حَدِيثاً (٤٢)﴾ مع قوله عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وقوله عنهم أيضا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وقوله عنهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾ للبيان الذي ذكرنا والعلم عند الله تعالى.
• وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ بين تعالى في هذه الآية زوال السكر بأنه هو أن يثوب للسكران عقله، حتى يعلم معنى الكلام الذي يصدر منه بقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾ الآية ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب مع اشترائهم الضلالة يريدون إضلال المسلمين أيضا. وذكر في موضع آخر أنهم كثير، وأنهم يتمنون ردة المسلمين، وأن السبب الحامل لهم على ذلك إنما هو الحسد، وأنهم ما صدر منهم ذلك إلا بعد معرفتهم الحق، وهو قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ﴾.
وذكر في موضع آخر أن هذا الإضلال الذي يتمنونه للمسلمين لا يقع من المسلمين، وإنما يقع منهم -أعني المتمنين الضلال للمسلمين- وهو قوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾.
• وقوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ لم يبين هنا كيفية لعنه لأصحاب السبت، ولكنه بين في غير هذا الموضع أن لعنه لهم هو مسخهم قردة، ومن مسخه الله قردا غضبا عليه فهو
стр. 422
ملعون بلا شك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾.
والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بعطفه عليه في قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية، كما قاله الألوسي في تفسيره وهو ظاهر، واللعنة في اللغة: الطرد والإبعاد، والرجل الذي طرده قومه وأبعدوه لجناياته، تقول له العرب: رجل لعين، ومنه قول الشاعر:
ذعرت له القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين
وفي اصطلاح الشرع: اللعنة: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعلوم أن المسخ من أكبر أنواع الطرد والإبعاد.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً (٤٨)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به، وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء، وأن من أشرك به فقد افترى إثما عظيما. وذكر في مواضع أخر: أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب غفر له، كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية. فإن الإستثناء راجع لقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ وما عطف عليه، لأن معنى الكل جمع في قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (٦٨)﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وذكر في موضع آخر: أن من أشرك
стр. 423
بالله فقد ضل ضلالا بعيدا عن الحق، وهو قوله في هذه السورة الكريمة أيضا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦)﴾ وصرح بأن (١) ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ وقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾. وذكر في موضع آخر: أن المشرك لا يرجى له إخلاص، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ وصرح في موضع آخر: بأن الإشراك ظلم عظيم بقوله عن لقمان مقررا له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾.
وذكر في موضع آخر: أن الأمن التام والاهتداء، إنما هما لمن لم يلبس إيمانه بشرك، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ وقد صح عنه ﷺ أن معنى"بِظُلْمٍ" بشرك.
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، أنكر تعالى عليهم في هذه الآية تزكيتهم أنفسهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ وبقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠)﴾ وصرح بالنهي العام عن تزكية النفس، وأحرى نفس الكافر التي هي أخس شيء وأنجسه بقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ ولم يبين هنا كيفية تزكيهم أنفسهم،
стр. 424
ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، كقوله عنهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)﴾ وصف في هذه الآية الكريمة ظل الجنة بأنه ظليل، ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، وهي قوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود وهي قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ وبين في موضع آخر أنها ظلال متعددة وهو قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾ الآية. وذكر في موضع آخر أنهم في تلك الظلال متكئون مع أزواجهم على الأرائك، وهو قوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير في الحجلة، والحجلة بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة، وبين أن ظل أهل النار ليس كذلك بقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾. وقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، أمر الله في هذه الآية الكريمة بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؛ لأنه تعالى قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ واوضح هذا المأمور به هنا بقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، ويفهم من هذه الآية الكريمة أنه لا يجوز التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وقد أوضح تعالى هذا المفهوم موبخا للمتحاكمين إلى غير
стр. 425
كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - مبينا أن الشيطان أضلهم ضلالا بعيدا عن الحق بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠)﴾ وأشار إلى أنه لا يؤمن أحد حتى يكفر بالطاغوت بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. ومفهوم الشرط أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى، وهو كذلك، ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو بمعزل عن الإيمان، لأن الإيمان بالله هو العروة الوثقى، والإيمان بالطاغوت يستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله أو ركن منه، كما هو صريح قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ الآية.
تنبيه
استدل منكرو القياس بهذه الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، على بطلان القياس قالوا: لأنه تعالى أوجب الرد إلى خصوص الكتاب والسنة، دون القياس.
وأجاب الجمهور بأنه لا دليل في الآية، لأن إلحاق غير المنصوص بالمنصوص لوجود معنى النص فيه لا يخرج عن الرد إلى الكتاب والسنة، بل قال بعضهم: الآية متضمنة لجميع الأدلة الشرعية، فالمراد بإطاعة الله العمل بالكتاب، وبإطاعة الرسول العمل بالسنة، وبالرد إليهما القياس، لأن رد المختلف فيه غير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه، إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئا وراء ذلك. وقد علم من قوله تعالى:
стр. 426
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ أنه عند عدم النزاع يعمل بالمتفق عليه، وهو الإجماع. قاله الألوسي في تفسيره.
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا دعوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول ﷺ يصدون عن ذلك صدودا، أي: يعرضون إعراضا، وذكر في موضع آخر: أنهم إذا دعوا إليه ﷺ ليستغفر لهم لووا رءوسهم، وصدوا واستكبروا، وهو قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)﴾ أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله ﷺ في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم به ظاهرا وباطنا، ويسلمه تسليما كليا من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة، وبين في آية أخرى أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام ظاهرا وباطنا لما حكم به ﷺ ، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا سمعوا بأن المسلمين أصابتهم مصيبة، أي: من قتل الأعداء لهم، أو جراح أصابتهم، أو نحو ذلك يقولون: إن عدم حضورهم معهم من نعم الله عليهم.
стр. 427
وذكر في مواضع أخر: أنهم يفرحون بالسوء الذي أصاب المسلمين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة، أن المنافقين إذا سمعوا أن المسلمين أصابهم فضل من الله، أي: نصر وظفر وغنيمة تمنوا أن يكونوا معهم؛ ليفوزوا بسهامهم من الغنيمة.
وذكر في مواضع أخر: أن ذلك الفضل الذي يصيب المؤمنين يسوءهم؛ لشدة عداوتهم الباطنة لهم، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه سوف يؤتي المجاهد في سبيله أجرا عظيما سواء أقتل في سبيل الله، أم غلب عدوه، وظفر به. وبين في موضع آخر: أن كلتا الحالتين حسنى، وهو قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ والحسنى صيغة تفضيل؛ لأنها تأنيث الأحسن.
• قوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يصرح هنا بالذي يحرض عليه المؤمنين ما هو؟ وصرح في موضع آخر بأنه القتال، وهو قوله: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ وأشار إلى ذلك هنا بقوله في أول الآية: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقوله في آخرها: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ
стр. 428
يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨)﴾ أنكر تعالى في هذه الآية الكريمة على من أراد أن يهدي من أضله الله، وصرح فيها بأن من أضله الله لا يوجد سبيل إلى هداه. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ وقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ ويؤخذ من هذه الآيات أن العبد ينبغي له كثرة التضرع والابتهال إلى الله تعالى: أن يهديه ولا يضله، فإن من هداه الله لا يضل، ومن أضله لا هادي له، ولذا ذكر عن الراسخين في العلم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥)﴾ لم يتعرض لتفضيل بعض المجاهدين على بعض، ولكنه بين ذلك في موضع آخر، وهو قوله: ﴿لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصِّل ثواب المجاهد.
وهذا المفهوم صرح به النبي ﷺ في حديث أنس الثابت في
стр. 429
الصحيح أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر" وفي هذا المعنى قال الشاعر:
يا ظاعنين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسوما، وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر فقد راحا
تنبيه: يؤخذ من قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أن الجهاد فرض كفاية، لا فرض عين؛ لأن القاعدين لو كانوا تاركين فرضا لما ناسب ذلك وعده لهم الصادق بالحسنى، وهي الجنة والثواب الجزيل.
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. قال بعض العلماء: المراد بالقصر في قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾ في هذه الآية قصر كيفيتها، لا كميتها، ومعنى قصر كيفيتها: أن يجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن، كأن يصلي بعضهم مع الإمام ركعة واحدة، ويقف الإمام حتى يأتي البعض الآخر فيصلي الركعة الأخرى، وكصلاتهم إيماء رجالا وركبانا، وغير متوجهين إلى القبلة، فكل هذا من قصر كيفيتها، ويدل على أن المراد هو هذا القصر من كيفيتها قوله تعالى بعده يليه مبينا له: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. ويزيده إيضاحًا أنه
стр. 430
قال هنا: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقال في آية البقرة: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾؛ لأن معناه فإذا أمنتم فأتموا كيفيتها بركوعها وسجودها وجميع ما يلزم فيها مما يتعذر وقت الخوف.
وعلى هذا التفسير الذي دل له القرآن فشرط الخوف في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معتبر، أي: وإن لم تخافوا منهم أن يفتنوكم فلا تقصروا من كيفيتها، بل صلوها على أكمل الهيئات، كما صرح به في قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وصرح باشتراط الخوف أيضا لقصر كيفيتها بأن يصليها الماشي والراكب بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾. ثم قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ الآية. يعني فإذا أمنتم فأقيموا صلاتكم كما أمرتم بركوعها وسجودها، وقيامها وقعودها، على أكمل هيئة وأتمها، وخير ما يبين القرآن القرآن، ويدل على أن المراد بالقصر في هذه الآية القصر من كيفيتها كما ذكرنا، أن البخاري صدر باب صلاة الخوف بقوله: باب صلاة الخوف وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً (١٠١)﴾ وما ذكره ابن حجر وغيره من أن البخاري ساق الآيتين في الترجمة ليشير إلى خروج صلاة الخوف عن هيئة بقية الصلوات بالكتاب قولا، وبالسنة فعلا لا ينافي ما أشرنا إليه من أنه ساق الآيتين في الترجمة لينبه على أن قصر الكيفية الوارد في أحاديث الباب هو المراد بقصر الصلاة في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ويؤيده أيضا أن قصر عددها لا يشترط فيه الخوف، وقد كان - ﷺ -
стр. 431
يقصر هو وأصحابه في السفر، وهم في غاية الأمن، كما وقع في حجة الوداع وغيرها، وكما قال - ﷺ - لأهل مكة: "أتموا فإنا قوم سفر".
وممن قال بأن المراد بالقصر في هذه الآية قصر الكيفية، لا الكمية: مجاهد، والضحاك، والسدي، نقله عنهم ابن كثير. وهو قول أبي بكر الرازي الحنفي، ونقل ابن جرير نحوه عن ابن عمر، ولما نقل ابن كثير هذا القول عمن ذكرنا قال: واعتضدوا بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان عن عروة ابن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر" وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم عن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، أربعتهم عن مالك به. قالوا: "فإذا كان أصل الصلاة في السفر اثنتين فكيف يكون المراد بالقصر هنا قصر الكمية؟ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة".
وأصرح من ذلك دلالة على هذا ما رواه الإمام أحمد: حدثنا وكيع، وسفيان، وعبد الرحمن، عن زبيد اليامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر ﵁ قال: "صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، على لسان محمد - ﷺ -".
وهكذا رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق عن زبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم، وقد حكم
стр. 432
مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى من عمر، وقد جاء مصرحا به في هذا الحديث وغيره وهو الصواب أن شاء الله تعالى، وإن كان يحيى بن معين وأبو حاتم، والنسائي قد قالوا: إنه لم يسمع منه. وعلى هذا أيضا فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي من طريق الثوري، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الثقة، عن عمر فذكره. وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عجرة، عن عمر. فالله أعلم.
وقد روى مسلم في صحيحه، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري -زاد مسلم والنسائي- أيوب بن عائذ، كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد عن عبد الله بن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد - ﷺ - في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها فكذلك يصلى في السفر".
ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد عن طاوس نفسه، فهذا ثابت عن ابن عباس ﵄. ولا ينافي ما تقدم عن عائشة ﵂؛ لأنها أخبرت "أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر" فلما استقر ذلك صح أن يقال: "إن فرض صلاة الحضر أربع"، كما قاله ابن عباس. والله أعلم.
لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث
стр. 433
عمر ﵁.
واعلم أن حديث عائشة المذكور تكلم فيه من ثمان جهات:
الأولى: أنه معارض بالإجماع.
قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه المسمى بالقبس: قال علماؤنا: هذا الحديث مردود بالإجماع.
الثانية: أنها هي خالفته، والراوي من أعلم الناس بما روى فهي ﵂ كانت تتم في السفر، قالوا: ومخالفتها لروايتها توهن الحديث.
الثالثة: إجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم.
الرابعة: أن غيرها من الصحابة خالفها كعمر، وابن عباس وجبير بن مطعم، فقالوا: "إن الصلاة فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" وقد قدمنا رواية مسلم وغيره له عن ابن عباس.
الخامسة: دعوى أنه مضطرب؛ لأنه رواه ابن عجلان، عن صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة قالت: "فرض رسول الله - ﷺ - الصلاة ركعتين"، وقال فيه الأوزاعي: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: "فرض الله الصلاة على رسول الله - ﷺ - ركعتين ركعتين" الحديث. قالوا: فهذا اضطراب.
السادسة: أنه ليس على ظاهره؛ لأن المغرب والصبح لم يزد
стр. 434
فيهما، ولم ينقص.
السابعة: أنه من قول عائشة، لا مرفوع.
الثامنة: قول إمام الحرمين: لو صح لنقل متواترا.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذه الاعتراضات الموردة على حديث عائشة المذكور كلها ساقطة.
أما معارضته بالإجماع فلا يخفى سقوطها؛ لأنه لا يصح فيه إجماع، وذكر ابن العربي نفسه الخلاف فيه. وقال القرطبي بعد ذكره دعوى ابن العربي الإجماع المذكور، قلت: وهذا لا يصح، وقد ذكر هو وغيره الخلاف والنزاع، فلم يصح ما ادعوه من الإجماع.
وأما معارضته بمخالفة عائشة له فهي أيضا ظاهرة السقوط؛ لأن العبرة بروايتها، لا برأيها كما هو التحقيق عند الجمهور، وقد بيناه في سورة البقرة في الكلام على حديث طاوس المتقدم في الطلاق.
وأما معارضته بإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم، فجوابه أن فقهاء الأمصار لم يجمعوا على ذلك، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن المسافر لا يصح اقتداؤه بالمقيم لمخالفتهما في العدد، والنية، واحتجوا بحديث "لا تختلفوا على إمامكم" وممن ذهب إلى ذلك الشعبي وطاوس، وداود الظاهري وغيرهم.
وأما معارضته بمخالفة بعض الصحابة لها كابن عباس.
стр. 435
فجوابه ما قدمناه آنفا عن ابن كثير من أن صلاة الحضر لما زيد فيها واستقر ذلك صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع كما قال ابن عباس.
وأما تضعيفه بالاضطراب فهو ظاهر السقوط؛ لأنه ليس فيه اضطراب أصلا، ومعنى فرض الله وفرض رسول الله واحد؛ لأن الله هو المشرع والرسول هو المبين، فإذا قيل: فرض رسول الله كذا فالمراد أنه مبلغ ذلك عن الله، فلا ينافي أن الله هو الذي فرض ذلك كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ونظيره حديث "إن إبراهيم حرم مكة" مع حديث "إن مكة حرمها الله" الحديث.
وأما رده بأن المغرب والصبح لم يزد فيهما فهو ظاهر السقوط أيضا؛ لأن المراد بالحديث الصلوات التي تقصر خاصة كما هو ظاهر، مع أن بعض الروايات عن عائشة عند ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي. قالت: "فرضت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار" وعند أحمد من طريق ابن كيسان في حديث عائشة المذكور "إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا". وهذه الروايات تبين أن المراد خصوص الصلوات التي تقصر.
وأما رده بأنه غير مرفوع فهو ظاهر السقوط؛ لأنه مما لا مجال فيه للرأي، فله حكم المرفوع، ولو سلمنا أن عائشة لم تحضر فرض الصلاة فإنها يمكن أن تكون سمعت ذلك من النبي - ﷺ - في زمنها معه، ولو فرضنا أنها لم تسمعه منه فهو مرسل صحابي،
стр. 436
ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل.
وأما قول إمام الحرمين: إنه لو ثبت لنقل متواترا فهو ظاهر السقوط، لأن مثل هذا لا يرد بعدم التواتر.
فإذا عرفت مما تقدم أن صلاة السفر فرضت ركعتين كما صح به الحديث عن عائشة وابن عباس وعمر ﵃ فاعلم أن ابن كثير بعد أن ساق الحديث عن عمر، وابن عباس، وعائشة قال ما نصه: وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أن تقصروا من الصلاة قصر الكيفية، كما في صلاة الخوف، ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية. فبين المقصود من القصر ها هنا، وذكر صفته وكيفيته اهـ. محل الغرض منه بلفظه وهو واضح جدا فيما ذكرنا، وهو اختيار ابن جرير.
وعلى هذا القول فالآية في صلاة الخوف، وقصر الصلاة في السفر عليه مأخوذ من السنة، لا من القرآن.
وفي معنى الآية الكريمة أقوال أخر.
أحدها: أن معنى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الاقتصار على ركعة واحدة في صلاة الخوف، كما قدمنا آنفا من حديث ابن عباس عند مسلم، والنسائي، وأبي داود، وابن ماجه، وقدمنا أنه رواه ابن ماجه عن طاوس، وقد روى نحوه أبو داود، والنسائي من حديث حذيفة قال: "فصلى بهؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة ولم يقضوا" ورواه النسائي أيضا من حديث زيد بن
стр. 437
ثابت، عن النبي - ﷺ -.
وممن قال بالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة الثوري، وإسحاق، ومن تبعهما. وروي عن أحمد بن حنبل، وعطاء، وجابر، والحسن، ومجاهد، والحكم، وقتادة، وحماد، والضحاك.
قال بعضهم: يصلى الصبح في الخوف ركعة، وإليه ذهب ابن حزم، ويحكى عن محمد بن نصر المروزي، وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف قال أبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وغير واحد من التابعين. ومنهم من قيده بشدة الخوف، وعلى هذا القول فالقصر في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ قصر كمية.
وقال جماعة: إن المراد بالقصر في قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ هو قصر الصلاة في السفر. قالوا: ولا مفهوم مخالفة للشرط الذي هو قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لأنه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة. وقد تقرر في الأصول، أن من الموانع لاعتبار مفهوم المخالفة خروج المنطوق مخرج الغالب، ولذا لم يعتبر الجمهور مفهوم المخالفة في قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ لجريانه على الغالب.
قال في مراقي السعود في ذكر مواقع اعتبار مفهوم المخالفة:
أو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل أو جرى على الذي غلب
واستدل من قال: إن المراد بالآية قصر الرباعية في السفر بما أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة،
стр. 438
عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس. قال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - ﷺ -، عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
فهذا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وغيره يدل على أن يعلى بن أمية، وعمر بن الخطاب ﵄، كانا يعتقدان أن معنى الآية قصر الرباعية في السفر، وأن النبي - ﷺ - أقر عمر على فهمه لذلك، وهو دليل قوي، ولكنه معارض بما تقدم عن عمر من أنه قال: "صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد - ﷺ -" ويؤيده حديث عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمان. وظاهر الآيات المتقدمة الدالة على أن المراد بقوله: ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ قصر الكيفية في صلاة الخوف، كما قدمنا، والله تعالى أعلم.
وهيئات صلاة الخوف كثيرة، فإن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة، وتارة إلى غيرها، والصلاة قد تكون رباعية، وقد تكون ثلاثية، وقد تكون ثنائية، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم القتال، فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، وكل هيئات صلاة الخوف الواردة في الصحيح جائزة، وهيئاتها، وكيفياتها مفصلة في كتب الحديث والفروع، وسنذكر ما ذهب إليه الأئمة الأربعة منها إن شاء الله.
أما مالك بن أنس فالصورة التي أخذ بها منها هي: أن الطائفة الأولى تصلي مع الإمام ركعة في الثنائية، وركعتين في الرباعية،
стр. 439
والثلاثية، ثم تتم باقي الصلاة، وهو اثنتان في الرباعية، وواحدة في الثنائية، والثلاثية، ثم يسلمون ويقفون وجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيجدون الإمام قائما ينتظرهم، وهو مخير في قيامه بين القراءة، والدعاء، والسكوت إن كانت ثنائية، وبين الدعاء والسكوت إن كانت رباعية أو ثلاثية. وقيل: ينتظرهم في الرباعية والثلاثية جالسا فيصلي بهم باقي الصلاة، وهو ركعة في الثنائية، والثلاثية، وركعتان في الرباعية، ثم يسلم ويقضون ما فاتهم بعد سلامه، وهو ركعة في الثنائية، وركعتان في الرباعية والثلاثية. فتحصل أن هذه الصورة، أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة، أو اثنتين، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون، ويقفون في وجه العدو، ثم تأتي الأخرى فيصلي بهم الباقي، ويسلم ويتمون لأنفسهم، قال ابن يونس في هذه الصورة التي ذكرنا: وحديث القاسم أشبه بالقرآن، وإلى الأخذ به رجع مالك اهـ.
قال مقيده - عفا الله عنه -: مراد ابن يونس، أن الحديث الذي رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، بالكيفية التي ذكرنا. هو الذي رجع إليه مالك، ورجحه أخيرا على ما رواه، أعني مالكا، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله - ﷺ - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف. الحديث، والفرق بين رواية القاسم بن محمد، وبين رواية يزيد بن رومان، أن رواية يزيد بن رومان فيها أن النبي - ﷺ - صلى بالطائفة الأخرى الركعة التي بقيت من صلاته؛ ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، وقد عرفت أن رواية القاسم عند
стр. 440
مالك في الموطأ، أنه يصلي بالطائفة الأخرى الركعة الباقية، ثم يسلم فيتمون بعد سلامه لأنفسهم.
قال ابن عبد البر مشيرا إلى الكيفية التي ذكرنا: وهي رواية القاسم بن محمد، عند مالك، وهذا الذي رجع إليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن رومان، وإنما اختاره ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات إن الإمام لا ينتظر المأموم، وإن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام، وحديث القاسم هذا الذي أخرجه مالك في الموطأ موقوف على سهل، إلا أن له حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للرأي فيه. والتحقيق أنه مرسل صحابي؛ لأن سهلا كان صغيرا في زمن النبي - ﷺ -، وجزم الطبري، وابن حبان، وابن السكن، وغيرهم بأن النبي - ﷺ - توفي وسهل المذكور ابن ثمان سنين، وزعم ابن حزم، أنه لم يرد عن أحد من السلف القول بالكيفية التي ذكرنا أنها رجع إليها مالك، ورواها في موطئه عن القاسم بن محمد، هذا هو حاصل مذهب مالك في كيفية صلاة الخوف.
قال أولا بأن الإمام يصلي بالطائفة الأولى، ثم تتم لأنفسها، ثم تسلم، ثم يصلي بقية الصلاة بالطائفة الأخرى وينتظرها حتى تتم، ثم يسلم بها. ورجع إلى أن الإمام يسلم إذا صلى بقية صلاته مع الطائفة الأخرى، ولا ينتظرهم حتى يسلم بهم، بل يتمون لأنفسهم بعد سلامه، كما بينا.
والظاهر أن المبهم في رواية يزيد بن رومان في قول صالح بن خوات: عمن صلى مع رسول الله - ﷺ -. الحديث أنه أبوه خوات بن جبير الصحابي، ﵁، لا سهل بن أبي حثمة. كما قاله بعضهم.
стр. 441
قال الحافظ في الفتح: ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير؛ لأن أبا أويس روى هذا الحديث عن يزيد بن رومان شيخ مالك فيه، فقال: عن صالح بن خوات، عن أبيه، أخرجه ابن منده في معرفة الصحابة من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقي، من طريق عبيد الله بن عمر، عن القاسم ابن محمد، عن صالح بن خوات، عن أبيه، وجزم النووي في تهذيبه بأنه أبوه خوات، وقال: إنه محقق من رواية مسلم وغيره. قلت: وسبقه إلى ذلك الغزالي، فقال إن صلاة ذات الرقاع في رواية خوات بن جبير. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
ولم يفرق المالكية بين كون العدو إلى جهة القبلة وبين كونه إلى غيرها، وأما إذا اشتد الخوف والتحم القتال، ولم يمكن لأحد منهم ترك القتال فإنهم يصلونها رجالا وركبانا إيماء، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، كما نص عليه تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ الآية.
وأما الشافعي ﵀ فإنه اختار من هيئات صلاة الخوف أربعا:
إحداها: هي التي ذكرنا آنفا عند اشتداد الخوف والتحام القتال، حتى لا يمكن لأحد منهم ترك القتال، فإنهم يصلون كما ذكرنا رجالا وركبانا إلخ الهيئة.
الثانية: هي التي صلاها - ﷺ - ببطن نخل، وهي أن يصلي بالطائفة الأولى صلاتهم كاملة ثم يسلمون جميعهم الإمام والمأمومون، ثم تأتي الطائفة الأخرى التي كانت في وجه العدو فيصلي بهم مرة
стр. 442
أخرى هي لهم فريضة، وله نافلة، وصلاة بطن نخل هذه رواها جابر وأبو بكرة، فأما حديث جابر فرواه مسلم أنه صلى مع النبي - ﷺ - صلاة الخوف، فصلى رسول الله - ﷺ - بإحدى الطائفتين ركعتين ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله - ﷺ - أربع ركعات وصلى بكل طائفة ركعتين. وذكره البخاري مختصرا ورواه الشافعي والنسائي وابن خزيمة من طريق الحسن، عن جابر وفيه أنه سلم من الركعتين أولا، ثم صلى ركعتين بالطائفة الأخرى.
وأما حديث أبي بكرة فرواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والدارقطني؟ وفي رواية بعضهم "أنها الظهر"، وفي رواية بعضهم "أنها المغرب"، وإعلال ابن القطان لحديث أبي بكرة هذا بأنه أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة مردود بأنا لو سلمنا أنه لم يحضر صلاة الخوف فحديثه مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل، كما هو معلوم. واعلم أن حديث أبي بكرة ليس فيه أن ذلك كان ببطن نخل. وقد استدل الشافعية بصلاة بطن نخل هذه على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل.
واعلم أن هذه الكيفية التي ذكرنا أنها هي كيفية صلاة بطن نخل كما ذكره النووي وابن حجر وغيرهما قد دل بعض الروايات عند مسلم والبخاري وغيرهما على أنها هي صلاة ذات الرقاع، وجزم ابن حجر بأنهما صلاتان، والله تعالى أعلم. وقد دل بعض الروايات على أن صلاة بطن نخل هي صلاة عسفان. والله تعالى أعلم.
الهيئة الثالثة: من الهيئات التي اختارها الشافعي صلاة
стр. 443
عسفان، وكيفيتها كما قال جابر ﵁ قال: "شهدت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف، فصفنا صفين، صف خلف رسول الله - ﷺ - والعدو بيننا وبين القبلة؛ فكبر النبي - ﷺ - وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو؟ فلما قضى النبي - ﷺ - السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المتقدم، ثم ركع النبي - ﷺ - وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى النبي - ﷺ - السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعا" هذا لفظ مسلم في صحيحه وأخرج نحوه النسائي والبيهقي من رواية ابن عباس، ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت، وهو صحابي.
وقول ابن حجر في التقريب في الكنى: إنه تابعي. الظاهر أنه سهو منه ﵀.
وإنما قلنا: إن هذه الكيفية من الكيفيات التي اختارها الشافعي مع أنها مخالفة للصورة التي صحت عنه في صلاة عسفان؛ لأنه أوصى على العمل بالحديث إذا صح، وأنه مذهبه، والصورة التي صحت عن الشافعي ﵀ في مختصر المزني والأم أنه قال:
стр. 444
صلى بهم الإمام وركع وسجد بهم جميعا إلا صفا يليه إو بعض صف ينتظرون العدو، فإذا قاموا بعد السجدتين سجد الصف الذي حرسهم، فإذا ركع ركع بهم جميعا، وإذا سجد سجد معه الذين حرسوا أولا إلا صفا أو بعض صف يحرسه منهم، فإذا سجدوا سجدتين، وجلسوا سجد الذين حرسوا، ثم يتشهدون، ثم سلم بهم جميعا معا. وهذا نحو صلاة النبي - ﷺ - بعسفان، قال: ولو تأخر الصف الذي حرس إلى الصف الثاني وتقدم فحرس فلا بأس انتهى بواسطة نقل النووي.
والظاهر أن الشافعي ﵀ يرى أن الصورتين أعني التي ذكرنا في حديث جابر، وابن عباس، وأبي عياش الزرقي والتي نقلناها عن الشافعي كلتاهما جائزة، واتباع ما ثبت في الصحيح أحق من غيره، وصلاة عسفان المذكورة صلاة العصر.
وقد جاء في بعض الروايات عند أبي داود وغيره أن مثل صلاة عسفان التي ذكرنا صلاها - ﷺ - يوم بني سليم.
الرابعة: من الهيئات التي اختارها الشافعي ﵀ هي: صلاة ذات الرقاع، والكيفية التي اختارها الشافعي منها هي التي قدمنا رواية مالك لها عن يزيد بن رومان، وهي أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم يفارقونه ويتمون لأنفسهم ويسلمون، ويذهبون إلى وجوه العدو، وهو قائم في الثانية يطيل القراءة حتى يأتي الآخرون، فيصلي بهم الركعة الباقية، ويجلس ينتظرهم حتى يصلوا ركعتهم الباقية، ثم يسلم بهم. وهذه الكيفية قد قدمنا أن مالكا رواها عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات بن جبير،
стр. 445
عمن صلى مع النبي - ﷺ - صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، وأخرجها الشيخان من طريقه، فقد رواها البخاري عن قتيبة، عن مالك، ومسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك نحو ما ذكرنا. وقد قدمنا أن مالكا قال بهذه الكيفية أولا، ثم رجع عنها إلى أن الإمام يسلم ولا ينتظر إتمام الطائفة الثانية صلاتهم حتى يسلم بهم. وصلاة ذات الرقاع لها كيفية أخرى غير هذه التي اختار الشافعي، وهي ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم؛ مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي - ﷺ - ركعة، ثم سلم النبي - ﷺ -، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة.
هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري بمعناه، ولم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى؛ لأن إتمامهم في حالة واحدة يستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه ثم سلم، فقام هؤلاء، أي: الطائفة الثانية، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها، ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها.
واعلم أن ما ذكره الرافعي وغيره من كتب الفقه من أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت، وجاءت الطائفة
стр. 446
الأولى، فأتموا ركعة، ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا مخالف للروايات الثابتة في الصحيحين وغيرهما، وقال ابن حجر في الفتح: إنه لم يقف عليه في شيء من الطرق.
وأما الإمام أحمد ﵀ فإن جميع أنواع صلاة الخوف الثابتة عنه - ﷺ - جائزة عنده، والمختار منها عنده صلاة ذات الرقاع التي قدمنا اختيار الشافعي أنها أيضا، وهي أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعة، ثم يتمون لأنفسهم، ويسلمون، ويذهبون إلى وجوه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الركعة الأخرى ثم يصلون ركعة فإذا أتموها وتشهدوا سلم بهم.
وأما الإمام أبو حنيفة ﵀ فالمختار منها عنده أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعة إن كان مسافرا، أو كانت صبحا مثلا، واثنتين إن كان مقيما، ثم تذهب هذه الطائفة الأولى إلى وجوه العدو، ثم تجىء الطائفة الأخرى ويصلي بهم ما بقي من الصلاة ويسلم، وتذهب هذه الطائفة الأخيرة إلى وجوه العدو، وتجىء الطائفة الأولى، وتتم بقية صلاتها بلا قراءة؛ لأنهم لاحقون، ثم يذهبون إلى وجوه العدو، وتجىء الطائفة الأخرى فيتمون بقية صلاتهم بقراءة؛ لأنهم مسبوقون.
واحتجوا لهذه الكيفية بحديث ابن عمر المتقدم. وقد قدمنا أن هذه الكيفية ليست في رواية الصحيحين وغيرهما لحديث ابن عمر.
وقد قدمنا أيضا من حديث ابن مسعود عند أبي داود أن الطائفة الأخرى لما صلوا مع النبي - ﷺ - الركعة الأخرى أتموا
стр. 447
لأنفسهم فوالوا بين الركعتين، ثم ذهبوا إلى وجوه العدو فجاءت الطائفة الأولى فصلوا ركعتهم الباقية. هذا هو حاصل المذاهب الأربعة في صلاة الخوف.
وقال النووي في شرح المهذب: صلاة ذات الرقاع أفضل من صلاة بطن نخل على أصح الوجهين؛ لأنها أعدل بين الطائفتين؛ ولأنها صحيحة بالإجماع، وتلك صلاة مفترض خلف متنفل، وفيها خلاف للعلماء.
والثاني: -وهو قول أبي إسحاق- صلاة بطن نخل أفضل؛ لتحصل كل طائفة فضيلة جماعة تامة.
واعلم أن الإمام في الحضرية يصلي بكل واحدة من الطائفتين ركعتين، وفي السفرية ركعة ركعة، ويصلى في المغرب بالأولى ركعتين عند الأكثر.
وقال بعضهم: يصلي بالأولى في المغرب ركعة.
واعلم أن التحقيق أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر وإن جزم جماعة كبيرة من المؤرخين بأن غزوة ذات الرقاع قبل خيبر. والدليل على ذلك الحديث الصحيح أن قدوم أبي موسى الأشعري على النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر مع الحديث الصحيح أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع.
قال البخاري في صحيحه: حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: "بلغنا مخرج النبي - ﷺ - ونحن باليمن فخرجنا
стр. 448
مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم، إما قال: بضع، وإما قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنتين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر" الحديث ... وفيه التصريح بأن قدوم أبي موسى حين افتتاح خيبر.
وقد قال البخاري أيضا: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال "خرجنا مع النبي - ﷺ - في غزاة ونحن في ستة نفر بيننا بعير نتعقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، وكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع". الحديث. فهذان الحديثان الصحيحان فيهما الدلالة الواضحة على تأخر ذات الرقاع عن خيبر، وقد قال البخاري ﵀: باب غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة، من غطفان فنزل نخلا وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر الخ. وإنما بينا هذا ليعلم به أنه لا حجة في عدم صلاة الخوف في غزوة الخندق على انها غير مشروعة في الحضر بدعوى أن ذات الرقاع قبل الخندق وأن صلاة الخوف كانت مشروعة قبل غزوة الأحزاب التي هي غزوة الخندق، وأنه - ﷺ - ما تركها مع أنهم شغلوه وأصحابه عن صلاة الظهر والعصر إلى الليل إلا لأنها لم تشرع في الحضر، بل التحقيق أن صلاة الخوف ما شرعت إلا بعد الخندق. وأشار أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي إلى غزوة ذات الرقاع بقوله:
стр. 449
ثم إلى محارب وثعلبة ... ذات الرقاع ناهزوا المضاربة
ولم يكن حرب وغورث جرى ... بها الذي لدعثور جرى
مع النبي وعلى المعتمد ... جرت لواحد بلا تعدد
والناظم هذا يرى أنها قبل خيبر تبعا لابن سيد الناس ومن وافقه.
ومما اختلف فيه العلماء من كيفيات صلاة الخوف صلاة ذي قرد، وهي أن تصلى كل واحدة مع الإمام ركعة واحدة، وتقتصر عليها، وقد قدمنا ذلك من حديث ابن عباس عند مسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، ومن حديث حذيفة عند أبي داود، والنسائي، وهذه الكيفية هي التي صلاها حذيفة بن اليمان لما قال سعيد بن العاص بطبرستان أيكم صلى صلاة الخوف مع رسول الله - ﷺ -؟ فقال حذيفة: أنا" وصلى بهم مثل ما ذكرنا، كما أخرجه النسائي عنه، وعن زيد بن ثابت، ورواه أبو داود عن ثعلبة بن زهدم وهو الذي رواه من طريقه النسائي، ولفظ أبي داود عن ثعلبة بن زهدم، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. قال أبو داود: وكذا رواه عبيد الله بن عبد الله، ومجاهد، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، وعبد الله بن شقيق عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، ويزيد الفقير وأبو موسى. قال أبو داود: رجل من التابعين ليس بالأشعري جميعا، عن جابر عن النبي - ﷺ -، وقد قال بعضهم عن شعبة في حديث يزيد الفقير: إنهم قضوا ركعة أخرى، وكذلك رواه سماك
стр. 450
الحنفي، عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -، وكذلك رواه زيد بن ثابت عن النبي - ﷺ -، قال: فكانت للقوم ركعة ركعة، وللنبي - ﷺ - ركعتين. اهـ. منه بلفظه.
وقال القرطبي في تفسيره ما نصه: قال السدي إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحل إلا أن تخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئا، ويكون للإمام ركعتان، وروي نحوه عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله وكعب، وفعله حذيفة بطبرستان، وقد سأله الأمير سعيد بن العاص عن ذلك، وروي عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة لكل طائفة ولم يقضوا، وروي عن جابر بن عبد الله أن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه كذلك يوم غزوة محارب خصفة وبني ثعلبة، وروى أبو هريرة أن النبي - ﷺ - صلى كذلك بين ضجنان وعسفان، ويكون كل من الطائفتين تقتصر على ركعة واحدة.
قال أيضا إسحاق: وروي عن الإمام أحمد وجمهور العلماء على أن الاقتصار على ركعة واحدة في الخوف لا يجوز، وأجابوا عن الأحاديث الواردة بذلك من الوجهين:
الأول: أن المراد بقول الصحابة الذين رووا ذلك ولم يقضوا أنهم بعد ما أمنوا وزال الخوف، لم يقضوا تلك الصلاة التي صلوها في حالة الخوف، وتكون فيه فائدة أن الخائف إذا أمن لا يقضى ما صلى على تلك الهيئة المخالفة لهيئة صلاة الأمن، وهذا القول له وجه من النظر.
الوجه الثاني: أن قولهم في الحديث: ولم يقضوا، أي: في
стр. 451
علم من روى ذلك، لأنه قد روى أنهم قضوا ركعة في تلك الصلاة بعينها، ورواية من زاد أولى. قاله القرطبي وابن عبد البر. ويدل له ما تقدم من رواية يزيد الفقير، عن جابر من طريق شعبة عند أبي داود، أنهم قضوا ركعة أخرى، والمثبت مقدم على النافي، ويؤيد هذه الرواية كثرة الروايات الصحيحة بعدم الاقتصار على واحدة في كيفيات صلاة الخوف والله تعالى أعلم.
وحاصل ما تقدم بيانه من كيفيات صلاة الخوف خمس، وهي صلاة المسايفة الثابتة في صريح القرآن، وصلاة بطن نخل، وصلاة عسفان، وصلاة ذات الرقاع، وصلاة ذي قرد.
وقد أشار الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي إلى غزوة ذات قرد بقوله:
فغزوة الغابة وهي ذو قرد ... خرج في إثر لقاحه وجد
وناشها سلمة بن الأكوع ... وهو يقول: اليوم يوم الرضع
وفرض الهادي له سهمين ... لسبقه الخيل على الرجلين
واستنقذوا من ابن حصن عشرا ... وقسم النبي فيهم جزرا
وقد جزم البخاري في صحيحه بأن غزوة ذات قرد قبل خيبر بثلاث ليال، وأخرج نحو ذلك مسلم في صحيحه عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: فرجعنا من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر، فما في الصحيح أثبت مما يذكره أهل السير مما يخالف ذلك، وكقول ابن سعد: إنها كانت في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية، وكقول
стр. 452
ابن إسحاق: إنها كانت في شعبان من سنة ست بعد غزوة لحيان بأيام.
ومال ابن حجر في فتح الباري إلى الجمع بين ما في الحديث الصحيح وبين ما ذكره أهل السير بتكرر الخروج إلى ذي قرد.
وقرد بفتحتين في رواية الحديث، وأهل اللغة يذكرون أنه بضم ففتح أو بضمتين.
وقد وردت صلاة الخوف على كيفيات أخر غير ما ذكرنا. قال ابن القصار المالكي: إن النبي - ﷺ - صلاها في عشرة مواضع. وقال ابن العربي المالكي: روي عن النبي - ﷺ - أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر- والله تعالى أعلم- أن أفضل الكيفيات الثابتة عنه - ﷺ - في صلاة الخوف ما كان أبلغ في الاحتياط للصلاة والتحفظ من العدو.
تنبيهان
الأول: آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة؛ لأن الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم، إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف، لأنه عذر ظاهر.
الثاني: لا تختص صلاة الخوف بالنبي - ﷺ -، بل مشروعيتها باقية إلى يوم القيامة، والاستدلال على خصوصها به - ﷺ - بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية. استدلال ساقط،
стр. 453
وقد أجمع الصحابة وجميع المسلمين على رد مثله في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية. واشتراط كونه - ﷺ - فيهم إنما ورد لبيان الحكم، لا لوجوده، والتقدير: بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول كما قاله ابن العربي وغيره، وشذ عن الجمهور أبو يوسف، والمزني، وقال بقولهما الحسن بن زياد اللؤلؤي، وإبراهيم بن علية فقالوا: أن صلاة الخوف لم تشرع بعده - ﷺ -، واحتجوا بمفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية. ورد عليهم بإجماع الصحابة عليها بعده - ﷺ -، وبقوله - ﷺ -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم.
تنبيه: فإن قيل: قد قررتم ترجيح أن آية: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ في صلاة الخوف، لا صلاة السفر، وإذن فمفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يفهم منه أن صلاة الخوف لا تشرع في الحضر.
فالجواب: أن هذا المفهوم قال به ابن الماجشون، فمنع صلاة الخوف في الحضر. واستدل بعضهم أيضا لمنعها فيه بأن النبي - ﷺ - لم يصلها يوم الخندق، وفات عليه العصران، وقضاهما بعد المغرب، وبأنه - ﷺ - لم يصلها إلا في سفر، وجمهور العلماء على أنها تصلى في الحضر أيضا، وأجابوا بأن الشرط لا مفهوم مخالفة له أيضا، لجريه على الغالب كما تقدم، أو لأنه نزل في حادثة واقعة مبينا حكمها. كما روي عن مجاهد قال: كان النبي - ﷺ - وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلى النبي
стр. 454
- ﷺ - بأصحابه صلاة تامة بركوعها وسجودها، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم فنزلت. وهذه الحادثة وقعت وهم مسافرون ضاربون في الأرض، وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون المنطوق نازلا على حادثة واقعة، ولذا لم يعتبر مفهوم المخالفة في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ ولا في قوله: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن كلا منهما نزل على حادثة واقعة.
فالأول: نزل في إكراه ابن أبي جواريه على الزنا، وهن يردن التحصن من ذلك.
والثاني: نزل في قوم من الأنصار والوا اليهود من دون المؤمنين، فنزل القرآن في كل منهما ناهيا عن الصورة الواقعة من غير إرادة التخصيص بها.
وأشار إليه في المراقي بقوله في تعداد موانع اعتبار مفهوم المخالفة:
أو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع
وأجابوا عن كونه - ﷺ - لم يصلها يوم الخندق بأن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف، كما رواه النسائي وابن حبان والشافعي. وبه تعلم عدم صحة قول من قال: إن غزوة ذات الرقاع التي صلى فيها النبي - ﷺ - صلاة الخوف كانت قبل الخندق.
وأجابوا عن كونه لم يصلها إلا في السفر بأن السفر بالنسبة إلى صلاة الخوف وصف طردي، وعلتها هي الخوف لا السفر،
стр. 455
فمتى وجد الخوف وجد حكمها، كما هو ظاهر.
نكتة: فإن قيل: لم لا تكون كل هيئة من هيئات صلاة الخوف ناسخة للتي قبلها؛ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث؟ فالجواب من وجهين:
الأول: هو ما تقدم من أن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة وتارة إلى غير جهتها إلى آخر ما تقدم، وكل حالة تفعل فيها الهيئة المناسبة لها كما هو ظاهر.
الثاني: هو ما حققه بعض الأصوليين كابن الحاجب والرهوني وغيرهما من أن الأفعال لا تعارض بينها أصلا، إذ الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصيا، لا كليا حتى ينافي فعلا آخر، فليس للفعل الواقع قدر مشترك بينه وبين غيره، فيجوز أن يقع الفعل واجبا في وقت، وفي وقت آخر بخلافه، وإذن فلا مانع من جواز الفعلين المختلفين في الهيئة لعبادة واحدة. وعقده في مراقي السعود بقوله:
ولم يكن تعارض الأفعال ... في كل حالة من الأحوال
وما ذكره المحلي: من دلالة الفعل على الجواز المستمر دون القول، بحث فيه صاحب نشر البنود في شرح البيت المتقدم آنفا، والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معناه ينالونكم بسوء.
فروع: تتعلق بهذه الآية الكريمة على القول بأنها في قصر الرباعية، كما يفهم من حديث يعلى بن أمية عن عمر بن الخطاب
стр. 456
- ﵄ عن النبي - ﷺ - عند مسلم وأحمد وأصحاب السنن كما تقدم.
الفرع الأول: أجمع العلماء على مشروعية قصر الرباعية في السفر خلافا لمن شذ وقال: لا قصر إلا في حج أو عمرة، ومن قال: لا قصر إلا في خوف، ومن قال: لا قصر إلا في سفر طاعة خاصة، فإنها أقوال لا معول عليها عند أهل العلم.
واختلف العلماء في الإتمام في السفر، هل يجوز أو لا؟ فذهب بعض العلماء إلى أن القصر في السفر واجب.
وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة ﵀ وهو قول علي، وعمر، وابن عمر، ويروى عن ابن عباس وجابر، وبه قال الثوري وعزاه الخطابي في "المعالم" لأكثر علماء السلف، وفقهاء الأمصار، ونسبه إلى علي وعمر وابن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن قال: وقال حماد بن أبي سليمان: يعيد من صلى في السفر أربعا. اهـ. منه بواسطة نقل الشوكاني ﵀.
وحجة هذا القول الذي هو وجوب القصر ما قدمنا من الأحاديث عن عائشة، وابن عباس، وعمر ﵃ بأن الصلاة فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر، ودليل هؤلاء واضح.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز الإتمام والقصر، كما يجوز الصوم والإفطار، إلا أنهم اختلفوا هل القصر أو الإتمام أفضل؟ وبهذا قال عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة ﵃.
стр. 457
قال النووي في "شرح المهذب" وحكاه العبدري عن هؤلاء -يعني من ذكرنا- وعن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، والحسن البصري، ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وداود، وهو مذهب أكثر العلماء ورواه البيهقي عن سلمان الفارسي في اثني عشر من الصحابة. وعن أنس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن ابن الأسود وابن المسيب وأبي قلابة.
واحتج أهل هذا القول بأمور:
الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآية؛ لأن التعبير برفع الجناح دليل لعدم اللزوم.
الأمر الثاني: هو ما قدمنا في حديث يعلى بن أمية عن عمر بن الخطاب من أن النبي - ﷺ - قال في القصر في السفر: "صدقة تصدق الله بها عليكم" الحديث- فكونه صدقة وتخفيفا يدل على عدم اللزوم.
الأمر الثالث: هو ما رواه النسائي، والبيهقي، والدارقطني عن عائشة ﵂ أنها اعتمرت مع رسول الله - ﷺ - فأفطر هو - ﷺ -، وقصر الصلاة، وصامت هي، وأتمت الصلاة، فأخبرته بذلك فقال لها: أحسنت. قال النووي في "شرح المهذب": هذا الحديث رواه النسائي والدارقطني والبيهقي بإسناد حسن أو صحيح، وقال البيهقي في "السنن الكبرى" قال الدارقطني: إسناده حسن قال: وقال في "معرفة السنن والآثار". هو إسناد صحيح.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن ما جاء في هذا
стр. 458
الحديث من أن عمرة عائشة المذكورة في رمضان لا يصح؛ لأن المحفوظ الثابت بالروايات الصحيحة أن النبي - ﷺ - لم يعتمر في رمضان قط؛ لأنه لم يعتمر إلا أربع عمر:
الأولى: عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت الحرام عام ست.
الثانية: عمرة القضاء التي وقع عليها عقد الصلح في الحديبية، وهي عام سبع.
الثالثة: عمرة الجعرانة بعد فتح مكة عام ثمان، وكل هذه العمر الثلاث في شهر ذي القعدة بالإجماع وبالروايات الصحيحة.
الرابعة: عمرته مع حجة في حجة الوداع.
وفي رواية النسائي ليس فيها أن العمرة المذكورة في رمضان ولفظه: أخبرني أحمد بن يحيى الصوفي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا العلاء بن زهير الأزدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة "أنها اعتمرت مع رسول الله - ﷺ - من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله: بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت. قال: أحسنت يا عائشة، وما عاب علي" اهـ.
الأمر الرابع: ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم. قال النووي في "شرح المهذب": رواه الدارقطني، والبيهقي وغيرهما. قال البيهقي: قال الدارقطني: إسناده صحيح. وضبطه ابن حجر في "التلخيص" بلفظ
стр. 459
يقصر بالياء، وفاعله ضمير النبي - ﷺ -، وتتم بتاءين، وفاعله ضمير يعود إلى عائشة، فيكون بمعنى الحديث الأول، ولكن جاء في بعض روايات الحديث التصريح بإسناد الإتمام المذكور للنبي - ﷺ -.
قال البيهقي: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا المحاملي، حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يقصر في الصلاة ويتم، ويفطر ويصوم. قال علي: هذا إسناد صحيح اهـ.
قال البيهقي: وله شاهد من حديث دلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو، وكلهم ضعيف.
الخامس: إجماع العلماء على أن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام ولو كان القصر واجبا حتما لما جاز صلاة أربع خلف الإمام.
وأجاب أهل هذا القول عن حديث عمر وعائشة وابن عباس بأن المراد بكون صلاة السفر ركعتين أي: لمن أراد ذلك، وعن قول عمر في الحديث "تمام غير قصر"، بأن معناه أنها تامة في الأجر قاله النووي، ولا يخلو من تعسف.
وأجاب أهل القول الأول عن حجج هؤلاء قالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ في صلاة الخوف كما قدمنا، فلا دليل فيه لقصر الرباعية قالوا: ولو سلمنا أنه في قصر الرباعية فالتعبير بلفظ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا ينافي الوجوب كما
стр. 460
اعترفتم بنظيره في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ لأن السعي فرض عند الجمهور. وعن قوله في الحديث: "صدقة تصدق الله بها عليكم" بأن النبي - ﷺ - أمر بقبولها في قوله: "فاقبلوا صدقته" والأمر يقتضي الوجوب، فليس لنا عدم قبولها مع قوله - ﷺ -: "فاقبلوها"، وأجابوا عن الثالث والرابع بأن حديثي عائشة المذكورين لايصح واحد منهما، واستدلوا على عدم صحة ذلك بما ثبت في الصحيح عن عروة أنها تأولت في إتمامها ما تأول عثمان، فلو كان عندها في ذلك رواية من النبي - ﷺ - لم يقل عنها عروة أنها تأولت.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد ما نصه: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة النبي - ﷺ - وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون، ثم تتم هي وحدها بلا موجب، كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر، فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله - ﷺ - وأصحابه.
وقال الزهري بن عروة لما حدثه عن أبيه، عنها بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة؟ فقال: تأولت كما تأول عثمان. فإذا كان النبي - ﷺ - قد حسن فعلها وأقرها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يزيد في السفر على