← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

فهذا السياق القرآني الذي ترى ظاهر ظهورًا لا ينبغي العدول عنه، في أن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى عيسى. الوجه الثاني: من مرجحات هذا القول، أنه على هذا القول الصحيح، فمفسر الضمير ملفوظ مصرح به في قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾. وأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكورًا في الآية أصلًا، بل هو مقدر تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد أهل الكتاب المقدر. ومما لا شك فيه أن ما لا يحتاج إلى تقدير أرجح وأولى مما يحتاج إلى تقدير. الوجه الثالث من مرجحات هذا القول الصحيح: أنه تشهد له السنة النبوية المتواترة، لأن النبي - ﷺ - قد تواترت عنه الأحاديث بأن عيسى حي الآن، وأنه سينزل في آخر الزمان حكمًا مقسطًا. ولا ينكر تواتر السنة بذلك إلا مكابر. قال ابن كثير في تفسيره، بعد أن ذكر هذا القول الصحيح ونسبه إلى جماعة من المفسرين ما نصه: وهذا القول هو الحق كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله تعالى. اهـ. وقوله: "بالدليل القاطع" يعني السنة المتواترة، لأنها قطعية، وهو صادق في ذلك. وقال ابن كثير في تفسير آية الزخرف هذه ما نصه: "وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - أنه أخبر بنزول

стр. 4657

عيسى - ﵇ - قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا". اهـ منه. وهو صادق في تواتر الأحاديث بذلك. وأما القول بأن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى الكتاب فهو خلاف ظاهر القرآن، ولم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة. الوجه الرابع: هو أن القول الأول الصحيح، واضح لا إشكال فيه، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص، بخلاف القول الآخر، فهو مشكل لا يكاد يَصْدُق إلا مع تخصيص، والتأويلات التي يروونها فيه عن ابن عباس، وغيره، ظاهرة البعد والسقوط، لأنه على القول بأن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى عيسى، فلا إشكال ولا خفاء، ولا حاجة إلى تأويل، ولا إلى تخصيص، وأما على القول بأنه راجع إلى الكتابي فإنه مشكل جدًّا بالنسبة لكل من فاجأه الموت من أهل الكتاب، كالذي يسقط من عالٍ إلى أسفل، والذي يقطع رأسه بالسيف وهو غافل، والذي يموت في نومه، ونحو ذلك، فلا يَصْدُقُ هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع من أهل الكتاب، إلا إذا ادُّعِي إخراجهم منه بمخصص، ولا سبيل إلى تخصيص عمومات القرآن إلا بدليل جب الرجوع إليه من المخصصات المتصلة أو المنفصلة. وما يذكر عن ابن عباس من أنه سئل عن الذي يقطع رأسه من أهل الكتاب فقال: إن رأسه يتكلم بالإِيمان بعيسى، وأن الذي يهوي من عالٍ إلى أسفل يؤمن به وهو يهوي، لا يخفى بعده وسقوطه، وأنه لا دليل البتة عليه، كما ترى.

стр. 4658

وبهذا كله تعلم أن الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ راجع إلى عيسى، وأن تلك الآية من سورة النساء تبين قوله تعالى هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ كما ذكرنا. فإن قيل: إن كثيرًا ممن لا تحقيق عندهم يزعمون أن عيسى قد توفي، ويعتقدون مثل ما يعتقده ضلال اليهود والنصارى، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ﴾. فالجواب: أنه لا دلالة في إحدى الآيتين البتة على أن عيسى قد توفي فعلًا. أما قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فإن دلالته المزعومة على ذلك منفية من أربعة أوجه: الأول: أن قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ حقيقة لغوية في أخذ الشيء كاملًا غير ناقص، والعرب تقول: توفى فلان دينه يتوفاه فهو متوف له، إذا قبضه وحازه إليه كاملًا من غير نقص. فمعنى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ في الوضع اللغوي: أي حائزك إليَّ كاملًا بروحك وجسمك، ولكن الحقيقة العرفية خصصت المتوفي المذكور بقبض الروح دون الجسم. ونحو هذا مما دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية فيه لعلماء الأصول ثلاثة مذاهب: الأول: هو تقديم الحقيقة العرفية، وتخصيص عموم الحقيقة اللغوية بها.

стр. 4659

وهذا هو المقرر في أصول الشافعي وأحمد، وهو المقرر في أصول مالك، إلا أنهم في الفروع ربما لم يعتمدوه في بعض المسائل. وإلى تقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية أشار في مراقي السعود بقوله: واللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفي فاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز في الذي انتخب المذهب الثاني: هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية، بناء على أن العرفية وإن ترجحت بعرف الاستعمال، فإن اللغوية مترجحة بأصل الوضع. وهذا القول مذهب أبي حنيفة ﵀. المذهب الثالث: أنه لا تقدم العرفية على اللغوية، ولا اللغوية على العرفية، بل يحكم باستوائهما ومعادلة الاحتمالين فيهما، فيحكم على اللفظ بأنه مجمل، لاحتمال هذه واحتمال تلك. وهذا اختيار ابن السبكي، ومن وافقه. وإلى هذين المذهبين الأخيرين أشار في مراقي السعود بقوله: ومذهب النعمان عكس ما مضى ... والقول بالإِجمال فيه مرتضى وإذا علمت هذا، فاعلم أنه على المذهب الثاني، الذي هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية، فإن قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يدل إلا على أنه قبضه إليه بروحه وجسمه، ولا يدل على الموت أصلًا، كما أن توفي الغريم لِدَينه لا يدل على موت دَينه. وأما على المذهب الأول: وهو تقديم الحقيقة العرفية على

стр. 4660

اللغوية، فإن لفظ المتوفي حينئذٍ يدل في الجملة على الموت، ولكن سترى إن شاء الله أنه وإن دل على ذلك في الجملة، لا يدل على أن عيسى قد توفي فعلًا. وقد ذكرنا في كتابنا: "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة آل عمران، وجه عدم دلالة الآية على موت عيسى فعلًا، أعني قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ، فقلنا ما نصه: والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يدل على تعيين الوقت، ولا يدل على كونه قد مضى، وهو متوفيه قطعًا يومًا ما، ولكن لا دليل على أن ذلك اليوم قد مضى. وأما عطفه (ورافعك إلي) على قوله: (متوفيك) فلا دليل فيه؛ لإِطباق جمهور أهل اللسان العربي على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك. وقد ادعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك، وعزاه الأكثر للمحققين، وهو الحق، خلافًا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه. وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء، وقال لم أجده في كتابه، وقال ولي الدين: أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي. حكاه عنه صاحب الضياء اللامع. وقوله - ﷺ - : "أبدأ بما بدأ الله به" يعني الصفا، لا دليل فيه على اقتضائها الترتيب.

стр. 4661

وبيان ذلك هو ما قاله الفهري كما ذكره عنه صاحب الضياء اللامع، وهو أنها كما أنها لا تقتضي الترتيب ولا المعية، فكذلك لا تقتضي المنع منهما. فقد يكون العطف بها مع قصد الاهتمام بالأول، كقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، بدليل الحديث المتقدم. وقد يكون المعطوف بها مرتبًا، كقول حسان: • هجوت محمدًا وأجبت عنه * على رواية الواو. وقد يراد بها المعية، كقوله: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾، وقوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾، ولكن لا تحمل على الترتيب ولا على المعية إلَّا بدليل منفصل. الوجه الثاني: أن معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي مُنِيمك ورافعك إلي، أي في تلك النومة. وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾، وعزى ابن كثير هذا القول للأكثرين، واستدل بالآيتين المذكورتين. الوجه الثالث: أن (متوفيك) اسم فاعل توفاه، إذا قبضه وحازه إليه، ومنه قولهم: توفى فلان دينه إذا قبضه إليه، فيكون معنى متوفيك على هذا: قابضك منهم إلي حيًّا، وهذا القول هو اختيار ابن جرير.

стр. 4662

وأما الجمع بأنه توفاه ساعات أو أيامًا، ثم أحياه، فلا معول عليه، إذ لا دليل عليه. اهـ. من دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. وقد قدمنا في هذا البحث أن دلالة قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ على موت عيسى فعلًا، منفية من أربعة أوجه، وقد ذكرنا منها ثلاثة، من غير تنظيم: أولها: أن ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ حقيقة لغوية في أخذه بروحه وجسمه. الثاني: أن ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ وصف محتمل للحال والاستقبال والماضي، ولا دليل في الآية على أن ذلك المتوفي قد وقع ومضى، بل السنة المتواترة والقرآن دالان على خلاف ذلك، كما أوضحنا في هذا المبحث. الثالث: أنه تَوَفِّي نوم، وقد ذكرنا الآيات الدالة على أن النوم يطلق عليه الوفاة، فكل من النوم والموت يصدق عليه اسم التوفِّي، وهما مشتركان في الاستعمال العرفي. فهذه الأوجه الثلاثة ذكرناها كلها في الكلام الذي نقلنا من كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. وذكرنا الأول منها بانفراده؛ لنبين مذاهب الأصوليين فيه. وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي﴾ الآية، فدلالته على أن عيسى مات، منفية من وجهين: الأول منهما: أن عيسى يقول ذلك يوم القيامة، ولا شك أنه يموت قبل يوم القيامة، فإخباره يوم القيامة بموته لا يدل على أنه الآن قد مات، كما لا يخفى.

стр. 4663

والثاني منهما: أن ظاهر الآية أنه توفِّي رفع وقبض للروح والجسد، لا توفي موت. وإيضاح ذلك أن مقابلته لذلك المتوفي بالديمومة فيهم، في قوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي﴾ الآية، تدل على ذلك؛ لأنه لو كان تَوَفِّي موت، لقال: ما دمت حيًّا فلما توفيتني، لأن الذي يقابل بالموت هو الحياة، كما في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾، أما المتوفي المقابَل بالديمومة فيهم، فالظاهر أنه توفي انتقال عنهم إلى موضع آخر. وغاية ما في ذلك هو حمل اللفظ على حقيقته اللغوية مع قرينة صارفة عن قصد العرفية، وهذا لا إشكال فيه. وأما الوجه الرابع، من الأوجه المذكورة سابقًا: أن الذين زعموا أن عيسى قد مات، قالوا: إنه لا سبب لذلك الموت إلا أن اليهود قتلوه وصلبوه، فإذا تحقق نفي هذا السبب وقطعهم أنه لم يمت بسبب غيره، تحققنا أنه لم يمت أصلًا، وذلك السبب الذي زعموه منفي يقينًا بلا شك؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾. وضمير (رفعه) ظاهر في الجسم والروح معًا كما لا يخفى. وقد بين الله جل وعلا مستند اليهود في اعتقادهم أنهم قتلوه، بأن الله ألقى شبهه على إنسان آخر فصار من يراه يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه عيسى، فرآه اليهود لما أجمعوا على قتل عيسى، فاعتقدوا لأجل ذلك الشبه الذي أُلْقِي عليه اعتقادًا جازمًا أنه عيسى، فقتلوه.

стр. 4664

فهم يعتقدون صدقهم في أنهم قتلوه وصدبوه، ولكن العليم اللطيف الخبير، أوحى إلى نبيه في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه. فمحمد - ﷺ - والذين أتبعوه عندهم علم من الله بأمر عيسى، لم يكن عند اليهود ولا النصارى، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾. والحاصل أن القرآن العظيم على التفسير الصحيح والسنة المتواترة عن النبي - ﷺ - كلاهما دال على أن عيسى حي، وأنه سينزل في آخر الزمان، وأن نزوله من علامات الساعة، وأن معتمد الذين زعموا أنهم قتلوه ومن تبعهم هو إلقاء شبهه على غيره، واعتقادهم الكاذب أن ذلك المقتول الذي شبه بعيسى هو عيسى. وقد عرفت دلالة الوحي على بطلان ذلك، وأن قوله ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يدل على موته فعلًا، وقد رأيت توجيه ذلك من أربعة أوجه، وأنه على المقرر في الأصول في المذاهب الثلاثة التي ذكرنا عنهم لا إشكال في أنه لم يمت فعلًا: أما على القول بتقديم الحقيقة اللغوية فالأمر واضح؛ لأن الآية على ذلك لا تدل على الموت. وأما على القول بالإِجمال، فالمقرر في الأصول أن المجمل لا يحمل على واحد من معنييه ولا معانيه، بل يطلب بيان المراد منه بدليل منفصل، وقد دل الكتاب هنا والسنة المتواترة على أنه لم يمت وأنه حي.

стр. 4665

وأما على القول بتقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، فإنه يجاب عنه من أوجه: الأول: أن المتوفي محمول على النوم، وحمله عليه يدخل في اسم الحقيقة العرفية. والثاني: أنا وإن سلمنا أنه توفي موت، فالصيغة لا تدل على أنه قد وقع فعلًا. الثالث: أن القول المذكور بتقديم العرفية، محله فيما إذا لم يوجد دليل صارف عن إرادة العرفية إلى اللغوية، فإن دل على ذلك دليل وجب تقديم اللغوية قولًا واحدًا. وقد قدمنا مرارًا دلالة الكتاب والسنة المتواترة على إرادة اللغوية هنا دون العرفية. واعلم بأن القول بتقديم اللغوية على العرفية، محله فيما إذا لم تتناس اللغوية بالكلية، فإن أميتت الحقيقة اللغوية بالكلية، وجب المصير إلى العرفية إجماعًا، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: أجمعَ إن حقيقة تمات ... على التقدم له الأثباتُ فمن حلف ليأكلن من هذه النخلة، فمقتضى الحقيقة اللغوية أنه لا يبر يمينه حتى يأكل من نفس النخلة لا من ثمرتها، ومقتضى الحقيقة العرفية أنه يأكل من ثمرتها لا من نفس جذعها. والمصير إلى العرفية هنا واجب إجماعًا؛ لأن اللغوية في

стр. 4666

مثل هذا أميتت بالكلية؛ فلا يقصد عاقل البتة الأكل من جذع النخلة. أما الحقيقة اللغوية في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فإنها ليست من الحقيقة المماتة كما لا يخفى. ومن المعلوم في الأصول أن العرفية تسمى حقيقة عرفية ومجازًا لغويًّا، وأن اللغوية تسمى عندهم حقيقة لغوية ومجازًا عرفيًّا. وقد قدمنا مرارًا أنا أوضحنا أن القرآن الكريم لا مجاز فيه على التحقيق، في رسالتنا المسماة "منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد والإِعجاز". فاتضح مما ذكرنا كله أن آية الزخرف هذه تبينها آية النساء المذكورة، وأن عيسى لم يمت، وأنه ينزل في آخر الزمان، وإنما قلنا: إن قوله تعالى هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي علامة ودليل على قرب مجيئها؛ لأن وقت مجيئها بالفعل لا يعلمه إلا الله. وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك مرارًا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي لا تشكن في قيام الساعة فإنه لا شك فيه. وقد قدمنا الآيات الموضحة له مرارًا كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا﴾، وقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾، وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾، وقوله: ﴿فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 4667

• قوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة مرارًا، كقوله: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾ . قوله هنا: ﴿ظَلَمُوا﴾ أي كفروا، بدليل قوله في مريم، في القصة بعينها: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾. وقوله: ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ يوضحه قوله هنا: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾. وقد قدمنا مرارًا الآيات الدالة على إطلاق الظلم على الكفر، كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾، وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي بشرك، كما فسره به النبي ﷺ في الحديث الثابت في صحيح البخاري. • قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾ . الاستفهام بِـ (هل) هنا بمعنى النفي، و (ينظرون) بمعنى ينتظرون، أي ما ينتظر الكفار إلا الساعة، أي القيامة، (أن تأتيهم بغتة) أي في حال كونها مباغتة لهم، أي مفاجئة لهم، (وهم

стр. 4668

لا يشعرون) أي بمفاجأتها في حال غفلتهم وعدم شعورهم بمجيئها. والظاهر أن المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ في محل نصب، على أنه بدل اشتمال من (الساعة)، وكون (ينظرون) بمعنى ينتظرون، معروف في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس: فإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الساعة تأتيهم بغتة، جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾، وقوله تعالى في الققال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآية. فالمراد بالصيحة: القيامة. وقوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآية، يدل على أنها تأتيهم وهم في غفلة وعدم شعور بإتيانها. إلى غير ذلك من الآيات، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بعض صفات الذين ينتفي عنهم الخوف والحزن يوم القيامة. فذكر منها هنا الإِيمان بآيات الله والإِسلام، وذكر بعضًا منها في غير هذا الموضع.

стр. 4669

فمن ذلك: الإيمان والتقوى، وذلك في قوله تعالى في سورة يونس: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾. ومن ذلك الاستقامة، وقولهم: ربنا الله، وذلك في قوله في فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ الآية، وقوله تعالى في الأحقاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. والخوف في لغة العرب: الغم من أمر مستقبل. والحزن: الغم من أمر ماض. وربما استعمل كل منهما في موضع الآخر. وإطلاق الخوف على العلم أسلوب عربي معروف. قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى ﴿إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. قال معناه: إلا أن يعلما. ومنه قول أبي محجن الثقفي: إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي في الممات عروقها ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها فقوله: (أخاف) أي أعلم؛ لأنه لا يشك في أنه لا يشربها بعد موته. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾ ظاهره المغايرة بين الإِيمان والإِسلام. وقد دل بعض الآيات على اتحادهما، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾.

стр. 4670

ولا منافاة في ذلك، فإن الإيمان يطلق تارةً على جميع ما يطلق عليه الإِسلام من الاعتقاد والعمل، كما ثبت في الصحيح في حديث وفد عبد القيس، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدًّا. ومن أصرحها في ذلك قوله - ﷺ - : "الإيمان بضع وسبعون"، وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح: "وستون شعبة، أعلاها شهادة ألا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". فقد سمى - ﷺ - "إماطة الأذى عن الطريق" إيمانًا. وقد أطال البيهقي ﵀ في "شعب الإِيمان" في ذكر الأعمال التي جاء الكتاب والسنة بتسميتها إيمانًا. فالإِيمان الشرعي التام والإِسلام الشرعي التام معناهما واحد. وقد يطلق الإِيمان إطلاقًا آخر على خصوص ركنه الأكبر الذي هو الإيمان بالقلب، كما في حديث جبريل الثابت في الصحيح. والقلب مضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله، فغيره تابع له. وعلى هذا تحصل المغايرة في الجملة بين الإِيمان والإِسلام. فالإِيمان، على هذا الإِطلاق اعتقاد، والإِسلام شامل للعمل. واعلم أن مغايرته تعالى بين الإِيمان والإِسلام في قوله تعالى:

стр. 4671

﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. قال بعض العلماء: المراد بالإِيمان هنا، معناه الشرعي، والمراد بالإِسلام معناه اللغوي؛ لأن إذعان الجوارح وانقيادها دون إيمان القلب إسلام لغةً لا شرعًا. وقال بعض العلماء: المراد بكل منهما معناه الشرعي، ولكن نفي الإِيمان في قوله: (ولما يدخل الإِيمان) يراد به عند من قال هذا نفي كمال الإِيمان لا نفي أصله، ولكن ظاهر الآية لا يساعد على هذا؛ لأن قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ﴾ فعل في سياق النفي، وهو صيغة عموم على التحقيق، وإن لم يؤكد بمصدر، ووجهه واضح جدًّا، كما قدمناه مرارًا، وهو أن الفعل الصناعي ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر وزمن ونسبة عند البلاغيين، كما حرروه في مبحث الاستعارة التبعية، وهو أصوب. فالمصدر كامن في مفهوم الفعل الصناعي إجماعًا، وهو نكرة لم تتعرف بشيء، فيئول إلى معنى النكرة في سياق النفي. وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى أن الفعل في سياق النفي أو الشرط من صيغ العموم بقوله: ونحو لا شربت أو إن شربا ... واتفقوا إن مصدر قد جلبا ووجه إهمال (لا) في هذه الآية في قوله تعالى: ﴿لَا خَوْفٌ﴾ أن (لا) الثانية التي هي ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ بعدها معرفة وهي الضمير، وهي لا تعمل في المعارف، بل في النكرات، فلما وجب

стр. 4672

إهمال الثانية أهملت الأولى؛ لينسجم الحرفان بعضهما مع بعض في إهمالهما معًا. • قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾ . قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ فيه لعلماء التفسير وجهان: أحدهما: أن المراد بأزواجهم نظراؤهم وأشباههم في الطاعة وتقوى الله. واقتصر على هذا القول ابن كثير. والثاني: أن المراد بأزواجهم، نساؤهم في الجنة، لأن هذا الأخير أبلغ في التنعم والتلذذ من الأول، ولذا يكثر في القرآن ذكر إكرام أهل الجنة بكونهم مع نسائهم، دون الامتنان عليهم بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾، وقال كثير من أهل العلم: إن المراد بالشغل المذكور في الآية، هو افتضاض الأبكار، وقال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾، وقال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾، وقال تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾، إلى قوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾، وقال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا: أن مفرد الأزواج زوج، بلا هاء، وأن الزوجة بالتاء لغة لا لحن، خلافًا لمن زعم أن الزوجة لحن من لحن الفقهاء وأن ذلك لا أصل له في اللغة.

стр. 4673

والحق أن ذلك لغة عربية، ومنه قول الفرزدق: وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها وقول الحماسي: فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والظاعنون إليَّ ثم تصدعوا وفي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال في صفية: "إنها زوجتي". وقوله: ﴿تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾ أقوال العلماء فيه راجعة إلى شيء واحد، وهو أنهم يكرمون بأعظم أنواع الإِكرام وأتمها. • قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له، وجميع الآيات التي فيها الإِنعام على أهل الجنة بأواني الذهب والفضة، والتحلي بهما، ولبس الحرير، ومنه السندس والإِستبرق، في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. • قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن في الجنة كل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، أي تلتذ به الأعين، أي برؤيته لحسنه، كما قال تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾. وأسند اللذة إلى العين، وهي في الحقيقة مسندة لصاحب العين، كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية، وهي مقدم شعر الرأس، في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾، وكإسناد الخشوع والعمل والنصب إلى الوجوه، في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ

стр. 4674

يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ الآية. ومعلوم أن الكذب والخطيئة مسندان في الحقيقة لصاحب الناصية، كما أن الخشوع والعمل والنصب مسندات إلى أصحاب الوجوه. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الجنة فيها كل مشتهى، وكل مستلذ، جاء مبسوطًا موضحة أنواعه في آيات كثيرة من كتاب الله، وجاء مجملًا أيضًا إجمالًا شاملًا لكل شيء من النعيم. أما إجمال ذلك، ففي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾. وأما بسط ذلك وتفصيله، فقد بين القرآن أن من ذلك النعيم المذكور في الآية: المشارب والمآكل، والمناكح، والفرش والسرر، والأواني، وأنواع الحلي والملابس، والخدم، إلى غير ذلك، وسنذكر بعض الآيات الدالة على كل شيء من ذلك. أما المآكل، فقد قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. أما المشارب، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾

стр. 4675

الآية، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾، وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾، وقال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وأما الملابس والأواني والحلي، فقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة النحل. وأما المناكح فقد قدمنا بعض الآيات الدالة عليها قريبًا، وهي كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الآية. ويكفي ما قدمنا من ذلك قريبًا. وأما ما يتكئون عليه من الفرش والسرر ونحو ذلك، ففيه آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾، والسرر الموضونة هي المنسوجة بقضبان الذهب، وقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وأما خدمهم، فقد قال تعالى في ذلك: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ الآية، وقال تعالى في سورة الإنسان في صفة هؤلاء الغلمان: ﴿إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾.

стр. 4676

وذكر نعيم أهل الجنة بأبلغ صيغة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ ثَمَّ رَأَيتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾. والآيات الدالة على أنواع نعيم الجنة وحسنها وكمالها، كالظلال والعيون والأنهار وغير ذلك، كثيرة جدًّا، ولنكتف منها بما ذكرنا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة لأن خلودهم المذكور لا انقطاع له البتة، كقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي غير مقطوع، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾. • قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ . قد قدمنا الكلام على هذه الآية الكريمة، ونحوها من الآيات الدالة على أن العمل سبب لدخول الجنة، كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾. وبينا أقرب أوجه الجمع بين هذه الآيات الكريمة وما بمعناها، مع قوله ﷺ : "لن يدخل أحدكم عيله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل". وذكرنا في ذلك أن العمل الذي بينت الآيات كونه سببَ دخولِ الجنة هو العمل الذي تقبله الله برحمة منه وفضل، وأن العمل الذي لا يدخل الجنة هو الذي لم يتقبله الله، والله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾.

стр. 4677

• قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ . اللام في قوله: ﴿لِيَقْضِ﴾ لام الدعاء. والظاهر أن المعنى: أن مرادهم بذلك سؤال مالك خازن النار، أن يدعو الله لهم بالموت. والدليل على ذلك أمران: الأول: أنهم لو أرادوا دعاء الله بأنفسهم أن يميتهم لما نادوا: (يا مالك) ولما خاطبوه في قولهم: ﴿رَبُّكَ﴾. والثاني: أن الله بين في سورة المؤمن أن أهل النار يطلبون خزنة النار أن يدعوا الله لهم ليخفف عنهم العذاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾. وقوله: ﴿لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ﴾ أي ليمتنا فنستريح بالموت من العذاب. ونظيره قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ﴾ أي أماته. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ دليل على أنهم لا يجابون إلى الموت، بل يمكثون في النار معذبين إلى غير نهاية. وقد دل القرآن العظيم على أنهم لا يموتون فيها فيستريحوا بالموت، ولا تغني هي عنهم، ولا يخفف عنهم عذابها، ولا يخرجون منها. أما كونهم لا يموتون فيها الذي دل عليه قوله هنا: ﴿قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ فقد دلت عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ

стр. 4678

مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ الآية. وأما كون النار لا تغني عنهم، فقد بينه تعالى بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾، فمن يدعي أن للنار خبوة نهائية وفناء رد عليه بهذه الآية الكريمة. وأما كون العذاب لا يخفف عنه، فقد دلت عليه آيات كثيرة جدًّا، كقوله: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا (٣٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ على الأصح في الأخيرين. وأما كونهم لا يخرجون منها، فقد جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾، وقوله تعالى في المائدة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾، وقوله تعالى في الحج: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية، وقوله تعالى في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، وقوله تعالى في الجاثية: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحنا هذا المبحث إيضاحًا شافيًا في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة الأنعام في الكلام على

стр. 4679

قوله تعالى: ﴿قَال النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وفي سورة النبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾، وسنوضحه أيضًا إن شاء الله في هذا الكتاب المبارك في الكلام على آية النبأ المذكورة، ونوضح هناك إن شاء الله إزالة إشكال يورده الملحدون على الآيات التي فيها إيضاح هذا المبحث. • قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ﴾. • قوله تعالى: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾، وأكثرنا من الآيات الموضحة لذلك في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ . اختلف العلماء في معنى ﴿إِنْ﴾ في هذه الآية. فقالت جماعة من أهل العلم: إنها شرطية، واختاره غير واحد، وممن اختاره ابن جرير الطبري. والذين قالوا إنها شرطية، اختلفوا في المراد بقوله: (فأنا أول العابدين).

стр. 4680

فقال بعضهم: (فأنا أول العابدين) لذلك الولد. وقال بعضهم: (فأنا أول العابدين) لله على فرض أن له ولدًا. وقال بعضهم: (فأنا أول العابدين) لله، جازمين بأنه لا يمكن أن يكون له ولد. وقالت جماعة آخرون: إن لفظة ﴿إِنْ﴾ في الآية نافية، والمعنى: ما كان لله ولد. وعلى القول بأنها نافية ففي معنى قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ ثلاثة أوجه: الأول، وهو أقربها: أن المعنى: ما كان لله ولد، فأنا أول العابدين لله، المنزهين له عن الولد، وعن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. والثاني: أن معنى قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾: أي الآنفين المستنكفين من ذلك، يعني القول الباطل المفترى على ربنا، الذي هو ادعاء الولد له. والعرب تقول: عَبِدَ، بكسر الباء، يَعْبَد، بفتحها، فهو عَبِد، بفتح فكسر، على القياس، وعابد أيضًا، سماعًا، إذا اشتدت أنفته واستنكافه وغضبه، ومنه قول الفرزدق: أولئك قومي إن هجوني هجوتهم ... وأَعْبَدُ أن أهجو كليبًا بدارم فقوله: "وأَعْبَدُ" يعني آنف وأستنكف. ومنه أيضًا قول الآخر: متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله ... وَيَعْبَدْ عليه لا محالة ظالما وفي قصة عثمان بن عفان ﵁ المشهورة: أنه جيء

стр. 4681

بامرأة من جهينة تزوجت، فولدت لستة أشهر، فبعث بها عثمان لِتُرجَم، اعتقادًا منه أنها كانت حاملًا قبل العقد، لولادتها قبل تسعة أشهر، فقال له علي ﵄: إن الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، ويقول جل وعلا: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾ فلم يبق عن الفصال من المدة إلا ستة أشهر. فما عبد عثمان ﵁ أن بعث إليها لِتُرَدَّ ولا ترجم. ومحل الشاهد من القصة: "فوالله ما عبد عثمان"، أي ما أنف ولا استنكف من الرجوع إلى الحق. الوجه الثالث: أن المعنى ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ أي الجاحدين النافين أن يكون لله ولد، عن ذلك علوًا كبيرًا. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في معنى هذه الآية الكريمة: أنه يتعين المصير إلى القول بأن (إن) نافية، وأن القول بكونها شرطية لا يمكن أن يصح له معنى بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وإن قال به جماعة من أجلاء العلماء. وإنما اخترنا أن ﴿إِنْ﴾ هي النافية لا الشرطية، وقلنا إن المصير إلى ذلك متعين في نظرنا؛ لأربعة أمور: الأول: أن هذا القول جار على الأسلوب العربي، جريانًا واضحًا لا إشكال فيه، فكون (إن كان) بمعنى ما كان، كثير في القرآن وفي كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً﴾ أي ما كانت إلا صيحة واحدة. فقولك مثلًا: معنى الآية الكريمة: ما كان لله ولد، فأنا أول العابدين الخاضعين للعظيم الأعظم المنزه عن الولد، أو الآنفين

стр. 4682

المستنكفين من أن يوصف ربنا بما لا يليق بكماله وجلاله من نسبة الولد إليه، أو الجاحدين النافين أن يكون لربنا ولد، عن ذلك علوًا كبيرًا = لا إشكال فيه؛ لأنه جار على اللغة العربية التي نزل بها القرآن، دال على تنزيه الله تنزيهًا تامًّا عن الولد، من غير إيهامٍ البتة لخلاف ذلك. الأمر الثاني: أن تنزيه الله عن الولد، بالعبارات التي لا إيهام فيها، هو الذي جاءت به الآيات الكثيرة في القرآن، كما قدمنا إيضاحه في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ الآية، وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩)﴾، والآيات الكثيرة التي ذكرناها في ذلك تبين أن ﴿إِنْ﴾ نافية. فالنفي الصريح الذي لا نزاع فيه يبين أن المراد في محل النزاع النفي الصريح. وخير ما يفسر به القرآن القرآن، فكون المعبَّر في الآية: ما كان للرحمن ولد، بصيغة النفي الصريِح، مطابق لقوله تعالى في آخر سورة بني إسرائيل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية، وقوله تعالى في أول الفرقان: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ الآية، وقوله تعالى؛ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وأما على القول بأن (إن) شرطية، وأن قوله تعالى: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ

стр. 4683

الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ جزاء لذلك الشرط، فإن ذلك لا نظير له البتة في كتاب الله، ولا توجد فيه آية تدل على مثل هذا المعنى. الأمر الثالث: هو أن القول بأن ﴿إِنْ﴾ شرطية لا يمكن أن يصح له معنى في اللغة العربية، إلا معنى محذور لا يجوز القول به بحال، وكتاب الله جل وعلا يجب تنزيهه عن حمله على معان محذورة لا يجوز القول بها. وإيضاح هذا أنه على القول بأن ﴿إِنْ﴾ شرطية، وقوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ جزاء الشرط، لا معنى لصدقه البتة إلا بصحة الربط بين الشرط والجزاء. والتحقيق الذي لا شك فيه أن مدار الصدق والكذب في الشرطية المتصلة، منصب على صحة الربط بين مقدمها الذي هو الشرط وتاليها الذي هو الجزاء، والبرهان القاطع على صحة هذا هو كون الشرطية المتصلة تكون في غاية الصدق مع كذب طرفيها معًا أو أحدهما، لو أزيلت أداة الربط بين طرفيها، فمثال كذبهما معًا مع صدقها قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فهذه قضية في غاية الصدق كما ترى، مع أنها لو أزيلت أداة الربط بين طرفيها كان كل واحد من طرفيها قضية كاذبة بلا شك، ونعني بأداة الربط لفظة (لو) من الطرف الأول، واللام من الطرف الثاني، فإنهما لو أزيلا وحذفا صار الطرف الأول: (كان فيهما آلهة إلا الله)، وهذه قضية في منتهى الكذب، وصار الطرف الثاني: (فسدتا) أي السماوات والأرض، وهذه قضية في غاية الكذب كما ترى. فاتضح بهذا أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات على

стр. 4684

صحة الربط بين الطرفين وعدم صحته، فإن كان الربط صحيحًا فهي صادقة ولو كذب طرفاها أو أحدهما عند إزالة الربط، وإن كان الربط بينهما كاذبًا كانت كاذبة، كما لو قلت: لو كان هذا إنسانًا لكان حجرًا، فكذب الربط بينهما وكذب القضية بسببه كلاهما واضح. وأمثلة صدق الشرطية مع كذب طرفيها كثيرة جدًّا، كالآية التي ذكرنا، وكقولك: لو كان الإِنسان حجرًا لكان جمادًا، ولو كان الفرس ياقوتًا لكان حجرًا، فكل هذه القضايا ونحوها صادقة مع كذب طرفيها لو أزيلت أداة الربط. ومثال صدقها مع كذب أحدهما قولك: لو كان زيد في السماء ما نجا من الموت، فإنها شرطية صادقة لصدق الربط بين طرفيها، مع أنها كاذبة أحد الطرفين دون الآخر، لأن عدم النجاة من الموت صدق، وكون زيد في السماء كذب. هكذا مثل بهذا المثال البناني، وفيه عندي أن هذه الشرطية التي مثل بها اتفاقية لا لزومية، ولا دخل للاتفاقيات في هذا البحث، والمثال الصحيح: لو كان الإِنسان حجرًا لكان جسمًا. واعلم أن قومًا زعموا أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات منصب على خصوص التالي الذي هو الجزاء، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك، وزعموا أن هذا المعنى هو المراد عند أهل اللسان العربي. والتحقيق الأول، ولم يقل أحد البتة بقول ثالث في مدار الصدق والكذب في الشرطيات.

стр. 4685

فإذا حققت هذا، فاعلم أن الآية الكريمة على القول بأنها جملة شرط وجزاء، لا يصح الربط بين طرفيها البتة بحال، على واحد من القولين اللذين لا ثالث لهما، إلا على وجه محذور لا يصح القول به بحال. وإيضاح ذلك: أنه على القول الأخير، أن مصب الصدق والكذب في الشرطيات إنما هو التالي الذي هو الجزاء، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك، فمعنى الآية عليه باطل، بل هو كفر، لأن معناه أن كونه أول العابدين يشترط فيه أن يكون للرحمن ولد، عن ذلك علوًا كبيرًا؛ لأن مفهوم الشرط أنه إن لم يكن له ولد لم يكن أول العابدين، وفساد هذا المعنى كما ترى. وأما على القول الأول الذي هو الصحيح، أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات على صحة الربط بين طرفي الشرطية، فإنه على القول بأن الآية الكريمة جملة شرط وجزاء، لا يصح الربط بين طرفيها البتة أيضًا إلا على وجه محذور لا يجوز المصير إليه بحال، لأن كون المعبود ذا ولد، واستحقاقه هو أو ولده العبادة، لا يصح الربط بينهما البتة إلا على معنى هو كفر بالله؛ لأن المستحق للعبادة لا يعقل بحال أن يكون ولدًا أو والدًا. وبه تعلم أن الشرط المزعوم في قوله: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ إنما يعلق به محال، لاستحالة كون الرحمن ذا ولد، ومعلوم أن المحال لا يعلق عليه إلا المحال. فتعليق عبادة الله التي هي أصل الدين على كونه ذا ولد ظهور

стр. 4686

فساده كما ترى، وإنما تصدد، الشرطية في مثل هذا لو كان المعلق عليه مستحيلًا، فادعاء أن ﴿إِنْ﴾ هو في الآية شرطية مثل ما لو قيل: لو كان معه آلهة لكنت أول العابدين له، وهذا لا يصدق بحال؛ لأن واحدًا من آلهة متعددة لا يمكن أن يعبد، فالربط بين طرفيها مثل هذه القضية لا يصح بحال. ويتضح لك ذلك بمعنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية. فإن قوله (إذًا) أي لو كان معه غيره من الآلهة، لذهب كل واحد منهم بما خلق واستقل به، وغَالبَ بعضُهم بعضًا، ولم ينتظم للسماوات والأرض نظام، ولفسد كل شيء، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ على الصحيح الذي هو الحق من التفسيرين. ومعنى ابتغائهم إليه تعالى سبيلًا هو طلبهم طريقًا إلى مغالبته، كما يفعله بعض الملوك مع بعضهم. والحاصل: أن الشرط إن علق به مستحيل فلا يمكن أن يصح الربط بينه وبين الجزاء، إلا إذا كان الجزاء مستحيلًا أيضًا؛ لأن الشرط المستحيل لا يمكن أن يوجد به إلا الجزاء المستحيل. أما كون الشرط مستحيلًا والجزاء هو أساس الدين وعماد الأمر؛ فهذا مما لا يصح بحال، ومن ذهب إليه من أهل العلم والدين لا شك في غلطه.

стр. 4687

ولا شك في أن كل شرطية صدقت مع بطلان مقدمها الذي هو الشرط وصحة تاليها الذي هو الجزاء، لا يصح التمثيل بها لهذه الآية بوجه من الوجوه، وأن ما ظنه الفخر الرازي من صحة التمثيل لها بذلك غلط فاحش منه بلا شك. وإيضاح ذلك: أن كل شرطية كاذبة الشرط صادقة الجزاء عند إزالة الربط، لا بد أن يكون موجب ذلك فيها أحد أمرين لا ثالث لهما البتة، وكلاهما يكون الصدق به من أجل أمر خاص لا يمكن وجود مثله في الآية الكريمة التي نحن بصددها، بل هو مناقض لمعنى الآية، والاستدلال بوجود أحد المتناقضين على وجود الآخر ضروري البطلان. ونعني بأول الأمرين المذكورين كون الشرطية اتفاقية لا لزومية أصلًا، وبالثاني منهما كون الصدق المذكور من أجل خصوص المادة. ومعلوم أن الصدق من أجل خصوص المادة لا عبرة به في العقليات، وأنه في حكم الكذب لعدم اضطراده؛ لأنه يصدق في مادة ويكذب في أخرى، والمعتبر إنما هو الصدق اللازم المضطرد، الذي لا يختلف باختلاف المادة بحال. ولا شك أن كل قضية شرطها محال لا يضطرد صدقها إلا إذا كان جزاؤها محالًا خاصة. فإن وجدت قضية باطلة الشرط صحيحة الجزاء، فلا بدَّ أن يكون ذلك لكونها اتفاقية أو لأجل خصوص المادة فقط.

стр. 4688

فمثال وقوع ذلك لكونها اتفاقية قولك: إن كان زيد في السماء لم ينج من الموت. فالشرط الذي هو كونه في السماء باطل، والجزاء الذي هو كونه لم ينج من الموت صحيح. وإنما صح هذا لكون هذه الشرطية اتفاقية. ومعلوم أن الاتفاقية لا علاقة بين طرفيها أصلًا، فلا يقتضي ثبوت أحدهما ولا نفيه ثبوت الآخر ولا نفيه، فلا ارتباط بين طرفيها في المعنى أصلًا وإنما هو في اللفظ فقط. فكون زيد في السماء لا علاقة له بعدم نجاته من الموت أصلًا، ولا ارتباط بينهما إلا في اللفظ. فهو كقولك: إن كان الإنسان ناطقًا فالفرس صاهل. وقد قدمنا إيضاح الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ فراجعه. ومعلوم أن قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ لم يقل أحد إنها شرطية اتفاقية، ولم يدع أحد أنها لا علاقة بين طرفيها أصلًا. ومثال وقوع ذلك لأجل خصوص المادة فقط، ما مثل به الفخر الرازي لهذه الآية الكريمة، مع عدم انتباهه لشدة المنافاة بين الآية الكريمة وبين ما مثل لها به، فإنه لما قال: إن الشرط الذي هو: ﴿إِنْ

стр. 4689

كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ باطل، والجزاء الذي هو: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ صحيح، مثل لذلك بقوله: إن كان الإِنسان حجرًا فهو جسم، يعني أن قوله: إن كان الإنسان حجرًا، شرط باطل، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾، فكون الإِنسان حجرًا وكون الرحمن ذا ولد كلاهما شرط باطل. فلما صح الجزاء المرتب على الشرط الباطل في قوله: إن كان الإنسان حجرًا فهو جسم، دل ذلك على أن الجزاء الصحيح في قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ يصح ترتيبه على الشرط الباطل الذي هو ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾. وهذا غلط فاحش جدًّا، وتسوية بين المتنافيين غاية المنافاة؛ لأن الجزاء المرتب على الشرط الباطل في قوله: إن كان الإِنسان حجرًا فهو جسم، إنما صدق لأجل خصوص المادة لا لمعنى اقتضاه الربط البتة. وإيضاح ذلك: أن النسبة بين الجسم والحجر، والنسبة بين الإِنسان والجسم، هي العموم والخصوص المطلق في كليهما. فالجسم أعم مطلقًا من الحجر، والحجر أخص مطلقًا من الجسم، كما أن الجسم أعم من الإِنسان أيضًا عمومًا مطلقًا، والإِنسان أخص من الجسم أيضًا خصوصًا مطلقًا، فالجسم جنس قريب للحجر، وجنس بعيد للإِنسان، وإن شئت قلت: جنس متوسط له. وإيضاح ذلك أن تقول في التقسيم الأول:

стр. 4690

الجسم إما نام، أي يكبر تدريجًا، أو غير نام، فغير النامي كالحجر مثلًا. ثم تقسم النامي تقسيمًا ثانيًا فتقول: النامي إما حساس أو غير حساس، فغير الحساس منه كالنبات. ثم تقسم الحساس تقسيمًا ثالثًا فتقول: الحساس إما ناطق أو غير ناطق، والناطق منه هو الإِنسان. فاتضح أن كلًّا من الإنسان والحجر يدخل في عموم الجسم، والحكم بالأعم على الأَخص صادق في الإِيجاب بلا نزاع ولا تفصيل. فقولك: "الإِنسان جسم" صادق في كل تركيب، ولا يمكن أن يكذب بوجه، وذلك للملابسة الخاصة بينهما من كون الجسم جنسًا للإِنسان، وكون الإِنسان فردًا من أفراد أنواع الجسم، فلأجل خصوص هذه الملابسة بينهما كان الحكم على الإِنسان بأنه جسم صادقًا على كل حال، سواء كان الحكم بذلك غير معلق على شيء، أو كان معلقًا على باطل أو حق. فالاستدلال بصدق هذا المثال على صدق الربط بين الشرط والجزاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ بطلانُه كالشمس في رابعة النهار، والعجب كل العجب من عاقل يقوله؛ لأن المثال المذكور إنما صدق لأن الإِنسان يشمله مسمى الجسم، أما من كان له ولد فالنسبة بينه وبين المعبود الحق هي تباين

стр. 4691

المقابلة؛ لأن المقابلة بين المعبود بحق وبين والد أو ولد هي المقابلة بين الشيء ومساوي نقيضه؛ لأن من يولد أو يولد له لا يمكن أن يكون معبودًا بحق بحال. وإيضاح المنافاة بين الأمرين أنك لو قلت: الإِنسان جسم، لقلت الحق، ولو قلت: المولود له معبود، أو المولود معبود، قلت الباطل الذي هو الكفر البواح. ومما يوضح ما ذكرنا إجماع جميع النظار على أنه إن كانت إحدى مقدمتي الدليل باطلة، وكانت النتيجة صحيحة، أن ذلك لا يكون إلا لأجل خصوص المادة فقط، وأن ذلك الصدق لا عبرة به، فحكمه حكم الكذب، ولا يعتبر إلا الصدق اللازم المضطرد في جميع الأحوال. فلو قلت مثلًا: كل إنسان حجر، وكل حجر جسم؛ لأنتج من الشكل الأول: كل إنسان جسم، وهذه النتيجة في غاية الصدق كما ترى، مع أن المقدمة الصغرى من الدليل التي هي قولك: كل إنسان حجر، في غاية الكذب كما ترى. وإنما صدقت النتيجة لخصوص المادة كما أوضحنا، ولولا ذلك لكانت كاذبة، لأن النتيجة لازم الدليل، والحق لا يكون لازمًا للباطل، فإن وقع شيء من ذلك فلخصوص المادة كما أوضحنا. وبهذا التحقيق تعلم أن الشرط الباطل لا يلزم وتطرد صحة ربطه إلا بجزاء باطل مثله. وما يظنه بعض أهل العلم من أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ

стр. 4692

مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ فهو غلط فاحش، والفرق بين معنى الآيتين شاسع، فَظَنُّ استوائها في المعنى باطل. وإيضاح ذلك: أن قوله تعالى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ الآية، معناه المقصود منه جار على الأسلوب العربي، ولا إيهام فيه؛ لأنا أوضحنا سابقًا أن مدار صدق الشرطية على صحة الربط بين شرطها وجزائها، فهي صادقة ولو كذب طرفاها عند إزالة الربط كما تقدم إيضاحه قريبًا. فربط قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ بقوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ صحيح لا إشكال فيه؛ لأن الشاك في الأمر شأنه أن يسأل العالم به عنه كما لا يخفى، فهي قضية صادقة، مع أن شرطها وجزاءها كلاهما باطل بانفراده، فهي كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فهي شرطية صادقة لصحة الربط بين طرفيها، وإن كان الطرفان باطلين عند إزالة الربط. أما قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ على القول بأن (إن) شرطية لا تمكن صحة الربط بين شرطها وجزائها البتة؛ لأن الربط بين المعبود وبين كونه والدًا أو ولدًا لا يصح بحال. ولذا جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب"، فنفى الطرفين مع أن الربط صحيح، ولا يمكن أن ينفي - ﷺ - هو ولا غيره الطرفين في الآية الأخرى، فلا يقول هو ولا غيره: ليس له ولد ولا أعبده. وعلى كل حال، فالربط بين الشك وسؤال الشاك للعالم أمر

стр. 4693

صحيح، بخلاف الربط بين العبادة وكون المعبود والدًا أو ولدًا فلا يصح. فاتضح الفرق بين الآيتين. وحديثُ: "لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب" رواه قتادة بن دعامة مرسلًا، وبنحوه قال بعض الصحابة، فمن بعدهم، ومعناه صحيح بلا شك. وما قاله الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة يستغربه كل من رآه، لقبحه وشناعته، ولم أعلم أحدًا من الكفار في ما قص الله في كتابه عنهم يتجرأ على مثله أو قريب منه، وهذا مع عدم فهمه لما يقول وتناقض كلامه. وسنذكر هنا كلامه القبيح، للتنبيه على شناعة غلطه الديني واللغوي. قال في الكشاف ما نصه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها، فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه. وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد والإِطناب فيه، وألا يترك للناطق به شبهة إلا مضمحلة، مع الترجمة عن نفسه بإثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالًا مثلها، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة، وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها.

стр. 4694

ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقًا للكفر في القلوب ومعذبًا عليه عذابًا سرمدًا فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله. فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفي أن يكون الله تعالى خالقًا للكفر، وتنزيهه عن ذلك وتقديسه، ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا، مع الدلالة على سماجة المذهب، وضلالة الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته، والإِفصاح عن نفسه بالبراءة منه، وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه. ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير ﵀ للحجاج حين قال له: أما والله لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى: "لو عرفتُ أن ذلك إليك ما عبدت إلهًا غيرك". وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد، المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله، المكذبين قولكم لإِضافة الولد إليه. اهـ. الغرض من كلام الزمخشري. وفي كلامه هذا من الجهل بالله، وشدة الجراءة عليه، والتخبط والتناقض في المعاني اللغوية ما الله عالم به، ولا أظن أن ذلك يخفى على عاقل تأمله. وسنبين لك ما يتضح به ذلك، فإنه أولًا قال: "إن كان للرحمن ولد وصحَّ ذلك ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا

стр. 4695

أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه". فكلامه هذا لا يخفى بطلانه على عاقل؛ لأنه على فرض صحة نسبة الولد إليه، وقيام البرهان الصحيح والحجة الواضحة على أنه له ولد، فلا شك أن ذلك يقتضي أن ذلك الولد لا يستحق العبادة بحال، ولو كان في ذلك تعظيم لأبيه؛ لأن أباه مثله في عدم استحقاق العبادة، والكفر بعبادة كل والد وكل مولود شرط في إيمان كل موحد، فمن أي وجه يكون هذا الكلام صحيحًا؟! أما في اللغة العربية فلا يكون صحيحًا لبتة. وما أظنه يصح في لغة من لغات العجم، فالربط بين هذا الشرط وهذا الجزاء لا يصح بوجه. فمعنى الآية عليه لا يصح بوجه؛ لأن المعلق على المحال لا بد أن يكون محالًا مثله. والزمخشري في كلامه كلما أراد أن يأتي بمثال في الآية خارج عنها اضطر إلى أن لا يعلق على المحال في زعمه إلا محالًا. فضربه للآية المثل بقصة ابن جبير مع الحجاج، دليل واضح على ما ذكرنا وعلى تناقضه وتخبطه. فإنه قال فيها: إن الحجاج قال لسعيد بن جبير: لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى. قال سعيد للحجاج: لو علمت أن ذلك إليك ما عبدت إلهًا غيرك. فهو يدل على أنه علق المحال على المحال، ولو كان غير
следующие страницы →