقال أبو هريرة: يطعم مدًا من أي الأنواع كان، وبهذا قال الأوزاعي، وعطاء، والشافعي؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عطاء، عن أوس أخي عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ أعطاه - يعني المظاهر - خمسة عشر صاعًا من شعير إطعام ستين مسكينًا. وروى الأثرم بإسناده عن أبي هريرة في حديث المجامع في رمضان: أن النبي ﷺ أوتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا فقال: "خذه وتصدق به" وإذا ثبت في المجامع في رمضان بالخبر ثبت في المظاهر بالقياس عليه؛ ولأنه إطعام واجب، فلم يختلف باختلاف أنواع المخرج، كالفطرة وفدية الأذى. وقال مالك: لكل مسكين مدان من جميع الأنواع، وممن قال: مدان من قمح: مجاهد، وعكرمة والشعبي، والنخعي؛ لأنها كفارة تشتمل على صيام، وإطعام فكان لكل مسكين نصف صاع، كفدية الأذى. وقال الثوري وأصحاب الرأي: من القمح مدان، ومن التمر والشعير صاع لكل مسكين؛ لقول النبي ﷺ في حديث سلمة بن صخر ﵁: "فأطعم وسقا من تمر" رواه الإِمام أحمد في المسند، وأبو داود وغيرهما. وروى الخلال بإسناده عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة فقال لي رسول الله ﷺ : "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر" وفي رواية أبي داود: والعرق ستون صاعًا. وروى ابن ماجة بإسناده

стр. 4249

عن ابن عباس قال: "كفر رسول الله ﷺ بصاع من تمر، وأمر الناس من لم يجد فنصف صاع من بر". وروى الأثرم بإسناده عن عمر ﵁ قال: أطعم عني صاعًا من تمر، أو شعير أو نصف صاع من بر. ولأنه إطعام للمساكين، فكان صاعًا من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بر كصدقة الفطر. ولنا ما روى الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد المدني، قال. جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال النبي ﷺ للمظاهر: "أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر" وهذا نص. ويدل على أنه مدّ بر أنه قول زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة. ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفًا، فكان إجماعًا. ويدل على أنه نصف صاع من التمر والشعير ما روى عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال لخولة امرأة أوس بن الصامت: "اذهبي إلى فلان الأنصاري، فإن عنده شطر وسق من تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فلتأخذيه فليتصدق به على ستين مسكينًا". وفي حديث أوس بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "إنى سأعينه بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينًا وارجعي إلى ابن عمك". وروى أبو داود بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: العرق: زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعًا، فعرقان يكونان ثلاثين صاعًا،

стр. 4250

لكل مسكين نصف صاع؛ ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، فكان لكل مسكين نصف صاع من التمر والشعير، كفدية الأذى. فأما رواية أبي داود: أن العرق ستون صاعًا فقد ضعفها، وقال: غيرها أصح منها. وفي الحديث ما يدل على الضعف؛ لأن ذلك في سياق قوله: إني سأعينه بعرق، فقالت امرأته: إني سأعينه بعرق آخر، فأطعمي بهما عنه ستين مسكينًا، فلو كان العرق ستين صاعًا لكانت الكفارة مائة وعشرين صاعًا، ولا قائل به. وأما حديث المجامع الذي أعطاه خمسة عشر صاعًا، فقال: تصدق به. فيحتمل أنه اقتصر عليه إذ لم يجد سوه، ولذلك لما أخبره بحاجته إليه أمره بأكله. وفي الحديث المتفق عليه قريب من عشرين صاعًا، وليس ذلك مذهبًا لأحد، فيدل على أنه اقتصر على البعض الذي لم يجد سواه. وحديث أوس أخي عبادة بن الصامت مرسل يرويه عنه عطاء، ولم يدركه، على أنه حجة لنا، لأن النبي ﷺ أعطاه عرقًا، وأعانته امرأته بآخر، فصارا جميعًا ثلاثين صاعًا، وسائر الأخبار يجمع بينها وبين أخبارنا، بحملها على الجواز، وحمل أخبارنا على الإِجزاء، وقد عضد هذا أن ابن عباس راوي بعضها، ومذهبه أن المد من البر يجزئ. وكذلك أبو هريرة. وسائر ما ذكرنا من الأخبار مع الإِجماع الذي نقله سليمان بن يسار واللَّه أعلم. انتهى بطوله من المغني لابن قدامة. وقد جمع فيه أقوال أهل العلم وأدلتهم، وما نقل عن مالك في هذا المبحث أصح منه عنه ما ذكرناه قبله في هذا المبحث. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في رواية والعرق ستون صاعًا: هذه الرِّواية تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة. قال الذهبي:

стр. 4251

لا يعرف، ووثقه ابن حبان، وفيها أيضًا محمد بن إسحاق، وقد عنعن، والمشهور عرفًا أن العرق يسع خمسة عشر صاعًا، كما روى ذلك الترمذي بإسناد صحيح من حديث سلمة نفسه. اهـ منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد رأيت أقوال أهل العلم في قدر ما يعطى المسكين من إطعام كفارة الظهار واختلافها وأدلتهم واختلافها. وأحوط أقوالهم في ذلك قول أبي حنيفة، ومن وافقه؛ لأنه أحوطها في الخروج من عهدة الكفارة. والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس عشر: في كيفية الإِطعام وجنس الطعام ومستحقه. أما مستحقه فقد نص الله تعالى على أنه المسكين في قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ والمقرر عند أهل العلم أن المسكين إن ذكر وحده شمل الفقير، كعكسه. وأما كيفيته: فظاهر النصوص أنه يملك كل مسكين قدر ما يجب له من الطعام، وهو مذهب مالك، والشافعي، والرواية المشهورة من أحمد، وعلى هذا القول لو غدى المساكين، وعشاهم بالقدر الواجب في الكفارة لم يجزئه حتى يملكهم إياه. وأظهر القولين عندي: أنه إن غدى كل مسكين وعشاه، ولم يكن ذلك الغداء والعشاء أقل من القدر الواجب له أنه يجزئه؛ لأنه داخل في معنى قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وهذا مروي عن أبي حنيفة، والنخعي، وهو رواية عن أحمد. وقصة إطعام أنس لما كبر، وعجز عن الصوم عن فدية الصيام مشهورة.

стр. 4252

وأما جنس الطعام الذي يدفعه للمساكين، فقد تقدم في الأحاديث ذكر البر والتمر والشعير، ولا ينبغي أن يختلف في هذه الثلاثة. ومعلوم أن أهل العلم اختلفوا في طعام كفارة الظهار فقال بعضهم: المجزئ في ذلك هو ما يجزئ في صدقة الفطر، سواء كان هو قوت المكفر أو لا؟ ولا يجزئه غير ذلك ولو كان قوتًا له. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي: أن جميع الحبوب التي هي قوت بلد المظاهر يجزئه الإِخراج منها؛ لأنها هي طعام بلده، فيصدق على من أطعم منها المساكين أنه أطعم ستين مسكينًا، فيدخل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ويؤيد ذلك أن القرآن أشار إلى اعتبار أوسط قوت أهله في كفارة اليمين في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وهذا مذهب الشافعي، واختيار أبي الخطاب في الحنابلة. الفرع السادس عشر: أعلم أن أكثر أهل العلم على أن الإِطعام لا يجب فيه التتابع؛ لأن الله تعالى أطلقه عن قيد التتابع؛ ولأن أكثر أهل الأصول على أن المطلق لا يحمل على المقيد إن اتحد سببهما واختلف حكمهما، كما في هذه المسألة. ولا سيما على القول الأصح في حمل المطلق على المقيد أنه من قبيل القياس، لامتناع قياس فرع على أصل مع اختلافهما في الحكم، كما هو معروف في محله. الفرع السابع عشر: أعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا جامع المظاهر زوجته التي ظاهر منها في أثناء الإِطعام، هل يلزمه إعادة

стр. 4253

ما مضى من الإِطعام، لبطلانه بالجماع قبل إتمام الإِطعام، أو لا يلزمه ذلك؟ فقال بعض أهل العلم: لا يلزمه ذلك، لأن جماعه في أثناء ما لا يشترط فيه التتابع، فلم يوجب الاستئناف. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأما مذهب مالك: فهو أنه يستأنف الإِطعام؛ لأنه جامع في أثناء كفارة الظهار، فوجب الاستئناف كالصيام. والأول أظهر، لأن الواقع من الإِطعام قبل جماعه يحتاج بطلانه وإلغاؤه إلى دليل يجب الرجوع إليه، وليس موجودًا. والعلم عند الله تعالى. الفرع الثامن عشر: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت عليَّ كظهر أبي، وقالت: إن تزوجت فلانًا، فهو علي كظهر أبي، فهل يكون ذلك ظهارًا منها أو لا؟ فقال أكثر أهل العلم: لا يكون ظهارًا. وهو قول الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم، وقال بعض أهل العلم: تكون مظاهرة، وبه قال الزهري، والأوزاعي وروى عن الحسن والنخعي إلَّا أن النخعي قال: إذا قالت ذلك بعد ما تزوج، فليس بشيء. اهـ. والتحقيق أن المرأة لا تكون مظاهرة، لأن الله جلَّ وعلا لم يجعل لها شيئًا من الأسباب المؤدية لتحريم زوجها عليها، كما لا يخفى. تنبيه أعلم أن الجمهور القائلين: إن المرأة لا تكون مظاهرة اختلفوا فيما يلزمها إذا قالت ذلك، إلى ثلاثة مذاهب. الأول: أن عليها كفارة ظهار، وإن كانت غير مظاهرة. والثاني: أن عليها كفارة يمين.

стр. 4254

والثالث: لا شيء عليها. واحتج من قال بأن عليها كفارة ظهار، وهو رواية عن أحمد: بأنها قالت منكرًا من القول وزورًا، فلزمها أن تكفر عنه كالرجل، وبما روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم، عن عائشة بنت طلحة قالت: إذ تزوجت مصعب بن الزبير فهو علي كظهر أبي، فسألت أهل المدينة، فرأوا أن عليها الكفارة، وبما روى علي بن مسهر عن الشيباني، قال: كنت جالسًا في المسجد، أنا وعبد الله بن معقل المزني، فجاء رجل حتى جلس إلينا فسألته من أنت؟ فقال: أنا مولى عائشة بنت طلحة التي أعتقتني عن ظهارها، خطبها مصعب بن الزبير، فقالت: هو علي كظهر أبي إن تزوجته، ثم رغبت فيه، فاستفتت أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم يومئذٍ كثير. أمروها أن تعتق رقبة، وتتزوجه، فأعتقتني وتزوجته. وروى سعيد هذين الأثرين مختصرين اهـ من المغني. وانظر إسناد الأثرين المذكورين. وأما الذين قالوا: تلزمها كفارة يمين، وهو قول عطاء، فقد احتجوا بأنها حرمت على نفسها زوجها، وهو حلال لها، فلزمتها كفارة اليمين اللازمة في تحريم الحلال المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. وأما الذين قالوا: لا شيء عليها، ومنهم الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور وغيرهم، فقد احتجوا بأنها قالت منكرًا من القول وزورًا، فلم يوجب عليها كفارة، كالسب والقذف ونحوهما من الأقوال المحرمة الكاذبة. وأظهر أقوالهم عندنا: أن من يرى في تحريم الحلال كفارة يمين يلزمها على قوله كفارة يمين، ومن يرى أنه لا شيء فيه،

стр. 4255

فلا شيء عليها على قوله، وقد قدمنا أقوال أهل العلم في تحريم الحلال في الحج، وفي هذا المبحث. وأعلم أن الذين قالوا: تجب عليها كفارة الظهار قالوا: لا تجب عليها حتى يجامعها وهي مطاوعة له، فإن طلقها أو مات أحدهما قبل الوطء، أو أكرهها على الوطء فلا كفارة عليها؛ لأنها يمين، فلا تجب كفارتها قبل الحنث كسائر الأيمان، وعليها تمكين زوجها من وطئها قبل التكفير؛ لأنه حق له عليها، فلا يسقط بيمينها؛ ولأنه ليس بظهار. انتهى من المغني، وهو ظاهر. ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية الكريمة، ومن أراد استقصاء ذلك فهو في كتب فروع المذاهب. • قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ . قال ابن كثير: أي في الحرمة والاحترام والتوقير والإِكرام، والإِعظام، ولكن لا يجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن بالإِجماع. اهـ. محل الغرض منه، وما ذكر من أن المراد يكون أزواجه ﷺ أمهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحرمة الأم، واحترامهم لهن، كاحترام الأم. إلخ. واضح لا إشكال فيه، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾؛ لأن الإنسان لا يسأل أمه الحقيقية من وراء حجاب، وقوله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ ومعلوم أنهن ﵅ لم يلدن جميع المؤمنين الذين هن أمهاتهم، ويفهم من قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أنه هو ﷺ أب لهم. وقد روي عن أبيّ بن كعب، وابن عباس أنهما قرءا: وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم. وهذه الأبوة

стр. 4256

أبوة دينية، وهو ﷺ أرأف بأمته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال جلَّ وعلا في رأفته ورحمته بهم. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ وليست الأبوة أبوة نسب كما بينه تعالى بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ويدل لذلك أيضًا حديث أبي هريرة عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجة أن النبي ﷺ قال: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه" وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث، والرمة. فقوله ﷺ في هذا الحديث: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد" يبين معنى أبوته المذكورة كما لا يخفى. مسألة أعلم أن أهل العلم اختلفوا هل يقال لبنات أزواج النبي ﷺ : أخوات المؤمنين أو لا؟ وهل يقال لإِخوانهن كمعاوية، وعبد الله بن أبي أمية أخوال المؤمنين أو لا؟ وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات؟ قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن بالإِجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المسلمين، كما هو منصوص الشافعي ﵁ في المختصر. وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية، وأمثاله: خال المؤمنين، فيه قولان للعلماء ﵃؟ ونص الشافعي ﵁ على أنه لا يقال ذلك. وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات، فيدخل النساء في الجمع المذكر السالم تغليبًا؟ فيه قولان. صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ﵁. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير.

стр. 4257

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في ذلك أنه لا يطلق منه إلَّا ما ورد النص بإطلاقه، لأن الإِطلاق المراد به غير الظاهر المتبادر يحتاج إلى دليل صارف إليه، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ . قد قدمنا إيضاحه وكلام أهل العلم فيما يتعلق به من الأحكام في آخر الأنفال في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم خص منهم بذلك خمسة: هم أولوا العزم من الرسل، وهم محمد ﷺ ، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. ولم يبين هنا الميثاق الذي أخذه عليهم، ولكنه جل وعلا بين ذلك في غير هذا الموضع، فبين الميثاق المأخوذ على جميع النبيين بقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ وقد قدمنا الكلام على هذه الآية في سورة مريم (١) في الكلام على قصة الخضر، وقد بين

стр. 4258

جل وعلا الميثاق الذي أخذه على خصوص الخمسة الذين هم أولوا العزم من الرسل في سورة الشورى في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. وبما ذكرنا تعلم: أن آية آل عمران وآية الشورى فيهما بيان لآية الأحزاب هذه. وقوله في هذه الآية الكريمة: (ومنك ومن نوح) من عطف الخاص على العام، وقد تكلمنا عليه مرارًا. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ . أمر الله جلَّ وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة: أن يذكروا نعمته عليهم حين جاءتهم جنود، وهم جيش الأحزاب، فأرسل جلَّ وعلا عليهم ريحًا وجنودًا لم يرها المسلمون. وهذه الجنود التي لم يروها التي امتن عليهم بها هنا في سورة الأحزاب بين أنه من عليهم بها أيضًا في غزوة حنين، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية، وهذه الجنود هي الملائكة، وقد بيّن جل وعلا ذلك في الأنفال في الكلام على غزوة بدر، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ

стр. 4259

وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ الآية، وهذه الجنود التي لم يروها التي هي الملائكة قد بين الله جل وعلا في براءة أنه أيد بها نبيه ﷺ وهو في الغار، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين لما رأوا الأحزاب يعني جنود الكفار الذين جاؤوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم في غزوة الخندق قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ولم يبين هنا الآية التي وعدهم إياه فيها، ولكنه بين ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ وممن قال: إن آية البقرة المذكورة مبينة لآية الأحزاب هذه: ابن عباس، وقتادة، وغير واحد. وهو ظاهر. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ الآية، صريح في أن الإِيمان يزيد، وقد صرح الله بذلك في آيات من كتابه، فلا وجه للاختلاف فيه مع تصريح الله جل وعلا به في كتابه في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 4260

• قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه رد الذين كفروا بغيظهم، لم ينالوا خيرًا، وأنَّه كفى المؤمنين القتال، وهم النبي ﷺ ، وأصحابه. ولم يبين هنا السبب الذي رد به الذين كفروا وكفى به المؤمنين القتال، ولكنه جلَّ وعلا بين ذلك بقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ أي: وبسبب تلك الرِّيح، وتلك الجنود ردهم بغيظهم وكفاكم القتال كما هو ظاهر. • قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآية. قد قدمنا الآية الموضحة له في آخر سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ . ذكر الله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن من قنت من نساء نبيه ﷺ للَّه ولرسوله، وعمل عملًا صالحًا: أن الله جلَّ وعلا يؤتيها أجرها مرتين. والقنوت: الطاعة. وما وعبد الله به جلَّ وعلا من أطاع منهن بإيتائها أجرها مرتين في هذه الآية الكريمة جاء الوعد بنظيره لغيرهن، في غير هذا الموضع، فمن ذلك وعده لمن آمن من أهل

стр. 4261

الكتاب بنبيه، ثم آمن بمحمد ﷺ بإيتائه أجره مرتين، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية. ومن ذلك وعده لجميع المطيعين من أمته ﷺ بإيتائهم كفلين من رحمته تعالى، وذلك في قوله جلَّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية. واعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة من سورة الحديد الذي لا ينبغي العدول عنه أن الخطاب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ الآية. عام لجميع هذه الأمة كما ترى، وليس في خصوص مؤمني أهل الكتاب، كما في آية القصص المذكورة آنفًا، وكونه عامًا هو التحقيق إن شاء الله؛ لظاهر القرآن المتبادر الذي لم يصرف عنه صارف، فما رواه النسائي عن ابن عباس ﵄ من حمله آية الحديد هذه على خصوص أهل الكتاب كما في آية القصص خلاف ظاهر القرآن، فلا يصح الحمل عليه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، وإن وافق ابن عباس في ذلك الضحاك، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهما. واختاره ابن جرير الطبري. والصواب في ذلك إن شاء الله هو ما ذكرنا؛ لأن المعروف عند أهل العلم: أن ظاهر القرآن المتبادر منه لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه. وقال ابن كثير: وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية في حق

стр. 4262

هذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾، أي ضعفين ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وزادهم ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ففضلهم بالنور والمغفرة. اهـ نقله عنه ابن جرير، وابن كثير. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ . قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في الترجمة، وفي مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك. ومما ذكرنا من أمثلة ذلك في الترجمة قولنا فيها: ومن أمثلته قول بعض أهل العلم: إن أزواجه ﷺ لا يدخلن في أهل بيته في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ فإن قرينة السياق صريحة في دخولهن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ ثم قال في نفس خطابه لهن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ثم قال بعده: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية. وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، فلا يصح إخراجها بمخصص، وروى عن مالك أنها ظنية الدخول، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: واجزم بإدخال ذوات السبب ... وارو عن الإِمام ظنًا تصب

стр. 4263

فالحق أنهن داخلات في الآية. اهـ من ترجمة هذا الكتاب المبارك. والتحقيق إن شاء الله: أنهن داخلات في الآية كان كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت. أما الدليل على دخولهن في الآية، فهو ما ذكرناه آنفًا من أن سياق الآية صريح في أنها نازلة فيهن. والتحقيق: أن سورة سبب النزول قطعية الدخول كما هو مقرر في الأصول. ونظير ذلك من دخول الزوجات في اسم أهل البيت قوله تعالى في زوجة إبراهيم: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وأما الدليل على دخول غيرهن في الآية، فهو أحاديث جاءت عن النبي ﷺ أنه قال في علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃: "إنهم أهل البيت" ودعا لهم الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا، وقد روى ذلك جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ ، منهم أم المؤمنين أم سلمة ﵂، وأبو سعيد، وأنس، وواثلة بن الأسقع، وأم المؤمنين عائشة، وغيرهم ﵃. وبما ذكرنا من دلالة القرآن والسنَّة: تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج النبي ﷺ ، ولعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ كلهم.

стр. 4264

تنبيه فإن قيل: إن الضمير في قوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ وفي قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ ضمير الذكور، فلو كان المراد نساء النبي ﷺ لقيل: ليذهب عنكن ويطهركن. فالجواب من وجهين: الأول: هو ما ذكرنا من أن الآية الكريمة شاملة لهن ولعلي والحسن والحسين وفاطمة، وقد أجمع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإِناث في الجموع ونحوها، كما هو معلوم في محله. الوجه الثاني: هو أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر، ومنه قوله تعالى في موسى ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ وقوله: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ وقوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُم﴾ والمخاطب امرأته كما قاله غير واحد، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر: فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردا وبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن نساء النبي ﷺ لسن داخلات في الآية يرد عليه صريح سياق القرآن، وأن من قال: إن فاطمة وعليًا والحسن والحسين ليسوا داخلين فيها ترد عليه الأحاديث المشار إليها. وقال بعض أهل العلم: إن أهل البيت في الآية هم من تحرم عليهم الصدقة. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الآية. يعني أنه يذهب الرجس عنهم،

стр. 4265

ويطهرهم بما يأمر به من طاعة الله، وينهى عنه من معصيته؛ لأن من أطاع الله أذهب عنه الرجس، وطهره من الذنوب تطهيرًا. وقال الزمخشري في الكشاف: ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن ووعظهن؛ لئلا يقارف أهل بيت رسول الله ﷺ المآثم، وليتصونوا عنها بالتقوى. واستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر؛ لأن عرض المقترف للمقبحات يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس. وأما الحسنات فالعرض منها نقي مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده، ونهاهم عنه، ويرغبهم فيما يرضاه لهم، وأمرهم به. وأهل البيت نصب على النداء أو على المدح. وفي هذا دليل بين على أن نساء النبي ﷺ من أهل بيته. تنبيه اعلم أنه يكثر في القرآن العظيم، وفي اللغة إتيان اللام المكسورة منصوبًا بعدها المضارع بعد فعل الإِرادة، كقوله هنا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الآية. وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكقول الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل في ليلى بكل سبيل وللعلماء في اللام المذكورة أقوال: منها أنها مصدرية بمعنى أن، وهو قول غريب. ومنها: أنها لام كي، ومفعول الإِرادة محذوف، والتقدير: إنما

стр. 4266

يريد الله أن يأمركم وينهاكم لأجل أن يذهب عنكم الرجس. والرجس كل مستقذر تعافه النفوس، ومن أقذر المستقذرات معصية الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ . قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها بيان الإِجمال الواقع بسبب الإِبهام في صلة موصول، وذكرنا أن من أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؛ لأن جملة: الله مبديه صلة الموصول الذي هو ما. وقد قلنا في الترجمة المذكورة: فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه ﷺ في نفسه وأبداه الله، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه ﷺ زينب بنت جحش ﵂ حيث أوحى إليه ذلك، وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة، لأن زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن، وهو اللائق بجنابه ﷺ . وبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه في نفسه ﷺ وأبداه الله وقوع زينب في قلبه ومحبته لها، وهي تحت زيد، وأنها سمعته، قال: سبحان مقلب القلوب إلى آخر القصة، كله لا صحة له. والدليل عليه أن الله لم يبد من ذلك شيئًا، مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه رسول الله ﷺ . انتهى محل الغرض من كلامنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك. وقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: واختلف الناس في تأويل هذه الآية: فذهب قتادة، وابن زيد، وجماعة من المفسرين منهم: الطبري، وغيره: إلى أن النبي ﷺ وقع منه استحسان لزينب

стр. 4267

بنت جحش وهي في عصمة زيد، وكان حريصًا على أن يطلقها زيد، فيتزوجها هو، إلى أن قال: وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف، يعني قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. اهـ. ولا شك أن هذا القول غير صحيح، وأنه غير لائق به ﷺ . ونقل القرطبي نحوه عن مقاتل، وابن عباس أيضًا. وذكر القرطبي عن علي بن الحسين أن الله أوحى إلى نبيه ﷺ أن زيدًا سيطلق زينب، وأن الله يزوجها رسوله ﷺ ، وبعد أن علم هذا بالوحي قال لزيد: أمسك عليك زوجك، وأن الذي أخفاه في نفسه: هو أن الله سيزوجه زينب ﵂، ثم قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية. وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم، إلى أن قال: فأما ما روي أن النبي ﷺ هوي زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض المجان لفظ عشق، فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا أو مستخف بحرمته. قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرًا من الجواهر ودرًا من الدرر أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، واللَّه أحق أن تخشاه. انتهى محل الغرض منه.

стр. 4268

وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ذكر ابن أبي حاتم، وابن جرير هاهنا آثارًا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفًا لعدم صحتها، فلا نوردها إلى آخر كلامه، وفيه كلام علي بن الحسين الذي ذكرنا آنفًا. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: هو ما ذكرنا أن القرآن دل عليه، وهو أن الله أعلم نبيه ﷺ بأن زيدًا يطلق زينب، وأنه يزوجها إياه ﷺ ، وهي في ذلك الوقت تحت زيد، فلما شكاها زيد إليه ﷺ قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ فعاتبه الله على قوله: أمسك عليك زوجك بعد علمه أنها ستصير زوجته هو ﷺ ، وخشي مقالة الناس أن يقولوا: لو أظهر ما علم من تزويجه إياها أنه يريد تزويج زوجة ابنه في الوقت الذي هي فيه في عصمة زيد. والدليل على هذا أمران: الأول: هو ما قدمنا من أن الله جلَّ وعلا قال: ﴿تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهذا الذي أبداه الله جلَّ وعلا هو زواجه إياها في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ولم يبد جلَّ وعلا شيئًا مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى كما ترى. الأمر الثاني: أن الله جلَّ وعلا صرح بأنه هو الذي زوجه إياها، وأن الحكمة الإِلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الآية، فقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ تعليل صريح لتزويجه إياها لما ذكرنا. وكون الله هو

стр. 4269

الذي زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه إياها ليس هو محبته لها التي كانت سببًا في طلاق زيد لها كما زعموا، ويوضحه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ الآية؛ لأنه يدل على أن زيدًا قضى وطره منها، ولم تبق له بها حاجة، فطلقها باختياره. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ . ما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمر بالإِكثار من الذكر جاء معناه في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ . لم يبين هنا المراد بالفضل الكبير في هذه الآية الكريمة، ولكنه بينه في سورة الشورى في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ . قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي

стр. 4270

تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول، وذكرنا له أمثلة في الترجمة، وأمثلة كثيرة في الكتاب لم تذكر في الترجمة. ومن أمثلته التي ذكرنا في الترجمة هذه الآية الكريمة فقد قلنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: ومن أمثلته قول كثير من الناس: إن آية الحجاب أعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ خاصة بأزواج النبي ﷺ ، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبي ﷺ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن، وقلوب الرجال من الريبة منهن. وقد تقرر في الأصول: أن العلة قد تعمم معلولها، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: وقد تخصص وقد تعمم ... لأصلها لكنها لا تخرم انتهى محل الغرض من كلامنا في الترجمة المذكورة. وبما ذكرنا تعلم أن في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه ﷺ ، وإن كان أصل اللفظ خاصًا بهن؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه. ومسلك العلة الذي دل على أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ هو علة قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإِيماء والتنبيه وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم

стр. 4271

لكان الكلام معيبًا عند العارفين. وعرف صاحب مراقي السعود دلالة الإِيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء والتنبيه بقوله: دلالة الإِيماء والتنيه ... في الفن تقصد لدى ذويه أن يقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير علة يعبه من فطن وعرف أيضًا الإِيماء والتنبيه في مسالك العلة بقوله: والثالث الإِيما اقتران الوصف ... بالحكم ملفوظين دون خلف وذلك الوصف أو النظير ... قرانه لغيرها يضير فقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ لو لم يكن علة لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ لكان الكلام معيبًا غير منتظم عند الفطن العارف. وإذا علمت أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ هو علة قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وعلمت أن حكم العلة عام. فاعلم أن العلة قد تعمم معلولها، وقد تخصصه كما ذكرنا في بيت مراقي السعود، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علته، وإذا كان حكم هذه الآية عامًا بدلالة القرينة القرآنية. فاعلم أن الحجاب واجب بدلالة القرآن على جميع النساء. واعلم أنا في هذا المبحث يزيد أن نذكر الأدلة القرآنية على وجوب الحجاب على العموم، ثم الأدلة من السنَّة، ثم نناقش أدلة الطرفين، ونذكر الجواب عن أدلة من قالوا بعدم وجوب الحجاب على غير أزواجه ﷺ ، وقد ذكرنا آنفًا أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ الآية. قرينة على عموم حكم آية الحجاب.

стр. 4272

ومن الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقد قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى: يدنين عليهن من جلابيبهن: أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلَّا عين واحدة تبصر بها. وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس، وعبيدة السلماني وغيرهم. فإن قيل: لفظ الآية الكريمة وهو قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة، ولم يرد نص من كتاب، ولا سنَّة، ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسرين: إنه يستلزمه معارض يقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه. فالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها. والقرينة المذكورة: هي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين، فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب كما ترى. ومن الأدلة على ذلك أيضًا: هو ما قدمنا في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ من أن استقراء القرآن يدل على أن معنى (إلَّا ما ظهر منها) الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصح تفسير (إلَّا ما ظهر منها) بالوجه والكفين، كما تقدم إيضاحه. واعلم أن قول من قال: إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله

стр. 4273

تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ قال: وقد دل قوله: (أن يعرفن) على أنهن سافرات كاشفات عن وجوههن؛ لأن التي تستر وجهها لا تعرف = باطل. وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منعًا باتًا؛ لأن قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ صريح في منع ذلك. وإيضاحه: أن الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن، لا يمكن بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه كما لا يخفى. وقوله في الآية الكريمة (لأزواجك) دليل أيضًا على أن المعرفة المذكورة في الآية ليست بكشف الوجوه؛ لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين. والحاصل: أن القول المذكور تدل على بطلانه أدلة متعددة: الأول: سياق الآية كما أوضحناه آنفًا. الثاني: قوله: (لأزواجك) كما أوضحناه أيضًا. الثالث: أن عامة المفسرين من الصحابة فمن بعدهم فسروا الآية مع بيانهم سبب نزولها بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإِماء، ولا يتعرضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميزًا عن زي الإِماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق

стр. 4274

بالأذى ظنًا منهم أنهن إماء، فأمر الله نبيه ﷺ أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإِماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك وراهن الفساق علموا أنهن حرائر، ومعرفتهم بأنهن حرائر، لا إماء هو معنى قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ فهي معرفة بالصفة لا بالشخص، وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن كما ترى. فقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ لأن إدنائهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر، فهو أدنى وأقرب لأن يعرفن، أي: يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرضون للإِماء. وهذا هو الذي فسر به أهل العلم بالتفسير هذه الآية، وهو واضح. وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإِماء جائز بل هو حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في عموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾. ومما يدل على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ الآية. وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى: حافظ للفرج راض بالتقى ... ليس ممن قلبه فيه مرض وفي الجملة: فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهن الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإِماء لازم، وله أسباب أخر ليس منها إدناء الجلابيب.

стр. 4275

تنبيه قد قدما في سورة إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن. كما قال ابن مالك في الخلاصة: المصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمن من أمن وأنه عند جماعات من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة. وإذا علمت ذلك: فاعلم أن المصدر والزمن كامنان في مفهوم الفعل إجماعًا، وقد ترجع الإشارات والضمائر تارة إلى المصدر الكامن في مفهوم الفعل، وتارة إلى الزمن الكامن فيه. فمثال رجوع الإِشارة إلى المصدر الكامن فيه قوله تعالى هنا: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي: ذلك الإدناء المفهوم من قوله: يدنين. ومثال رجوع الإشارة للزمن الكامن فيه قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ فقوله: ذلك يعني زمن النفخ المفهوم من قوله: ونفخ، أي: ذلك الزمن يوم الوعيد. ومن الأدلة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرر في الأصول من أن خطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب. وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة الحج في مبحث النهي عن لبس المعصفر، وقد قلنا في ذلك: لأن خطاب النبي ﷺ لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة، لاستوائهم في أحكام التكليف إلَّا بدليل خاص يجب الرجوع إليه. وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالة على
следующие страницы →