← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

المقابلة؛ لأن المقابلة بين المعبود بحق وبين والد أو ولد هي المقابلة بين الشيء ومساوي نقيضه؛ لأن من يولد أو يولد له لا يمكن أن يكون معبودًا بحق بحال. وإيضاح المنافاة بين الأمرين أنك لو قلت: الإِنسان جسم، لقلت الحق، ولو قلت: المولود له معبود، أو المولود معبود، قلت الباطل الذي هو الكفر البواح. ومما يوضح ما ذكرنا إجماع جميع النظار على أنه إن كانت إحدى مقدمتي الدليل باطلة، وكانت النتيجة صحيحة، أن ذلك لا يكون إلا لأجل خصوص المادة فقط، وأن ذلك الصدق لا عبرة به، فحكمه حكم الكذب، ولا يعتبر إلا الصدق اللازم المضطرد في جميع الأحوال. فلو قلت مثلًا: كل إنسان حجر، وكل حجر جسم؛ لأنتج من الشكل الأول: كل إنسان جسم، وهذه النتيجة في غاية الصدق كما ترى، مع أن المقدمة الصغرى من الدليل التي هي قولك: كل إنسان حجر، في غاية الكذب كما ترى. وإنما صدقت النتيجة لخصوص المادة كما أوضحنا، ولولا ذلك لكانت كاذبة، لأن النتيجة لازم الدليل، والحق لا يكون لازمًا للباطل، فإن وقع شيء من ذلك فلخصوص المادة كما أوضحنا. وبهذا التحقيق تعلم أن الشرط الباطل لا يلزم وتطرد صحة ربطه إلا بجزاء باطل مثله. وما يظنه بعض أهل العلم من أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ

стр. 4692

مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ فهو غلط فاحش، والفرق بين معنى الآيتين شاسع، فَظَنُّ استوائها في المعنى باطل. وإيضاح ذلك: أن قوله تعالى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ الآية، معناه المقصود منه جار على الأسلوب العربي، ولا إيهام فيه؛ لأنا أوضحنا سابقًا أن مدار صدق الشرطية على صحة الربط بين شرطها وجزائها، فهي صادقة ولو كذب طرفاها عند إزالة الربط كما تقدم إيضاحه قريبًا. فربط قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ بقوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ صحيح لا إشكال فيه؛ لأن الشاك في الأمر شأنه أن يسأل العالم به عنه كما لا يخفى، فهي قضية صادقة، مع أن شرطها وجزاءها كلاهما باطل بانفراده، فهي كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فهي شرطية صادقة لصحة الربط بين طرفيها، وإن كان الطرفان باطلين عند إزالة الربط. أما قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ على القول بأن (إن) شرطية لا تمكن صحة الربط بين شرطها وجزائها البتة؛ لأن الربط بين المعبود وبين كونه والدًا أو ولدًا لا يصح بحال. ولذا جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب"، فنفى الطرفين مع أن الربط صحيح، ولا يمكن أن ينفي - ﷺ - هو ولا غيره الطرفين في الآية الأخرى، فلا يقول هو ولا غيره: ليس له ولد ولا أعبده. وعلى كل حال، فالربط بين الشك وسؤال الشاك للعالم أمر

стр. 4693

صحيح، بخلاف الربط بين العبادة وكون المعبود والدًا أو ولدًا فلا يصح. فاتضح الفرق بين الآيتين. وحديثُ: "لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب" رواه قتادة بن دعامة مرسلًا، وبنحوه قال بعض الصحابة، فمن بعدهم، ومعناه صحيح بلا شك. وما قاله الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة يستغربه كل من رآه، لقبحه وشناعته، ولم أعلم أحدًا من الكفار في ما قص الله في كتابه عنهم يتجرأ على مثله أو قريب منه، وهذا مع عدم فهمه لما يقول وتناقض كلامه. وسنذكر هنا كلامه القبيح، للتنبيه على شناعة غلطه الديني واللغوي. قال في الكشاف ما نصه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها، فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه. وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد والإِطناب فيه، وألا يترك للناطق به شبهة إلا مضمحلة، مع الترجمة عن نفسه بإثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالًا مثلها، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة، وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها.

стр. 4694

ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقًا للكفر في القلوب ومعذبًا عليه عذابًا سرمدًا فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله. فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفي أن يكون الله تعالى خالقًا للكفر، وتنزيهه عن ذلك وتقديسه، ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا، مع الدلالة على سماجة المذهب، وضلالة الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته، والإِفصاح عن نفسه بالبراءة منه، وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه. ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير ﵀ للحجاج حين قال له: أما والله لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى: "لو عرفتُ أن ذلك إليك ما عبدت إلهًا غيرك". وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد، المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله، المكذبين قولكم لإِضافة الولد إليه. اهـ. الغرض من كلام الزمخشري. وفي كلامه هذا من الجهل بالله، وشدة الجراءة عليه، والتخبط والتناقض في المعاني اللغوية ما الله عالم به، ولا أظن أن ذلك يخفى على عاقل تأمله. وسنبين لك ما يتضح به ذلك، فإنه أولًا قال: "إن كان للرحمن ولد وصحَّ ذلك ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا

стр. 4695

أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه". فكلامه هذا لا يخفى بطلانه على عاقل؛ لأنه على فرض صحة نسبة الولد إليه، وقيام البرهان الصحيح والحجة الواضحة على أنه له ولد، فلا شك أن ذلك يقتضي أن ذلك الولد لا يستحق العبادة بحال، ولو كان في ذلك تعظيم لأبيه؛ لأن أباه مثله في عدم استحقاق العبادة، والكفر بعبادة كل والد وكل مولود شرط في إيمان كل موحد، فمن أي وجه يكون هذا الكلام صحيحًا؟! أما في اللغة العربية فلا يكون صحيحًا لبتة. وما أظنه يصح في لغة من لغات العجم، فالربط بين هذا الشرط وهذا الجزاء لا يصح بوجه. فمعنى الآية عليه لا يصح بوجه؛ لأن المعلق على المحال لا بد أن يكون محالًا مثله. والزمخشري في كلامه كلما أراد أن يأتي بمثال في الآية خارج عنها اضطر إلى أن لا يعلق على المحال في زعمه إلا محالًا. فضربه للآية المثل بقصة ابن جبير مع الحجاج، دليل واضح على ما ذكرنا وعلى تناقضه وتخبطه. فإنه قال فيها: إن الحجاج قال لسعيد بن جبير: لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى. قال سعيد للحجاج: لو علمت أن ذلك إليك ما عبدت إلهًا غيرك. فهو يدل على أنه علق المحال على المحال، ولو كان غير

стр. 4696

متناقض للمعنى الذي مثل له به الزمخشري لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله. فقوله: لو علمت أن ذلك إليك، في معنى ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾، فنسبة الولد والشريك إليه معناهما في الاستحالة وادعاء النقص واحد. فلو كان سعيد يفهم الآية كفهمك الباطل لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله. ولكنه لم يقل هذا، لأنه ليس له معنى صحيح يجوز المصير إليه. وكذلك تمثيل الزمخشري للآية الكريمة في كلامه القبيح البشع الشنيع الذي يتقاصر عن التلفظ به كل كافر. فقد اضطر فيه أيضًا إلى ألا يعلق على المحال في زعمه إلا محالًا شنيعًا، فإنه قال فيه: "ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقًا للكفر في القلوب ومعذبًا عليه عذابًا سرمدًا فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله". فانظر قول هذا الضال في ضربه المثل في معنى هذه الآية الكريمة بقول الضال الذي يسميه العدلي: إن كان الله خالقًا للكفر في القلوب ... إلخ. فخلق الله للكفر في القلوب وتعذيبه الكفار على كفرهم، مستحيل عنده كاستحالة نسبة الولد لله، وهذا المستحيل في زعمه الباطل، إنما علق عليه أفظع أنواع المستحيل، وهو زعمه الخبيث

стр. 4697

أن الله إن كان خالقًا للكفر في القلوب ومعذبًا عليه فهو شيطان لا إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. فانظر رحمك الله فظاعة جهل هذا الإِنسان بالله، وشدة تناقضه في المعنى العربي للآية. لأنه جعل قوله: "إن كان الله خالقًا للكفر ومعذبًا عليه" بمعنى ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ في أن الشرط فيهما مستحيل، وجعل قوله في الله: "إنه شيطان لا إله" سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، كقول النبي - ﷺ - : أنا أول العابدين. فاللازم لكلامه أن يقول: لو كان خالقًا للكفر فأنا أول العابدين له، ولا يخفى أن الادعاء على الله أنه شيطان مناقض لقوله: (فأنا أول العابدين). وقد أعرضت عن الإِطالة في بيان بطلان كلامه، وشدة ضلاله وتناقضه، لشناعته ووضوح بطلانه، فهي عبارات مزخرفة، وشقشقة لا طائل تحتها، وهي تحمل في طياتها الكفر والجهل بالمعنى العربي للآية، والتناقض الواضح، وكم من كلام ملئ بزخرف القول، وهو عقيم لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، كما قيل: وإني وإني ثم إني وإنني ... إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعا فظل يعمل أيامًا رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء واعلم أن الكلام على القَدَر، وخلق أفعال العباد، قدمنا منه جملًا كافية في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، ولا يخفى تصريح القرآن بأن الله

стр. 4698

خالق كل شيء، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾، وقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيرُ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾. فالإِيمان بالقدر خيره وشره الذي هو من عقائد المسلمين جعله الزمخشري يقتضي أن الله شيطان، سبحان الله وتعالى عما يقوله الزمخشري علوًا كبيرًا، وجزى الزمخشري بما هو أهله. الأمر الرابع: هو دلالة استقراء القرآن العظيم، أن الله تعالى إذا أراد أن يفرض المستحيل ليبين الحق بفرضه، عَلَّقه أولًا بالأداة التي تدل على عدم وجوده وهي لفظة "لو"، ولم يعلق عليه البتة إلا محالًا مثله، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ الآية. وأما تعليق ذلك بأداة لا تقتضي عدم وجوده، كلفظة (إن)، مع كون الجزاء غير مستحيل، فليس معهودًا في القرآن. ومما يوضح هذا المعنى الذي ذكرنا، المحاورة التي ذكرها جماعة من المفسرين، التي وقعت بين النضر بن الحارث والوليد بن المغيرة، وهي وإن كانت أسانيدها غير قائمة فإن معناها اللغوي صحيح. وهي أن النضر بن الحارث كان يقول: الملائكة بنات الله، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ الآية. فقال النضر للوليد بن المغيرة: ألا ترى أنه قد صدقني؟

стр. 4699

فقال الوليد: لا ما صدقك ولكنه يقول: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، أي الموحدين من أهل مكة، المنزهين له عن الولد. فمحاورة هذين الكافرين، العالمين بالعربية، مطابقة لما قررنا؛ لأن النضر قال: إن معنى الآية على أن (إن) شرطية مطابق لما يعتقده الكفار من نسبة الولد إلى الله، وهو معنى محذور، وأن الوليد قال: إن ﴿إِنْ﴾ نافية، وأن معنى الآية على ذلك هو مخالفة الكفار وتنزيه الله عن الولد. وبجميع ما ذكرنا يتضح أن (إن) في الآية الكريمة نافية. وذلك مروي عن ابن عباس والحسن والسدي وقتادة وابن زيد وزهير بن محمد وغيرهم. تنبيه اعلم أن ما قاله ابن جرير وغير واحد من أن القول بأن (إن) نافية يلزمه إيهام المحذور الذي لا يجوز في حق الله. قالوا: لأنه إن كان المعنى: ما كان لله ولد، فإنه لا يدل على نفي الولد إلا في الماضي، فللكفار أن يقولوا: إذا صدقت لم يكن له في الماضي ولد، ولكن الولد طرأ عليه بعد ذلك لما صاهر الجن، وولدت له بناته التي هي الملائكة. وأن هذا المحذور يمنع من الحمل على النفي = لا شك في عدم صحته؛ لدلالة الآيات القرآنية بكثرة على أن هذا الإِيهام لا أثر له، ولو كان له أثر لما كان الله يمدح نفسه بالثناء عليه بلفظة (كان) الدالة على خصوص الزمن في الماضي في نحو قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا

стр. 4700

حَكِيمًا (١٥٨)﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي يصعب حصرها. فإن معنى كل تلك الآيات: أنه كان ولم يزل. فلو كان الكفار يقولون ذلك الذي زعموه، الذي هو قولهم: صدقت، ما كان له ولد في الماضي ولكنه طرأ له، لقالوا مثله في الآيات التي ذكرنا، كأن يقولوا: كان عليمًا حكيمًا في الماضي ولكنه طرأ عليه عدم ذلك، وهكذا في جميع الآيات المذكورة ونحوها. وأيضًا، فإن المحذور الذي زعموه لم يمنع من إطلاق نفي الكون الماضي في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة، ومن أوضحها في محل النزاع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ الآية. ولم يمنع من نفي القرآن للولد في الزمن الماضي في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ فإن الكفار لم يقولوا يومًا ما: صدقت، ما اتخذه في الماضي ولكنه طرأ عليه اتخاذه. وكذلك في قوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، لأن ﴿لَمْ﴾ تنقل المضارع إلى معنى الماضي. والكفار لم يقولوا يومًا: صدقت، لم يتخذ ولدًا في الماضي

стр. 4701

ولكنه طرأ عليه اتخاذه، ولم يقولوا: لم يلد في الماضي ولكنه ولد أخيرًا. والحاصل أن الكفار لم يقروا أن الله منزه عن الولد لا في الماضي ولا في الحال ولا في الاستقبال. ومعلوم أن الولادة المزعومة حدث متجدد. وبذلك تعلم أنما زعموه من إيهام المحذور في كون (إن) في الآية نافية، لا أساس له ولا معول عليه، وأن ما ادعوه من كونها شرطية ليس له معنى في اللغة العربية إلا المعنى المحذور الذي لا يجوز في حق الله بحال. واعلم أن كلام الفخر الرازي في هذه الآية الكريمة الذي يقتضي إمكان صحة الربط بين طرفيها على أنها شرطية، لا شك في غلطه فيه. وأما إبطاله لقول من قال: إن المعنى: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين له والمكذبين لكم في ذلك، فهو إبطال صحيح، وكلامه فيه في غاية الحسن والدقة، وهو يقتضي إبطاله بنفسه لجميع ما كان يقرره في الآية الكريمة. والحاصل أن كون معنى (إن) في الآية الكريمة هو النفي، لا إشكال فيه ولا محذور ولا إيهام، وأن الآيات القرآنية تشهد له لكثرة الآيات المطابقة لهذا المعنى في القرآن. وأما كون معنى الآية الشرط والجزاء فلا يصح له معنى غير محذور في اللغة، وليس له في كتاب الله نظير، لإِجماع أهل اللسان العربي على اختلاف المعنى في التعليق بإن، والتعليق بلو.

стр. 4702

لأن التعليق بلو يدل على عدم الشرط، وعدم الشرط استلزم عدم المشروط، بخلاف إن، فالتعليق بها يدل على الشك في وجود الشرط، بلا نزاع، وما خرج عن ذلك من التعليق بها مع العلم بوجود الشرط أو العلم بنفيه، فأسباب أخر، وأدلة خارجة، ولا يجوز حملها على أحد الأمرين المذكورين إلا بدليل منفصل، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. تنبيه اعلم أن ما ذكرنا من أن (لو) تقتضي عدم وجود الشرط، وأن (إن) تقتضي الشك فيه، لا يرد عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ﴾ الآية، كما أشرنا له قريبًا؛ لأن التحقيق أن الخطاب في قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ خطاب للنبي - ﷺ - ، والمراد به من يمكن أن يشك في ذلك من أمته. وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية، دلالة القرآن الصريحة على أنه - ﷺ - يتوجه إليه الخطاب من الله والمراد به التشريع لأمته، ولا يراد هو - ﷺ - البتة بذلك الخطاب. وقدمنا هناك أن من أصرح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ الآية، فالتحقيق أن الخطاب له - ﷺ - والمراد أمته لا هو نفسه؛ لأنه هو المشرع لهم بأمر الله. وإيضاح ذلك أن معنى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ أي إن يبلغ عندك الكبر يا نبي الله والداك أو أحدهما فلا تقل لهما أفٍّ.

стр. 4703

ومعلوم أن أباه مات وهو حمل، وأمة ماتت وهو في صباه، فلا يمكن أن يكون المراد: إن يبلغ الكبر عندك هما أو أحدهما، والواقع أنهما قد ماتا قبل ذلك بأزمان. وبذلك يتحقق أن المراد بالخطاب غيره من أمته الذي يمكن إدراك والديه أو أحدهما الكبر عنده. وقد قدمنا أن مثل هذا أسلوب عربي معروف، وأوردنا شاهدًا لذلك رجز سهل بن مالك الفزاري في قوله: يا أخت خير البدو والحضارة ... كيف ترين في فتى فزارة أصبح يهوى حرة معطارة ... إياك أعني واسمعي يا جارة وقد بسطنا القصة هناك، وبينا أن قول من قال: إن الخطاب في قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ الآية، لكل من يصح خطابه من أمته - ﷺ - لا له هو نفسه، باطل، بدليل قوله تعالى بعده في سياق الآيات: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ الآية. والحاصل أن آية ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ﴾ الآية، لا ينقض بها الضابط الذي ذكرنا؛ لأنها كقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾، ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. ومعلوم أنه هو - ﷺ - لا يفعل شيئًا من ذلك البتة، ولكنه يؤمر وينهى ليشرع لأمته على لسانه. وبذلك تعلم اطراد الضابط الذي ذكرنا في لفظة (لو)، ولفظة (إن)، وأنه لا ينتقض بهذه الآية.

стр. 4704

هذا ما ظهر لنا في هذه الآية الكريمة، ولا شك أنه لا محذور فيه ولا غرر ولا إيهام، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾ . قد قدمنا معنى لفظة (سبحان) وما تدل عليه من تنزيه الله عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وإعراب لفظة (سبحان) مع بعض الشواهد العربية، في أول سورة بني إسرائيل. ولما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ الآية، نزه نفسه تنزيهًا تامًّا عما يصفونه به من نسبة الولد إليه، مبينًا أن رب السماوات والأرض ورب العرش جدير بالتنزيه عن الولد، وعن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنه لما ذكر وصف الكفار له بما لا يليق به، نزه نفسه عن ذلك، معلمًا خلقه في كتابه أن ينزهوه عن كل ما لا يليق به، جاء مثله موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 4705

• قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ . قد بينا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ﴾ الآية، وفي الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾، وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.

стр. 4706

• قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة، في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. • قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ . قرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمر، والكسائي: (وقيلَهُ) بفتح اللام وضم الهاء، وقرأه عاصم وحمزة: (وقيلِهِ) بكسر اللام والهاء. قال بعض العلماء: إعرابه بأنه عطف محل على (الساعة)؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ مصدر مضاف إلى مفعوله، فلفظ (الساعة) مجرور لفظًا بالإِضافة، منصوب محلًّا بالمفعولية، وما كان كذلك جاز في تابعه النصب نظرًا إلى المحل، والخفض نظرًا إلى اللفظ، كما قال في الخلاصة: وجر ما يتبع ما جر ومن ... راعى في الاتباع المحل فحسن وقال في نظيره في الوصف: واخفض أو انصب تابع الذي انخفض ... كمبتغي جاه ومالًا من نهض وقال بعضهم: هو معطوف على (سرهم). وعليه فالمعنى: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، وقيله يا رب، الآية. وقال بعضهم: هو منصوب على أنه مفعول مطلق.

стр. 4707

أي: وقال قيله، وهو بمعنى قوله، إلا أن القاف لما كسرت أبدلت الواو ياء لمجانسة الكسرة. قالوا: ونظير هذا الإِعراب قول كعب بن زهير: تمشي الوشاة جنابيها وقيلهم ... إنك يا بن أبي سلمى لمقتول أي ويقولون قيلهم. وقال بعضهم: هو منصوب بِـ (يعلم) محذوفة؛ لأن العطف الذي ذكرنا على قوله: (سرهم)، والعطف على (الساعة) يقال فيه: إنه يقتضي الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يصلح، لكونه اعتراضًا، وتقدير الناصب إذا دل المقام عليه لا إشكال فيه، كما قال في الخلاصة: ويحذف الناصبها إنْ عُلِما ... وقد يكون حذفه ملتزما وأما على قراءة الخفض، فهو معطوف على (الساعة)، أي وعنده علم الساعة، وعلم قيله يا رب. واختار الزمخشري أنه مخفوض بالقسم، ولا يخفى بعده كما نبه عليه أبو حيان. والتحقيق أن الضمير في (قيله) للنبي - ﷺ - . والدليل على ذلك أن قوله بعد: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ خطاب له - ﷺ - بلا نزاع، فادعاء أن الضمير في (قيله) لعيسى لا دليل عليه ولا وجه له. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من شكواه - ﷺ - إلى ربه عدم إيمان قومه، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾، وذكر مثله

стр. 4708

عن موسى في قوله تعالى في الدخان: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾، وعن نوح في قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إلا فِرَارًا (٦)﴾ إلى آخر الآيات. • قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . قرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (فسوف يعلمون) بياء الغيبة، وقرأ نافع وابن عامر (فسوف تعلمون) بتاء الخطاب. وهذه الآية الكريمة تضمنت ثلاثة أمور: الأول: أمره ﷺ بالصفح عن الكفار. والثاني: أن يقول لهم سلام. والثالث: تهدد الكفار بأنهم سيعلمون حقيقة الأمر وصحة ما يوعد به الكافر من عذاب النار. وهذه الأمور الثلاثة جاءت موضحة في غير هذا الموضع: كقوله تعالى في الأول: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾. والصفح: الإِعراض عن المؤاخذة بالذنب. قال بعضهم: وهو أبلغ من العفو. قالوا: لأن الصفح أصله مشتق من صفحة العنق، فكأنه يولي المذنب بصفحة عنقه، معرضًا عن عتابه، فما فوقه.

стр. 4709

وأما الأمر الثاني، فقد بين تعالى أنه هو شأن عباده الطيبين، ومعلوم أنه - ﷺ - سيدهم، كما قال تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾، وقال عن إبراهيم أنه لمَّا قال له أبوه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾، قال له: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾. ومعنى السلام في الآيات المذكورة، إخبارهم بسلامة الكفار من أذاهم، ومن مجازاتهم لهم بالسوء، أي سلمتم منا، لا نسافهكم ولا نعاملكم بمثل ما تعاملوننا. وأما الأمر الثالث الذي هو تهديد الكفار بأنهم سيعلمون الحقيقة، فقد جاء موضحًا في آيات كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾، وقوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ (٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وكثير من أهل العلم يقول: إن قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ وما في معناه، منسوخ بآيات السيف، وجماعات من المحققين يقولون: هو ليس بمنسوخ. والقتال في المحل الذي يجب فيه القتال، والصفح عن الجهلة والإِعراض عنهم، وصف كريم، وأدب سماوي، لا يتعارض مع ذلك، والعلم عند الله تعالى.

стр. 4710

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الدخان

стр. 4711

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ . أبهم تعالى هذه الليلة المباركة هنا، ولكنه بين أنها هي ليلة القدر في قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾، وبين كونها ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ المذكورة هنا في قوله تعالى: ﴿لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ إلى آخر السورة. فقوله: ﴿فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي كثيرة البركات والخيرات. ولا شك أن ليلة هي خير من ألف شهر، إلى آخر الصفات التي وصفت بها في سورة القدر، كثيرة البركات والخيرات جدًّا. وقد بين تعالى أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان، في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فدعوى أنها ليلة النصف من شعبان، كما روي عن عكرمة وغيره، لا شك في أنها دعوى باطلة؛ لمخالفتها لنص القرآن الصريح. ولا شك، كل ما خالف الحق فهو باطل. والأحاديث التي يوردها بعضهم في أنها من شعبان، المخالفة

стр. 4712

لصريح القرآن، لا أساس لها، ولا يصح سند شيء منها، كما جزم به ابن العربي وغير واحد من المحققين. فالعجب كل العجب من مسلم يخالف نص القرآن الصريح بلا مستند كتاب ولا سنة صحيحة. • قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ . معنى قوله: (يفرق) أي يفصل ويبين، ويكتب في الليلة المباركة، التي هي ليلة القدر، ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي ذي حكمة بالغة؛ لأن كل ما يفعله الله مشتمل على أنواع الحكم الباهرة. وقال بعضهم: ﴿حَكِيمٍ﴾ أي محكم، لا تغيير فيه ولا تبديل. وكلا الأمرين حق؛ لأن ما سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل؛ ولأن جميع أفعاله في غاية الحكمة، وهي في الاصطلاح: وضع الأمور في مواضعها وإيقاعها في مواقعها. وإيضاح معنى الآية أن الله ﵎ في كل ليلة قدر من السنة يبين للملائكة ويكتب لهم بالتفصيل والإِيضاح جميع ما يقع في تلك السنة، إلى ليلة القدر من السنة الجديدة. فتبين في ذلك الآجال والأرزاق، والفقر والغنى، والخصب والجدب، والصحة والمرض، والحروب والزلازل، وجميع ما يقع في تلك السنة كائنًا ما كان. قال الزمخشري في الكشاف: ومعنى (يفرق): يفصل ويكتب

стр. 4713

كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم فيها، إلى الأخرى القابلة، إلى أن قال: فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبرائيل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. اهـ محل الغرض منه بلفظه. ومرادنا بيان معنى الآية، لا التزام صحة دفع النسخ المذكورة للملائكة المذكورين؛ لأنا لم نعلم له مستندًا. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، يدل أيضًا على أن الليلة المباركة هي ليلة القدر، فهو بيان قرآني آخر. وإيضاح ذلك أن معنى قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ أي في ليلة التقدير لجميع أمور السنة، من رزق، وموت وحياة وولادة، ومرض وصحة، وخصب وجدب، وغير ذلك من جميع أمور السنة. قال بعضهم: حتى إن الرجل لينكح ويتصرف في أموره ويولد له، وقد خرج اسمه في الموتى في تلك السنة. وعلى هذا التفسير الصحيح لليلة القدر، فالتقدير المذكور هو بعينه المراد بقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾. وقد قدمنا في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أن قَدَر، بفتحِ الدال مخففًا، يقدُر ويقدِر، بالكسر والضم، كيضرِب وينصُر، قدرًا، بمعنى قدَّر تقديرًا، وأن ثعلبًا أنشد لذلك قول الشاعر: فليست عشيات الحمى برواجع ... لنا أبدًا ما أورق السلم النضر

стр. 4714

ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر وبينا هناك، أن ذلك هو معنى ليلة القدر؛ لأن الله يقدر فيها وقائع السنة. وبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾، وأوضحنا هناك أن القَدَر بفتح الدال، والقَدْر بسكونها، هما ما يقدره الله من قضائه، ومنه قول هدبة بن الخشرم: ألا يا لقومي للنوائب والقدر ... وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدرى واعلم أن قول من قال: إنما سميت ليلة القدر لعظمها وشرفها على غيرها من الليالي، من قولهم: فلان ذو قدر، أي ذو شرف ومكانة رفيعة، لا ينافي القول الأول؛ لاتصافها بالأمرين معًا، وصحةِ وصفها بكل منهما، كما أوضحنا مثله مرارًا. واختلف العلماء في إعراب قوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾: قال بعضهم: هو مصدر منكر في موضع الحال، أي أنزلناه في حال كوننا آمرين به. وممن قال بهذا الأخفش. وقال بعضهم: هو ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، وجعل (أمرًا) بمعنى: إنزالًا. وممن قال به المبرد. وقال بعضهم: هو ما ناب عن المطلق من (يفرق)، فجعل (أمرًا) بمعنى فرقًا، أو فرقًا بمعنى (أمرًا). وممن قال بهذا الفراء والزجاج.

стр. 4715

وقال بعضهم هو حال من (أمر) أي: يفرق فيها بين كل أمر حكيم، في حال كونه أمرًا من عندنا. وهذا الوجه جيد ظاهر، وإنما ساغ إتيان الحال من النكرة وهي متأخرة عنها؛ لأن النكرة التي هي (أمر) وصفت بقوله: ﴿حَكِيمٍ (٤)﴾ كما لا يخفى. وقال بعضهم: (أمرًا) مفعول به لقوله: ﴿مُنْذِرِينَ (٣)﴾. وقيل غير ذلك. واختار الزمخشري أنه منصوب بالاختصاص، فقال: جعل كل أمر جزلًا فخمًا بأن وصفه بالحكيمِ، ثم زاده جزالة وأكسبه فخامة بأن قال: أعني بهذا الأمر أمرًا حاصلًا من عندنا، كائنًا من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا. وهذا الوجه أيضًا ممكن، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ الآية، وفي سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ . هذا الذي ادعوه على النبي ﷺ افتراء، من أنه معلَّم، يعنون أن القرآن علمه إياه بشر، وأنه ﷺ مجنون، قد بينا الآيات الموضحة لإِبطاله.

стр. 4716

أما دعواهم أنه معلَّم فقد قدمنا الآيات الدالة على تلك الدعوى في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾. وبينا الآيات الموضحة لافترائهم وتعنتهم في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾، وفي الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ الآية. وأما دعواهم أنه مجنون، فقد قدمنا الآيات الموضحة لها ولإِبطالها في سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ . الرسول الكريم هو موسى، والآيات الدالة على أن موسى هو الذي أرسل لفرعون وقومه كثيرة ومعروفة. وقوله: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ﴾ أي سلموا إليَّ ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ يعني بني إسرائيل، وأرسلوهم معي. فقوله: ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ مفعول به لقوله: ﴿أَدُّوا﴾. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن موسى طلب فرعون أن

стр. 4717

يسلم له بني إسرائيل ويرسلهم معه جاء موضحًا في آيات أخر، مصرح فيها بأن عباد الله هم بنو إسرائيل، كقوله تعالى في طه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾، وقوله تعالى في الشعراء: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ الآية. والتحقيق أن (أنْ) في قوله: ﴿أَنْ أَدُّوا﴾ هي المفسرة، لأن مجيء الرسول يتضمن معنى القول، لا المخففة من الثقيلة، وأن قوله: ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ مفعول به كما ذكرنا وكما أوضحته آية طه وآية الشعراء، لا منادى مضاف. • قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ الآية. قد قدمنا الكلام عليه في سورة المؤمن في الكلامِ على قوله تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾. • قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ . لم يبين هنا من هؤلاء القوم الذين أورثهم ما ذكره هنا، ولكنه بين في سورة الشعراء أنهم بنو إسرائيل، وذلك في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الآية، كما تقدم في الترجمة، وفي الأعراف. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ . ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه نجى

стр. 4718

بني إسرائيل من العذاب المهين الذي كان يعذبهم به فرعون وقومه، جاء موضحًا في آيات أخر، مصرح فيها بأنواع العذاب المذكور، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾، وقوله في الأعراف: ﴿وَإِذْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى في المؤمن: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية، وقوله تعالى في إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية، وقوله في الشعراء: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾، فتعبيده إياهم من أنواع عذابه لهم، إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أن فرعون كان عاليًا من المسرفين، أوضحه أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في يونس: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾، وقوله تعالى في أول القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾.

стр. 4719

وقد تركنا إحالات متعددة بينا فيها بعض آيات سورة الدخان هذه خشية الإِطالة بكثرة الإِحالة. • قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة في سورة مريم في الكلام على قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ الآية. * * *

стр. 4720

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الجاثية

стр. 4721

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة من أول سورة الجاثية ستة براهين من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده تعالى. الأول منها: خلقه السماوات والأرض. الثاني: خلقه الناس. الثالث: خلقه الدواب. الرابع: اختلاف الليل والنهار. الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به. السادس: تصريف الرياح. وذكر أن هذه الآيات والبراهين، إنما ينتفع بها المؤمنون

стр. 4722

الموقنون، الذين يعقلون عن الله حججه وآياته، فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم. ولذا قال: ﴿لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾، ثم قال: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾، ثم قال: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾. وهذه البراهين الستة المذكورة في أول هذه السورة الكريمة، جاءت موضحة في آيات كثيرة جدًّا كما هو معلوم. أما الأول منها: وهو خلقه السماوات والأرض، المذكور في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾، فقد جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الروم والشورى، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾، إلى قوله: ﴿وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا معروفة. وأما الثاني منها: وهو خلقه الناس، المذكور في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾، وقوله:

стр. 4723

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى عن نبيه نوح: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾، وقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة ومعلومة. وأما الثالث منها: وهو خلقه الدواب، المذكور في قوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾، فقد جاء أيضًا موضحًا في آيات كثيرة أيضًا من كتاب الله، كقوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ , وقوله تعالى في البقرة: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة ومعلومة. وأما الرابع منها: وهو اختلاف الليل والنهار، المذكور في قوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، فقد جاء موضحًا أيضًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾، وقوله تعالى في فصلت: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ الآية، وقوله

стр. 4724

تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ اللَّيلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وأما الخامس منها وهو: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به وإنبات الرزق فيها، المذكور في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، فقد جاء موضحًا أيضًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ إلى قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾. وإيضاح هذا البرهان باختصار أن قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ أمر من الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه، كالخبز الذي يأكله ويعيش به: من خلق الماء الذي كان سببًا لنباته؟ هل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟ الجواب: لا. ثم هب أن الماء قد خلق بالفعل، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله إلى الأرض، على هذا الوجه الذي يحصل به النفع من غير

стр. 4725

ضرر، بإنزاله على الأرض رشًا صغيرًا، حتى تروى به الأرض تدريجًا، من غير أن يحصل به هدم ولا غرق، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؟ الجواب: لا. ثم هب أن الماء قد خلق فعلًا، وأنزل في الأرض على ذلك الوجه الأتم الأكمل، هل يقدر أحد غير الله أن يشق الأرض، ويخرج منها مسار (١) النبات؟ الجواب: لا. ثم هب أن النبات خرج من الأرض، وانشقت عنه، فهل يقدر أحد غير الله أن يخرج السنبل من ذلك النبات؟ الجواب: لا. ثم هب أن السنبل خرج من النبات فهل يقدر أحد غير الله أن ينمي حبه وينقله من طور إلى طور حتى يدرك ويكون صالحًا للغذاء والقوت؟ الجواب: لا. وقد قال تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. واعلم أن إطلاقه تعالى الرزق على الماء، في آية الجاثية هذه،

стр. 4726

قد أوضحنا وجهه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ الآية. وأما السادس منها: وهو تصريف الرياح، المذكور في قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ فقد جاء موضحًا أيضًا في آيات من كتاب الله كقوله في البقرة: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه اعلم أن هذه البراهين العظيمة المذكورة في أول سورة الجاثية هذه، ثلاثة منها من براهين البعث التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث كثرة مستفيضة. وقد أوضحناها في مواضع من هذا الكتاب المبارك، في سورة البقرة وسورة النحل وغيرهما، وأحلنا عليها مرارًا كثيرة في هذا الكتاب المبارك، وسنعيد طرفًا منها هنا لأهميتها إن شاء الله تعالى. والأول من البراهين المذكورة: هو خلق السماوات والأرض المذكور هنا في سورة الجاثية هذه: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾؛ لأن خلقه جل وعلا للسماوات والأرض، من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر لا شك في قدرته على خلق الأضعف الأصغر. والآيات الدالة على هذا كثيرة، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ أي ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق الأصغر، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ

стр. 4727

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾. ونظير آية النازعات هذه قوله تعالى في أول الصافات: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ الآية؛ لأن قوله: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يشير به إلى خلق السماوات والأرض وما ذكر معهما، المذكور في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾. وأما الثاني من البراهين المذكورة: فهو خلقه تعالى للناس المرة الأولى؛ لأن من ابتدع خلقهم على غير مثال سابق، لا شك في قدرته على إعادة خلقهم مرة أخرى، كما لا يخفى. والاستدلال بهذا البرهان على البعث كثير جدًّا في كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ إلى آخر الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ

стр. 4728

أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤)﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾ يعني أي شيء يحملك على التكذيب بالدين أي بالبعث والجزاء، وقد علمت أني خلقتك الخلق الأول في أحسن تقويم، وأنت تعلم أنه لا يخفى على عاقل أن من ابتدع الإِيجاد الأول لا شك في قدرته على إعادته مرة أخرى، إلى غير ذلك من الآيات. وأما البرهان الثالث منها: وهو إحياء الأرض بعد موتها، المذكور في قوله تعالى في سورة الجاثية هذه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، فإنه يكثر الاستدلال به أيضًا على البعث في القرآن العظيم، لأن من أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأن الجميع إحياء بعد موت. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا وَأَنَّ

стр. 4729

اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ , وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾. فقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي نبعثهم من قبورهم أحياء كما أخرجنا تلك الثمرات بعد عدمها، وأحيينا بإخراجها ذلك البلد الميت، وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ يعني تخرجون من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ﴾ . أشار جل وعلا لنبيه ﷺ إلى آيات هذا القرآن العظيم، وبين لنبيه أنه يتلوها عليه متلبسة بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وما ذكره جل وعلا في آية الجاثية هذه، ذكره في آيات أخر بلفظه، كقوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ (١٠٨)﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ﴾ بمعنى هذه.

стр. 4730

ومن أساليب اللغة العربية إطلاق الإشارة إلى البعيد على الإِشارة إلى القريب، كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بمعنى هذا الكتاب، كما حكاه البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، ومن شواهده قول خفاف بن ندبة السلمي: فإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدًا على عيني تيممت مالكا أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافًا إنني أنا ذالكا يعني أنا هذا. وقد أوضحنا هذا المبحث وذكرنا أوجهه في كتابنا (دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في أول سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا﴾ أي نقرؤها عليك. وأسند جل وعلا تلاوتها إلى نفسه؛ لأنها كلامه الذي أنزله على رسوله بواسطة الملك، وأمر الملك أن يتلوه عليه مبلغًا عنه جل وعلا. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩)﴾. فقوله: (فإذا قرأناه) أي قرأه عليك الملك المرسل به من قبلنا مبلغًا عنا، وسمعته منه، (فاتبع قرآنه) أي فاتبع قراءته واقرأه كما سمعته يقرؤه. وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ﴾. وسماعه - ﷺ - القرآن من الملك المبلغ عن الله كلام الله وفهمه له هو معنى تنزله إياه على قلبه في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ
следующие страницы →