قد أوضحنا وجهه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ الآية.
وأما السادس منها: وهو تصريف الرياح، المذكور في قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ فقد جاء موضحًا أيضًا في آيات من كتاب الله كقوله في البقرة: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. إلى غير ذلك من الآيات.
تنبيه
اعلم أن هذه البراهين العظيمة المذكورة في أول سورة الجاثية هذه، ثلاثة منها من براهين البعث التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث كثرة مستفيضة.
وقد أوضحناها في مواضع من هذا الكتاب المبارك، في سورة البقرة وسورة النحل وغيرهما، وأحلنا عليها مرارًا كثيرة في هذا الكتاب المبارك، وسنعيد طرفًا منها هنا لأهميتها إن شاء الله تعالى.
والأول من البراهين المذكورة: هو خلق السماوات والأرض المذكور هنا في سورة الجاثية هذه: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾؛ لأن خلقه جل وعلا للسماوات والأرض، من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر لا شك في قدرته على خلق الأضعف الأصغر.
والآيات الدالة على هذا كثيرة، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ أي ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق الأصغر، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ
стр. 4727
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾.
ونظير آية النازعات هذه قوله تعالى في أول الصافات: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ الآية؛ لأن قوله: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يشير به إلى خلق السماوات والأرض وما ذكر معهما، المذكور في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾.
وأما الثاني من البراهين المذكورة: فهو خلقه تعالى للناس المرة الأولى؛ لأن من ابتدع خلقهم على غير مثال سابق، لا شك في قدرته على إعادة خلقهم مرة أخرى، كما لا يخفى.
والاستدلال بهذا البرهان على البعث كثير جدًّا في كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ إلى آخر الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ
стр. 4728
أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤)﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾ يعني أي شيء يحملك على التكذيب بالدين أي بالبعث والجزاء، وقد علمت أني خلقتك الخلق الأول في أحسن تقويم، وأنت تعلم أنه لا يخفى على عاقل أن من ابتدع الإِيجاد الأول لا شك في قدرته على إعادته مرة أخرى، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما البرهان الثالث منها: وهو إحياء الأرض بعد موتها، المذكور في قوله تعالى في سورة الجاثية هذه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، فإنه يكثر الاستدلال به أيضًا على البعث في القرآن العظيم، لأن من أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأن الجميع إحياء بعد موت.
فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا وَأَنَّ
стр. 4729
اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ , وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾.
فقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي نبعثهم من قبورهم أحياء كما أخرجنا تلك الثمرات بعد عدمها، وأحيينا بإخراجها ذلك البلد الميت، وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ يعني تخرجون من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ﴾ .
أشار جل وعلا لنبيه ﷺ إلى آيات هذا القرآن العظيم، وبين لنبيه أنه يتلوها عليه متلبسة بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وما ذكره جل وعلا في آية الجاثية هذه، ذكره في آيات أخر بلفظه، كقوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ (١٠٨)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ﴾ بمعنى هذه.
стр. 4730
ومن أساليب اللغة العربية إطلاق الإشارة إلى البعيد على الإِشارة إلى القريب، كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بمعنى هذا الكتاب، كما حكاه البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، ومن شواهده قول خفاف بن ندبة السلمي:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدًا على عيني تيممت مالكا
أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافًا إنني أنا ذالكا
يعني أنا هذا.
وقد أوضحنا هذا المبحث وذكرنا أوجهه في كتابنا (دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في أول سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا﴾ أي نقرؤها عليك.
وأسند جل وعلا تلاوتها إلى نفسه؛ لأنها كلامه الذي أنزله على رسوله بواسطة الملك، وأمر الملك أن يتلوه عليه مبلغًا عنه جل وعلا.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩)﴾.
فقوله: (فإذا قرأناه) أي قرأه عليك الملك المرسل به من قبلنا مبلغًا عنا، وسمعته منه، (فاتبع قرآنه) أي فاتبع قراءته واقرأه كما سمعته يقرؤه.
وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ﴾.
وسماعه - ﷺ - القرآن من الملك المبلغ عن الله كلام الله وفهمه له هو معنى تنزله إياه على قلبه في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ
стр. 4731
الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ يعني آياته الشرعية الدينية.
واعلم أن لفظ "الآية" يطلق في اللغة العربية إطلاقين، وفي القرآن العظيم إطلاقين أيضًا.
أما إطلاقاه في اللغة العربية:
فالأول منهما وهو المشهور في كلام العرب: فهو إطلاق الآية بمعنى العلامة، وهذا مستفيض في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان:
توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
ثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار في قوله بعده:
رماد ككحل العين لأْيًا أُبِينُه ... وَنُؤْيٌ كجِذْمِ الحوض أثلم خاشع
وأما الثاني منهما: فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم أي بجماعتهم.
ومنه قول برج بن مسهر:
خرجنا من النقبين لاحي مثلنا ... بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا
وقوله: "بآيتنا" يعني بجماعتنا.
وأما إطلاقاه في القرآن العظيم:
فالأول منهما: إطلاق الآية على الآية الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله هنا: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية.
стр. 4732
وأما الثاني منهما: فهو إطلاق الآية على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾.
أما الآية الكونية القدرية فهي بمعنى الآية اللغوية التي هي العلامة؛ لأن الآيات الكونية علامات قاطعة على أن خالقها هو الرب المعبود وحده.
وأما الآية الشرعية الدينية، فقال بعض العلماء: إنها أيضًا من الآية التي هي العلامة؛ لأن آيات هذا القرآن العظيم علامات على صدق من جاء بها، لما تضمنته من برهان الإِعجاز، أو لأن فيها علامات يعرف بها مبدأ الآيات ومنتهاها.
وقال بعض العلماء: إنها من الآية بمعنى الجماعة، لتضمنها جملة وجماعة من كلمات القرآن وحروفه.
واختار غير واحد أن أصل الآية أيَيَة، بفتح الهمزة وفتح الياءين بعدها، فاجتمع في الياءين موجبا إعلال؛ لأن كلًّا منهما متحركة حركة أصلية بعد فتح متصل، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
من ياءٍ أو واوٍ بتحريك أُصِلْ ... ألفًا ابدل بعد فتح متصل
إن حرك التالي ... إلخ.
والمعروف في علم التصريف، أنه إن اجتمع موجبا إعلال في كلمة واحدة، فالأكثر في اللغة العربية تصحيح الأول منهما وإعلال الثاني بإبداله ألفًا، كالهوى والنوى والطوى والشوى، وربما صحح الثاني وأعل الأول، كغاية وراية وآية، على الأصح من أقوال عديدة،
стр. 4733
ومعلوم أن إعلالهما لا يصح، ولهذا أشار في الخلاصة بقوله:
وإن لحرفين ذا الاعلال استحق ... صحح أولٌ وعكس قد يحق
• قول تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾.
ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن من كفر بالله وبآيات الله ولم يؤمن بذلك مع ظهور الأدلة والبراهين على لزوم الإِيمان بالله وآياته، أنه يستبعد أن يؤمن بشيء آخر، لأنه لو كان يؤمن بحديث لآمن بالله وبآياته لظهور الأدلة على ذلك، وأن من لم يؤمن بآيات الله متوعد بالويل، وأنه أفاك أثيم، والأفاك: كثير الإِفك وهو أسوأ الكذب، والأثيم: هو مرتكب الإِثم بقلبه وجوارحه، فهو مجرم بقلبه ولسانه وجوارحه = قد ذكره تعالى في غير هذا الموضع، فتوعد المكذبين لهذا القرآن بالويل يوم القيامة، وبين استبعاد إيمانهم بأي حديث بعد أن لم يؤمنوا بهذا القرآن، وذلك بقوله في آخر المرسلات: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾، فقوله تعالى: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ كقوله هنا: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾.
وقد كرر تعالى وعيد المكذبين بالويل في سورة المرسلات كما هو معلوم، وقوله في آخر المرسلات: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ كقوله هنا في الجاثية: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.
ومعلوم أن الإيمان بالله على الوجه الصحيح يستلزم الإِيمان بآياته، وأن الإِيمان بآياته كذلك يستلزم الإِيمان به تعالى.
стр. 4734
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ يدل على أن من يسمع القرآن يتلى ثم يصر على الكفر والمعاصي في حالة كونه متكبرًا عن الانقياد إلى الحق الذي تضمنته آيات القرآن كأنه لم يسمع آيات الله، له البشارة يوم القيامة بالعذاب الأليم وهو الخلود في النار.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في لقمان: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾، وقوله تعالى في الحج: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَال آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾، فقوله تعالى عنهم: ﴿مَاذَا قَال آنِفًا﴾ يدل على أنهم ما كانوا يبالون بما يتلو عليهم النبي - ﷺ - من الآيات والهدى.
وقد ذكرنا كثيرًا من الآيات المتعلقة بهذا المبحث في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ خففت فيه لفظة (كأن)، ومعلوم أن (كأن) إذا خففت كان اسمها مقدرًا وهو ضمير الشأن والجملة خبرها، كما قال في الخلاصة:
وخففت كأن أيضًا فَنُوي ... منصوبها وثابتًا أيضًا رُوي
стр. 4735
وقد قدمنا في أول سورة الكهف، أن البشارة تطلق غالبًا على الإِخبار بما يسر، وأنها ربما أطلقت في القرآن وفي كلام العرب على الإِخبار بما يسوء أيضًا، وأوضحنا ذلك بشواهده العربية.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾.
قال بعض العلماء: (ويل) واد في جهنم.
والأظهر أن لفظة (ويل) كلمة عذاب وهلاك، وأنها مصدر لا لفظ له من فعله (١)، وأن المسوغ للابتداء بها مع أنها نكرة كونها في معرض الدعاء عليهم بالهلاك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.
قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمص عن عاصم: (يؤمنون) بياء الغيبة.
وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم: (تؤمنون) بتاء الخطاب.
وقرأه ورش عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو: (يومنون) بإبدال الهمزة واوًا وصلًا ووقفًا.
وقرأه حمزة بإبدال الهمزة واوًا في الوقف دون الوصل.
والباقون بتحقيق الهمزة مطلقًا.
стр. 4736
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة توعد الأفاك الأثيم بالويل، والبشارة بالعذاب الأليم.
وقد قدمنا قريبًا أن من صفاته أنه إذا سمع آيات الله تتلى عليه أصر مستكبرًا كأن لم يسمعها، وذكر في هذه الآية الكريمة أنه إذا علم من آيات الله شيئًا اتخذها هزوًا أي مهزوءًا بها، مستخفًا بها، ثم توعده على ذلك بالعذاب المهين.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفار يتخذون آيات الله هزوًا، وأنهم سيعذبون على ذلك يوم القيامة، قد بينه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في آخر الكهف: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾، وقوله تعالى في الكهف أيضًا: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ الآية، وقوله تعالى في سورة الجاثية هذه: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ الآية.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة وحفص عن عاصم: (هُزُؤًا) بضم الزاي بعدها همزة محققة.
وقرأه حفص عن عاصم بضم الزاي وإبدال الهمزة واوًا.
وقرأه حمزة (هُزْءًا) بسكون الزاي بعدها همزة محققة في حالة الوصل، وأما في حالة الوقف، فعن حمزة نقل حركة الهمزة إلى
стр. 4737
الزاي فتكون الزاي مفتوحة بعدها ألف، وعنه إبدالها واوًا محركة بحركة الهمزة.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ أي لأن عذاب الكفار الذين كانوا يستهزؤون بآيات الله لا يراد به إلا إهانتهم وخزيهم وشدة إيلامهم بأنواع العذاب، وليس فيه تطهير ولا تمحيص لهم، بخلاف عصاة المسلمين فإنهم وإن عذبوا فسيصيرون إلى الجنة بعد ذلك العذاب، فليس المقصود بعذابهم مجرد الإِهانة بل ليؤولوا بعده إلى الرحمة ودار الكرامة.
• قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾ .
قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له مع الشواهد العربية في سورة إبراهيم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ الآية، وبينا هناك أن أصح الوجهين أن وراء بمعنى أمام.
فمعنى ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي أمامه جهنم يصلاها يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أي أمامهم ملك.
وذكرنا هناك الشواهد العربية على إطلاق وراء بمعنى أمام, وبينا أن هذا هو التحقيق في معنى الآية، وكذلك آية الجاثية هذه، فقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي أمامهم جهنم يصلونها يوم القيامة.
стр. 4738
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾.
أوضح فيه أن ما كسبه الكفار في دار الدنيا من الأموال والأولاد لا يغني عنهم شيئًا يوم القيامة، أي لا ينفعهم بشيء، فلا يجلب لهم بسببه نفع ولا يدفع عنهم بسببه ضر، وإنما اتخذوه من الأولياء في دار الدنيا من دون الله، كالمعبودات التي كانوا يعبدونها ويزعمون أنها شركاء لله، لا ينفعهم يوم القيامة أيضًا بشيء.
وهاتان المسألتان اللتان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، قد أوضحهما الله في آيات كثيرة من كتابه.
أما الأولى منهما: وهي كونهم لا يغني عنهم ما كسبوا شيئًا، فقد أوضحها في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَدْ قَالهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاليتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ الآية, وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾، وقوله تعالى في المجادلة: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ
стр. 4739
عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ الآية.
والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا، وقد قدمنا كثيرًا منها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.
وأما الثانية منهما: وهي كونهم لا تنفعهم المعبودات التي اتخذوها أولياء من دون الله، فقد أوضحها تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى في هود: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾، وقوله تعالى ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾، الأولياء: جمع ولي، والمراد بالأولياء هنا: المعبودات
стр. 4740
التي يوالونها بالعبادة من دون الله، (وما) في قوله: ﴿مَا كَسَبُوا﴾ و ﴿مَا اتَّخَذُوا﴾ موصولة، وهي في محل رفع في الموضعين؛ لأن (ما) الأولى فاعل (يغني)، و (ما) الثانية معطوفة عليها، وزيادة (لا) قبل المعطوف على منفي معروفة.
وقوله: ﴿وَلَا يُغْنِي﴾ أي لا ينفع. والظاهر أن أصله من الغناء، بالفتح والمد، وهو النفع.
ومنه قول الشاعر:
وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثًا وواراك لاحدُ
فقوله: "قل غناء" أي قل نفعًا. وقول الآخر:
قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفًا ... قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا
فقوله: "الغناء" أي النفع.
والبيت من شواهد إعمال المصدر المعرف بالألف واللام؛ لأن قوله: "قول الأحبة"، فاعل قوله "الغَناء".
وأما الغِناء، بالكسر والمد، فهو الألحان المطربة.
وأما الغِنى، بالكسر والقصر، فهو ضد الفقر.
وأما الغَنَى، بالفتح والقصر، فهو الإِقامة، من قولهم: غَنِي بالمكان، بكسر النون، يَغنَى، بفتحها، غَنًى، بفتحتين، إذا أقام به.
ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأنهم لم يقيموا فيها.
وأما الغُنَى، بالضم والقصر، فهو جمع غُنْيَة وهي ما يستغني به الإِنسان.
стр. 4741
وأما الغُنَاء، بالمد والضم، فلا أعلمه في العربية.
وهذه اللغات التي ذكرنا في مادة "غني" كنت تلقيتها في أول شبابي في درس من دروس الفقه، لقننيها شيخي الكبير أحمد الأفرم بن محمد المختار الجكني، وذكر لي بيتي رجز في ذلك لبعض أفاضل علماء القطر وهما قوله:
وضد فقر كإلى، وكسحاب ... النفع، والمطرب أيضًا ككتاب
وكفتى إقامة، وكهنا ... جمع لغنية لما به الغنى
• قوله تعالى: ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾ .
الإِشارة في قوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾ راجعة للقرآن العظيم المعبر عنه بآيات الله في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيئًا﴾.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن هذا القرآن هدى، وأن من كفر بآياته له العذاب الأليم، جاء موضحًا في غير هذا الموضع.
أما كون القرآن هدى، فقد ذكره تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، وقوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ
стр. 4742
فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وأما كون من كفر بالقرآن يحصل له بسبب ذلك العذاب الأليم، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.
وقد قدمنا في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ﴾ الآية، وغير ذلك من المواضع، أن الهدى يطلق في القرآن إطلاقًا عامًّا بمعنى أن الهدى هو البيان والإِرشاد وإيضاح الحق، كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ﴾ أي بينا لهم الحق وأوضحناه وأرشدناهم إليه وإن لم يتبعوه، وكقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، وقوله هنا: ﴿هَذَا هُدًى﴾، وأنه يطلق أيضًا في القرآن بمعناه الخاص وهو التفضل بالتوفيق إلى طريق الحق والاصطفاء، كقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد أوضحنا في سورة فصلت أن معرفة إطلاقي الهدى المذكورَين، يزول بها الإِشكال الواقع في آيات من كتاب الله.
والهدى مصدر هداه، على غير قياس، وهو هنا من جنس النعت بالمصدر، وبينا فيما مضى مرارًا أن تنزيل المصدر منزلة الوصف إما على حذف مضاف، وإما على المبالغة.
стр. 4743
وعلى الأول، فالمعنى: هذا القرآن ذو هدى، أي يحصل بسببه الهدى لمن اتبعه، كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
وعلى الثاني، فالمعنى: أن المراد المبالغة في اتصاف القرآن بالهدى حتَّى أطلق عليه أنَّه هو نفس الهدى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: (لهم عذاب من رجز أليم)، أصح القولين فيه أن المراد بالرجز العذاب، ولا تكرار في الآية؛ لأن العذاب أنواع متفاوتة، والمعنى: لهم عذاب من جنس العذاب الأليم، والأليم معناه المؤلم، أي الموصوف بشدة الألم وفظاعته.
والتحقيق إن شاء الله: أن العرب تطلق الفعيل وصفًا بمعنى المُفْعِل، فما يذكر عن الأصمعي من أنَّه أنكر ذلك إن صح عنه فهو غلط منه، لأن إطلاق الفعيل بمعنى المُفْعِل معروف في القرآن العظيم وفي كلام العرب، ومن إطلاقه في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مؤلم، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي مبدعهما، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ الآية، أي منذر لكم، ونظير ذلك من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
فقوله: "الداعي السميع" يعني الداعي المُسْمِع. وقوله أيضًا:
وخيل قد دلفت لها بِخَيلٍ ... تحية بينهم ضرب وجيع
أي موجع. وقول غيلان بن عقبة:
ويرفع من صدور شمردلات ... يصك وجوهها وهج أليم
أي مؤلم.
стр. 4744
وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم: (من رجز أليمٍ) بخفض (أليم) على أنَّه نعت لِـ (رجز).
وقرأه ابن كثير وحفص عن عاصم: (من رجز أليمٌ)، برفع (أليم) على أنَّه نعت لِـ (عذاب).
• قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآية، وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِيِنَ (١٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بنى إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.
• قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٦)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه فضل بني إسرائيل على العالمين.
وذكر هذا المعنى في مواضع أخر من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى
стр. 4745
الْعَالمِينَ (٤٧)﴾ في الموضعين، وقوله في الدخان: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٣٢)﴾، وقوله في الأعراف: ﴿قَال أَغَيرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٤٠)﴾.
ولكن الله جل وعلا بين أن أمة محمد - ﷺ - خير من بني إسرائيل وأكرم على الله، كما صرح بذلك في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية. فَـ (خير) صيغة تفضيل، والآية نص صريح في أنهم خير من جميع الأمم، بني إسرائيل وغيرهم.
ومما يزيد ذلك إيضاحًا حديث معاوية بن حيدة القشيري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال في أمته: "أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله"، وقد رواه عنه الإِمام أحمد والتِّرمِذي وابن ماجة والحاكم، وهو حديث مشهور.
وقال ابن كثير: حسنه التِّرمِذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ولا شك في صحة معنى حديث معاوية بن حيدة المذكور ﵁؛ لأنه يشهد له النص المعصوم المتواتر في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وقوله: ﴿وَسَطًا﴾ أي خيارًا عدولًا.
واعلم أن ما ذكرنا من كون أمة محمد - ﷺ - أفضل من بني إسرائيل كما دلت عليه الآية والحديث المذكوران وغيرهما من الأدلة لا يعارض الآيات المذكورات آنفًا في تفضيل بني إسرائيل؛ لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد - ﷺ - ، والمعدوم في حال عدمه ليس بشيء حتَّى يفضل
стр. 4746
أو يفضل عليه، ولكنه تعالى بعد وجود أمة محمد ﷺ صرح بأنها خير
الأمم.
وهذا واضح؛ لأن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل، إنما يراد به ذكر أحوال سابقة؛ لأنهم في وقت نزول القرآن كفروا به وكذبوا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.
ومعلوم أن الله لم يذكر لهم في القرآن فضلًا إلَّا ما يراد به أنَّه كان في زمنهم السابق لا في وقت نزول القرآن.
ومعلوم أن أمة محمد ﷺ لم تكن موجودة في ذلك الزمن السابق الذي هو ظرف تفضيل بني إسرائيل، وأنها بعد وجودها صرح الله بأنها هي خير الأمم، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ .
نهى الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون.
وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ أنَّه جل وعلا يأمر نبيه محمدًا ﷺ وينهاه، ليشرع بذلك الأمر والنهي لأمته، كقوله هنا: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾.
стр. 4747
ومعلوم أنه ﷺ لا يتبع أهواء الذين لا يعلمون، ولكن النهي المذكور فيه التشريع لأمته، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (١٠)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقد بينا الأدلة القرآنية على أنه ﷺ يخاطب، والمراد به التشريع لأمته، في آية بني إسرائيل المذكورة.
وما تضمنته آية الجاثية هذه، من النهي عن اتباع أهوائهم، جد موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في الشورى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾، وقوله تعالى في الأنعام: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾، وقوله تعالى في القصص: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وقد بين تعالى في قد أفلح المؤمنون أن الحق لو اتبع أهواءهم لفسد العالم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَو اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
والأهواء: جمع هَوَى بفتحتين، وأصله مصدر، والهمزة فيه مبدلة من ياء كما هو معلوم.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ .
قد قدمنا في هذا الكتاب المبارك مرارًا أن الظلم في لغة العرب أصله وضع الشيء في غير موضعه.
стр. 4748
وأن أعظم أنواعه الشرك بالله؛ لأن وضع العبادة في غير من خلق ورزق هو أشنع أنواع وضع الشيء في غير موضعه.
ولذا كثر في القرآن العظيم، إطلاق الظلم بمعنى الشرك، كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾، وقوله تعالى عن لقمان: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾، وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ فسر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بأن معناه: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك.
وما تضمنته آية الجاثية هذه من أن الظالمين بعضهم أولياء بعض، جاء مذكورًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في آخر الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيطَانِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ وقوله ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنَّه ولي المتقين، وهم الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه.
стр. 4749
وذكر في موضع آخر أن المتقين أولياؤه، فهو وليهم وهم أولياؤه؛ لأنهم يوالونه بالطاعة والإِيمان، وهو يواليهم بالرحمة والجزاء، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.
ثم بين المراد بأوليائه في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾، فقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ كقوله في آية الجاثية هذه: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾.
وقد بين تعالى في آيات من كتابه أنَّه ولي المؤمنين، وأنهم أولياؤه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾، وقوله تعالى في الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه بأبسط من هذا.
• قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ .
الإِشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ للقرآن العظيم.
والبصائر جمع بصيرة، والمراد بها البرهان القاطع الذي لا يترك في الحق لبسًا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي على علم ودليل واضح.
والمعنى: أن هذا القرآن براهين قاطعة، وأدلة ساطعة، على أن الله هو المعبود وحده، وأن ما جاء به محمد ﷺ حق.
стр. 4750
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن القرآن بصائر للناس، جاء موضحًا في مواضع أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في أخريات الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾، وقوله تعالى في الأنعام: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيهَا وَمَا أَنَا عَلَيكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾.
وما تضمنته آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة، ذكر تعالى مثله في سورة القصص عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾.
وما تضمنته آية الجاثية هذه من كون القرآن هدى ورحمة جاء موضحًا في غير هذا الموضع.
أما كونه هدى فقد ذكرنا الآيات الموضحة له قريبًا.
وأما كونه رحمة فقد ذكرنا الآيات الموضحة له في الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾، وفي أولها في الكلام على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وفي فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾، وفي الزخرف في الكلام على قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾، أي لأنهم هم المنتفعون به.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي معروف.
وهو أن المبتدأ الذي هو قوله: ﴿هَذَا﴾ اسم إشارة إلى مذكر
стр. 4751
مفرد، والخبر الذي هو (بصائر) جمع مكسر مؤنث.
فيقال: كيف يسند الجمع المؤنث المكسر إلى المفرد المذكر؟
والجواب: أن مجموع القرآن كتاب واحد، تصح الإِشارة إليه بهذا، وهذا الكتاب الواحد يشتمل على براهين كثيرة، فصح إسناد البصائر إليه لاشتماله عليها كما لا يخفى.
• قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .
قد قدمنا الكلام عليه في سورة (ص) في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾.
• قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ .
قد أوضحنا معناه في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ .
قد أوضحنا معناه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ .
ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من إنكار الكفار للبعث بعد الموت، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ
стр. 4752
بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾، وقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾، وقوله تعالى عنهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾، وقوله تعالى عنهم: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وقد قدمنا البراهين القاطعة القرآنية على تكذيبهم في إنكارهم البعث، وبينا دلالتها على أن البعث واقع لا محالة، في سورة البقرة، وسورة النحل، وسورة الحج، وأول سورة الجاثية هذه، وأحلنا على ذلك مرارًا.
وبينا في سورة الفرقان الآيات الموضحة أن إنكار البعث كفر بالله، والآيات التي فيها وعيد منكري البعث بالنار، في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾ .
قد قدمنا الكلام عليه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾.
• قوله تعالى: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ الآية.
قد قدمنا إيضاحه في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾.
стр. 4753
• قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾، وفي غير ذلك من المواضع.
• قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ .
قد أوضحنا معنى قوله: (يستعتبون) في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (فاليوم لا يخرجون منها)، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٦)﴾ .
أتبع الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة حمده جل وعلا بوصفه بأنه رب السماوات والأرض ورب العالمين، وفي ذلك دلالة على أن
стр. 4754
رب السماوات والأرض ورب العالمين، مستحق لكل حمد ولكل ثناء جميل.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾، وقوله تعالى في آخر الزمر: ﴿وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٧٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٥)﴾، وقوله تعالى في أول الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ وقوله تعالى في أول سبأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾، وقوله في أول فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هو الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن له الكبرياء في السماوات والأرض، يعني أنَّه المختص بالعظمة والكمال والجلال والسلطان، في السماوات والأرض؛ لأنه هو معبود أهل السماوات والأرض، الذي يلزمهم تكبيره وتعظيمه، وتمجيده والخضوع والذل له.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾.
فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ معناه أنَّه هو وحده الذي يعظم ويعبد في السماوات والأرض، ويُكَبَّر ويخضع له ويذل.
стр. 4755
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾.
فقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معناه أن له الوصف الأكمل، الذي هو أعظم الأوصاف وأكملها وأجلها في السماوات والأرض.
وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ "أن الله يقول: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما أسكنته ناري".
* * *
стр. 4756
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأحقاف
стр. 4757
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ .
قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة هود، وقدمنا الكلام على قوله: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) في أول سورة الزمر.
• قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
صيغة الجمع في قوله: (خلقنا) للتعظيم.
وقوله: (إلَّا بالحق) أي إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق.
والحق ضد الباطل، ومعنى كون خلقه للسماوات والأرض متلبسًا بالحق: أنَّه خلقهما لحكم باهرة، ولم يخلقهما باطلًا، ولا عبثًا، ولا لعبًا.
فمن الحق الذي كان خلقهما متلبسًا به: إقامة البرهان على أنَّه هو الواحد المعبود وحده جل وعلا، كما أوضح ذلك في آيات كثيرة لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم، كقوله تعالى في البقرة:
стр. 4758
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ ثم أقام البرهان على أنَّه هو الإِله الواحد بقوله بعده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾.
فتلبس خلقه للسماوات والأرض بالحق واضح جدًّا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ بعد قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، لأن إقامة البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلَّا الله هو أعظم الحق.
وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ لأن قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فيه معنى الإِثبات من لا إله إلَّا الله، وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ يتضمن معنى النفي منها على أكمل وجه وأتمه.
وقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلَّا الله، نفيًا وإثباتًا، بخلقه للسماوات والأرض وما بينهما، في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية.
وبذلك تعلم أنَّه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلَّا خلقًا متلبسًا بأعظم الحق، الذي هو إقامة البرهان القاطع على توحيده جل
стр. 4759
وعلا، ومن كثرة الآيات القرآنية الدالة على إقامة هذا البرهان القاطع المذكور على توحيده جل وعلا، علم من استقراء القرآن أن العلامة الفارقة بين من يستحق العبادة وبين من لا يستحقها، هي كونه خالقًا لغيره، فمن كان خالقًا لغيره فهو المعبود بحق، ومن كان لا يقدر على خلق شيء فهو مخلوق محتاج، لا يصح أن يعبد بحال.
فالآيات الدالة على ذلك كثيرة جدًّا، كقوله تعالى في آية البقرة المذكورة آنفًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، فقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مهو يدل على أن المعبود هو الخالق وحده، وقوله تعالى: ﴿جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ الآية. يعني: وخالق كل شيء هو المعبود وحده.
وقد أوضح تعالى هذا في سورة النحل؛ لأنه تعالى لما ذكر فيها البراهين القاطعة على توحيده جل وعلا، في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ أتبع ذلك بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾.
وذلك واضح جدًّا في أن من يخلق غيره هو المعبود، وأن من لا يخلق شيئًا لا يصح أن يعبد.
ولهذا قال تعالى بعده قريبًا منه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾، وقال تعالى في الأعراف: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾، وقال تعالى في الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا
стр. 4760
﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي ومن لا يقدر أن يخلق شيئًا لا يصح أن يكون معبودًا بحال، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾ الآية.
ولما بين تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد، ومن لا يستحق ذلك، قال في صفات من يستحق العبادة: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ وقال في صفات من لا يصح أن يعبد: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الآية.
والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا، وكل تلك الآيات تدل دلالةً واضحةً على أنَّه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق.
وقد بيَّن جل وعلا أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، خلقًا متلبسًا به، تعليمه خلقه أنَّه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.
فلام التعليل في قوله: (لتعلموا) متعلقة بقوله: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ الآية، وبه تعلم أنَّه ما خلق السماوات السبع، والأرضين السبع، وجعل الأمر يتنزل بينهن، إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق.
ومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقًا متلبسًا به، هو تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ
стр. 4761
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
فلام التعليل في قوله: (ليبلوكم) متعلقة بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وبه تعلم أنَّه ما خلقهما إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق.
ونظير ذلك قوله تعالى في أول الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾، وقوله تعالى في أول الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
ومما يوضح أنَّه ما خلق السماوات والأرض إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق، قوله تعالى في آخر الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾.
سواء قلنا: إن معنى (إلَّا ليعبدون) أي لآمرهم بعبادتي فيعبدني السعداء منهم؛ لأن عبادتهم يحصل لهم بها تعظيم الله وطاعته والخضوع له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾.
أو قلنا: إن معنى (إلَّا ليعبدون) أي إلَّا ليقروا لي بالعبودية، ويخضعوا ويذعنوا لعظمتي،؛ لأن المؤمنين يفعلون ذلك طوعًا، والكفار يذعنون لقهره وسلطانه تعالى كرهًا.
ومعلوم أن حكمة الابتلاء والتكليف لا تتم إلَّا بالجزاء على الأعمال.
وقد بين تعالى أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض
стр. 4762
خلقًا متلبسًا به، جزاء الناس بأعمالهم، كقوله تعالى في النجم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾.
فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي هو خالقهما ومن فيهما ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ الآية.
ويوضح ذلك قوله تعالى في يونس: ﴿إِلَيهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾.
ولما ظن الكفار أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، لا لحكمة تكليف وحساب وجزاء، هددهم بالويل من النار، بسبب ذلك الظن السيء، في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾.
وقد نزه تعالى نفسه عن كونه خلق الخلق عبثًا، لا لتكليف وحساب وجزاء، وأنكر ذلك على من ظنه، في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾.
فقوله تعالى: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ﴾ أي تنزه وتعاظم وتقدس عن أن يكون خلقهم لا لحكمة تكليف وبعث، وحساب وجزاء.
وهذا الذي نزه تعالى عنه نفسه، نزهه عنه أولو الألباب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾، فقوله
стр. 4763
عنهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهًا لك عن أن تكون خلقت هذا الخلق باطلًا، لا لحكمة تكليف وبعث وحساب وجزاء.
وقوله جل وعلا في آية الأحقاف هذه: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ﴾، يفهم منه أنَّه لم يخلق ذلك باطلًا، ولا لعبًا ولا عبثًا.
وهذا المفهوم جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إلا بِالْحَقِّ﴾.
وقوله تعالى في آية الأحقاف هذه: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معطوف على قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق، وبتقدير أجل مسمى، أي وقت معين محدد ينتهي إليه أمد السماوات والأرض، وهو يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في أخريات الحجر في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ الآية.
فقوله في الحجر: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ بعد قوله: ﴿إلَّا بِالْحَقِّ﴾ يوضح معنى قوله في الأحقاف: ﴿إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
وقد بين تعالى في آيات من كتابه أن للسماوات والأرض أمدًا ينتهي إليه أمرهما؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾، وقوله تعالى:
стр. 4764
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾ .
ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار معرضون عما أنذرتهم به الرسل، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾، وقوله في يس: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
والإِعراض عن الشيء الصدود عنه، وعدم الإِقبال إليه.
قال بعض العلماء: وأصله من العُرض، بالضم، وهو الجانب؛ لأن المعرض عن الشيء يوليه بجانب عنقه، صادًّا عنه.
والإِنذار: الإِعلام المقترن بتهديد؛ فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذارًا.
وقد أوضحنا معاني الإِنذار في أول سورة الأعراف.
و (ما) في قوله: ﴿عَمَّا أُنْذِرُوْا﴾ قال بعض العلماء: هي موصولة والعائد محذوف، أي الذين كفروا معرضون عن الذي أنذروه، أي خوفوه من عذاب يوم القيامة، وحذف العائد المنصوب بفعل أو وصف مضطرد كما هو معلوم.
وقال بعض العلماء: هي مصدرية، أي والذين كفروا معرضون عن الإِنذار.
ولكليهما وجه.
стр. 4765
• قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ .
قد ذكرنا قريبًا أن قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ﴾ يتضمن البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلَّا الله، وأن العلامة الفارقة بين المعبود بحق وبين غيره هي كونه خالقًا، وأول سورة الأحقاف هذه يزيد ذلك إيضاحًا؛ لأنه ذكر من صفات المعبود بحق أنَّه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، وذكر من صفات المعبودات المعبودات الأخرى التي عبادتها كفر مُخَلِّدٌ في النار أنَّها لا تخلق شيئًا.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي هذه المعبودات التي تعبدونها من دون الله (أروني ماذا خلقوا من الأرض)، فقوله: (أروني)؛ يراد بها التعجيز والمبالغة في عدم خلقهم شيئًا.
وعلى أن ﴿مَا﴾ استفهامية، ﴿وَذَا﴾ موصولة، فالمعنى: أروني ما الذي خلقوه من الأرض، وعلى أن ﴿مَا﴾ و ﴿وَذَا﴾ بمنزلة كلمة واحدة يراد بها الاستفهام، فالمعنى: أروني أي شيء خلقوه من الأرض.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن من لم يخلق شيئًا في الأرض ولم يكن له شرك في السماوات، لا يصح أن يكون معبودًا بحال، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في فاطر: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي