← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

لكان الكلام معيبًا عند العارفين. وعرف صاحب مراقي السعود دلالة الإِيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء والتنبيه بقوله: دلالة الإِيماء والتنيه ... في الفن تقصد لدى ذويه أن يقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير علة يعبه من فطن وعرف أيضًا الإِيماء والتنبيه في مسالك العلة بقوله: والثالث الإِيما اقتران الوصف ... بالحكم ملفوظين دون خلف وذلك الوصف أو النظير ... قرانه لغيرها يضير فقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ لو لم يكن علة لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ لكان الكلام معيبًا غير منتظم عند الفطن العارف. وإذا علمت أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ هو علة قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وعلمت أن حكم العلة عام. فاعلم أن العلة قد تعمم معلولها، وقد تخصصه كما ذكرنا في بيت مراقي السعود، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علته، وإذا كان حكم هذه الآية عامًا بدلالة القرينة القرآنية. فاعلم أن الحجاب واجب بدلالة القرآن على جميع النساء. واعلم أنا في هذا المبحث يزيد أن نذكر الأدلة القرآنية على وجوب الحجاب على العموم، ثم الأدلة من السنَّة، ثم نناقش أدلة الطرفين، ونذكر الجواب عن أدلة من قالوا بعدم وجوب الحجاب على غير أزواجه ﷺ ، وقد ذكرنا آنفًا أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ الآية. قرينة على عموم حكم آية الحجاب.

стр. 4272

ومن الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقد قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى: يدنين عليهن من جلابيبهن: أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلَّا عين واحدة تبصر بها. وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس، وعبيدة السلماني وغيرهم. فإن قيل: لفظ الآية الكريمة وهو قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة، ولم يرد نص من كتاب، ولا سنَّة، ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسرين: إنه يستلزمه معارض يقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه. فالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها. والقرينة المذكورة: هي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين، فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب كما ترى. ومن الأدلة على ذلك أيضًا: هو ما قدمنا في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ من أن استقراء القرآن يدل على أن معنى (إلَّا ما ظهر منها) الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصح تفسير (إلَّا ما ظهر منها) بالوجه والكفين، كما تقدم إيضاحه. واعلم أن قول من قال: إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله

стр. 4273

تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ قال: وقد دل قوله: (أن يعرفن) على أنهن سافرات كاشفات عن وجوههن؛ لأن التي تستر وجهها لا تعرف = باطل. وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منعًا باتًا؛ لأن قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ صريح في منع ذلك. وإيضاحه: أن الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن، لا يمكن بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه كما لا يخفى. وقوله في الآية الكريمة (لأزواجك) دليل أيضًا على أن المعرفة المذكورة في الآية ليست بكشف الوجوه؛ لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين. والحاصل: أن القول المذكور تدل على بطلانه أدلة متعددة: الأول: سياق الآية كما أوضحناه آنفًا. الثاني: قوله: (لأزواجك) كما أوضحناه أيضًا. الثالث: أن عامة المفسرين من الصحابة فمن بعدهم فسروا الآية مع بيانهم سبب نزولها بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإِماء، ولا يتعرضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميزًا عن زي الإِماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق

стр. 4274

بالأذى ظنًا منهم أنهن إماء، فأمر الله نبيه ﷺ أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإِماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك وراهن الفساق علموا أنهن حرائر، ومعرفتهم بأنهن حرائر، لا إماء هو معنى قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ فهي معرفة بالصفة لا بالشخص، وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن كما ترى. فقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ لأن إدنائهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر، فهو أدنى وأقرب لأن يعرفن، أي: يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرضون للإِماء. وهذا هو الذي فسر به أهل العلم بالتفسير هذه الآية، وهو واضح. وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإِماء جائز بل هو حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في عموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾. ومما يدل على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ الآية. وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى: حافظ للفرج راض بالتقى ... ليس ممن قلبه فيه مرض وفي الجملة: فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهن الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإِماء لازم، وله أسباب أخر ليس منها إدناء الجلابيب.

стр. 4275

تنبيه قد قدما في سورة إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن. كما قال ابن مالك في الخلاصة: المصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمن من أمن وأنه عند جماعات من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة. وإذا علمت ذلك: فاعلم أن المصدر والزمن كامنان في مفهوم الفعل إجماعًا، وقد ترجع الإشارات والضمائر تارة إلى المصدر الكامن في مفهوم الفعل، وتارة إلى الزمن الكامن فيه. فمثال رجوع الإِشارة إلى المصدر الكامن فيه قوله تعالى هنا: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي: ذلك الإدناء المفهوم من قوله: يدنين. ومثال رجوع الإشارة للزمن الكامن فيه قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ فقوله: ذلك يعني زمن النفخ المفهوم من قوله: ونفخ، أي: ذلك الزمن يوم الوعيد. ومن الأدلة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرر في الأصول من أن خطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب. وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة الحج في مبحث النهي عن لبس المعصفر، وقد قلنا في ذلك: لأن خطاب النبي ﷺ لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة، لاستوائهم في أحكام التكليف إلَّا بدليل خاص يجب الرجوع إليه. وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالة على

стр. 4276

عموم الحكم؟ خلاف في حال لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم أن خطاب الواحد لا يعم، لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم. ولكن أهل هذا القوله موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد، وذلك الدليل بالنص والقياس. وأما القياس فظاهر؛ لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي. والنص كقوله ﷺ في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة". قالوا: ومن أدلة ذلك حديث: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". قال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات: اعلم أن حديث حكمي على الواحد حكمي على الجماعة: لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان قوله ﷺ في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء" وساق الحديث كما ذكرناه. وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" وفي لفظ: "كحكمي على الجماعة" ليس له أصل بهذا اللفظ. كما قاله العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في الدرر كالزركشي: لا يعرف، وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه.

стр. 4277

نعم يشهد له ما رواه الترمذي، والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي: "ما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة" ولفظ الترمذي: "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها؛ لثبوتها على شرطهما. وقال ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير: حكمي على الواحد لا يعرف له أصل. إلى آخره، قريبًا مما ذكرناه عنه. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت رقيقة بقافين مصغرًا، وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أمها، وهي أخت خديجة بنت خويلد. وقيل: عمتها، واسم أبيها بجاد بموحدة ثم جيم ابن عبد الله ابن عمير التيمي، تيم بن مرة، وأشار إلى ذلك في مراقي السعود بقوله: خطاب واحد لغير الحنبلي ... من غير رعي النص والقيس الجلي انتهى محل الغرض منه. وبهذه القاعدة الأصولية التي ذكرنا تعلم أن حكم آية الحجاب عام كان كان لفظها خاصًا بأزواجه ﷺ ؛ لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه، أو من غيرهن كقوله لمائة امرأة، كما رأيت إيضاحه قريبًا. ومن الأدلة القرآنية الدالة على الحجاب قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾؛ لأن الله جلَّ وعلا بين في هذه الآية الكريمة أن القواعد، أي: العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا، أي: لا يطمعن في النكاح؛ لكبر السن وعدم حاجة

стр. 4278

الرجال إليهن يرخص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهن بشرط كونهن غير متبرجات بزينة، ثم إنه جلَّ وعلا مع هذا كله قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي: يستعففن عن وضع الثياب خير لهن، أي: واستعفافهن عن وضع ثيابهن مع كبر سنهن وانقطاع طمعهن في التزويج، وكونهن غير متبرجات بزينة خير لهن. وأظهر الأقوال في قوله: أن يضعن ثيابهن، أنه وضع ما يكون فوق الخمار، والقميص من الجلابيب التي تكون فوق الخمار والثياب. فقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها، ولا الإِخلال بشيء من التستر بحضرة الأجانب. وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دل على الحجاب. ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه ﷺ ، فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامة، وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرج والاختلاط اليوم من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض، والطهارة من دنس الريبة غاش لأمة محمد ﷺ ، مريض القلب كما ترى. واعلم أنه مع دلالة القرآن على احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب، قد دلت على ذلك أيضًا أحاديث نبوية: فمن ذلك

стр. 4279

ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله ﷺ أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت" أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب النكاح في باب: لا يخلون رجل بامرأة إلَّا ذو محرم. إلخ. ومسلم في كتاب السلام في باب: تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها. فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي ﷺ بالتحذير الشديد من الدخول على النساء، فهو دليل واضح على منع الدخول عليهن، وسؤالهن متاعًا إلَّا من وراء حجاب؛ لأن من سألها متاعًا لا من وراء حجاب فقد دخل عليها، والنبي ﷺ حذَّره من الدخول عليها، ولما سألته الأنصارى عن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرمًا لزوجته كأخيه، وابن أخيه، وعمه، وابن عمه ونحو ذلك قال له ﷺ : الحمو الموت. فسمى ﷺ دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها باسم الموت. ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير؛ لأن الموت هو أفظع حادث يأتي على الإِنسان في الدنيا كما قال الشاعر: والموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبلة والجبلة: الخلق. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾، فتحذيره ﷺ هذا التحذير البالغ من دخول الرجال على النساء، وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ عام في جميع النساء كما ترى. إذ لو كان حكمه خاصًا بأزواجه ﷺ لما حذر الرجال هذا التحذير البالغ العام من الدخول على النساء.

стр. 4280

وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن، والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا شديدًا بانفراده، كما قدمنا أن مسلمًا ﵀ أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية، والدخول عليها فدل على أن كليهما حرام. وقال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: إياكم والدخول بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور؛ ليتحرز عنه، كما قيل: إياك والأسد. وقوله: إياكم: مفعول لفعل مضمر تقديره: اتقوا. وتقدير الكلام اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم. ووقع في رواية ابن وهب بلفظ لا تدخلوا على النساء. وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى. انتهى محل الغرض منه. وقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب وليضربن بخمرهن على جيوبهن. وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي عن يونس، قال ابن شهاب عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها. حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة: أن عائشة رضى الله عنها كانت تقول: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها. انتهى من صحيح البخاري.

стр. 4281

وقال ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: قوله: فاختمرن؛ أي: غطين وجوههن. وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار. انتهى محل الغرض من فتح الباري. وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن، فاختمرن، أي: ستون وجوههن بها امتثالًا لأمر الله في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ المقتضي ستر وجوههن. وبهذا يتحقق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة ﵂ على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله في كتابه. ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إلَّا من النبي ﷺ لأنه موجود، وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، واللَّه جل وعلا يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن. وقال ابن حجر في فتح الباري: ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن صفية ما يوضح ذلك: ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت: إن لنساء قريش لفضلًا، ولكن واللَّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا بكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى

стр. 4282

جُيُوبِهِنَّ﴾ فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلَّا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات على رؤوسهن الغربان. انتهى محل الغرض من فتح الباري. ومعنى معتجرات مختمرات كما جاء موضحًا في رواية البخاري المذكورة آنفًا. فترى عائشة ﵂ مع علمها، وفهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنها ما رأت أشد منهن تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل. وهو دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى. فالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنَّة ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيمانًا بتنزيله. ومعنى هذا ثابت في الصحيح كما تقدم عن البخاري. وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى. وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره: وقال البزار أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثني عمرو بن عاصم: حدثنا همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها" ورواه الترمذي عن بندار، عن عمرو بن عاصم به نحوه. اهـ منه. وقد ذكر هذا الحديث صاحب مجمع الزوائد. وقال: رواه

стр. 4283

الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلة. وما جاء فيه من كون المرأة عورة يدل على الحجاب؛ للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة. ومما يؤيد ذلك: ما ذكر الهيثمي أيضًا في مجمع الزوائد عن ابن مسعود، قال: إنما النساء سورة، كان المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس فيستشرفها الشيطان فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلَّا أعجبتيه. كان المرأة لتلبس ثيابها فيقال: أين تريدين فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها. ثم قال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. أهـ منه. ومثله له حكم الرفع إذ لا مجال للرأي فيه. ومن الأدلة الدالة على ذلك الأحاديث التي قدمناها الدالة على أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في المساجد، كما أوضحناه في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ الآية. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدًّا. وفيما ذكرنا كفاية لمن يريد الحق. فقد ذكرنا الآيات القرآنية الدالة على ذلك، والأحاديث الصحيحة الدالة على الحجاب، وبينا أن من أصرحها في ذلك آية النور مع تفسير الصحابة لها، وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فقد أوضحنا غير بعيد تفسير الصحابة لها، والنبي ﷺ موجود بينهم ينزل عليه الوحي بأن المراد بها يدخل فيه ستر الوجه وتغطيته عن الرجال، وأن ستر المرأة وجهها عمل بالقرآن كما قالته عائشة ﵂. وإذا علمت أن هذا القدر من الأدلة على عموم الحجاب يكفي

стр. 4284

المنصف، فسنذكر لك أجوبة أهل العلم عما استدل به الذين قالوا بجواز إبداء المرأة وجهه ويديها بحضرة الأجانب. فمن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك حديث خالد بن دريك عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ ، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يرى منها إلَّا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه" وهذا الحديث يجاب عنه بأنه ضعيف من جهتين. الأولى: هي كونه مرسلًا؛ لأن خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، كما قاله أبو داود، وأبو حاتم الرازي كما قدمناه في سورة النور. الجهة الثانية: أن في إسناده سعيد بن بشير الأزدي مولاهم، قال فيه في التقريب: ضعيف. مع أنه مردود بما ذكرنا من الأدلة على عموم الحجاب، ومع أنه لو قدر ثبوته قد يحمل على أنه كان قبل الأمر بالحجاب. ومن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك حديث جابر الثابت في الصحيح قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان، ولا إقامة، ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم. ققامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير. قال فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن". اهـ. هذا لفظ مسلم في صحيحه.

стр. 4285

قالوا: وقوله جابر في هذا الحديث: سفعاء الخدين يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت محتجبة لما رأى خديها، ولما علم بأنها سفعاء الخدين. وأجيب عن حديث جابر هذا: بأنه ليس فيه ما يدل على أن النبي ﷺ رآها كاشفة عن وجهها، وأقرها على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن جابرًا رأى وجهها، وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصدًا، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال كما قال نابغة ذبيان: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد فعلى المحتج بحديث جابر المذكور أن يثبت أنه ﷺ رآها سافرة، وأقرها على ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك. وقد روى القصة المذكورة غير جابر، فلم يذكر كشف المرأة المذكورة عن وجهها، وقد ذكر مسلم في صحيحه ممن رواها غير جابر أبا سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وذكره غيره عن غيرهم. ولم يقل أحد ممن روى القصة غير جابر: إنه رأى خدي تلك المرأة السفعاء الخدين، وبذلك تعلم أنه لا دليل على السفور في حديث جابر المذكور. وقد قال النووي في شرح حديث جابر هذا عند مسلم: وقوله: فقامت امرأة من سطة النساء. هكذا هو في النسخ سطة بكسر السين، وفتح الطاء المخففة. وفي بعض النسخ: واسطة النساء. قال القاضي: معناه: من خيارهن، والوسط العدل والخيار قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغير في كتاب مسلم، وأن صوابه من

стр. 4286

سفلة النساء، وكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده، والنسائي في سننه، وفي رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من علية النساء. وهذا ضد التفسير الأول، ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدين. هذا كلام القاضي. وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها من خيار النساء كما فسره به هو، بل المراد: امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن. قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: يقال: وسطت القوم أسطهم وسطًا وسطة: أي توسطتهم. اهـ منه. وهذا التفسير الأخير هو الصحيح، فليس في حديث جابر ثناء البتة على سفعاء الخدين المذكورة. ويحتمل أن جابرًا ذكر سفعة خديها ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها؛ لأن سفعة الخدين قبح في النساء. قال النووي: سفعاء الخدين، أي: فيها تغير وسواد. وقال الجوهري في صحاحه: والسفعة في الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة، ويقال للحمامة. سفعاء لما في عنقها من السفعة، قال حميد بن ثور: من الورق سفعاء العلاطين باكرت ... فروع أشاء مطلع الشمس أسحما قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: السفعة في الخدين من المعاني المشهورة في كلام العرب: أنها سواد وتغير في الوجه، من مرض أو مصيبة، أو سفر شديد، ومن ذلك قول متمم بن نويرة التميمي يبكي أخاه مالكًا: تقول ابنة العمري مالك بعدما ... أراك خضيبًا ناعم البال أروعا فقلت لها طول الأسى إذ سألتني ... ولوعة وجد تترك الخد أسفعا ومعلوم أن من السفعة ما هو طبيعي كما في الصقور،

стр. 4287

فقد يكون في خدي الصقر سواد طبيعي، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: أهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم تنصب له الشبك والمقصود: أن السفعة في الخدين إشارة إلى قبح الوجه، وبعض أهل العلم يقول: إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها لها حكم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا. ومن الأحاديث بها التي استدلوا على ذلك حديث ابن عباس الذي قدمناه قال: أردف رسول الله ﷺ الفضل بن عباس ﵄ يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ ، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها فالتفت النبي ﷺ ، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا. . . الحديث. قالوا: فالإِخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت كاشفة عن وجهها. وأجيب عن ذلك أيضًا من وجهين: الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبي ﷺ رآها كاشفة عنه، وأقرها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء، ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأنه ﷺ أقرها على

стр. 4288

ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها، كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين. ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها. ومما يوضح هذا أن عبد الله بن عباس ﵄ الذي روى عنه هذا الحديث لم يكن حاضرًا وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه؛ لما قدمنا من أن النبي ﷺ قدمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، وإطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدًا؛ لاحتمال أن يكون رأى وجهها، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها. فإن قيل: قوله: إنها وضيئة، وترتيبه على ذلك بالفاء قوله: فطفق الفضل ينظر إليها، وقوله: وأعجبه حسنها، فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها، وينظر إليه لإِعجابه بحسنه. فالجواب: أن تلك القرائن لا تستلزم استلزامًا لا ينفك أنها كانت كاشفة، وأن النبي ﷺ رآها كذلك، وأقرها، لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يعرف، وينظر إليها؛ لجمالها وهي مختمرة، وذلك الحسن قدها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما هم معلوم، ولذلك فسر ابن مسعود: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالملاءة فوق الثياب كما تقدم. ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب قول الشاعر: طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا

стр. 4289

فقد بالغ في حسن قوامها، مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفًا. الوجه الثاني: أن المرأة محرمة، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها، وعليها ستره من الرجال في الإِحرام، كما هو معروف عن أزواج النبي ﷺ ، وغيرهن. ولم يقل أحد إن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس ﵄، والفضل منعه النبي ﷺ من النظر إليها، وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد فكشفها عن وجهها إذًا لإِحرامها، لا لجواز السفور. فإن قيل: كونها مع الحجاج مظنة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة؛ لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال. فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبي ﷺ الورع وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلًا ولا شرعًا، ولا عادة من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحكى كما حكى نظر الفضل إليها. ويفهم من صرف النبي ﷺ بصر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة، وهي سافرة كما ترى. وقد دلت الأدلة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم. وبالجملة، فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة

стр. 4290

البشرية، وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي. ألم تسمع بعضهم يقول: قلت اسمحوا في أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم أترضى أيها الإِنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك، ولقد صدق من قال: وما عجب أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عجاب مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة أعني آية الحجاب هذه اعلم أنه لا يجوز للرجل الأجنبي أن يصافح امرأة أجنبية منه. ولا يجوز له أن يمس شيء من بدنه شيئًا من بدنها. والدليل على ذلك أمور: الأول: أن النبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: "إني لا أصافح النساء" الحديث. واللَّه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيلزمنا ألا نصافح النساء اقتداء به ﷺ . والحديث المذكور قد قدمناه موضحًا في سورة الحج في الكلام على النهي عن لبس المعصفر مطلقًا في الإِحرام وغيره للرجال. وفي سورة الأحزاب في آية الحجاب هذه. وكونه ﷺ لا يصافح النساء وقت البيعة دليل واضح على أن الرجل لا يصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئًا من بدنها؛ لأن أخف أنواع اللمس المصافحة، فإذا امتنع منها ﷺ في الوقت الذي يقتضيها، وهو وقت المبايعة، دل ذلك على أنها لا تجوز،

стр. 4291

وليس لأحد مخالفته ﷺ ؛ لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره. الأمر الثاني: هو ما قدمنا من أن المرأة كلها عورة يجب عليها أن تحتجب، وإنما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شك أن مس البدن للبدن أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيًا إلى الفتنة من النظر بالعين، وكل منصف يعلم صحة ذلك. الأمر الثالث: أن ذلك ذريعة إلى التلذذ بالأجنبية، لقلة تقوى الله في هذا الزمان وضياع الأمانة، وعدم التورع عن الربية، وقد أخبرنا مرارًا أن بعض الأزواج من العوام يقبل أخت امرأته بوضع الفم على الفم، ويسمون ذلك التقبيل الحرام بالإِجماع سلامًا، فيقولون: سلم عليها يعنون قبلها، فالحق الذي لا شك فيه التباعد عن جميع الفتن والريب، وأسبابها، ومن أكبرها لمس الرجل شيئًا من بدن الأجنبية، والذريعة إلى الحرام يجب سدها، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وإليه الإِشارة يقول صاحب مراقي السعود: سد الذرائع إلى المحرم ... حتم كفتحها إلى المنحتم • قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . أمر الله تعالى نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول الذين يسألونه عن الساعة ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومعلوم أن إنما صيغة حصر. فمعنى الآية: أن الساعة لا يعلمها إلَّا الله وحده.

стр. 4292

وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء واضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية. وقد بين ﷺ أن الخمس المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية. هي المراد بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ وكقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية. وفي الحديث: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل". • قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الساعة التي هي القيامة لعلها تكون قريبًا، وذكر نحوه في قوله في الشورى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ وقد أوضح جلَّ وعلا اقترابها في آيات أخر، كقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ الآية. وقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾. وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤)﴾ إلى قوله: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾. تقدمت الآيات الموضحة له مرارًا.

стр. 4293

• قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه عرض الأمانة - وهي التكاليف، مع ما يتبعها من ثواب وعقاب - على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها، وأشفقن منها، أي: خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه، وهذا العرض والإِباء، والإِشفاق كله حق، وقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكًا يعلمه هو جل وعلا، ونحن لا نعلمه، وبذلك الإِدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت وأشفقت، أي: خافت. ومثل هذا تدل عليه آيات وأحاديث كثيرة، فمن الآيات الدالة على إدراك الجمادات المذكور قوله تعالى في سورة البقرة في الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ فصرح بأن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وهذه الخشية التي نسبها الله لبعض الحجارة بإدراك يعلمه هو تعالى. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآية. ومنها قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ومن الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك قصة حنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي ﷺ لما انتقل بالخطبة إلى المنبر، وهي في صحيح البخاري وغيره.

стр. 4294

ومنها: ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأعرف حجرًا كان يسلم علي في مكة" وأمثال هذا كثيرة، فكل ذلك المذكور في الكتاب والسنَّة إنما يكون بإدراك يعلمه الله، ونحن لا نعلمه. كما قال تعالى: ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ولو كان المراد بتسبيح الجمادات دلالتها على خالقها لكنا نفقهه، كما هو معلوم، وقد دلت عليه آيات كثيرة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ الظاهر أن المراد بالإنسان آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ راجع للفظ الإِنسان مجردًا عن إرادة المذكور منه الذي هو آدم. والمعنى: (إنه) أي: الإِنسان الذي لا يحفظ الأمانة كان ظلومًا جهولًا، أي: كثير الظلم والجهل، والدليل على هذا أمران: أحدهما: قريبة قرآنية دالة على انقسام الإِنسان في حمل الأمانة المذكورة إلى معذب ومرحوم في قوله تعالى بعده متصلًا به: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ فدل هذا على أن الظلوم الجهول من الإِنسان، هو المعذب والعياذ باللَّه، وهم المنافقون، والمنافقات، والمشركون، والمشركات، دون المؤمنين والمؤمنات. واللام في قوله: ليعذب؛ لام التعليه، وهي متعلقة بقوله: وحملها الإِنسان. الأمر الثاني: أن الأسلوب المذكور الذي هو رجوع الضمير إلى مجود اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلي معروف في اللغة التي نزل بها القرآن، وقد جاء فعلًا في آية من كتاب الله، وهي قوله تعالى:

стр. 4295

﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾؛ لأن الضمير في قوله: ولا ينقص من عمره: راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلي. كما هو ظاهر. وقد أوضحناه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ وبينا هناك أن هذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية بمسألة عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر كما ترى. وبعض من قال من أهل العلم إن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ عائد إلى آدم، قال: المعنى: إنه كان ظلومًا لنفسه، جهولًا؛ أي: غرًا بعواقب الأمور، وما يتبع الأمانة من الصعوبات. والأظهر هو ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. * * *

стр. 4296

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة سبأ

стр. 4297

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ . قد ذكرنا ما هو بمعناه من الآيات في أول سورة الفاتحة في الكلام على قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾. • قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾ . بيّن جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يعلم ما يلج في الأرض، أي: ما يدخل فيها، كالماء النازل من السماء الذي يلج في الأرض، كما أوضحه بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ الآية، فهو جلَّ وعلا يعلم عدد القطر النازل من السماء إلى الأرض، وكيف لا يعلمه من خلقه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ ويعلم أيضًا ما يلج في الأرض من الموتى الذين يدفنون فيها، كما قال جلَّ وعلا: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ والكفات من الكفت: وهو الضم، لأنها تضمهم أحياء على ظهرها، وأمواتًا في بطنها، ويعلم أيضًا ما يلج في الأرض من

стр. 4298

البذر كما قال تعالى: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ وكذلك ما في بطنها من المعادن وغير ذلك. قوله: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من الأرض كالنبات، والحبوب، والمعادن، والكنوز، والدفائن وغير ذلك، ويعلم ما ينزل من السماء من المطر، والثلج، والبرد، والرزق وغير ذلك، وما يعرج؛ أي يصعد فيها، أي: السماء كالأعمال الصالحة، كما بينه بقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وكأرواح المؤمنين وغير ذلك كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾. وما ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه يعلم جميع ما ذكر ذكره في سورة الحديد في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾. وقد أوضحنا الآيات الدالة على كمال إحاطة علم الله بكل شيء في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ الآية، وفي مواضع أخر متعددة. • قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار أنكروا البعث، وقالوا: لا تأتينا الساعة، أي: القيامة، وأنه جلَّ وعلا أمر نبيه أن

стр. 4299

يقسم لهم بربه العظيم أن الساعة سوف تأتيهم مؤكدًا ذلك توكيدًا متعددًا. وما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكار الكفار للبعث جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ وقوله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا. وما ذكره جلَّ وعلا من أنه أمر نبيه بالإِقسام لهم على أنهم يبعثون جاء موضحًا في مواضع أخر. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابعة لهن مما أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس ﵇، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ والثانية هذه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ والثالثة في سورة التغابن، وهي قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ الآية. وقد قدمنا البراهين الدالة على البعث بعد الموت من القرآن في سورة البقرة، وسورة النحل وغيرهما. وقد قدمنا الآيات الدالة على إنكار الكفار البعث، وما أعد الله لمنكري البعث من العذاب في الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾ وفي مواضع أخر.

стр. 4300

وقوله: (قل بلى) لفظة بلى قد قدمنا معانيها في اللغة العربية بإيضاح في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ . ما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر، جاء موضحًا في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد بيناها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: لا يعزب، أي: لا يغيب عنه مثقال ذرة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي: أخي كان أما حلمه فمروح ... عليه وأما جهله فعزيب يعني أن الجهل غائب عنه ليس متصفًا به. وقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر: عالم الغيب بألف بعد العين، وتخفيف اللام المكسورة، وضم الميم على وزن فاعل. وقرأه حمزة والكسائي: علَّام الغيب بتشديد اللام وألف بعد اللام المشددة

стр. 4301

وخفض الميم على وزن فعال. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم عالم الغيب كقراءة نافع وابن عامر إلَّا أنهم يخفضون الميم، وعلى قراءة نافع، وابن عامر: بضم الميم من قوله: عالم الغيب، فهو مبتدأ خبره جملة ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ الآية. أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عالم الغيب. وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم عالم الغيب بخفض الميم، فهو نعت لقوله ربي، أي: قل: بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم، وكذلك على قراءة حمزة، والكسائي: علَّام الغيب، وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير الكسائي: لا يعزُب عنه بضم الزاي من يعزب، وقرأه الكسائي بكسر الزاي. • قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾ . لم يبين هنا نوع هذا العذاب، ولكنه بينه بقوله في الحج: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ وقوله: معاجزين، أي: مغالبين، ومسابقين يظنون أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر على بعثهم وعذابهم. والرجز العذاب كما قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ الآية. وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: معجزين بلا ألف بعد العين مع تشديد الجيم المكسورة. وقرأه الباقون بألف بعد العين، وتخفيف الجيم. ومعنى قراءة التشديد أنهم يحسبون أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر على بعثهم وعقابهم. وقال بعضهم: إن معنى معجزين بالتشديد، أي: مثبطين الناس عن الإِيمان.

стр. 4302

وقرأ ابن كثير، وحفص: من رجز أليم: بضم الميم من قوله: أليم على أنه نعت لقوله: عذاب، وقرأ الباقون: أليم بالخفض على أنه نعت لقوله: رجز. • قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من إنكار البعث، وتكذيب الله لهم في ذلك تقدم موضحًا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب في البقرة والنحل وغيرهما. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: تمزقت أجسادكم وتفرقت وبليت عظامكم، واختلطت بالأرض، وتلاشت فيها. وقوله عنهم: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾ أي: البعث بعد الموت، وهو مصب إنكارهم قبحهم الله، وهو جلَّ وعلا يعلم ما تلاشى في الأرض من أجسادهم، وعظامهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾. • قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من توبيخ الكفار، وتقريعهم على عدم تفكرهم ونظرهم إلى ما بين أيديهم، وما خلفهم من السماء والأرض، ليستدلوا بذلك على كمال قدرة الله على البعث، وعلى كل

стр. 4303

شيء، وأنه هو المبعود وحده جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك، أو من بين يديك، أو من خلفك رأيت السماء والأرض. • قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أمرين: أحدهما: أنه إن شاء خسف الأرض بالكفار، خسفها بهم لقدرته على ذلك. والثاني: أنه إن شاء أن يسقط عليهم كسفًا من السماء فعل ذلك أيضًا لقدرته عليه. أما الأول الذي هو أنه لو شاء أن يخسف بهم الأرض لفعل، فقد ذكره تعالى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ

стр. 4304

يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ وقوله تعالى في الأنعام: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الآية. وقوله هنا: ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قد بينا في سورة بني إسرائيل أنه هو المراد بقوله تعالى عن الكفار: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ الآية. وقرأه حمزة والكسائي: (إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم كسفًا من السماء) بالياء المثناة التحتية في الأفعال الثلاثة. أعني: يشأ، ويخسف، ويسقط. وعلى هذه القراءة فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى، أي: إن يشأ هو، أي: الله يخسف بهم الأرض، وقرأ الباقون بالنون الدالة على العظمة في الأفعال الثلاثة، أي: إن نشأ نحن. . . إلخ. وقرأ حفص عن عاصم: كسفًا بفتح السين، والباقون بسكونها. والكسف بفتح السين القطع، والكسف بسكون السين واحدها. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ . ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه آتى داود منه فضلًا تفضَّل به عليه، وبين هذا الفضل الذي تفضل به على داود في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى

стр. 4305

كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر﴾ . قد بينا الآيات الموضحة له مع إيضاح معنى أوِّبي معه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ . قد قدمنا الآيات التي فيها إيضاحه، مع بعض الشواهد وتفسير قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ وفي النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. • قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ . قد بينا الآيات التي فيها إيضاح له في سورة الأنبياء في الكلام على قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية. مع الأجوبة عن بعض الأسئلة الواردة على الآيات المذكورة. • قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنبياء في الكلام على

стр. 4306

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى عنه: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ الآية، وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾. وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾ قرأه عاصم، وحمزة والكسائي بتشديد الدال، والباقون بالتخفيف. • قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ الآية. قد بينا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾.

стр. 4307

• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾. • قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ . أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نبيه محمدًا ﷺ أن يقول للكفار: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يرزقكم من السماوات بإنزال المطر مثلًا، والأرض بإنبات الزروع والثمار ونحو ذلك. ثم أمره أن يقول: الله؛ أي: الذي يرزقكم من السماوات والأرض هو الله، وأمره تعالى له ﷺ بأن يجيب بأن رازقهم هو الله يفهم منه أنهم مقرون بذلك، وأنه ليس محل نزاع. وقد صرح تعالى بذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ الآية. وإقرارهم بربوبيته تعالى يلزمه الاعتراف بعبادته وحده، والعمل بذلك. وقد قدمنا كثيرًا من الآيات الموضحة لذلك في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. • قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾ . أمر الله جلَّ وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول

стр. 4308

للكفار: إنهم وإياهم ليس أحد منهم مسؤولًا عما يعمله الآخر، بل كل منهم مؤاخذ بعمله، والآخر بريء منه. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ وفي معنى ذلك في الجملة قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ وكقوله تعالى عن نبيه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾. • قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ أمر الله جلَّ وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول لعبدة الأوثان: أروني أوثانكم التي ألحقتموها باللَّه شركاء له في عبادته، كفرًا منكم، وشركًا وافتراء. وقوله: أروني الذين ألحقتم به شركاء؛ لأنهم إن أروه إياها تبين برؤيتها أنها جماد لا ينفع ولا يضر، واتضح بعدها عن صفات الألوهية، فظهر لكل عاقل برؤيتها بطلان عبادة ما لا ينفع ولا يضر، فإحضارها والكلام فيها وهي مشاهدة أبلغ من الكلام فيها غائبة، مع أنه ﷺ يعرفها. وكما أنه في هذه الآية الكريمة أمرهم أن يروه إياها ليتبين بذلك بطلان عبادتها، فقد أمرهم في آية أخرى أن يسموها بأسمائها؛ لأن تسميتها بأسمائها يظهر بها بعدها عن صفات الألوهية، وبطلان عبادتها؛ لأنها أسماء إناث حقيرة،

стр. 4309

كاللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ الآية، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾. والأظهر في قوله: (أروني الذين ألحقتم به) في هذه الآية: هو ما ذكرنا من أن الرؤية بصرية، وعليه فقوله: (شركاء) حال. وقال بعض أهل العلم: إنها من رأى العلمية، وعليه فشركاء مفعول ثالث لأروني. قال القرطبي: يكون أروني هنا من رؤية القلب، فيكون شركاء مفعولًا ثالثًا، أي: عرفوني الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء للَّه ، وهل شاركت في خلق شيء، فبينوا ما هو وإلَّا فلم تعبدونها. اهـ محل الغرض منه. واختار هذا أبو حيان في البحر المحيط. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (كلا) ردع لهم وزجر عن إلحاق الشركاء به. وقوله: بل هو الله العزيز الحكيم، أي: المتصف بذلك هو المستحق للعبادة. وقد قدمنا معنى العزيز الحكيم بشواهده مرارًا. • قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى: إلَّا كافة للناس، استشهد به بعض علماء العربية على جواز تقدم الحال على صاحبها المجرور

стр. 4310

بالحرف، كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله: وسبق حال ما بحرف جر قد ... أبوا ولا أمنعه فقد ورد قالوا: لأن المعنى: وما أرسلناك إلَّا للناس كافة، أي: جميعًا، أي: أرسلناك للناس في حال كونهم مجتمعين في رسالتك. وممن أجاز ذلك أبو علي الفارسي، وابن كيسان، وابن برهان، ولذلك شواهد في شعر العرب، كقول طليحة بن خويلد الأسدي: فإن تك أذواد أصبن ونسوة ... فلن يذهبوا فرغًا بقتل حبال وكقول كثير: لئن كان برد الماء هيمان صاديا ... إلى حبيبًا إنها لحبيب وقول الآخر: تسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي وقول الآخر: غافلًا تعرض المنية للمر ... ء فيدعى ولات حين إباء وقوله: مشغوفة بك قد شغفت وإنما ... حم الفراق فما إليك سبيل وقوله: إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلًا عليه شديد فقوله في البيت الأول فرغًا، أي: هدرًا حال، وصاحبه المجرور بالباء الذي هو بقتل، وحبال اسم رجل. وقوله في البيت الثاني: هيمان صاديا حالان من ياء المتكلم المجرورة بإلى في قوله: إليَّ حبيبًا. وقوله في البيت الثالث: طرا حال من الضمير المجرور
следующие страницы →