← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

عنه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وقوله عنه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾، وقوله عنه هو وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. وقد أجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور، ببعثه محمدًا - ﷺ - ، ولذا جاء في الحديث عنه - ﷺ - أنه قال: "أنا دعوة إبراهيم". وقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، كما قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وقال عنه وعن نوح في سورة الحديد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية. وعلى القول الثاني، أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فلا إشكال. وقد بين تعالى في آية الزخرف هذه، أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته، ولم يجعل الكلمة باقية في جميع عقبه؛ لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا - ﷺ - من عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه - ﷺ - ، وقالوا: إنه ساحر. وكثير منهم مات على ذلك. وذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني كفار مكة (وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين)، هو محمد - ﷺ - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾. وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة المذكورة باقية فيهم، دلت عليه آيات أخر من

стр. 4622

كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ أي الظالمين من ذرية إبراهيم، وقوله تعالى في الصافات: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾، فالمحسن منهم هو الذي الكلمة باقية فيه، والظالم لنفسه المبين منهم ليس كذلك، وقوله تعالى في النساء: ﴿فَقَدْ آتَينَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَينَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾. وقد بين تعالى في الحديد أن غير المهتدين منهم كثيرون، وذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾ أي جعل الكلمة باقية فيهم لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين المهتدين منهم؛ لأن الحق ما دام قائمًا في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول، كما دل عليه قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾. والرجاء المذكور، بالنسبة إلى بني آدم؛ لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى ومن يصير إلى الضلال. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: فإنه سيهدين لعلهم يرجعون، (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) أي قال لهم، يتوبون عن عبادة غير الله. اهـ منه. وإيضاح كلامه: أن المعنى: أن إبراهيم قال لأبيه وقومه: إنني

стр. 4623

براء مما تعبدون؛ لأجل أن يرجعوا عن الكفر إلى الحق، والضمير في قوله: (لعلهم يرجعون) على هذا راجع إلى أبيه وقومه. وعلى ما ذكرناه أولًا فالضمير راجع إلى من ضل من عقبه؛ لأن الضالين منهم داخلون في لفظ العقب، فرجوع ضمير (هم) إلى العقب لا إشكال فيه، وهذا القول هو ظاهر السياق، والعلم عند الله تعالى. مسألة ظاهر هذه الآية الكريمة التي ذكرنا يدل على اتحاد معنى العقب والذرية والبنين؛ لأنه قال في بعضها عن إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾، وقال عنه في بعضها: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وفي بعضها: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ الآية، وفي بعضها: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وفي بعضها: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وفي بعضها: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. فالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين والذرية والعقب شيء واحد؛ لأن جميعها في شيء واحد، وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن يدل على أن من وقف وقفًا أو تصدق صدقة على بنيه أو ذريته أو عقبه أن حكم ذلك واحد. وقد دل بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم الذرية واسم البنين. وإذا دل القرآن على دخول ولد البنت في اسم الذرية والبنين،

стр. 4624

والفرض أن العقب بمعناهما، دل ذلك على دخول أولاد البنات في العقب أيضًا. فمن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾، وهذا نص قرآني صريح في دخول ولد البنت في اسم الذرية؛ لأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولد بنت إذ لا أب له. ومن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾؛ لأن لفظ "البنات" في الألفاظ الثلاثة شامل لبنات البنات وبنات بناتهن، وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صحيح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن. فتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب، هو ظاهر القرآن ولا ينبغي العدول عنه. وكلام فقهاء الأمصار من الأئمة الأربعة وغيرهم في الألفاظ المذكورة معروف، ومن أراد الاطلاع عليه فلينظر كتب فروع المذاهب، ولم نبسط على ذلك الكلام هنا لأننا نريد أن نذكر هنا ما يدل ظاهر القرآن على ترجيحه من ذلك فقط. أما لفظ الولد فإن القرآن يدل على أن أولاد البنات لا يدخلون فيه. وذلك في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية،

стр. 4625

فإن قوله: (في أولادكم) لا يدخل فيه أولاد البنات، وذلك لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص صريح قرآني على عدم دخول أولاد البنات في اسم الولد، وإن كان جماهير العلماء على أن العقب والولد سواء، ولا شك أن اتباع القرآن هو المتعين على كل مسلم. أما لفظ النسل فظاهر القرآن شموله لأولاد البنات؛ لأن قوله تعالى ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ ظاهر في أن لفظة النسل في الآية شاملة لأولاد البنات كما لا يخفى. والألفاظ التي يتكلم عليها العلماء في هذا المبحث هي أحد عشر لفظًا، ذكرنا خمسة منها وهي: الذرية والبنون والعقب والولد والنسل. وذكرنا أن أربعة منها يدل ظاهر القرآن على أنها يدخل فيها أولاد البنات، وواحد بخلاف ذلك وهو الولد. وأما الستة الباقية منها فهي: الآل والأهل ومعناهما واحد، والقرابة، والعشيرة، والقوم، والموالي. وكلام العلماء فيها مضطرب، ولم يحضرني الآن تحديد يتميز به ما يدخل في كل واحد منها وما يخرج عنه إلا على سبيل التقريب، إلا لفظين منها، وهما القرابة والعشيرة. أما القرابة فقد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - أنه أعطى من خمس خيبر بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، مبينًا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي

стр. 4626

الْقُرْبَى﴾ كما تقدم إيضاحه في سورة الأنفال في الكلام على آية الخمس هذه. وأما العشيرة فقد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - من حديث ابن عباس أنه لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ صعد النبي - ﷺ - على الصفا فجعل ينادي "يا بني فهر، يا بني عدي"، لبطون قريش، حتى اجتمعوا. الحديث. وفيه تحديد العشيرة الأقربين بجميع بني فهر بن مالك وهو الجد العاشر له - ﷺ - . وفي رواية أبي هريرة في الصحيح: أنه لما نزلت الآية المذكورة قال: "يا معشر قريش أو كلمة نحوها" الحديث، وقريش هم أولاد فهر بن مالك، وقيل: أولاد النضر بن كنانة، والأول هو الأظهر، لحديث ابن عباس المذكور، وعليه الأكثر. تنبيه فإن قيل: ذكرتم أن ظاهر القرآن يدل على دخول أولاد البنات في لفظ البنين، والشاعر يقول في خلاف ذلك: بَنُونَا بَنُو أبْنَائِنا وَبَنَاتُنا ... بَنُوهُنَّ أبناء الرِّجال الأباعِدِ وكثير من أهل الفقه يذكرون البيت المذكور، على سبيل التسليم له، قالوا: ومما يوضح صدقه أنهم ينسبون إلى رجال آخرين ربما كانوا أعداء لأهل أمهاتهم، وكثيرًا ما يتبع الولد أباه وعصبته في عداوة أخواله وبغضهم كما هو معلوم. فالجواب: أن الواحد بالشخص له جهتان، فمعنى لفظ الابن له جهة خاصة هي معنى كونه خلق من ماء هذا الرجل على وجه يلحق فيه نسبه به، وهذا المعنى منفي عن والد أُمِّه، فلا يقال له "ابن" بهذا الاعتبار، وثابت لأبيه الذي خلق من مائه، وله جهة أخرى هي كونه

стр. 4627

خارجًا في الجملة من هذا الشخص، سواء كان بالمباشرة، أو بواسطة ابنه أو بنته وإن سفل، فالبنوة بهذا المعنى ثابتة لولد البنت، وهذا المعنى هو الذي عناه - ﷺ - في قوله في الحسن بن علي ﵄: "وإن ابني هذا سيد" الحديث، وهو المراد في الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾، وكقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ الآية. فلفظ البنات والأبناء في جميع الآيات المذكورة شامل لجميع أولاد البنين والبنات وإن سفلوا، وإنما شملهم من الجهة المذكورة بالاعتبار المذكور، وهو إطلاق لفظ الابن علي كل من خرج من الشخص في الجملة، ولو بواسطة بناته. وأما البيت المذكور فالمراد به الجهة الأولى والاعتبار الأول؛ فإن بني البنات ليسوا أبناء لآباء أمهاتهم من تلك الجهة، ولا بذلك الاعتبار؛ لأنهم لم يخلقوا من مائهم وإنما خلقوا من ماء رجال آخرين، ربما كانوا أباعد وربما كانوا أعداء. فصح بهذا الاعتبار نفي البنوة عن ابن البنت، وصح بالاعتبار الأول إثبات البنوة له، ولا تناقض مع انفكاك الجهة. وإذا عرفت معنى الجهتين المذكورتين وأنه بالنظر إلى إحداهما تثبت البنوة لابن البنت وبالنظر إلى الأخرى تنتفي عنه. فاعلم أن قوله - ﷺ - : "إن ابني هذا سيد" وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ ونحوها من الآيات ينزل على إحدى الجهتين،

стр. 4628

وقوله تعالى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يتنزل على الجهة الأخرى. وتلك الجهة هي التي يعني الشاعر بقوله: • وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد * ويزيد ذلك إيضاحًا: أن قبائل العرب قد تكون بينهم حروب ومقاتلات، فيكون ذلك القتال بين أعمام الرجال وأخواله، فيكون مع عصبته دائمًا على أخواله، كما في البيت المذكور. وقد يكون الرجل منهم في أخواله فيعاملونه معاملة دون معاملتهم لأبنائهم، كما أوضح ذلك غسان بن وعلة في شعره حيث يقول: إذا كنت في سعد وأمك منهم ... شطيرًا فلا يغررك خالك من سعد فإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد فقوله: "مصغى إناؤه" من الإِصغاء وهو الإِمالة؛ لأن الإِناء إذا أميل ولم يترك معتدلًا لم يتسع إلا للقليل، فهو كناية عن نقص نصيبه فيهم وقلته. وعلى الجهتين المذكورتين يتنزل اختلاف الصحابة في ميراث الجدّ والإِخوة. فمن رأى منهم أنه أب يحجب الإِخوة فقد راعى في الجد إحدى الجهتين. ومن رأى منهم أنه ليس بأب وأنه لا يحجب الإِخوة فقد لاحظ الجهة الأخرى. ولم نطل الكلام هنا في جميع الألفاظ المذكورة التي هي أحد

стр. 4629

عشر لفظًا خوف الإِطالة، ولأننا لم نجد نصوصًا من الوحي تحدد شيئًا منها تحديدًا دقيقًا. ومعلوم أن لفظ القوم منها قد دل القرآن على أنه يختص بالذكور دون الإِناث، وأن الإِناث قد يدخلن فيه بحكيم التبع إذا اقترن بما يدل على ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ الآية. فعطفه النساء على القوم يدل على عدم دخولهن في لفظ القوم. ونظيره من كلام العرب قول زهير: وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء وأما دخول النساء في القوم بحكم التبع عند الاقتران بما يدل ذلك، فقد بينه قوله تعالى في ملكة سبأ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾. وأما الموالي فقد دل القرآن واللغة على أن المولى يطلق على كل من له سبب يوالي ويوالى به. ولذا أطلق على الله أنه مولى المؤمنين لأنهم يوالونه بالطاعة ويواليهم بالجزاء، ونفى ولاية الطاعة عن الكافرين، في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾. وأثبت له عليهم ولاية الملك والقهر في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾، كما أثبت لهم ولاية النار في قوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ الآية. وأطلق تعالى اسم الموالي على العصبة في قوله تعالى:

стр. 4630

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. وأطلق اسم المولى على الأقارب ونحوهم في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيئًا﴾. ويكثر في كلام العرب إطلاق الموالي على العصبة وابن العم، ومنه قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: مهلًا بني عمنا مهلًا موالينا ... لا تظهرن لنا ما كان مدفونا وقول طرفة بن العبد: وأعلم علمًا ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل والحاصل أن من قال: هذا وقفٌ، أو صدقةٌ على قومي، أو مواليَّ، أنه إن كان هناك عرف خاص وجب اتباعه في ذلك، وإن لم يكن هناك عرف فلا تعلم نصًّا من كتاب ولا سنة يحدد ذلك تحديدًا دقيقًا. وكلام أهل العلم فيه معروف في محالِّه. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ . (وقالوا) أي كفار مكة: (لولا) أي هلا (نزل هذا القرآن على

стр. 4631

رجل من القريتين) أي من إحدى القريتين، وهما مكة والطائف (عظيم) يعنون بعظمه كثرة ماله وعظم جاهه، وعلو منزلته في قومه، وعظيم مكة الذي يريدون هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، وفي مرة بن كعب يجتمع نسبه بالنبي - ﷺ - . وقيل: هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. وعظيم الطائف: هو عروة بن مسعود، وقيل: حبيب بن عمرو بن عمير، وقيل: هو كنانة بن عبد ياليل، وقيل غير ذلك. وإيضاح الآية أن الكفار أنكروا أولًا أن يبعث الله رسولًا من البشر، كما أوضحناه مرارًا. ثم لما سمعوا الأدلة على أن الله لم يبعث إلى البشر رسولًا إلا من البشر تنازلوا عن اقتراحهم إرسال رسل من الملائكة إلى اقتراح آخر، وهو اقتراح تنزيل هذا القرآن على أحد الرجلين المذكورين. وهذا الاقتراح يدل على شدة جهلهم، وسخافة عقولهم، حيث يجعلون كثرة المال والجاه في الدنيا، موجبًا لاستحقاق النبوة وتنزيل الوحي. ولذا زعموا أن محمدًا - ﷺ - ليس أهلًا لإِنزال هذا القرآن عليه، لقلة ماله، وأن أحد الرجلين المذكورين أحق أن ينزل عليه القرآن منه - ﷺ - . وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة، شدة جهلهم، وسخافة عقولهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، والظاهر المتبادر أن المراد برحمة ربك النبوة وإنزال الوحي.

стр. 4632

وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن، كقوله تعالى في الدخان: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، وقوله في آخر القصص: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، وقوله في آخر الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)﴾. وقد قدمنا الآيات الدالة على إطلاق الرحمة والعلم على النبوة في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ الآية. وقدمنا معاني إطلاق الرحمة في القرآن في سورة فاطر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الآية. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ يعني أنه تعالى لم يفوض إليهم أمر معايشهم وحظوظهم في الدنيا، بل تولى هو جل وعلا قسمة ذلك بينهم، فجعل هذا غنيًّا وهذا فقيرًا، وهذا رفيعًا وهذا وضيعًا، وهذا خادمًا وهذا مخدومًا، ونحو ذلك، فإذا لم يفوض إليهم حظوظهم في الدنيا، ولم يحكمهم فيها، بل كان تعالى هو المتصرف فيها بما شاء كيف شاء، فكيف يفوض إليهم أمر إنزال الوحي حتى يتحكموا في من ينزل إليه الوحي؟ فهذا مما لا يعقل، ولا يظنه إلا غبي جاهل كالكفار المذكورين. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ التحقيق إن شاء الله أنه من التسخير، ومعنى تسخير بعضهم

стр. 4633

لبعض: خدمة بعضهم لبعض وعمل بعضهم لبعض؛ لأن نظام العالم في الدنيا يتوقف قيامه على ذلك، فمن حكمته جل وعلا أن يجعل هذا فقيرًا مع كونه قويًّا قادرًا على العمل، ويجعل هذا ضعيفًا لا يقدر على العمل بنفسه ولكنه تعالى يهيئ له دراهم يؤجر بها ذلك الفقير القوي، فينتفع القوي بدراهم الضعيف والضعيف بعمل القوي، فتنتظم المعيشة لكل منهما، وهكذا. وهذه المسائل التي ذكرها الله جل وعلا في هذه السورة الكريمة جاءت كلها موضحة في آيات أخر من كتاب الله. أما زعمهم أن محمدًا - ﷺ - أنقص شرفًا وقدرًا من أن ينزل عليه الوحي، فقد ذكره الله عنهم في (ص) في قوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ الآية. فقول كفار مكة: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا﴾ معناه إنكارهم أن يخصه الله بإنزال الوحي من بينهم، لزعمهم أن فيهم من هو أحق بالوحي منه، لكثرة ماله وجاهه وشرفه فيهم. وقد قال قوم صالح مثل ذلك لصالح، كما قال تعالى عنهم: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيهِ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)﴾. فقلوب الكفار متشابهة، فكانت أعمالهم متشابهة، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾. وأما اقتراحهم إنزال الوحي على غيره منهم، وأنهم لا يرضون خصوصيته بذلك دونهم، فقد ذكره تعالى في سورة الأنعام

стр. 4634

في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى في المدثر: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾، أي تنزل عليه صحف بالوحي من السماء، كما قاله مجاهد وغير واحد، وهو ظاهر القرآن. وفي الآية قول آخر معروف. وأما إنكاره تعالى عليهم اقتراح إنزال الوحي على غير محمد - ﷺ - ، الذي دلت عليه همزة الإِنكار المتضمنة مع الإِنكار لتجهيلهم وتسفيه عقولهم، في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، فقد أشار تعالى إليه مع الوعيد الشديد في الأنعام؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ بقوله، ردًّا عليهم وإنكارًا لمقالتهم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾، ثم أوعدهم على ذلك بقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾. وأما كونه تعالى هو الذي تولى قسمة معيشتهم بينهم، فقد جاء في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ الآية. وقد أوضح تعالى حكمة هذا التفاضل والتفاوت في الأرزاق والحظوظ والقوة والضعف، ونحو ذلك، بقوله هنا: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، كما تقدم.

стр. 4635

وقوله تعالى هنا: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ يعني أن النبوة، والاهتداء بهدي الأنبياء، وما يناله المهتدون يوم القيامة، خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في سورة يونس: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾. مسألة دلت هذه الآيات الكريمة المذكورة هنا، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات، على أن تفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن الله السماوية الكونية القدرية، لا يستطيع أحد من أهل الأرض البتة تبديلها ولا تحويلها بوجه من الوجوه، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْويلًا (٤٣)﴾. وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله، ولجميع النبوات والرسائل السماوية، إلى ابتزاز ثروات الناس، ونزع ملكهم الخاص عن أملاكهم، بدعوى المساواة بين الناس في معايشهم، أمر باطل لا يمكن بحال من الأحوال. مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون، وإنما يقصدون استئثارهم بأملاك جميع الناس، ليتمتعوا بها ويتصرفوا فيها كيف شاؤوا، تحت ستار كثير من أنواع الكذب والغرور والخداع، كما

стр. 4636

يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم. فالطغمة القليلة الحاكمة، ومن ينضم إليها، هم المتمتعون بجميع خيرات البلاد، وغيرهم من عامة الشعب محرومون من كل خير، مظلومون في كل شيء، حتى ما كسبوه بأيديهم، يعلفون ببطاقة كما تعلف البغال والحمير. وقد علم الله جل وعلا في سابق علمه أنه يأتي ناس يغتصبون أموال الناس بدعوى أن هذا فقير وهذا غني. وقد نهى جل وعلا عن اتباع الهوى بتلك الدعوى، وأوعد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ فيه وعيد شديد لمن فعل ذلك. • قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ . قوله: (لبيوتهم)، في الموضعين، قرأه ورش وأبو عمرو وحفص عن عاصم بضم الباء، على الأصل. وقرأه قالون عن نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: (لِبيوتهم) بكسر الباء، لمجانسة الكسرة للياء.

стр. 4637

وقوله: (سقفا) قرأه نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (سقفًا) بضمتين، على الجمع. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو: (سَقْفًا) بفتح السين وإسكان القاف، على الإِفراد المراد به الجمع. وقوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قرأه نافع وابن كثير وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وإحدى الروايتين عن هشام، وأبو عمرو والكسائي: (لمَا متاع الحياة الدنيا) بتخفيف الميم من (لَمَّا). وقرأه عاصم وحمزة، وهشام عن ابن عامر في إحدى الروايتين: (لمَّا متاع الحياة الدنيا) بتشديد الميم من (لَمَّا). ومعنى الآية الكريمة: أن الله لما بين حقارة الدنيا، وعظم شأن الآخرة في قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ أتبع ذلك ببيان شدة حقارتها، وأنه جعلها مشتركة بين المؤمنين والكافرين، وجعل ما في الآخرة من النعيم خاصًّا بالمؤمنين دون الكافرين، وبين حكمته في اشتراك المؤمن مع الكافر في نعيم الدنيا بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي لولا كراهتنا لكون جميع الناس أمة واحدة متفقة على الكفر لأعطينا زخارف الدنيا كلها للكفار، ولكننا لعلمنا بشدة ميل القلوب إلى زهرة الحياة الدنيا، وحبها لها، لو أعطينا ذلك كله للكفار لحملت الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا كفارًا، فجعلنا في كل من الكافرين والمؤمنين غنيًّا وفقيرًا، وأشركنا بينهم في الحياة الدنيا. ثم بين جل وعلا اختصاص نعيم الآخرة بالمؤمنين في قوله:

стр. 4638

﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ أي خالصة لهم دون غيرهم. وهذا المعنى جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فقوله: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي خاصة بهم، دون الكفار، يوم القيامة؛ إذ لا نصيب للكفار البتة في طيبات الآخرة. فقوله في آية الأعراف هذه: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ صريح في اشتراك المؤمنين مع الكفار في متاع الحياة الدنيا، وذلك الاشتراك المذكور، دل عليه حرف الامتناع للوجود الذي هو (لولا)، في قوله هنا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. وخصوص طيبات الآخرة بالمؤمنين، المنصوص عليه في آية الأعراف بقوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هو الذي أوضحه تعالى في آية الزخرف هذه بقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾. وجميع المؤمنين يدخلون في الجملة في لفظ (المتقين) لأن كل مؤمن اتقى الشرك بالله. وما دلت عليه هذه الآيات من أنه تعالى يعطي الكفار من متاع الحياة الدنيا، دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾، وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ

стр. 4639

قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة. وقد بين تعالى في آيات من كتابه، أن إنعامه على الكافرين ليس لكرامتهم عليه، ولكنه للاستدراج، كقوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ على أظهر التفسيرين، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾. ودعوى الكفار أن الله ما أعطاهم المال ونعيم الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم لذلك، وأنه إن كان البعث حقًّا أعطاهم خيرًا منه في الآخرة، قد ردها الله عليهم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا

стр. 4640

كَسَبَ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفًا من هذا في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾. ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية الكريمة. فقوله: ﴿جَعَلْنَا﴾ أي صيرنا، وقوله: (لبيوتهم) بدل اشتمال مع إعادة العامل من قوله: (لمن يكفر). وعلى قراءة (سُقُفًا) بضمتين فهو جمع سقف، وسقف البيت معروف. وعلى قراءة (سَقْفًا) بفتح السين وسكون القاف، فهو مفرد أريد به الجمع. وقد قدمنا في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أن المفرد إذا كان اسم جنس يجوز إطلاقه مرادًا به الجمع، وأكثرنا من أمثلة ذلك في القرآن، ومن الشواهد العربية (١). وقوله: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ الظاهر أنه جمع معرج بلا ألف بعد الراء. والمعرج والمعراج بمعنى واحد، وهو الآلة التي يعرج بها، أي يصعد بها إلى العلو. وقوله: (يظهرون) أي يصعدون ويرتفعون، حتى يصيروا على ظهور البيوت. ومن ذلك المعنى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾. والسرر جمع سرير، والاتكاء معروف.

стр. 4641

والأبواب جمع باب وهو معروف، والزخرف الذهب. قال الزمخشري: إن المعارج التي هي المصاعد والأبواب والسرر كل ذلك من فضة، كأنه يرى اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في ذلك، وعلى هذا المعنى فقوله: (زخرفًا) مفعولٌ عامله محذوف، والتقدير: وجعلنا لهم مع ذلك زخرفًا. وقال بعض العلماء: إن جميع ذلك بعضه من فضة، وبعضه من زخرف، أي ذهب. وقد ذكر القرطبي أن إعراب قوله: (وزخرفا) على هذا القول أنه منصوب بنزع الخافض، وأن المعنى: من فضة ومن زخرف، فحذف حرف الجر فانتصب زخرفًا. وأكثر علماء النحو على أن النصب بنزع الخافض ليس مطردًا ولا قياسيًا، وما سمع منه يحفظ ولا يقاس عليه. وعليه درج ابن مالك في الخلاصة في قوله: وإن حذف فالنصب للمنجرِّ ... نقلًا .................... إلخ وعلي بن سليمان وهو الأخفش الصغير يرى اطراده في كل شيء أمن فيه اللبس، كما أشار في الكافية بقوله: وابن سليمان اطراده رأى ... إن لم يخف لبس كمن زيد نأى وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على قراءة الجمهور بتخفيف الميم من (لما)، فَـ (إن) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين (إن) المخففة من الثقيلة، و (إن) النافية المشار إليها بقوله في الخلاصة: وخففت إن فقَلَّ العمل ... وتلزم اللام إذا ما تهمل

стр. 4642

و (ما) مزيدة للتوكيد. وأما على قراءة عاصم وحمزة وابن عامر في إحدى الروايتين عن هشام (لَمَّا) بتشديد الميم، فـ (إن) نافية، و (لما) حرف إثبات بمعنى إلا، والمعنى: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. وذكر بعضهم أن تشديد ميم (لما) على بعض القراءات في هذه الآية وآية الطارق ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ (٤)﴾ لغة بني هذيل بن مدركة، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَال يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ . قد قدمنا الكلام عليه في الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾. • قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النمل في الكلام

стр. 4643

على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ • قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ . أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يتمسك بهدي هذا القرآن العظيم، وبين له أنه على صراط مستقيم أي طريق واضح لا اعوجاج فيه، وهو دين الإِسلام الذي تضمنه هذا القرآن العظيم الذي أوحي إليه. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، قد جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله. أما أمره بالتمسك بالقرآن العظيم، فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾. وأما إخباره له ﷺ بأنه على صراط مستقيم، فمن الآيات التي أوضح ذلك فيها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 4644

وآية الزخرف هذه تدل على أن المتمسك بهذا القرآن على هدى من الله، وهذا معلوم بالضرورة. • قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن جميع الرسل جاؤوا بإخلاص التوحيد لله، الذي تضمنته كلمة لا إله إلا الله، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾. وذلك التوحيد هو أول ما يأمر به كل نبي أمته. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ الآية، إلى غير من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ الآية. قد قدمنا الكلام على قصة موسى وفرعون في سورة الأعراف وسورة طه.

стр. 4645

• قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾ . لم يبين هنا نوع العذاب الذي أخذهم به، ولكنه أوضحه في الأعراف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ . ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أوضحه في الأعراف بقوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾. والرجز المذكور في الأعراف هو بعينه العذاب المذكور في آية الزخرف هذه. • قوله تعالى عن فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾. قد تقدم الكلام عليه في طه في الكلام على قوله تعالى عن موسى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيهِ أَسْورَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ . قد قدمنا الكلام عليه في سورة الفرقان في الكلام على قوله

стр. 4646

تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ . (آسفونا) معناه أغضبونا وأسخطونا، وكون المراد بالأسف الغضب، يدل عليه إطلاق الأسف على أشد الغضب في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ على أصح التفسيرين. • قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ . قد قدمنا الكلام عليه في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾. • قوله تعالى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ . قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر والكسائي (يصُدون) بضم الصاد. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة (يصِدون) بكسر الصاد. فعلى قراءة الكسر فمعنى (يصِدون) يضجون ويصيحون، وقيل: يضحكون، وقيل: معنى القراءتين واحد، كيعرُشون ويعرِشون، ويعكُفون ويعكِفون. وعلى قراءة الضم فهو من الصدود، والفاعل المحذوف في قوله: ﴿ضُرِبَ﴾ قال جمهور المفسرين هو عبد الله بن الزبعرى

стр. 4647

السهمي قبل إسلامه. أي ولما ضرب ابن الزبعرى المذكور عيسى ابن مريم مثلًا فاجأك قومك بالضجيج والصياح والضحك، فرحًا منهم وزعمًا منهم أن ابن الزبعري خَصَمك، أو فاجأك صدودهم عن الإِيمان بسبب ذلك المثل. والظاهر أن لفظة (مِن) هنا سببية، ومعلوم أن أهل العربية يذكرون أن من معاني (من) السببية، ومنه قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ أي بسبب خطيئاتهم أغرقوا. ومن ذلك قول الحالفين في أيمان القسامة: أقسم بالله لَمِن ضربه مات. وإيضاح معنى ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلًا، أن الله لما أنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾، قال ابن الزبعرى: إن محمدًا - ﷺ - يقول: إن كل معبود من دون الله في النار، وأننا وأصنامنا جميعًا في النار، وهذا عيسى ابن مريم قد عبده النصارى من دون الله، فإن كان ابن مريم مع النصارى الذين عبدوه في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه. وقالوا مثل ذلك في عزير والملائكة؛ لأن عزيرًا عبده اليهود، والملائكة عبدهم بعض العرب. فاتضح أن ضربه عيسى مثلًا، يعني أنه على ما يزعم أن محمدًا - ﷺ - قاله من أن كل معبود وعابده في النار يقتضي أن يكون عيسى مثلًا لأصنامهم في كون الجميع في النار، مع أن النبي - ﷺ - يثني على عيسى الثناء الجميل، ويبين للناس أنه

стр. 4648

عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فزعم ابن الزبعرى أن كلام النبي - ﷺ - لما اقتضى مساواة الأصنام مع عيسى في دخول النار مع أنه - ﷺ - يعترف بأن عيسى رسول الله وأنه ليس في النار، دل ذلك على بطلان كلامه عنده. وعند ذلك أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ الآية، وأنزل الله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية. وعلى هذا القول فمعنى قوله تعالى: (ما ضربوه لك إلا جدلًا)، أي ما ضربوا عيسى مثلًا إلا من أجل الجدل والخصومة بالباطل. وقيل: إن (جدلًا) حال، وإتيان المصدر المنكر حالًا كثير، وقد أوضحنا توجيهه مرارًا. والمراد بالجدل هنا الخصومة بالباطل لقصد الغلبة بغير حق. قال جماعة من العلماء: والدليل على أنهم قصدوا الجدل بشيء يعلمون في أنفسهم أنه باطل، أن الآية التي تذرعوا بها إلى الجدل، لا تدل البتة على ما زعموه، وهم أهل اللسان، ولا تخفى عليهم معاني الكلمات. والآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة (ما) التي هي في الوضع العربي لغير العقلاء، لأنه قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل: (وَمَن تعبدون) وذلك صريح في أن المراد الأصنام، وأنه

стр. 4649

لا يتناول عيسى ولا عزيرًا ولا الملائكة، كما أوضح تعالى أنه لم يرد ذلك بقوله تعالى بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية. وإذا كانوا يعلمون من لغتهم أن الآية الكريمة لم تتناول عيسى بمقتضى لسانهم العربي الذي نزل به القرآن، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلًا إلا لأجل الجدل والخصومة بالباطل. ووجه التعبير في صيغة الجمع في قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾، مع أن ضارب المثل واحد وهو ابن الزبعرى يرجع إلى أمرين: أحدهما: أن من أساليب اللغة العربية إسناد فعل الرجل الواحد من القبيلة إلى جميع القبيلة، ومن أصرح الشواهد العربية في ذلك قوله: فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد فإنه نسب الضرب إلى جميع بني عبس، مع تصريحه بأن السيف في يد رجل واحد منهم، وهو ورقاء بن زهير، والشاعر يشير بذلك إلى قتل خالد بن جعفر الكلابي لزهير بن جذيمة العبسي، وأن ورقاء بن زهير ضرب بسيف بني عبس رأس خالد بن جعفر الكلابي الذي قتل أباه، ونبا عنه، أي لم يؤثر في رأسه؛ فإن معنى "نبا السيف" ارتفع عن الضريبة ولم يقطع. والشاعر يهجو بني عبس بذلك. والحروب التي نشأت عن هذه القصة، وقتل الحارث بن ظالم المري لخالد المذكور، كل ذلك معروف في محله. والأمر الثاني: أن جميع كفار قريش، صوبوا ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلًا، وفرحوا بذلك، ووافقوه عليه، فصاروا كالمتمالئين عليه.

стр. 4650

وبهذين الأمرين المذكورين جمع المفسرون بين صيغة الجمع في قوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ وبين صيغة الإِفراد في قوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾. وقال بعض العلماء: الفاعل المحذوف في قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ هو عامة قريش الذين قالوا - أي كفار قريش (١) - لما سمعوا النبي - ﷺ - يذكر عيسى، وسمعوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ قالوا للنبي - ﷺ - : ما تريد بذكر عيسى إلا أن نعبدك كما عبد النصارى عيسى. وعلى هذا فالمعنى أنهم ضربوا عيسى مثلًا للنبي - ﷺ - ، في عبادة الناس لكل منهما، زاعمين أنه يريد أن يعبد كما عبد عيسى. وعلى هذا القول فمعنى قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾، أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الخصومة بالباطل، مع أنهم يعلمون أنك لا ترضى أن تعبد بوجه من الوجوه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وإن كان من القرآن المدني النازل بعد الهجرة، فمعناه يكرره عليهم النبي - ﷺ - كثيرًا قبل الهجرة كما هو معلوم، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾. ولا شك أن كفار قريش متيقنون في جميع المدة التي أقامها - ﷺ -

стр. 4651

في مكة قبل الهجرة بعد الرسالة، وهي ثلاث عشرة سنة، أنه لا يدعو إلا إلى عبادة الله وحده لا شريك له. فادعاؤهم أنه يريد أن يعبدوه، افتراء منهم، وهم يعلمون أنهم مفترون في ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ﴾. التحقيق أن الضمير في قوله: ﴿هُوَ﴾ راجع إلى عيسى، لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام. قال بعض العلماء: ومرادهم بالاستفهام تفضيل معبوداتهم على عيسى. قيل: لأنهم يتخذون الملائكة آلهة، والملائكة أفضل عندهم من عيسى. وعلى هذا فمرادهم أن عيسى عُبِدَ من دون الله، ولم يكن ذلك سببًا لكونه في النار، ومعبوداتنا خير من عيسى، فكيف تزعم أنهم في النار. وقال بعض العلماء: أرادوا تفضيل عيسى على آلهتهم. والمعنى على هذا أنهم يقولون: عيسى خير من آلهتنا، أي في زعمك، وأنت تزعم أنه في النار بمقتضى عموم ما تتلوه من قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، وعيسى عبده النصارى من دون الله، فدلالة قولك على أن عيسى في النار، مع اعترافك بخلاف ذلك، يدل على أن ما تقوله من أنَّا وآلهتنا في النار ليس بحق أيضًا.

стр. 4652

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ أي لُدٌّ، مبالغون في الخصومة بالباطل، كما قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ أي شديدي الخصومة، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾؛ لأن الفعل بفتح فكسر كخَصِم، من صيغ المبالغة، كما هو معلوم في محله. وقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى هنا: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية، إنما بينته الآيات التي ذكرنا ببيان سببه. ومعلوم أن الآية قد يتضح معناها ببيان سببها. فعلى القول الأول، أنهم ضربوا عيسى مثلًا لأصنامهم في دخول النار، فإن ذلك المثل يفهم من أن سبب نزول الآية نزول قوله تعالى قبلها: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؛ لأنها لما نزلت قالوا: إن عيسى عُبِدَ من دون الله كآلهتهم، فهم بالنسبة لما دلت عليه سواء. وقد علمت بطلان هذا مما ذكرناه آنفًا. وعلى القول الثاني، أنهم ضربوا عيسى مثلًا لمحمد - ﷺ - ، في أن عيسى قد عبد، وأنه - ﷺ - يريد أن يعبد كما عبد عيسى، فكون سبب ذلك سماعُهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، وسماعُهم للآيات المكية النازلة في شأن عيسى، يوضح المراد بالمثل. وأما الآيات التي بينت قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾ فبيانها له واضح على كلا القولين. والعلم عند الله تعالى.

стр. 4653

• قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ﴾ . والتحقيق أن الضمير في قوله: (هو) عائد إلى عيسى أيضًا لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام. وقوله هنا: ﴿عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ﴾ لم يبين هنا شيئًا من الإِنعام الذي أنعم به على عبده عيسى، ولكنه بين ذلك في المائدة، في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وفي آل عمران، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ . التحقيق أن الضمير في قوله: (وإنه) راجع إلى عيسى لا إلى القرآن، ولا إلى النبي ﷺ . ومعنى قوله: ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ على القول الحق الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم، والسنة المتواترة، هو أن نزول عيسى في آخر الزمان حيًّا عِلْمٌ للساعة، أي علامة لقرب مجيئها؛ لأنها من أشراطها الدالة على قربها. وإطلاق عِلْم الساعة على نفس عيسى، جارٍ على أمرين، كلاهما أسلوب عربي معروف:

стр. 4654

أحدهما: أن نزول عيسى المذكور، لما كان علامة لقربها، كانت تلك العلامة سببًا لعلم قربها، فأطلق في الآية المسبب وأريد السبب. وإطلاق المسبب وإرادة السبب، أسلوب عربي معروف في القرآن، وفي كلام العرب. ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾. فالرزق مسبب عن المطر والمطر سببه، فأطلق المسبب الذي هو الرزق وأريد سببه الذي هو المطر للملابسة القوية التي بين السبب والمسبب. ومعلوم أن البلاغيين ومن وافقهم، يزعمون أن مثل ذلك من نوع ما يسمونه المجاز المرسل، وأن الملابسة بين السبب والمسبب من علاقات المجاز المرسل عندهم. والثاني من الأمرين: أن غاية ما في ذلك أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: وإنه لذو علم للساعة، أي وإنه لصاحب إعلام الناس بقرب مجيئها، لكونه علامة لذلك، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كثير في القرآن وفي كلام العرب، وإليه أشار في الخلاصة بقوله: وما يلي المضاف يأت خلفا ... عنه في الإعراب إذا ما حذفا وهذا الأخير أحد الوجهين اللذين وجه بهما علماء العربية النعت بالمصدر، كقولك: زيد كَرَمٌ وعمرو عَدْلٌ، أي ذو كرم وذو عدل، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقد أشار

стр. 4655

إلى ذلك في الخلاصة بقوله: ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإِفراد والتذكيرا أما دلالة القرآن الكريم على هذا القول الصحيح، ففي قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك صريح في أن عيسى حي وقت نزول آية النساء هذه، وأنه لا يموت حتى يؤمن به أهل الكتاب، ومعلوم أنهم لا يؤمنون به إلا بعد نزوله إلى الأرض. فإن قيل: قد ذهبت جماعة من المفسرين، من الصحابة فمن بعدهم، إلى أن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى الكتابي، أي إلا ليؤمنن به الكتابي قبل موت الكتابي. فالجواب: أن كون الضمير راجعًا إلى عيسى، يجب المصير إليه، دون القول الآخر؛ لأنه أرجح منه من أربعة أوجه: الأول: أنه هو ظاهر القرآن المتبادر منه، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع بعض، والقول الآخر بخلاف ذلك. وإيضاح هذا أن الله تعالى قال: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ أي عيسى، ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أي عيسى، ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي عيسى، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي عيسى، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي عيسى، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي عيسى، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾ أي عيسى، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ أي عيسى، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي عيسى، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي عيسى، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ أي يكون هو، أي عيسى شهيدًا.

стр. 4656

فهذا السياق القرآني الذي ترى ظاهر ظهورًا لا ينبغي العدول عنه، في أن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى عيسى. الوجه الثاني: من مرجحات هذا القول، أنه على هذا القول الصحيح، فمفسر الضمير ملفوظ مصرح به في قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾. وأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكورًا في الآية أصلًا، بل هو مقدر تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد أهل الكتاب المقدر. ومما لا شك فيه أن ما لا يحتاج إلى تقدير أرجح وأولى مما يحتاج إلى تقدير. الوجه الثالث من مرجحات هذا القول الصحيح: أنه تشهد له السنة النبوية المتواترة، لأن النبي - ﷺ - قد تواترت عنه الأحاديث بأن عيسى حي الآن، وأنه سينزل في آخر الزمان حكمًا مقسطًا. ولا ينكر تواتر السنة بذلك إلا مكابر. قال ابن كثير في تفسيره، بعد أن ذكر هذا القول الصحيح ونسبه إلى جماعة من المفسرين ما نصه: وهذا القول هو الحق كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله تعالى. اهـ. وقوله: "بالدليل القاطع" يعني السنة المتواترة، لأنها قطعية، وهو صادق في ذلك. وقال ابن كثير في تفسير آية الزخرف هذه ما نصه: "وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - أنه أخبر بنزول

стр. 4657

عيسى - ﵇ - قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا". اهـ منه. وهو صادق في تواتر الأحاديث بذلك. وأما القول بأن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى الكتاب فهو خلاف ظاهر القرآن، ولم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة. الوجه الرابع: هو أن القول الأول الصحيح، واضح لا إشكال فيه، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص، بخلاف القول الآخر، فهو مشكل لا يكاد يَصْدُق إلا مع تخصيص، والتأويلات التي يروونها فيه عن ابن عباس، وغيره، ظاهرة البعد والسقوط، لأنه على القول بأن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى عيسى، فلا إشكال ولا خفاء، ولا حاجة إلى تأويل، ولا إلى تخصيص، وأما على القول بأنه راجع إلى الكتابي فإنه مشكل جدًّا بالنسبة لكل من فاجأه الموت من أهل الكتاب، كالذي يسقط من عالٍ إلى أسفل، والذي يقطع رأسه بالسيف وهو غافل، والذي يموت في نومه، ونحو ذلك، فلا يَصْدُقُ هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع من أهل الكتاب، إلا إذا ادُّعِي إخراجهم منه بمخصص، ولا سبيل إلى تخصيص عمومات القرآن إلا بدليل جب الرجوع إليه من المخصصات المتصلة أو المنفصلة. وما يذكر عن ابن عباس من أنه سئل عن الذي يقطع رأسه من أهل الكتاب فقال: إن رأسه يتكلم بالإِيمان بعيسى، وأن الذي يهوي من عالٍ إلى أسفل يؤمن به وهو يهوي، لا يخفى بعده وسقوطه، وأنه لا دليل البتة عليه، كما ترى.

стр. 4658

وبهذا كله تعلم أن الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ راجع إلى عيسى، وأن تلك الآية من سورة النساء تبين قوله تعالى هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ كما ذكرنا. فإن قيل: إن كثيرًا ممن لا تحقيق عندهم يزعمون أن عيسى قد توفي، ويعتقدون مثل ما يعتقده ضلال اليهود والنصارى، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ﴾. فالجواب: أنه لا دلالة في إحدى الآيتين البتة على أن عيسى قد توفي فعلًا. أما قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فإن دلالته المزعومة على ذلك منفية من أربعة أوجه: الأول: أن قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ حقيقة لغوية في أخذ الشيء كاملًا غير ناقص، والعرب تقول: توفى فلان دينه يتوفاه فهو متوف له، إذا قبضه وحازه إليه كاملًا من غير نقص. فمعنى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ في الوضع اللغوي: أي حائزك إليَّ كاملًا بروحك وجسمك، ولكن الحقيقة العرفية خصصت المتوفي المذكور بقبض الروح دون الجسم. ونحو هذا مما دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية فيه لعلماء الأصول ثلاثة مذاهب: الأول: هو تقديم الحقيقة العرفية، وتخصيص عموم الحقيقة اللغوية بها.

стр. 4659

وهذا هو المقرر في أصول الشافعي وأحمد، وهو المقرر في أصول مالك، إلا أنهم في الفروع ربما لم يعتمدوه في بعض المسائل. وإلى تقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية أشار في مراقي السعود بقوله: واللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفي فاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز في الذي انتخب المذهب الثاني: هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية، بناء على أن العرفية وإن ترجحت بعرف الاستعمال، فإن اللغوية مترجحة بأصل الوضع. وهذا القول مذهب أبي حنيفة ﵀. المذهب الثالث: أنه لا تقدم العرفية على اللغوية، ولا اللغوية على العرفية، بل يحكم باستوائهما ومعادلة الاحتمالين فيهما، فيحكم على اللفظ بأنه مجمل، لاحتمال هذه واحتمال تلك. وهذا اختيار ابن السبكي، ومن وافقه. وإلى هذين المذهبين الأخيرين أشار في مراقي السعود بقوله: ومذهب النعمان عكس ما مضى ... والقول بالإِجمال فيه مرتضى وإذا علمت هذا، فاعلم أنه على المذهب الثاني، الذي هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية، فإن قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يدل إلا على أنه قبضه إليه بروحه وجسمه، ولا يدل على الموت أصلًا، كما أن توفي الغريم لِدَينه لا يدل على موت دَينه. وأما على المذهب الأول: وهو تقديم الحقيقة العرفية على

стр. 4660

اللغوية، فإن لفظ المتوفي حينئذٍ يدل في الجملة على الموت، ولكن سترى إن شاء الله أنه وإن دل على ذلك في الجملة، لا يدل على أن عيسى قد توفي فعلًا. وقد ذكرنا في كتابنا: "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة آل عمران، وجه عدم دلالة الآية على موت عيسى فعلًا، أعني قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ، فقلنا ما نصه: والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يدل على تعيين الوقت، ولا يدل على كونه قد مضى، وهو متوفيه قطعًا يومًا ما، ولكن لا دليل على أن ذلك اليوم قد مضى. وأما عطفه (ورافعك إلي) على قوله: (متوفيك) فلا دليل فيه؛ لإِطباق جمهور أهل اللسان العربي على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك. وقد ادعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك، وعزاه الأكثر للمحققين، وهو الحق، خلافًا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه. وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء، وقال لم أجده في كتابه، وقال ولي الدين: أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي. حكاه عنه صاحب الضياء اللامع. وقوله - ﷺ - : "أبدأ بما بدأ الله به" يعني الصفا، لا دليل فيه على اقتضائها الترتيب.
следующие страницы →