- ﵄ عن النبي - ﷺ - عند مسلم وأحمد وأصحاب السنن كما تقدم.
الفرع الأول: أجمع العلماء على مشروعية قصر الرباعية في السفر خلافا لمن شذ وقال: لا قصر إلا في حج أو عمرة، ومن قال: لا قصر إلا في خوف، ومن قال: لا قصر إلا في سفر طاعة خاصة، فإنها أقوال لا معول عليها عند أهل العلم.
واختلف العلماء في الإتمام في السفر، هل يجوز أو لا؟ فذهب بعض العلماء إلى أن القصر في السفر واجب.
وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة ﵀ وهو قول علي، وعمر، وابن عمر، ويروى عن ابن عباس وجابر، وبه قال الثوري وعزاه الخطابي في "المعالم" لأكثر علماء السلف، وفقهاء الأمصار، ونسبه إلى علي وعمر وابن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن قال: وقال حماد بن أبي سليمان: يعيد من صلى في السفر أربعا. اهـ. منه بواسطة نقل الشوكاني ﵀.
وحجة هذا القول الذي هو وجوب القصر ما قدمنا من الأحاديث عن عائشة، وابن عباس، وعمر ﵃ بأن الصلاة فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر، ودليل هؤلاء واضح.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز الإتمام والقصر، كما يجوز الصوم والإفطار، إلا أنهم اختلفوا هل القصر أو الإتمام أفضل؟ وبهذا قال عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة ﵃.
стр. 457
قال النووي في "شرح المهذب" وحكاه العبدري عن هؤلاء -يعني من ذكرنا- وعن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، والحسن البصري، ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وداود، وهو مذهب أكثر العلماء ورواه البيهقي عن سلمان الفارسي في اثني عشر من الصحابة. وعن أنس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن ابن الأسود وابن المسيب وأبي قلابة.
واحتج أهل هذا القول بأمور:
الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآية؛ لأن التعبير برفع الجناح دليل لعدم اللزوم.
الأمر الثاني: هو ما قدمنا في حديث يعلى بن أمية عن عمر بن الخطاب من أن النبي - ﷺ - قال في القصر في السفر: "صدقة تصدق الله بها عليكم" الحديث- فكونه صدقة وتخفيفا يدل على عدم اللزوم.
الأمر الثالث: هو ما رواه النسائي، والبيهقي، والدارقطني عن عائشة ﵂ أنها اعتمرت مع رسول الله - ﷺ - فأفطر هو - ﷺ -، وقصر الصلاة، وصامت هي، وأتمت الصلاة، فأخبرته بذلك فقال لها: أحسنت. قال النووي في "شرح المهذب": هذا الحديث رواه النسائي والدارقطني والبيهقي بإسناد حسن أو صحيح، وقال البيهقي في "السنن الكبرى" قال الدارقطني: إسناده حسن قال: وقال في "معرفة السنن والآثار". هو إسناد صحيح.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن ما جاء في هذا
стр. 458
الحديث من أن عمرة عائشة المذكورة في رمضان لا يصح؛ لأن المحفوظ الثابت بالروايات الصحيحة أن النبي - ﷺ - لم يعتمر في رمضان قط؛ لأنه لم يعتمر إلا أربع عمر:
الأولى: عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت الحرام عام ست.
الثانية: عمرة القضاء التي وقع عليها عقد الصلح في الحديبية، وهي عام سبع.
الثالثة: عمرة الجعرانة بعد فتح مكة عام ثمان، وكل هذه العمر الثلاث في شهر ذي القعدة بالإجماع وبالروايات الصحيحة.
الرابعة: عمرته مع حجة في حجة الوداع.
وفي رواية النسائي ليس فيها أن العمرة المذكورة في رمضان ولفظه: أخبرني أحمد بن يحيى الصوفي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا العلاء بن زهير الأزدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة "أنها اعتمرت مع رسول الله - ﷺ - من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله: بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت. قال: أحسنت يا عائشة، وما عاب علي" اهـ.
الأمر الرابع: ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم. قال النووي في "شرح المهذب": رواه الدارقطني، والبيهقي وغيرهما. قال البيهقي: قال الدارقطني: إسناده صحيح. وضبطه ابن حجر في "التلخيص" بلفظ
стр. 459
يقصر بالياء، وفاعله ضمير النبي - ﷺ -، وتتم بتاءين، وفاعله ضمير يعود إلى عائشة، فيكون بمعنى الحديث الأول، ولكن جاء في بعض روايات الحديث التصريح بإسناد الإتمام المذكور للنبي - ﷺ -.
قال البيهقي: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا المحاملي، حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يقصر في الصلاة ويتم، ويفطر ويصوم. قال علي: هذا إسناد صحيح اهـ.
قال البيهقي: وله شاهد من حديث دلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو، وكلهم ضعيف.
الخامس: إجماع العلماء على أن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام ولو كان القصر واجبا حتما لما جاز صلاة أربع خلف الإمام.
وأجاب أهل هذا القول عن حديث عمر وعائشة وابن عباس بأن المراد بكون صلاة السفر ركعتين أي: لمن أراد ذلك، وعن قول عمر في الحديث "تمام غير قصر"، بأن معناه أنها تامة في الأجر قاله النووي، ولا يخلو من تعسف.
وأجاب أهل القول الأول عن حجج هؤلاء قالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ في صلاة الخوف كما قدمنا، فلا دليل فيه لقصر الرباعية قالوا: ولو سلمنا أنه في قصر الرباعية فالتعبير بلفظ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا ينافي الوجوب كما
стр. 460
اعترفتم بنظيره في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ لأن السعي فرض عند الجمهور. وعن قوله في الحديث: "صدقة تصدق الله بها عليكم" بأن النبي - ﷺ - أمر بقبولها في قوله: "فاقبلوا صدقته" والأمر يقتضي الوجوب، فليس لنا عدم قبولها مع قوله - ﷺ -: "فاقبلوها"، وأجابوا عن الثالث والرابع بأن حديثي عائشة المذكورين لايصح واحد منهما، واستدلوا على عدم صحة ذلك بما ثبت في الصحيح عن عروة أنها تأولت في إتمامها ما تأول عثمان، فلو كان عندها في ذلك رواية من النبي - ﷺ - لم يقل عنها عروة أنها تأولت.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد ما نصه: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة النبي - ﷺ - وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون، ثم تتم هي وحدها بلا موجب، كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر، فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله - ﷺ - وأصحابه.
وقال الزهري بن عروة لما حدثه عن أبيه، عنها بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة؟ فقال: تأولت كما تأول عثمان. فإذا كان النبي - ﷺ - قد حسن فعلها وأقرها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يزيد في السفر على
стр. 461
ركعتين، ولا أبو بكر، ولا عمر، أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون، وأما بعد موته - ﷺ -، فإنها أتمت كما أتم عثمان، وكلاهما تأول تأويلا. والحجة في روايتهم، لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له والله أعلم. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
قال مقيده - عفا الله عنه -: إما استبعاد مخالفة عائشة ﵂ للنبي - ﷺ - في حياته مع الاعتراف بمخالفتها له - ﷺ - بعد وفاته، فإنه يوهم أن مخالفته بعد وفاته سائغة، ولا شك أن المنع من مخالفته في حياته باق بعد وفاته - ﷺ -، فلا يحل لأحد البتة مخالفة ما جاء به من الهدى إلى يوم القيامة؛ فعلا كان أو قولا أو تقريرا، ولا يظهر كل الظهور أن عائشة تخالف هدي الرسول - ﷺ - باجتهاد، ورواية من روى أنها تأولت تقتضي نفي روايتها عن النبي - ﷺ - شيئا في ذلك، والحديث المذكور فيه إثبات أنها روت عنه ذلك، والمثبت مقدم على النافي، فبهذا يعتضد الحديث الذي صححه بعضهم، وحسنه بعضهم كما تقدم.
والتحقيق أن سند النسائي المتقدم الذي روى به هذا الحديث صحيح، وإعلال ابن حبان له بأن فيه العلاء بن زهير الأزدي. وقال فيه: إنه يروي عن الثقات مالا يشبه حديث الإثبات، فبطل الاحتجاج به، مردود بأن العلاء المذكور ثقة كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره، وإعلال بعضهم له بأن عبد الرحمن بن الأسود لم يدرك عائشة مردود بأنه أدركها. قال الدارقطني: وعبد الرحمن أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق، وذكر الطحاوي عن عبد الرحمن أنه
стр. 462
دخل على عائشة بالاستئذان بعد احتلامه، وذكر صاحب "الكمال": أنه سمع منها، وذكر البخاري في تاريخه وابن أبي شيبة ما يشهد لذلك. قاله ابن حجر. وإعلال الحديث المذكور بأنه مضطرب؛ لأن بعض الرواة يقول: عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، وبعضهم يقول: عن عبد الرحمن، عن عائشة مردود أيضا بأن رواية من قال: عن أبيه خطأ، والصواب عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة. قال البيهقي: بعد أن ساق أسانيد الروايتين، قال أبو بكر النيسابوري: هكذا قال أبو نعيم: عن عبد الرحمن، عن عائشة، ومن قال: عن أبيه في هذا الحديث فقد أخطأ. اهـ.
فالظاهر ثبوت هذا الحديث، وهو يقوي حجة من لم يمنع إتمام الرباعية في السفر وهم أكثر العلماء، وذهب الإمام مالك بن أنس إلى أن قصر الرباعية في السفر سنة، وأن من أتم أعاد في الوقت، لأن الثابت أن النبي - ﷺ - كان يواظب على القصر في أسفاره وكذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان في غير أيام منى، ولم يمنع مالك الإتمام؛ للأدلة التي ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثاني: اختلف العلماء في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة. فقال مالك والشافعي وأحمد: هي أربعة برد، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وتقريبه بالزمان مسيرة يومين سيرا معتدلا، وعندهم اختلاف في قدر الميل معروف.
واستدل من قال بهذا القول بما رواه مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك.
стр. 463
قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد. وريم موضع، قال بعض شعراء المدينة:
فكم من حرة بين المنقى ... إلى أحد إلى جنبات ريم
وبما رواه مالك عن نافع، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك.
قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد، وبما قال مالك: إنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة. قال مالك: وذلك أربعة برد، وذلك أحب ما تقصر فيه الصلاة إلي، وبما رواه مالك عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، كل هذه الآثار المذكورة في الموطأ، وممن قال بهذا ابن عمر وابن عباس كما ذكرناه عنهما.
وقال البخاري ﵀ في صحيحه: وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران، ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا. اهـ. وبه قال الحسن البصري، والزهري، والليث بن سعد، وإسحاق، وأبو ثور نقله عنهم النووي.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز القصر في أقل من مسافة ثلاثة أيام، وممن قال به أبو حنيفة، وهو قول عبد الله بن مسعود، وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والحسن بن صالح، والثوري، وعن أبي حنيفة أيضا يومان وأكثر الثالث.
واحتج أهل هذا القول بحديث ابن عمر وحديث أبي سعيد
стр. 464
الثابتين في الصحيح: أن النبي - ﷺ - قال: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم" وبحديث "مسح المسافر على الخف ثلاثة أيام ولياليهن" ووجه الاحتجاج بهذا الحديث الأخير أنه يقتضي أن كل مسافر يشرع له مسح ثلاثة أيام، ولا يصح العموم في ذلك إلا إذا قدر أقل مدة السفر بثلاثة أيام، لأنها لو قدرت بأقل من ذلك لا يمكنه استيفاء مدته، لانتهاء سفره، فاقتضى ذلك تقديره بالثلاثة، وإلا لخرج بعض المسافرين عنه. اهـ.
والاستدلال بالحديثين غير ظاهر فيما يظهر لي، لأن المراد بالحديث الأول: أن المرأة لا يحل لها سفر مسافة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، وهذا لا يدل على تحديد أقل ما يسمى سفرا، ويدل له أنه ورد في بعض الروايات الصحيحة "لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم" وفي بعض الروايات الصحيحة "لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة" وفي رواية لمسلم مسيرة "يوم" وفي رواية له "ليلة"، وفي رواية أبي داود "لا تسافر بريدا"، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وقال البيهقي في السنن الكبرى: وهذه الرواية في الثلاثة واليومين واليوم صحيحة، وكأن النبي - ﷺ - "سئل عن المرأة تسافر ثلاثا من غير محرم، فقال: لا، وسئل عنها تسافر يومين من غير محرم، فقال: لا، ويوما فقال: لا" فأدى كل واحد منهم ما حفظ، ولا يكون عدد من هذه الأعداد حدا للسفر. اهـ. منه بلفظه. فظهر من هذا أن الاستدلال على أقل السفر بالحديث غير متجه كما ترى، لا سيما أن ابن عمر راويه قد خالفه كما تقدم، والقاعدة عند الحنفية أن العبرة بما رأى الصحابي لا بما روى.
стр. 465
وأما الاستدلال بحديث توقيت مسح المسافر بثلاثة أيام بلياليهن فهو أيضا غير متجه، لأنه إذا انتهى سفره قبلها صار مقيما وزال عنه اسم السفر وليس في الحديث أنه لا بد من أن يسافر ثلاثة، بل غاية ما يفيده الحديث أن المسافر له في المسح على الخف مدة ثلاثة أيام، فإن مكثها مسافرا فذلك، وإن أتم سفره قبلها صار غير مسافر، ولا إشكال في ذلك.
وذهب جماعة من أهل العلم: إلى أن القصر يجوز في مسيرة يوم تام، وممن قال به الأوزاعي وابن المنذر.
واحتجوا بما تقدم في بعض الروايات الصحيحة أن النبي - ﷺ - أطلق اسم السفر على مسافة يوم، والسفر هو مناط القصر، وبما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة اليوم التام. وظاهر صنيع البخاري أنه يختار أنها يوم وليلة، لأنه قال: "باب في كم يقصر الصلاة؟ وسمى النبي - ﷺ - يوما وليلة سفرا"، لأن قوله: وسمى النبي الخ بعد قوله: في كم يقصر الصلاة؟ يدل على أن ذلك هو مناط القصر عنده، كما هو ظاهر.
وذهب بعض العلماء إلى جواز القصر في قصير السفر وطويله، وممن قال بهذا داود الظاهري، قال عنه بعض أهل العلم: حتى إنه لو خرج إلى بستان خارج البلد قصر.
واحتج أهل هذا القول بإطلاق الكتاب والسنة جواز القصر بلا تقييد للمسافة، وبما رواه مسلم في صحيحه عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، فقال: كان
стр. 466
رسول الله - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاك- صلى ركعتين"، هذا لفظ مسلم، وبما رواه مسلم أيضا في الصحيح عن جبير بن نفير قال: "خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا فصلى ركعتين، فقلت له: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل".
وأجيب من جهة الجمهور بأنه لا دليل في حديثي مسلم المذكورين؛ لأنه ليس المراد بهما أن تلك المسافة المذكورة فيهما هي غاية السفر، بل معناه أنه كان إذا سافر سفرا طويلا فتباعد ثلاثة أميال قصر؛ لأن الظاهر أنه - ﷺ - كان لا يسافر عند دخول وقت الصلاة إلا بعد أن يصليها، فلا تدركه الصلاة الأخرى إلا وقد تباعد من المدينة، وكذلك حديث شرحبيل المذكور، فقوله: إن عمر ﵁ صلى بذي الحليفة ركعتين محمول على ما ذكرناه في حديث أنس، وهو أنه كان مسافرا إلى مكة أو غيرها فمر بذي الحليفة، وأدركته الصلاة فصلى ركعتين، لا أن ذا الحليفة غاية سفره. قاله النووي وغيره، وله وجه من النظر، ولم ينقل عن النبي - ﷺ - القصر صريحا فيما دون مرحلتين كما جزم به النووي.
قال مقيده - عفا الله عنه -: قال ابن حجر: في التلخيص الحبير وروى سعيد بن منصور عن أبي سعيد قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة" وسكت عليه، فإن كان صحيحا فهو ظاهر في قصر الصلاة في المسافة القصيرة ظهورا أقوى من دلالة حديثي مسلم المتقدمين.
стр. 467
قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الذي ذكرنا هو حاصل كلام العلماء في تحديد مسافة القصر، والظاهر أنه ليس في تحديدها نص صريح، وقد اختلف فيها على نحو من عشرين قولا، وما رواه البيهقي، والدارقطني، والطبراني عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: ياأهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد" ضعيف؛ لأن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد، وهو متروك، وكذبه الثوري. وقال الأزدي: لا تحل الرواية عنه، وراويه عنه إسماعيل بن عياش، وروايته عن غير الشاميين ضعيفة، وعبد الوهاب المذكور حجازي لا شامي، والصحيح في هذا الحديث أنه موقوف على ابن عباس، رواه عنه الشافعي بإسناد صحيح، ورواه عنه مالك في الموطأ بلاغا، وقد قدمناه.
والظاهر أن الاختلاف في تحديد المسافة من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فكل ما كان يطلق عليه إسم السفر في لغة العرب يجوز القصر فيه؛ لأنه ظاهر النصوص، ولم يصرف عنه صارف من نقل صحيح، ومطلق الخروج من البلد لا يسمى سفرا، وقد كان - ﷺ - يذهب إلى قباء، وإلى أحد ولم يقصر الصلاة، والحديثان اللذان قدمنا عن مسلم محتملان، وحديث سعيد بن منصور المتقدم لا نعلم أصحيح هو أم لا. فإن كان صحيحا كان نصا قويا في قصر الصلاة في المسافة القصيرة والطويلة، وقصر أهل مكة مع النبي - ﷺ - في حجة الوداع دليل عند بعض العلماء على القصر في المسافة غير الطويلة، وبعضهم يقول: القصر في مزدلفة، ومنى، وعرفات من مناسك الحج، والله تعالى أعلم.
стр. 468
قال مقيده - عفا الله عنه -: أقوى الأقوال فيما يظهر لي حجة هو قول من قال: إن كل ما يسمى سفرا ولو قصيرا تقصر فيه الصلاة؛ لإطلاق السفر في النصوص، ولحديثي مسلم المتقدمين، وحديث سعيد بن منصور، وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن مسعر، عن محارب، سمعت ابن عمر يقول: "إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر". وقال الثوري: سمعت جبلة بن سحيم، سمعت ابن عمر يقول: "لو خرجت ميلا قصرت الصلاة".
قال ابن حجر: في الفتح. إسناد كل منهما صحيح. اهـ. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثالث: يبتدىء المسافر القصر، إذا جاوز بيوت بلده بأن خرج من البلد كله، ولا يقصر في بيته إذا نوى السفر، ولا في وسط البلد، وهذا هو قول جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة، وأكثر فقهاء الأمصار، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قصر بذي الحليفة، وعن مالك أنه إذا كان في البلد بساتين مسكونة أن حكمها حكم البلد، فلا يقصر حتى يجاوزها.
واستدل الجمهور على أنه لا يقصر إلا إذا خرج من البلد بأن القصر مشروط بالضرب في الأرض، ومن لم يخرج من البلد لم يضرب في الأرض.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن أراد السفر قصر وهو في منزله، وذكر ابن المنذر، عن الحارث ابن أبي ربيعة، أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، قال: وروينا معناه عن عطاء، وسليمان
стр. 469
بن موسى، قال: وقال مجاهد: لا يقصر المسافر نهارا حتى يدخل الليل، وإن خرج بالليل لم يقصر حتى يدخل النهار، وعن عطاء أنه قال: إذا جاوز حيطان داره فله القصر.
قال النووي: فهذان المذهبان فاسدان فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النبي - ﷺ - بذي الحليفة حين خرج من المدينة، ومذهب عطاء، وموافقيه منابذ للسفر. اهـ. منه، وهو ظاهر كما ترى.
الفرع الرابع: اختلف العلماء في قدر المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها لزمه الإتمام، فذهب مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد في إحدى الروايتين إلى أنها أربعة أيام، والشافعية يقولون: لا يحسب فيها يوم الدخول، ولا يوم الخروج، ومالك يقول: إذا نوى إقامة أربعة أيام صحاح أتم.
وقال ابن القاسم في العتبية: يلغى يوم دخوله ولا يحسبه.
والرواية المشهورة عن أحمد، أنها ما زاد على إحدى وعشرين صلاة.
وقال أبو حنيفة ﵀ هي نصف شهر.
واحتج من قال بأنها أربعة أيام، بما ثبت في الصحيح من حديث العلاء بن الحضرمي ﵁ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: "ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر" هذا لفظ مسلم، وفي رواية له عنه "للمهاجر إقامة ثلاث ليال بعد الصدر بمكة"، وفي رواية له عنه "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه
стр. 470
ثلاثا"، وأخرجه البخاري في المناقب، عن العلاء بن الحضرمي أيضا بلفظ: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاث للمهاجر بعد الصدور". اهـ.
قالوا: فإذن النبي - ﷺ -، المهاجرين في ثلاثة الأيام يدل على أن من أقامها في حكم المسافر، وأن ما زاد عليها يكون إقامة، والمقيم عليه الإتمام، وبما أخرجه مالك في الموطأ بسند صحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ "أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثا".
وأجيب عن هذا الدليل من جهة المخالف بأن النبي - ﷺ - إنما رخص لهم في الثلاث؛ لأنها مظنة قضاء حوائجهم، وتهيئة أحوالهم للسفر، وكذلك ترخيص عمر لليهود في إقامة ثلاثة أيام، والاستدلال المذكور له وجه من النظر؛ لأنه يعتضد بالقياس؛ لأن القصر شرع لأجل تخفيف مشقة السفر، ومن أقام أربعة أيام، فإنها مظنة لإذهاب مشقة السفر عنه.
واحتج الإمام أحمد على أنها ما زاد على إحدى وعشرين صلاة بما ثبت في الصحيح من حديث جابر، وابن عباس ﵃ أن النبي - ﷺ -، قدم مكة في حجة الوداع صبح رابعة، فأقام النبي - ﷺ -، اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، وهي إحدى وعشرون صلاة؛ لأنها أربعة أيام كاملة، وصلاة الصبح من الثامن" قال: فإذا أجمع أن يقيم، كما أقام النبي - ﷺ - قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم.
стр. 471
وروى الأثرم، عن أحمد ﵀ أن هذا الاحتجاج كلام ليس يفقهه كل الناس، وحمل الإمام أحمد حديث أنس أن النبي - ﷺ - أقام بمكة في حجة الوداع عشرا يقصر الصلاة على هذا المعنى الذي ذكرنا عنه، وأن أنسا أراد مدة إقامته بمكة ومنى ومزدلفة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا لا ينبغي العدول عنه، لظهور وجهه، ووضوح أنه الحق.
تنبيه: حديث أنس هذا الثابت في الصحيح، لا يعارضه ما ثبت في الصحيح أيضا، عن ابن عباس ﵄ قال: "أقام النبي - ﷺ - بمكة تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا". لأن حديث ابن عباس ﵄ في غزوة الفتح، وحديث أنس في حجة الوداع، وحديث ابن عباس محمول على أنه - ﷺ - ما كان ناويا الإقامة، والإقامة المجردة عن النية لا تقطع حكم السفر عند الجمهور. والله تعالى أعلم.
واحتج أبو حنيفة ﵀ لأنها نصف شهر، بما روى أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن عباس ﵄ قال: "أقام رسول الله - ﷺ - بمكة عام الفتح خمسة عشر؛ يقصر الصلاة" وضعف النووي في "الخلاصة رواية "خمسة عشر".
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد ابن إسحاق، فقد أخرجه النسائي، من رواية عراك بن مالك، عن عبيد الله، عن ابن عباس كذلك، واختار أبو حنيفة رواية خمسة عشر، عن رواية سبعة عشر، ورواية
стр. 472
ثمانية عشر، ورواية تسعة عشر، لأنها أقل ما ورد، فيحمل غيرها على أنه وقع اتفاقا، وأرجح الروايات وأكثرها ورودا في الروايات الصحيحة رواية تسعة عشر، وبها أخذ إسحاق بن راهويه، وجمع البيهقي بين الروايات، بأن من قال: تسعة عشر، عد يوم الدخول، ويوم الخروج، ومن قال: سبع عشرة حذفهما، ومن قال: ثماني عشرة حذف أحدهما. أما رواية خمسة عشر، فالظاهر فيها أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر فحذف منها، يوم الدخول، ويوم الخروج، فصار الباقي خمسة عشر.
واعلم أن الإقامة المجردة عن النية فيها أقوال للعلماء:
أحدها: أنه يتم بعد أربعة أيام.
والثاني: بعد سبعة عشر يوما.
والثالث: ثمانية عشر.
والرابع: تسعة عشر.
والخامس: عشرين يوما.
والسادس: يقصر أبدا حتى يجمع على الإقامة.
والسابع: للمحارب أن يقصر، وليس لغيره القصر بعد إقامة أربعة أيام.
وأظهر هذه الأقوال أنه لا (١) يقصر حتى ينوي الإقامة -ولو
стр. 473
طال مقامه من غير نية الإقامة-، ويدل له قصر النبي - ﷺ - مدة إقامته في مكة عام الفتح، كما ثبت في الصحيح، وما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي عن جابر قال: "أقام النبي - ﷺ - بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة". وقد صحح هذا الحديث النووي وابن حزم، وأعله الدارقطني في العلل بالإرسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى، عن أنس فقال: "بضع عشرة". وبهذا اللفظ أخرجه البيهقي وهو ضعيف. قال البيهقي بعد إخراجه له: ولا أراه محفوظا، وقد روي من وجه آخر عن جابر "بضع عشرة" اهـ. وقد اختلف فيه على الأوزاعي ذكره الدارقطني في العلل، وقال: الصحيح عن الأوزاعي عن يحيى أن أنسا كان يفعله. قال ابن حجر: ويحيى لم يسمع من أنس.
وقال النووي في شرح المهذب: قلت ورواية المسند تفرد بها معمر بن راشد، وهو إمام مجمع على جلالته، وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح؛ لأن الصحيح أنه إذا تعارض الحديث في إرسال وإسناد، حكم بالمسند. اهـ. منه وعقده صاحب المراقي بقوله:
والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند إمام الحفظ
الخ .. واستدل أيضا من قال بأن الإقامة المجردة عن النية لا تقطع حكم السفر بما أخرجه أبو داود، والترمذي من حديث عمران بن حصين ﵄ قال: "غزوت مع النبي - ﷺ - وشهدت
стр. 474
معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلدة صلوا أربعا فإنا سفر" فقول النبي - ﷺ - في هذا الحديث: فإنا سفر مع إقامته ثماني عشرة يدل دلالة واضحة على أن المقيم من غير نية الإقامة يصدق عليه إسم المسافر، ويؤيده حديث "إنما الأعمال بالنيات" وهذا الحديث حسنه الترمذي، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
قال ابن حجر: وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده، ولم يعتبر الاختلاف في المدة، كما علم من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد، دون السياق. اهـ. وعلي بن زيد المذكور أخرج له مسلم مقرونا بغيره.
وقال الترمذي في حديثه في السفر: حسن صحيح، وقال: صدوق ربما رفع الموقوف. ووثقه يعقوب بن شيبة.
وقال بعض أهل العلم: اختلط في كبره، وقد روى عنه شعبة، والثوري وعبد الوارث، وخلق. وقال الدارقطني: إنما فيه لين، والظاهر أن قول الدارقطني هذا أقرب للصواب فيه. لكن يتقى منه ما كان بعد الإختلاط. اهـ. إلى غير ذلك من الأدلة على أن الإقامة دون نيتها لا تقطع حكم السفر، "وقد أقام الصحابة برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة". رواه البيهقي بإسناد صحيح، وتضعيفه بعكرمة بن عمار مردود بأن عكرمة المذكور من رجال مسلم في صحيحه.
وقد روى أحمد في مسنده عن ثمامة بن شراحيل، عن ابن عمر أنه قال: "كنت بأذربيجان لا أدري قال: أربعة أشهر أو شهرين
стр. 475
فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين" وأخرجه البيهقي.
وقال ابن حجر في التلخيص: إن إسناده صحيح. اهـ.
ومذهب مالك الفرق بين العسكر بدار الحرب فيقصر، وبين غيره فيقصر بنية إقامة أربعة أيام صحاح.
الفرع الخامس: إذا تزوج المسافر ببلد، أو مر على بلد فيه زوجته أتم الصلاة؛ لأن الزوجة في حكم الوطن، وهذا هو مذهب مالك، وأبي حنيفة وأصحابهما، وأحمد، وبه قال ابن عباس: وروي عن عثمان بن عفان، واحتج من قال بهذا القول بما رواه الإمام أحمد، وعبد الله بن الزبير الحميدي في مسنديهما، عن عثمان بن عفان ﵁ "أنه صلى بأهل منى أربعا وقال: يا أيها الناس لما قدمت تأهلت بها، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا تأهل الرجل ببلده فإنه يصلي بها صلاة المقيم".
قال العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد بعد أن ساق هذا الحديث: وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان. يعني: في مخالفته النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر في قصر الصلاة في منى، وأعل البيهقي حديث عثمان هذا بانقطاعه، وأن في إسناده عكرمة بن إبراهيم، وهو ضعيف.
قال ابن القيم: قال أبو البركات بن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك وأصحابهما. اهـ. منه بلفظه.
стр. 476
قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن أحسن ما يعتذر به عن عثمان، وعائشة في الإتمام في السفر أنهما فهما من بعض النصوص أن القصر في السفر رخصة، كما ثبت في صحيح مسلم أنه صدقة تصدق الله بها اهـ. وأنه لا بأس بالإتمام لمن لا يشق عليه ذلك كالصوم في السفر، ويدل لذلك ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة "أنها كانت تصلي أربعا، قال: فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشق علي" وهذا أصرح شيء عنها في تعيين ما تأولت به. والله أعلم.
الفرع السادس: لا يجوز للمسافر في معصية القصر؛ لأن الترخيص له، والتخفيف عليه إعانة له على معصيته، ويستدل لهذا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ الآية. فشرط في الترخيص بالاضطرار إلى أكل الميتة كونه غير متجانف لإثم، ويفهم من مفهوم مخالفته أن المتجانف لإثم لا رخصة له، والعاصي بسفره متجانف لإثم، والضرورة أشد في اضطرار المخمصة منها في التخفيف بقصر الصلاة، ومنع ما كانت الضرورة إليه ألجأ بالتجانف للإثم يدل على منعه به فبما دونه من باب أولى، وهذا النوع من مفهوم المخالفة من دلالة اللفظ عند الجمهور، لا من القياس خلافا للشافعي، وقوم كما بيناه مرارا في هذا الكتاب، وهو المعروف بإلغاء الفارق، وتنقيح المناط، ويسميه الشافعي القياس في معنى الأصل. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وخالف في هذه المسألة أبو حنيفة ﵀ فقال: يقصر العاصي بسفره كغيره، لإطلاق النصوص، ولأن السفر الذي هو مناط القصر ليس
стр. 477
معصية بعينه، وبه قال الثوري، والأوزاعي: والقول الأول أظهر عندي. والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ذكر في هذه الكريمة أن الصلاة كانت ولم تزل على المؤمنين كتابا، أي: شيئا مكتوبا عليهم واجبا حتما موقوتا، أي: له أوقات يجب بدخولها، ولم يشر هنا إلى تلك الأوقات، ولكنه أشار لها في مواضع أخر، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ فأشار بقوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وهو زوالها عن كبد السماء على التحقيق إلى صلاة الظهر والعصر، وأشار بقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وهو ظلامه إلى صلاة المغرب والعشاء، وأشار بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ إلى صلاة الصبح، وعبر عنها بالقرآن بمعنى القراءة؛ لأنها ركن فيها، من التعبير عن الشيء بإسم بعضه. وهذا البيان أوضحته السنة إيضاحا كليا.
ومن الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلاة -كما قاله جماعة من العلماء-: قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ قالوا: المراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة، وأشار بقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى صلاة المغرب والعشاء، وبقوله: هو ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى صلاة الصبح وبقوله: ﴿وَعَشِيّاً﴾ إلى صلاة العصر، وبقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إلى صلاة الظهر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ وأقرب
стр. 478
الأقوال في الآية أنه أشار بطرفي النهار إلى صلاة الصبح أوله، وصلاة الظهر والعصر آخره، أي: في النصف الأخير منه وأشار بزلف من الليل إلى صلاة المغرب والعشاء.
وقال ابن كثير: يحتمل أن الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس، وكان الواجب قبلها صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وقيام الليل، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وعلى هذا فالمراد بطرفي النهار الصلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، والمراد بزلف من الليل قيام الليل.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن هذا الاحتمال الذي ذكره الحافظ ابن كثير ﵀ بعيد؛ لأن الآية نزلت في أبي اليسر في المدينة بعد فرض الصلوات بزمن، فهي على التحقيق مشيرة لأوقات الصلاة، وهي آية مدنية في سورة مكية.
وهذه تفاصيل أوقات الصلاة بأدلتها المبينة لها من السنة، ولا يخفى أن لكل وقت منها أولا وآخرا.
أما أول وقت الظهر فهو زوال الشمس عن كبد السماء بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ فاللام للتوقيت، ودلوك الشمس: زوالها عن كبد السماء على التحقيق.
وأما السنة فمنها حديث أبي برزة الأسلمي عند الشيخين "كان النبي - ﷺ - يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس" الحديث، ومعنى تدحض: تزول عن كبد السماء، وفي رواية
стр. 479
لمسلم "حين تزول" وفي الصحيحين عن جابر ﵁: "كان النبي - ﷺ - يصلى الظهر بالهاجرة" وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ "أنه خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر" وفي حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: "أمني جبريل عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس" الحديث، أخرجه الإمامان الشافعي، وأحمد، وأبو داود، وابن خزيمة، والدارقطني والحاكم في المستدرك، وقال: هو حديث صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.
فإن قيل: في إسناده عبد الرحمن بن الحرث بن عباس بن أبي ربيعة، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وحكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، وكلهم مختلف فيهم، فالجواب: أنهم توبعوا فيه، فقد أخرجه عبد الرزاق، عن العمري، عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، عن ابن عباس نحوه.
قال ابن دقيق العيد: هي متابعة حسنة. وصححه ابن العربي، وابن عبد البر، مع أن بعض رواياته ليس في إسنادها عبد الرحمن بن أبي الزناد، بل سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث المذكور، عن حكيم بن حكيم المذكور، فتسلم هذه الرواية من التضعيف بعبد الرحمن بن أبي الزناد، ومن هذه الطريق أخرجه ابن عبد البر، وقال: إن الكلام في إسناده لا وجه له، وكذلك أخرجه من هذا الوجه أبو داود، وابن خزيمة، والبيهقي، وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - "جاءه جبريل، ﵇، فقال له: قم فصَلِّ فصلى الظهر حين زالت الشمس" الحديث، أخرجه
стр. 480
الإمام أحمد والنسائي، وابن حبان والحاكم.
وقال الترمذي: قال محمد: يعني البخاري، حديث جابر هو أصح شيء في المواقيت.
قال عبد الحق: يعني في إمامة جبريل، وهو ظاهر. وعن بريدة ﵁ أن النبي - ﷺ -: سأله رجل عن وقت الصلاة، فقال: "صل معنا هذين اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالا ﵁ فأذن، ثم أمره فأقام الظهر". الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، وعن أبي موسى الأشعري ﵁ "أن النبي - ﷺ - أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة إلى أن قال: ثم أمره، فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم" الحديث، رواه مسلم أيضا، والأحاديث في الباب كثيرة جدا.
وأما الإجماع، فقد أجمع جميع المسلمين على أن أول وقت صلاة الظهر هو زوال الشمس عن كبد السماء، كما هو ضروري من دين الإسلام.
وأما آخر وقت صلاة الظهر، فالظاهر من أدلة السنة فية أنه عندما يصير ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال، فإن في الأحاديث المشار إليها آنفا، أنه في اليوم الأول صلى العصر عندما صار ظل كل شيء مثله في إمامة جبريل، وذلك عند انتهاء وقت الظهر، وأصرح شيء في ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر" وهذا الحديث الصحيح يدل
стр. 481
على أنه إذا جاء وقت العصر، فقد ذهب وقت الظهر، والرواية المشهورة عن مالك -رحمه الله تعالى- أن هذا الذي ذكرنا تحديده بالأدلة هو وقت الظهر الاختياري، وأن وقتها الضروري يمتد بالاشتراك مع العصر إلى غروب الشمس. وروي نحوه عن عطاء، وطاوس.
والظاهر أن حجة أهل هذا القول الأدلة الدالة على اشتراك الظهر والعصر في الوقت، فمنها حديث ابن عباس المشار إليه سابقا "فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في الأول" وعن ابن عباس أيضا قال: "جمع النبي - ﷺ - بالمدينة من غير خوف، ولا سفر" متفق عليه، وفي رواية لمسلم "من غير خوف، ولا مطر"، فاستدلوا بهذا على الاشتراك، وقالوا أيضا: الصلوات زيد فيها على بيان جبريل في اليوم الثاني، فينبغي أن يزاد في وقت الظهر.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر سقوط هذا الاستدلال، أما الاستدلال على الاشتراك بحديث ابن عباس "فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر، في اليوم الأول" فيجاب عنه بما أجاب به الشافعي ﵀ وهو أن معنى صلاته للظهر في اليوم الثاني فراغه منها. كما هو ظاهر اللفظ، ومعنى صلاته للعصر في ذلك الوقت وفي اليوم الأول ابتداء الصلاة، فيكون قد فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني عند كون ظل الشخص مثله، وابتدأ صلاة العصر في اليوم الأول منذ كون ظل الشخص مثله أيضا، فلا يلزم الاشتراك، ولا إشكال في ذلك، لأن آخر وقت
стр. 482
الظهر، هو أول وقت العصر، ويدل لصحة هذا الذي قاله الشافعي، ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى ﵁ "وصلى الظهر قريبا من وقت العصر بالأمس" فهو دليل صحيح واضح في أنه ابتدأ صلاة الظهر في اليوم الثاني قريبا من وقت كون ظل الشخص مثله، وأتمها عند كون ظله مثله كما هو ظاهر، ونظير هذا التأويل الذي ذهب إليه الشافعي: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فالمراد بالبلوغ الأول مقاربته، وبالثاني حقيقة انقضاء الأجل.
وأما الاستدلال على الاشتراك بحديث ابن عباس المتفق عليه أنه - ﷺ - "جمع بالمدينة من غير خوف، ولا سفر" فيجاب عنه بأنه يتعين حمله على الجمع الصوري جمعًا بين الأدلة، وهو أنه صلى الظهر في آخر وقتها حين لم يبق من وقتها إلا قدرما تصلى فيه، وعند الفراغ منها دخل وقت العصر فصلاها في أوله، ومن صلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها كانت سورة صلاته صورة الجمع، وليس ثم جمع في الحقيقة؛ لأنه أدى كلًّا من الصلاتين في وقتها المعين لها، كما هو ظاهر، وستأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله.
وأما الاستدلال بأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل، فهو ظاهر السقوط، لأن توقيت العبادات توقيفي بلا نزاع، والزيادة في الأوقات المذكورة ثبتت بالنصوص الشرعية.
وأما صلاة العصر فقال دلت نصوص السنة على أن لها وقتًا اختياريًّا، ووقتًا ضروريًّا، أما وقتها الاختياري فأوله عندما يكون
стр. 483
ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال، ويدخل وقتها بانتهاء وقت الظهر المتقدم بيانه، ففي حديث ابن عباس المتقدم "فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله". وفي حديث جابر المتقدم أيضًا: "فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله" وهذا هو التحقيق في أول وقت العصر، كما صرحت به الأحاديث المذكورة وغيرها.
وقال الشافعي: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: إن كان مراد الشافعي أن الزيادة لتحقيق بيان انتهاء الظل إلى المثل إذ لا يتيقن ذلك إلا بزيادة ما كما قال به بعض الشافعية فهو موافق لما عليه الجمهور، لا مخالف له، , وإن كان مراده غير ذلك فهو مردود بالنصوص المصرحة بأن أول وقت العصر عندما يكون ظل الشيء مثله من غير حاجة إلى زيادة، مع أن الظاهر إمكان تحقيق كون ظل الشيء مثله من غير احتياج إلى زيادة ما.
وشذ أبو حنيفة ﵀ من بين عامة العلماء -فقال: يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين، فإذا زاد على ذلك يسيرا كان أول وقت العصر.
ونقل النووي في شرح المهذب عن القاضي أبي الطيب أن ابن المنذر قال: لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة ﵀ وحجته حديث ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة
стр. 484
العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر فعجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين. فقال أهل الكتاب: أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا، ونحن أكثر عملا، قال الله تعالى: "هل ظلمتكم من أجركم من شيء، قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء" متفق عليه. قال: فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر، ومن حين يصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هو ربع النهار، وليس بأقل من وقت الظهر، بل هو مثله.
وأجيب عن هذا الاستدلال بأن المقصود من هذا الحديث ضرب المثل، لا بيان تحديد أوقات الصلاة، والمقصود من الأحاديث الدالة على انتهاء وقت الظهر عندما يصير ظل الشيء مثله هو تحديد أوقات الصلاة، وقد تقرر في الأصول أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها لا من مظانها، مع أن الحديث ليس فيه تصريح بأن أحد الزمنين أكثر من الآخر، وإنما فيه أن عملهم أكثر، وكثرة العمل لا تستلزم كثرة الزمن؛ لجواز أن يعمل بعض الناس عملا كثيرا في زمن قليل، ويدل لهذا أن هذه الأمة وضعت عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم.
قال ابن عبد البر: خالف أبو حنيفة في قوله هذا الآثار والناس، وخالفه أصحابه.
فإذا تحققت أن الحق كون أول وقت العصر عندما يكون ظل
стр. 485
كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال فاعلم أن آخر وقت العصر جاء في بعض الأحاديث تحديده بأن يصير ظل كل شيء مثليه، وجاء في بعضها تحديده بما قبل اصفرار الشمس، وجاء في بعضها امتداده إلى غروب الشمس، ففي حديث جابر وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل في بيانه لآخر وقت العصر في اليوم الثاني، "ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه". وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وأحمد "ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس" وفي حديث أبي موسى عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي "ثم أخر العصر فانصرف منها، والقائل يقول: احمرت الشمس" وروى الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربع نحوه من حديث بريدة الأسلمي، وفي حديث عبد الله بن عمر عند مسلم "ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول"، وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه "ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
والظاهر في وجه الجمع بين هذه الروايات في تحديد آخر وقت العصر أن مصير ظل الشيء مثليه هو وقت تغيير الشمس من البياض والنقاء إلى الصفرة، فيؤول معنى الروايتين إلى شيء واحد، كما قاله بعض المالكية.
وقال ابن قدامة في المغني: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية فقد صلاها في وقتها، وفي هذا دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب، ولعلهما متقاربان يوجد أحدهما قريبا من الآخر. اهـ. منه بلفظه. وهذا هو انتهاء وقتها الاختياري.
стр. 486
وأما الروايات الدالة على امتداد وقتها إلى الغروب، فهي في حق أهل الأعذار كحائض تطهر، وكافر يسلم، وصبي يبلغ، ومجنون يفيق، ونائم يستيقظ، ومريض يبرأ.
ويدل لهذا الجمع ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث أنس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله إلا قليلا" ففي الحديث دليل على عدم جواز تأخير صلاة العصر إلى الاصفرار فما بعده بلا عذر.
وأول وقت صلاة المغرب غروب الشمس أي: غيبوبة قرصها بإجماع المسلمين، وفي حديث جابر وابن عباس في إمامة جبريل "فصلى المغرب حين وجبت الشمس"، وفي حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن رسول الله - ﷺ - "كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب". أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربع إلا النسائي، والأحاديث بذلك كثيرة.
واختلف في آخر وقتها أعني المغرب، فقال بعض العلماء: ليس لها إلا وقت واحد، وهو قدر ما تصلى فيه من أول وقتها مع مراعاة الإتيان بشروطها، وبه قال الشافعي، وهو مشهور مذهب مالك، وحجة أهل هذا القول أن جبريل صلاها بالنبي - ﷺ - في الليلة الثانية في وقت صلاته لها في الأولى، قالوا: فلو كان لها وقت آخر لأخرها في الثانية إليه كما فعل في جميع الصلوات وغيرها.
стр. 487
والتحقيق أن وقت المغرب يمتد ما لم يغب الشفق، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم عنه - ﷺ - أنه قال: "ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق" الحديث والمراد بثور الشفق: ثورانه وانتشاره ومعظمه، وفي القاموس: أنه حمرة الشفق الثائرة فيه، وفي حديث أبي موسى المتقدم عند أحمد ومسلم، وحديث بريدة المتقدم عند أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربع "ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق" وفي لفظ "فصلى المغرب قبل سقوط الشفق".
والجواب عن أحاديث إمامة جبريل حيث صلى المغرب في اليومين في وقت واحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه اقتصر على بيان الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات ما سوى الظهر.
والثاني: أنه متقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في آخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها.
والثالث: أن هذه الأحاديث أصح إسنادا من حديث بيان جبريل فوجب تقديمها، قاله الشوكاني ﵀، ولا خلاف بين العلماء في أفضلية تقديم صلاة المغرب عند أول وقتها.
ومذهب الإمام مالك ﵀ امتداد الوقت الضروري للمغرب بالاشتراك مع العشاء إلى الفجر.
وقال البيهقي في السنن الكبرى: روينا عن ابن عباس
стр. 488
وعبد الرحمن بن عوف في المرأة تطهر قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، والظاهر أن حجة هذا القول بامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى طلوع الفجر كما هو مذهب مالك ما ثبت في الصحيح أيضا من أنه - ﷺ - "جمع بين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر"، فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - "صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء" ومعناه: أنه يصلي السبع جميعا في وقت واحد، والثمان كذلك كما بينته رواية البخاري في باب وقت المغرب عن ابن عباس قال: صلى النبي - ﷺ - "سبعا جميعا وثمانيا جميعا". وفي لفظ لمسلم، وأحمد، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه "جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته" وبه تعلم أن قول مالك في الموطأ: لعل ذلك لعلة المطر غير صحيح. وفي لفظ أكثر الروايات من غير خوف ولا سفر.
وقد قدمنا أن هذا الجمع يجب حمله على الجمع الصوري؛ لما تقرر في الأصول من أن الجمع واجب إذا أمكن، وبهذا الحمل تنتظم الأحاديث، ولا يكون بينها خلاف. ومما يدل على أن الحمل المذكور متعين ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ "صليت مع النبي - ﷺ - الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء" فهذا ابن عباس راوي حديث الجمع قد صرح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري، فرواية النسائي هذه صريحة
стр. 489
في محل النزاع، مبينة للإجمال الواقع في الجمع المذكور.
وقد تقرر في الأصول أن البيان بما سنده دون سند المبين جائز عند جماهير الأصوليين، وكذلك المحدثون. وأشار إليه في مراقي السعود بقوله في مبحث البيان:
وبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد
ويؤيده ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال "يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه" وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس، والراوي أدرى بما روى من غيره، لأنه قد يعلم من سياق الكلام قرائن لا يعلمها الغائب.
فإن قيل: ثبت في صحيح البخاري وغيره أن أيوب السختياني قال لأبي الشعثاء: لعل ذلك الجمع في ليلة مطيرة، فقال أبو الشعثاء: عسى.
فالظاهر في الجواب -والله تعالى أعلم- أنا لم ندع جزم أبي الشعثاء بذلك، ورواية الشيخين عنه بالظن، والظن لا ينافي احتمال النقيض، وذلك النقيض المحتمل هو مراده بعسى. والله تعالى أعلم.
ومما يؤيد حمل الجمع المذكور على الجمع الصوري أن ابن مسعود وابن عمر ﵃ كلاهما ممن روى عنه الجمع المذكور بالمدينة، مع أن كلا منهما روى عنه ما يدل على أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري.
стр. 490
أما ابن مسعود فقد رواه عنه الطبراني كما ذكره ابن حجر في فتح الباري.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: رواه الطبراني عن ابن مسعود في الكبير، والأوسط كما ذكره الهيتمي في مجمع الزوائد بلفظ "جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي" مع أن ابن مسعود روى عنه مالك في الموطأ والبخاري، وأبو داود والنسائي أنه قال "ما رأيت رسول الله - ﷺ - صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها" فنفي ابن مسعود للجمع المذكور يدل على أن الجمع المروي عنه الجمع الصوري؛ لأن كلا من الصلاتين في وقتها، وإلا لكان قوله متناقضا، والجمع واجب متى ما أمكن.
وأما ابن عمر فقد روى عنه الجمع المذكور بالمدينة عبد الرزاق، كما قاله الشوكاني أيضا، مع أنه روى عنه ابن جرير أنه قال: "خرج علينا رسول الله - ﷺ - فكان يؤخر الظهر، ويعجل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء فيجمع بينهما" قاله الشوكاني أيضا. وهذا هو الجمع الصوري، فهذه الروايات معينة للمراد بلفظ جمع.
واعلم أن لفظة "جمع" فعل في سياق الإثبات، وقد قرر أئمة الأصول أن الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه.
قال ابن الحاجب في مختصره الأصولي في مبحث العام،
стр. 491
ما نصه: "الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه، مثل: صلى داخل الكعبة، فلا يعم الفرض والنفل إلى أن قال: وكان يجمع بين الصلاتين لا يعم وقتيهما، وأما تكرر الفعل فمستفاد من قول الراوي كان يجمع، كقولهم كان حاتم يكرم الضيف" الخ.
قال شارحه العضد ما نصه: "وإذا قال: كان يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فلا يعم جمعهما بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير في وقت الثانية، وعمومه في الزمان لا يدل عليه أيضا، وربما توهم ذلك من قوله "كان يفعل". فإنه يفهم منه التكرار، كما إذا قيل: كان حاتم يكرم الضيف، وهو ليس مما ذكرناه في شيء؛ لأنه لا يفهم من الفعل وهو "يجمع" بل من قول الراوي، وهو "كان" حتى لو قال: "جمع" لزال التوهم. انتهى محل الغرض منه بلفظه بحذف يسير لما لا حاجة إليه في المراد عندنا. فقوله: حتى لو قال: "جمع" زال التوهم، يدل على أن قول ابن عباس في الحديث المذكور "جمع" لا يتوهم فيه العموم، وإذن فلا تتعين صورة من صور الجمع إلا بدليل منفصل، وقد قدمنا الدليل على أن المراد الجمع الصوري.
وقال صاحب جمع الجوامع عاطفا على ما لا يفيد العموم ما نصه: "والفعل المثبت، ونحو كان يجمع في السفر".
قال شارحه صاحب الضياء اللامع ما نصه: ونحو كان يجمع في السفر، أي: بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لا عموم له أيضا؛ لأنه فعل في سياق الثبوت، فلا يعم جمعهما بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير إلى وقت الثانية، بهذا فسر الرهوني كلام
стр. 492
ابن الحاجب إلى أن قال: وإنما خص المصنف هذا الفعل الأخير بالذكر مع كونه فعلا في سياق الثبوت؛ لأن في كان معنى زائد، وهو اقتضاؤها مع المضارع التكرار عرفا، فيتوهم منها العموم، نحو "كان حاتم يكرم الضيفان" وبهذا صرح الفهري والرهوني، وذكر ولي الدين عن الإمام في المحصول أنها لا تقتضي التكرار عرفا ولا لغة.
قال ولي الدين: والفعل في سياق الثبوت لا يعم، كالنكرة المثبتة، إلا أن تكون في معرض الامتنان، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾. اهـ. من الضياء اللامع لابن حلولو.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وجه كون الفعل في سياق الثبوت لا يعم هو أن الفعل ينحل عند النحويين، وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن، وينحل عند جماعة من البلاغيين عن مصدر وزمن ونسبة، فالمصدر كامن في معناه إجماعا، والمصدر الكامن فيه لم يتعرف بمعرف فهو نكرة في المعنى، ومعلوم أن النكرة لا تعم في الإثبات، وعلى هذا جماهير العلماء.
وما زعمه بعضهم من أن الجمع الصوري لم يرد في لسان الشارع، ولا أهل عصره فهو مردود بما قدمنا عن ابن عباس عند النسائي، وابن عمر عند عبد الرزاق، وبما رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي، وصحَّحه، والشافعي، وابن ماجه والدارقطني، والحاكم من حديث حمنة بنت جحش ﵂ "أن النبي - ﷺ - قال لها وهي مستحاضة: فإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، ثم تغتسلي حتى تطهري وتصلين الظهر والعصر
стр. 493
جمعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح" قال: وهذا أعجب الأمرين إلي.
ومما يدل على أن الجمع المذكور في حديث ابن عباس جمع صوري ما رواه النسائي من طريق عمرو بن هشام، عن أبي الشعثاء "أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل" وفيه: رفعه إلى النبي - ﷺ -، وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة، وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه: انتهى من فتح الباري.
وما ذكره الخطابي وابن حجر في الفتح من أن قوله - ﷺ -: "صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي" في حديث ابن عباس وابن مسعود المتقدمين يقدح في حمله على الجمع الصوري؛ لأن القصد إليه لا يخلو من حرج، وأنه أضيق من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما يصعب إدراكه على الخاصة فضلا عن العامة، يجاب عنه بما أجاب به العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: وهو أن الشارع - ﷺ -، قد عرف أمته أوائل الأوقات وأواخرها، وبالغ في التعريف والبيان حتى إنه عينها بعلامات حسية لا تكاد تلتبس على العامة فضلا عن الخاصة، والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها، وفعل الأخرى في أول وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها، كما كان
стр. 494
ديدنه - ﷺ -، حتى قالت عائشة ﵂: "ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين حتى قبضه الله" ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة والخروج إليهما مرة أخف من صلاة كل منهما في أول وقتها. وممن ذهب إلى أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري ابن الماجشون، والطحاوي، وإمام الحرمين، والقرطبي، وقواه ابن سيد الناس بما قدمنا عن أبي الشعثاء، ومال إليه بعض الميل النووي في شرح المهذب في باب المواقيت من كتاب الصلاة.
فإن قيل: الجمع الصوري الذي حملتم عليه حديث ابن عباس هو فعل كل واحدة من الصلاتين المجموعتين في وقتها، وهذا ليس برخصة، بل عزيمة، فأي فائدة إذن في قوله - ﷺ -: "لئلا تحرج أمتي" مع كون الأحاديث المعينة للأوقات تشمل الجمع الصوري، وهل حمل الجمع على ما شملته أحاديث التوقيت إلا من باب الاطراح لفائدته وإلغاء مضمونه.
فالجواب: هو ما أجاب به العلامة الشوكاني ﵀ أيضا: وهو أنه لا شك أن الأقوال الصادرة منه - ﷺ -، في أحاديث توقيت الصلوات شاملة للجمع الصوري كما ذكره المعترض، فلا يصح أن يكون رفع الحرج منسوبا إليها، بل هو منسوب إلى الأفعال، ليس إلا، لما عرفناك من أنه - ﷺ - ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين، فربما ظن ظان أن فعل الصلاة في أول وقتها متحتم لملازمته - ﷺ - لذلك طول عمره، فكان في جمعه جمعا صوريا تخفيف وتسهيل على من اقتدى بمجرد الفعل، وقد كان اقتداء
стр. 495
الصحابة بالأفعال أكثر منه بالأقوال، ولهذا امتنع الصحابة ﵃ من نحر بدنهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم - ﷺ -، بالنحر حتى دخل - ﷺ - على أم سلمة مغموما، فأشارت عليه بأن ينحر ويدعو الحلاق يحلق له ففعل، فنحروا جميعا وكادوا يهلكون غما من شدة تراكم بعضهم على بعض حال الحلق.
ومما يؤيد أن الجمع المتنازع فيه لا يجوز لغير عذر ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر" وفي إسناده حنش بن قيس، وهو ضعيف.
ومما يدل على ذلك أيضا ما قاله الترمذي في آخر سننه في كتاب العلل منه، ولفظه: جميع ما في كتابي هذا من الحديث معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين. حديث ابن عباس "أن النبي - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر بالمدينة. والمغرب والعشاء من غير خوف، ولا سفر" الخ.
وبه تعلم أن الترمذي يقول: إنه لم يذهب أحد من أهل العلم إلى العمل بهذا الحديث في جمع التقديم أو التأخير، فلم يبق إلا الجمع الصوري فيتعين.
قال مقيده - عفا الله عنه -: روي عن جماعة من أهل العلم أنهم أجازوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا، لكن بشرط ألا يتخذ ذلك عادة، منهم ابن سيرين، وربيعة، وأشهب، وابن المنذر، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث. قاله ابن حجر وغيره. وحجتهم ما تقدم في الحديث من قوله: