← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

تعلم أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم، قائلين إنه يفهم من هذه الآية، من أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وأن جزاء إيمانهم وإجابتهم داعي الله هو الغفران وإجارتهم من العذاب الأليم فقط، كما هو نص الآية، كله خلاف التحقيق. وقد أوضحنا ذلك في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب" في الكلام على هذه الآية من سورة الأحقاف، فقلنا فيه ما نصه: هذه الآية يفهم من ظاهرها، أن جزاء المطيع من الجن غفران ذنوبه، وإجارته من عذاب أليم، لا دخوله الجنة. وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإِمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بظاهر هذه الآية، فقالوا إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة، مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾؛ لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس، بقوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾. ويستأنس لهذا بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾، فإنه يشير إلى أن في الجنة جنًا يطمثون النساء كالإِنس. والجواب عن هذا: أن آية الأحقاف نُصَّ فيها على الغفران والإِجارة من العذاب، ولم يُتَعَرَّض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾. وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم،

стр. 4797

فقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾، يعم كل خائف مقام ربه، ثم صرح بشمول ذلك للجن والإِنس معًا بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾. فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه، أي نعمه على الإِنس والجن، فلا تعارض بين الآيتين؛ لأن إحداهما بينت ما لم تعرض له الأخرى. ولو سلمنا أن قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ يفهم منه عدم دخولهم الجنة، فإنه إنما يدل عليه بالمفهوم، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ يدل على دخولهم الجنة بعموم المنطوق. والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول. ولا يخفى أنا إذا أردنا تحقيق هذا المفهوم المدعى وجدناه معدومًا من أصله؛ للإِجماع على أن قسمة المفهوم ثنائية، إما أن يكون مفهوم موافقة أو مخالفة ولا ثالث. ولا يدخل هذا المفهوم المدعى في شيء من أقسام المفهومين. أما عدم دخوله في مفهوم الموافقة بقسميه فواضح. وأما عدم دخوله في شيء من أنواع مفهوم المخالفة؛ فلأن عدم دخوله في مفهوم الحصر أو الغاية أو العدد أو الصفة أو الظرف، واضح. فلم يبق من أنواع مفهوم المخالفة يتوهم دخوله فيه إلا مفهوم الشرط أو اللقب، وليس داخلًا في واحد منهما. فظهر عدم دخوله فيه أصلًا.

стр. 4798

أما وجه توهم دخوله في مفهوم الشرط؛ فلأن قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ فعل مضارع مجزوم بكونه جزاء الطلب. وجمهور علماء العربية على أن الفعل إذا كان كذلك فهو مجزوم بشرط مقدر، لا بالجملة قبله، كما قيل به. وعلى الصحيح الذي هو مذهب الجمهور، فتقرير المعنى: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ إن تفعلوا ذلك يغفر لكم، فيتوهم في الآية مفهوم هذا الشرط المقدر. والجواب عن هذا: أن مفهوم الشرط عند القائل به، إنما هو في فعل الشرط لا في جزائه، وهو معتبر هنا في فعل الشرط على عادته، فمفهوم أن تجيبوا داعي الله وتؤمنوا به يغفر لكم، أنهم إن لم يجيبوا داعي الله ولم يؤمنوا به لم يغفر لهم، وهو كذلك. أما جزاء الشرط فلا مفهوم له؛ لاحتمال أن تترتب على الشرط الواحد مشروطات كثيرة، فيذكر بعضها جزاء له فلا يدل على نفي غيره، كما لو قلت لشخص مثلًا: إن تسرق يجب عليك غرم ما سرقت. فهذا الكلام حق، ولا يدل على نفي غير الغرم كالقطع؛ لأن قطع اليد مرتب أيضًا على السرقة كالغرم. وكذلك الغفران، والإِجارة من العذاب، ودخول الجنة، كلها مرتبة على إجابة داعي الله والإِيمان به، فذكر في الآية بعضها وسكت فيها عن بعض، ثم بين في موضع آخر، وهذا لا إشكال فيه. وأما وجه توهم دخوله في مفهوم اللقب؛ فلأن اللقب في

стр. 4799

اصطلاح الأصوليين هو ما لم يمكن انتظام الكلام العربي دونه، أعني المسند إليه، سواء كان لقبًا أو كنية أو اسمًا أو اسم جنس أو غير ذلك. وقد أوضحنا اللقب غاية في المائدة. والجواب عن عدم دخوله في مفهوم اللقب: أن الغفران والإِجارة من العذاب، المدعى بالفرض أنهما لقبان لجنس مصدريهما، وأن تخصيصهما بالذكر يدل على نفي غيرهما في الآية، سندان لا مسند إليهما؛ بدليل. أن المصدر فيهما كامن في الفعل، ولا يستند إلى الفعل إجماعًا ما لم يرد مجرد لفظه على سبيل الحكاية. ومفهوم اللقب عند القائل به إنما هو فيما إذا كان اللقب مسندًا إليه؛ لأن تخصيصه بالذكر عند القائل به يدل على اختصاص الحكم به دون غيره، وإلا لما كان للتخصيص بالذكر فائدة، كما عللوا به مفهوم الصفة. وأجيب من جهة الجمهور: بأن اللقب ذكر ليمكن الحكم لا لتخصيصه بالحكم، إذ لا يمكن الإِسناد بدون مسند إليه. ومما يوضح ذلك: أن مفهوم الصفة الذي حمل عليه اللقب عند القائل به إنما هو في المسند إليه لا في المسند؛ لأن المسند إليه هو الذي تراعى أفراده وصفاتها، فيقصد بعضها بالذكر دون بعض، فيختص الحكم بالمذكور. أما المسند، فإنه لا يراعى فيه شيء من الأفراد والأوصاف أصلًا، وإنما يراعى فيه مجرد الماهية التي هي الحقيقة الذهنية.

стр. 4800

ولو حكمت مثلًا على الإِنسان بأنه حيوان، فإن المسند إليه الذي هو الإِنسان في هذا المثال يقصد به جميع أفراده؛ لأن كل فرد منها حيوان، بخلاف المسند الذي هو الحيوان في هذا المثال فلا يقصد به إلا مطلق ماهيته وحقيقته الذهنية من غير مراعاة الأفراد؛ لأنه لو روعيت أفراده لاستلزم الحكم على الإِنسان بأنه فرد آخر من أفراد الحيوان كالفرس مثلًا. والحكم بالمباين على المباين باطل إذا كان إيجابيًّا، باتفاق العقلاء. وعامة النظار على أن موضوع القضية إذا كانت غير طبيعية يراعى فيه ما يصدق عليه عنوانها من الأفراد باعتبار الوجود الخارجي إن كانت خارجية أو الذهني إن كانت حقيقية، وأما المحمول من حيث هو فلا تراعى فيه الأفراد البتة، وإنما يراعى فيه مطلق الماهية. ولو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن مثل هذه الآية يدخل في مفهوم اللقب، فجماهير العلماء على أن مفهوم اللقب لا عبرة به، وربما كان اعتباره كفرًا، كما لو اعتبر معتبر مفهوم اللقب في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ فقال: يفهم من مفهوم لقبه أن غير محمد - ﷺ - لم يكن رسول الله، فهذا كفر بإجماع المسلمين. فالتحقيق أن اعتبار مفهوم اللقب لا دليل عليه شرعًا ولا لغة ولا عقلًا، سواء كان اسم جنس، أو اسم عين، أو اسم جمع، أو غير ذلك. فقولك: جاء زيد، لا يفهم منه عدم مجيء عمرو.

стр. 4801

وقولك: رأيت أسدًا، لا يفهم منه عدم رؤيتك لغير الأسد. والقول بالفرق بين اسم الجنس فيعتبر، واسم العين فلا يعتبر، لا يظهر. فلا عبرة بقول الصيرفي وأبي بكر الدقاق وغيرهما من الشافعية، ولا بقول ابن خويز منداد وابن القصار من المالكية، ولا بقول بعض الحنابلة، باعتبار مفهوم اللقب؛ لأنه لا دليل على اعتباره عند القائل به، إلا أنه يقول: لو لم يكن اللقب مختصًّا بالحكم لما كان لتخصيصه بالذكر فائدة، كما علل به مفهوم الصفة؛ لأن الجمهور يقولون: ذُكِرَ اللقبُ لِيُسْنَدَ إليه، وهو واضح لا إشكال فيه. وأشار صاحب مراقي السعود إلى تعريف اللقب بالاصطلاح الأصولي وأنه أضعف المفاهيم بقوله: أضعفها اللقب وهو ما أُبِي ... من دونه نظم الكلام العربي وحاصل فقه هذه المسألة: أن الجن مكلفون على لسان نبينا - ﷺ - ، بدلالة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وأن كافرهم في النار بإجماع المسلمين، وهو صريح قوله تعالى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأن مؤمنيهم اختلف في دخولهم الجنة، ومنشأ الخلاف الاختلاف في فهم الآيتين المذكورتين، والظاهر دخولهم الجنة كما بينا، والعلم عند الله تعالى. اهـ. بلفظه.

стр. 4802

• قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية، وأنها من الآيات الدالة على البعث، في البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع، وأحلنا على ذلك مرارًا. والباء في قوله: ﴿بِقَادِرٍ﴾ يسوغه أن النفي متناول لأن فما بعدها، فهو في معنى: أليس الله بقادر؟ ويوضح ذلك قوله بعد: (بلى) مقررًا لقدرته على البعث وغيره. • قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ . اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافًا كثيرًا. وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب والشورى، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله ﷺ أن يصبر كما صبروا أربعة فصار هو ﷺ خامسهم. واعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن لفظة (من) في قوله: (من الرسل) بيانية يظهر

стр. 4803

أنه خلاف التحقيق، كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية، فأمر الله جل وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ونهاه عن أن يكون مثل يونس؛ لأنه هو صاحب الحوت، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾، فآية القلم وآية طه المذكورتان كلتاهما تدل على أن أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي ﷺ بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ . نهى الله نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يستعجل العذاب لقومه، أي يدعو الله عليهم بتعجيله لهم، فمفعول (تستعجل) محذوف تقديره: العذاب، كما قاله القرطبي، وهو الظاهر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن طلب تعجيل العذاب لهم جاء موضحًا في آيات آخر، كقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا (١٧)﴾. فإن قوله: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾ وقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا (١٧)﴾ موضح لمعنى قوله: وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾. والمراد بالآيات: نهيه ﷺ عن طلب تعجيل العذاب لهم؛ لأنهم معذبون لا محالة عند انتهاء المدة المحددة للإِمهال، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾، وقوله تعالى ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ الآية،

стр. 4804

وقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَينَهُمْ﴾ وفي سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾. وبينا في الكلام على آية قد أفلح المؤمنون وجه إزالة إشكال معروف في الآيات المذكورة. • قوله تعالى: ﴿بَلَاغٌ﴾ . التحقيق إن شاء الله أن أصوب القولين في قوله: ﴿بَلَاغٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا بلاغ، أي هذا القرآن بلاغ من الله إلى خلقه. ويدل لهذا قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾، وقوله في الأنبياء: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. والبلاغ اسم مصدر، بمعنى التبليغ، وقد علم باستقراء اللغة

стр. 4805

العربية أن الفَعال يأتي كثيرًا بمعنى التفعيل، كبلغه بلاغًا، أي تبليغًا، وكلمه كلامًا، أي تكليمًا، وطلقها طلاقًا، وسرحها سراحًا، وبينه بيانًا. كل ذلك بمعنى التفعيل؛ لأن فَعَّلَ مضعفة العين، غير معتلة اللام ولا مهموزته، قياسٌ مصدرِها التفعيلُ. وما جاء منه على خلاف ذلك، يحفظ ولا يقاس عليه، كما هو معلوم فِي محله. أما القول بأن المعنى: وذلك اللبث بلاغ، فهو خلاف الظاهر كما ترى، والعلم عند الله تعالى. * * *

стр. 4806

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة محمد

стр. 4807

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القِتَالِ وَهِيَ سُورَةُ محمد ﷺ • قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالهُمْ (٣)﴾ . قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال بعضهم: هو من الصدود، لأن صد في الآية لازمة. وقال بعضهم: هو من الصد؛ لأن صد في الآية متعدية، وعليه فالمفعول محذوف، أي: صدوا غيرهم عن سبيل الله، أي: عن الدخول في الإِسلام. وهذا القول الأخير هو الصواب، لأنه على القول بأن صد لازمة؛ فإن ذلك يكون تكرارًا مع قوله ﴿كَفَرُوا﴾، لأن الكفر هو أعظم أنواع الصدود عن سبيل الله. وأما على القول: بأن صد متعدية فلا تكرار؛ لأن المعنى أنهم ضالون في أنفسهم، مضلون لغيرهم بصدهم إياهم عن سبيل الله،

стр. 4808

وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ الآية، أن اللفظ إذا دار بين التأكيد والتأسيس وجب حمله على التأسيس، إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالهُمْ (١)﴾ أي أبطل ثوابها، فما عمله الكافر من حسن في الدنيا، كقرى الضيف، وبر الوالدين، وحمى الجار، وصلة الرحم، والتنفيس عن المكروب، يبطل يوم القيامة، ويضمحل ويكون لا أثر له، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، وهذا هو الصواب في معنى الآية. وقيل: (أضل أعمالهم) أي أبطل كيدهم، الذي أرادوا أن يكيدوا به النبي - ﷺ - وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي غفر لهم ذنوبهم وتجاوز لهم عن أعمالهم السيئة ﴿وَأَصْلَحَ بَالهُمْ (٢)﴾ أي أصلح لهم شأنهم وحالهم إصلاحًا لا فساد معه، وما ذكره جل وعلا هنا في أول هذه السورة الكريمة، من أنه يبطل أعمال الكافرين، ويُبقي أعمال المؤمنين، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.

стр. 4809

وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا مع بعض الأحاديث الصحيحة فيه، مع زيادة إيضاح مهمة، في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾، وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية، وذكرنا طرفًا منه في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالهُمْ (١)﴾ أصله من الضلال بمعنى الغَيبة، والاضمحلال، لا من الضالة، كما زعمه الزمخشري، فهو كقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾. وقد قدمنا معاني الضلال في القرآن واللغة، في سورة الشعراء في الكلام على قوله: ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾، وفي آخر الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قد قدمنا إيضاحه في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾. قال فيه ابن كثير: هو عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإِيمان، بعد بعثته - ﷺ - . اهـ منه.

стр. 4810

ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ جملة اعتراضية تتضمن شهادة الله بأن هذا القرآن المنزل على هذا النبي الكريم - ﷺ - هو الحق من الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي ذلك المذكور من إضلال أعمال الكفار، أي إبطالها واضمحلالها، وبقاء ثواب أعمال المؤمنين، وتكفير سيئاتهم وإصلاح حالهم، كله واقع بسبب أن الكفار اتبعوا الباطل، ومن اتبع الباطل فعمله باطل. والزائل المضمحل تسميه العرب باطلًا، وضده الحق. وبسبب أن الذين آمنوا اتبعوا الحق، ومتبع الحق أعماله حق، فهي ثابتة باقية، لا زائلة مضمحلة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن اختلاف الأعمال يستلزم اختلاف الثواب، لا يتوهم استواءهما إلا الكافر الجاهل الذي يستوجب الإِنكار عليه، جاء موضحًا في آيات آخر، كقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ

стр. 4811

كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالهُمْ (٣)﴾. قال فيه الزمخشري: فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في جعل اتباع الباطل مثلًا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلًا لعمل المؤمنين. أو في أن جعل الإِضلال مثلًا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلًا لفوز المؤمنين. اهـ. منه. وأصل ضرب الأمثال يراد منه بيان الشيء بذكر نظيره الذي هو مِثْلٌ له. • قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ . قوله تعالى: (فضرب الرقاب) مصدر نائب عن فعله، وهو بمعنى فعل الأمر، ومعلوم أن صيغ الأمر في اللغة العربية أربع: وهي فعل الأمر، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية. واسم فعل الأمر، كقوله تعالى: ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. والفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآية.

стр. 4812

والمصدر النائب عن فعله، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أي: فاضربوا رقابهم. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي: أوجعتم فيهم قتلًا. فالإِثخان هو الإِكثار من قتل العدو حتى يضعف ويثقل عن النهوض. وقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ أي: فأسروهم، والوثاق، بالفتح والكسر، اسم لما يؤسر به الأسير من قَدٍّ ونحوه. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من الأمر بقتل الكفار حتى يثخنهم المسلمون، ثم بعد ذلك يأسرونهم، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقد أمر تعالى بقتلهم في آيات آخر، كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ أي فإما تمنون عليهم مَنًّا، أو تفادونهم فداء. ومعلوم أن المصدر إذا سيق لتفصيل وجب حذف عامله، كما قال في الخلاصة: وما لتفصيل كإمَّا مَنَّا ... عامله يحذف حيث عَنَّا ومنه قول الشاعر: لأجهدن فإما درء واقعة ... تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل

стр. 4813

وقال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بالآيات التي ذكرنا قبلها، وممن يروى عنه هذا القول: ابن عباس والسدي وقتادة والضحاك وابن جريج. وذكر ابن جرير عن أبي بكر ﵁ ما يؤيده. ونسخ هذه الآية هو مذهب أبي حنيفة ﵀، فإنه لا يجوز عنده المن ولا الفداء، لأن الآية منسوخة عنده، بل يخير عنده الإِمام بين القتل والاسترقاق. ومعلوم أن آيات السيف النازلة في براءة نزلت بعد سورة القتال هذه. وأكثر أهل العلم يقولون: إن الآية ليست منسوخة، وأن جميع الآيات المذكورة محكمة، فالإِمام مخير وله أن يفعل ما رآه مصلحة للمسلمين من منٍّ وفداء وقتل واسترقاق. قالوا: قتل النبي - ﷺ - عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، أسيرين يوم بدر، وأخذ فداء غيرهما من الأسارى. ومَنَّ على ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، وكان يسترق السبي من العرب وغيرهم. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: والحاصل أنه قد ثبت في جنس أسارى الكفار جواز القتل والمن والفداء والاسترقاق، فمن ادعى أن بعض هذه الأمور تختص ببعض الكفار دون بعض لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات، والمجوز قائم في مقام المنع، وقول علي وفعله عند بعض المانعين من استرقاق ذكور العرب حجة، وقد استرق

стр. 4814

بني ناجية ذكورهم وإناثهم، وباعهم، كما هو مشهور في كتب السير والتواريخ. اهـ محل الغرض منه. ومعلوم أن بني ناجية من العرب. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لم يختلف المسلمون في جواز الملك بالرق. ومعلوم أن سببه أسر المسلمين الكفار في الجهاد، والله ﵎ في كتابه يعبر عن الملك بالرق بعبارة هي أبلغ العبارات في توكيد ثبوت ملك الرقيق، وهي ملك اليمين؛ لأن ما ملكته يمين الإنسان، فهو مملوك له تمامًا، وتحت تصرفه تمامًا، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وقوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾، وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ الآية.

стр. 4815

فالمراد بملك اليمين في جميع هذه الآيات كلها الملك بالرق، والأحاديث والآيات بمثل ذلك يتعذر حصرها، وهي معلومة، فلا ينكر الرق في الإِسلام إلا مكابر أو ملحد، أو من لا يؤمن بكتاب الله ولا بسنة رسوله. وقد قدمنا حكمة الملك بالرق وإزالة الإِشكال في ملك الرقيق المسلم في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. ومن المعلوم أن كثيرًا من أجلاء علماء المسلمين ومحدثيهم الكبار كانوا أرقاء مملوكين، أو أبناء أرقاء مملوكين. فهذا محمد بن سيرين كان أبوه سيرين عبدًا لأنس بن مالك. وهذا مكحول كان عبدًا لامرأة من هذيل فأعتقته. ومثل هذا أكثر من أن يحصى كما هو معلوم. واعلم أن ما يدعيه بعض من المتعصبين لنفي الرق في الإِسلام من أن آية القتال هذه دلت على نفي الرق من أصله؛ لأنها أوجبت واحدًا من أمرين لا ثالث لهما، وهما المن والفداء فقط، فهو استدلال ساقط من وجهين: أحدهما: أن فيه استدلالًا بالآية على شيء لم يدخل فيها، ولم تتناوله أصلًا، والاستدلال إن كان كذلك فسقوطه كما ترى. وإيضاح ذلك أن هذه الآية التي فيها تقسيم حكم الأسارى إلى من وفداء، لم تتناول قطعًا إلا الرجال المقاتلين من الكفار؛ لأن قوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ صريح في ذلك كما ترى.

стр. 4816

وعلى إثخان هؤلاء المقاتلين رتب بالفاء قوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ الآية. فظهر أن الآية لم تتناول أنثى ولا صغيرًا ألبتة. ويزيد ذلك إيضاحًا أن النهي عن قتل نساء الكفار وصبيانهم ثابت عن النبي - ﷺ - ، وأكثر أهل الرق في أقطار الدنيا إنما هو من النساء والصبيان. ولو كان الذي يدعي نفي الرق من أصله يعترف بأن الآية لا يمكن أن يستدل بها على شيء غير الرجال المقاتلين، لقصر نفي الرق الذي زعمه على الرجال الذين أسروا في حال كونهم مقاتلين، ولو قصره على هؤلاء لم يمكنه أن يقول بنفي الرق من أصله كما ترى. الوجه الثاني: هو ما قدمنا من الأدلة على ثبوت الرق في الإِسلام. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: إذا لقيتم الكفار فاضربوا أعناقهم، ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ قتلًا فأسروهم، ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: حتى تنتهي الحرب. وأظهر الأقوال في معنى وضع الحرب أوزارها أنه وضع السلاح، والعرب تسمي السلاح وزرًا، وتطلق العرب الأوزار على آلات الحرب وما يساعد فيها كالخيل، ومنه قول الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها ... رماحًا طوالًا وخيلًا ذكورا وفي معنى أوزار الحرب أقوال آخر معروفة، تركناها؛ لأن هذا أظهرها عندنا. والعلم عند الله تعالى.

стр. 4817

• قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ . ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن المؤمنين إن نصروا ربهم نصرهم على أعداءهم، وثبت أقدامهم، أي عصمهم من الفرار والهزيمة. وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، وبين في بعضها صفات الذين وعدهم بهذا النصر، كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾، ثم بين صفات الموعودين بهذا النصر في قوله تعالى بعده: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في بيان صفات من وعدهم بالنصر في الآيات المذكورة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، يدل على أن الذين لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ليس لهم وعد من الله بالنصر البتة. فمثلهم كمثل الأجير الذي لم يعمل لمستأجره شيئًا ثم جاءه يطلب منه الأجرة. فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين،

стр. 4818

ثم يقولون: إن الله سينصرنا، مغررون؛ لأنهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما لا يخفى. ومعنى نصر المؤمنين لله: نصرهم لدينه ولكتابه، وسعيهم وجهادهم في أن تكون كلمته هي العليا، وأن تقام حدوده في أرضه، وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه، ويحكم في عباده بما أنزل على رسوله ﷺ . • قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ . قد قدمنا إيضاحه في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾، وأحلنا على الآيات الموضحة لذلك في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ الآية، وأوضحناها في الزخرف في الكلام على قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ الآية، وفي الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾ . الآيات التي توضح معنى هذه الآية هي المشار إليها في نفس الآية التي ذكرنا قبلها. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من إخراج كفار مكة للنبي ﷺ -

стр. 4819

منها، بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾. وقد أخرجوه فعلًا بمكرهم المذكور، وبين جل وعلا أن النبي ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من ديارهم لا ذنب لهم يستوجبون به الإِخراج إلا الإِيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي يخرجون الرسول وإياكم لأجل إيمانكم بربكم، وقال تعالى في إخراجهم له: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء مشددة مكسورة ونون ساكنة. وقرأه ابن كثير: (وكائن)، بألف بعد الكاف، وهمزة مكسورة. وكلهم عند الوقف يقفون على النون الساكنة، كحال الصلة، إلا أبا عمرو فإنه يقف على الياء. وقد قدمنا أوجه القراءة في (كأين) ومعناها، وما فيها من اللغات، مع بعض الشواهد العربية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ الآية.

стр. 4820

أنهار الماء وأنهار الخمر التي ذكرها الله في هذه الآية بين بعض صفاتها في آيات أخرى، كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ في آيات كثيرة، وقوله: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾، وقوله: ﴿فِيهَا عَينٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾، وقد بين تعالى من صفات خمر الجنة أنها لا تسكر شاربها، ولا تسبب له الصداع الذي هو وجع الرأس في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾، وقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾. وقد قدمنا معنى هذه الآيات بإيضاح فِي سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآية. وقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿غَيرِ آسِنٍ﴾ أي غير متغير اللون ولا الطعم. والآسن والآجن معناهما واحد، ومنه قول ذي الرمة: ومنهل آجن قفر محاضره ... تذروا الرياح على جماته البعرا وقول الراجز: ومنهل فيه الغراب ميت ... كأنه من الأجون زيت • سقيت منها القوم واستقيت * وبما ذكرنا تعلم أن قوله: (غير آسن) كقوله: (من لبن لم يتغير طعمه). • قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ . قد بين تعالى في سورة البقرة أن الثمار التي يرزقها أهل الجنة يشبه بعضها بعضًا في الجودة والحسن والكمال، ليس فيها شيء

стр. 4821

رديء، وذلك في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. • قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الزخرف، في الكلام على قولهه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾. • قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾ . التحقيق إن شاء الله تعالى في معنى الآية الكريمة، أن الكفار يوم القيامة، إذا جاءتهم الساعة، يتذكرون ويؤمنون بالله ورسله، وأن الإيمان في ذلك الوقت لا ينفعهم؛ لفوات وقته، فقوله: ﴿ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾ مبتدأ خبره ﴿أَنَّى لَهُمْ﴾، أي كيف تنفعهم ذكراهم وإيمانهم بالله، وقد فات الوقت الذي يقبل فيه الإِيمان. والضمير المرفوع في ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ عائد إلى (الساعة) التي هي القيامة. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، من أن الكفار يوم القيامة يؤمنون ولا ينفعهم إيمانهم، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾،

стр. 4822

وقوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْويلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. فظهر أن قوله: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾ على حذف مضاف، أي أنى لهم نفع ذكراهم. والذكرى اسم مصدر بمعنى الاتعاظ الحامل على الإِيمان. • قوله تعالى: ﴿وَفَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه إذا أنزل سورة محكمة، أي متقنة الألفاظ والمعاني، واضحة الدلالة لا نسخ فيها، وذكر فيها وجوب قتال الكفار، تسبب عن ذلك كون الذين في قلوبهم مرض، أي شك ونفاق، ينظرون كنظر الإِنسان الذي يغشى عليه لأنه في سياق الموت؛ لأن نظر من كان كذلك تدور فيه عينه ويزيغ بصره. وهذا إنما وقع لهم من شدة الخوف من بأس الكفار المأمور بقتالهم. وقد صرح جل وعلا بأن ذلك من الخوف المذكور في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. وقد بين تعالى أن الأغنياء من هؤلاء المنافقين، إذا أنزل الله

стр. 4823

سورة فيها الأمر بالجهاد، استأذنوا النبي ﷺ في التخلف عن الجهاد، وذمهم الله على ذلك، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾. • قوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ . الهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ للإِنكار، والفاء عاطفة على جملة محذوفة، على أصح القولين، والتقدير: أيعرضون عن كتاب الله فلا يتدبرون القرآن، كما أشار له في الخلاصة بقوله: • وحذف متبوع بدا هنا استبح * وقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ (أم) فيه منقطعة بمعنى بل، فقد أنكر تعالى عليهم إعراضهم عن تدبر القرآن، بأداة الإِنكار التي هي الهمزة، وبين أن قلوبهم عليها أقفال لا تنفتح لخير، ولا لفهم قرآن. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من التوبيخ والإِنكار على من أعرض عن تدبر كتاب الله، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾. وقد ذم جل وعلا المعرض عن هذا القرآن العظيم في آيات

стр. 4824

كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾. ومعلوم أن كل من لم يشتغل بتدبر آيات القرآن العظيم، أي تصفحها وتفهمها، وإدراك معانيها، والعمل بها؛ فإنه معرض عنها، غير متدبر لها، فيستحق الإِنكار والتوبيخ المذكور في الآيات، إن كان الله أعطاه فهمًا يقدر به على التدبر، وقد شكا النبي - ﷺ - إلى ربه من هجر قومه هذا القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾. وهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به، أمر لا بدَّ منه للمسلمين. وقد بين النبي - ﷺ - أن المشتغلين بذلك هم خير الناس، كما ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح من حديث عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾. فإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به وبالسنة الثابتة المبينة له، من أعظم المناكر وأشنعها، وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى. ولا يخفى على عاقل أن القول بمنع العمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، اكتفاء عنهما بالمذاهب المدونة، وانتفاءِ الحاجة إلى تعلمهما لوجود ما يكفي عنهما من مذاهب الأئمة، من أعظم الباطل، وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة، ومخالف لأقوال الأئمة الأربعة.

стр. 4825

فمرتكبه مخالف لله ولرسوله ولأصحاب رسوله جميعًا، وللأئمة ﵏، كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: اعلم أن قول بعض متأخري الأصوليين: إن تدبر هذا القرآن العظيم وتفهمه والعمل به، لا يجوز إلا للمجتهدين خاصة، وأن كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق بشروطه المقررة عندهم التي لم يستند اشتراط كثير منها إلى دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس جلي ولا أثر عن الصحابة= قول لا مستند له من دليل شرعي أصلًا. بل الحق الذي لا شك فيه: أن كل من له قدرة من المسلمين على التعلم والتفهم، وإدراك معاني الكتاب والسنة، يجب عليه تعلمها، والعمل بما علم منهما. أما العمل بهما مع الجهل بما يعمل به منهما فممنوع إجماعًا. وأما ما علمه منهما علمًا صحيحًا ناشئًا عن تعلم صحيح، فله أن يعمل به، ولو آية واحدة أو حديثًا واحدًا. ومعلوم أن هذا الذم والإِنكار على من لم يتدبر كتاب الله عام لجميع الناس. ومما يوضح ذلك: أن المخاطبين الأولين به الذين نزل فيهم هم المنافقون والكفار، ليس أحد منهم مستكملًا لشروط الاجتهاد المقررة عند أهل الأصول، بل ليس عندهم شيء منها أصلًا. فلو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل به، والاهتداء بهديه، إلا المجتهدون - بالاصطلاح الأصولي - ، لما وبخ الله الكفار وأنكر عليهم عدم

стр. 4826

الاهتداء بهداه، ولما أقام عليهم الحجة به حتى يحصلوا شروط الاجتهاد المقررة عند متأخري الأصوليين، كما ترى. ومعلوم أن من المقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، وإذًا فدخول الكفار والمنافقين في الآيات المذكورة قطعي، ولو كان لا يصح الانتفاع بهدى القرآن إلا لخصوص المجتهدين، لما أنكر الله على الكفار عدم تدبرهم كتاب الله، وعدم عملهم به. وقد علمت أن الواقع خلاف ذلك قطعًا، ولا يخفى أن شروط الاجتهاد لا تشترط إلا فيما فيه مجال للاجتهاد، والأمور المنصوصة في نصوص صحيحة من الكتاب والسنة، لا يجوز الاجتهاد فيها لأحد، حتى تشترط فيها شروط الاجتهاد، بل ليس فيها إلا الاتباع، وبذلك تعلم أنما ذكره صاحب مراقي السعود تبعًا للقرافي من قوله: من لم يكن مجتهدًا فالعمل ... منه بمعنى النص مما يحظل لا يصح على إطلاقه بحال؛ لمعارضته لآيات وأحاديث كثيرة من غير استناد إلى دليل. ومن المعلوم أنه لا يصح تخصيص عمومات الكتاب والسنة إلا بدليل يجب الرجوع إليه. ومن المعلوم أيضًا، أن عمومات الآيات والأحاديث الدالة على حث جميع الناس على العمل بكتاب الله وسنة رسوله أكثر من أن تحصى، كقوله - ﷺ - : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي"، وقوله - ﷺ - "عليكم بسنتي" الحديث. ونحو ذلك مما لا يحصى.

стр. 4827

فتخصيص جميع تلك النصوص بخصوص المجتهدين، وتحريم الانتفاع بهدى الكتاب والسنة على غيرهم تحريمًا باتًا، يحتاج إلى دليل من كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ - ، ولا يصح تخصيص تلك النصوص بآراء جماعات من المتأخرين المقرين على أنفسهم بأنهم من المقلدين. ومعلوم أن المقلد الصرف لا يجوز عده من العلماء ولا من ورثة الأنبياء، كما سترى إيضاحه إن شاء الله. وقال صاحب "مراقي السعود" في "نشر البنود" في شرحه لبيته المذكور آنفًا، ما نصه: يعني أن غير المجتهد يحظل له، أي يمنع أن يعمل بمعنى نص من كتاب أو سنة وإن صح سندها، لاحتمال عوارضه، من نسخ، وتقييد، وتخصيص، وغير ذلك من العوارض التي لا يضبطها إلا المجتهد، فلا يخلصه من الله إلا تقليد مجتهد. قاله القرافي. اهـ محل الغرض منه بلفظه. وبه تعلم أنه لا مستند له، ولا للقرافي الذي تبعه، في منع جميع المسلمين غير المجتهدين من العمل بكتاب الله وسنة رسوله، إلا مطلق احتمال العوارض التي تعرض لنصوص الكتاب والسنة، من نسخ أو تخصيص أو تقييد ونحو ذلك، وهو مردود من وجهين: الأول: أن الأصل السلامة من النسخ حتى يثبت ورود الناسخ، والعام ظاهر في العموم حتى يثبت ورود المخصص، والمطلق ظاهر في الإِطلاق حتى يثبت ورود المقيد، والنص يجب العمل به حتى يثبت النسخ بدليل شرعي، والظاهر يجب العمل به عمومًا كان أو إطلاقًا أو غيرهما حتى يرد دليل صارف عنه إلى المحتمل المرجوح، كما هو معروف في محله.

стр. 4828

وأول من زعم أنه لا يجوز العمل بالعام حتى يبحث عن المخصص فلا يوجد ونحو ذلك، أبو العباس بن سريج، وتبعه جماعات من المتأخرين، حتى حكوا على ذلك الإِجماع حكاية لا أساس لها. وقد أوضح ابن القاسم العبادي في "الآيات البينات" غلطهم في ذلك، في كلامه على شرح المحلى لقول ابن السبكي في "جمع الجوامع: ويتمسك بالعام في حياة النبي - ﷺ - قبل البحث عن المخصص، وكذا بعد الوفاة، خلافًا لابن سريج اهـ. وعلى كل حال فظواهر النصوص، من عموم وإطلاق، ونحو ذلك، لا يجوز تركها إلا لدليل يجب الرجوع إليه، من مخصص أو مقيد، لا لمجرد مطلق الاحتمال، كما هو معلوم في محله. فادعاء كثير من المتأخرين أنه يجب ترك العمل به حتى يبحث عن المخصص والمقيد مثلًا، خلاف التحقيق. الوجه الثاني: أن غير المجتهد إذا تعلم بعض آيات القرآن، أو بعض أحاديث النبي - ﷺ - ، ليعمل بها، تعلم ذلك النص العام أو المطلق، وتعلم معه مخصصه ومقيده إن كان مخصصًا أو مقيدًا، وتعلم ناسخه إن كان منسوخًا، وتعلم ذلك سهل جدًّا بسؤال العلماء العارفين به، ومراجعة كتب التفسير والحديث المعتد بها في ذلك، والصحابة كانوا في العصر الأول يتعلم أحدهم آية فيعمل بها، وحديثًا فيعمل به، ولا يمتنع من العمل بذلك حتى يحصل رتبة الاجتهاد المطلق، وربما عمل الإِنسان بما علم فعلمه ما لم يكن يعلم، كما يشير له قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ على القول بأن

стр. 4829

الفرقان هو العلم النافع الذي يفرق به بين الحق والباطل، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ الآية. وهذه التقوى التي دلت الآيات على أن الله يعلم صاحبها لسببها ما لم يكن يعلم، لا تزيد على عمله بما علم من أمر الله، وعليه فهي عمل ببعض ما علم، زاده الله به علم ما لم يكن يعلم. فالقول بمنع العمل بما علم من الكتاب والسنة حتى يحصل رتبة الاجتهاد المطلق، هو عين السعي في حرمان جميع المسلمين من الانتفاع بنور القرآن، حتى يحصلوا شرطًا مفقودًا في اعتقاد القائلين بذلك، وادعاء مثل هذا على الله وعلى كتابه وعلى سنة رسوله هو كما ترى. تنبيه مهم يجب على كل مسلم يخاف العرض على ربه يوم القيامة أن يتأمل فيه، ليرى لنفسه المخرج من هذه الورطة العظمى، والطامة الكبرى، التي عمت جل بلاد المسلمين من المعمورة. وهي ادعاء الاستغناء عن كتاب الله وسنة رسونه، استغناءً تامًّا، في جميع الأحكام من عبادات ومعاملات وحدود وغير ذلك، بالمذاهب المدونة. وبناء هذا على مقدمتين: إحداهما: أن العمل بالكتاب والسنة لا يجوز إلا للمجتهدين. والثانية: أن المجتهدين معدومون عدمًا كليًّا، لا وجود لأحد منهم، في الدنيا.

стр. 4830

وأنه بناءً على هاتين المقدمتين، يمنع العمل بكتاب الله وسنة رسوله منعًا باتًا على جميع أهل الأرض، ويستغنى عنهما بالمذاهب المدونة. وزاد كثير منهم على هذا منع تقليد غير المذاهب الأربعة، وأن ذلك يلزم استمراره إلى آخر الزمان. فتأمل يا أخي رحمك الله: كيف يسوغ لمسلم أن يقول بمنع الاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، وعدم وجوب تعلمهما والعمل بهما، استغناء عنهما بكلام رجال غير معصومين، ولا خلاف في أنهم يخطئون؟! فإن كان قصدهم أن الكتاب والسنة لا حاجة إلى تعلمهما، وأنهما يغني غيرهما، فهذا بهتان عظيم ومنكر من القول وزور. وإن كان قصدهم أن تعلمهما صعب لا يقدر عليه، فهو أيضًا زعم باطل؛ لأن تعلم الكتاب والسنة أيسر من تعلم مسائل الآراء والاجتهاد المنتشرة، مع كونها في غاية التعقيد والكثرة، والله جل وعلا يقول في سورة القمر مرات متعددة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾، ويقوله تعالى في الدخان: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾، ويقول في مريم: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾. فهو كتاب ميسر بتيسير الله لمن وفقه الله للعمل به، والله جل وعلا يقول: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، ويقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾. فلا شك أن الذي يتباعد عن هداه، يحاول التباعد عن هدى الله ورحمته.

стр. 4831

ولا شك أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله إلى أرضه، ليستضاء به، فيعلم في ضوئه الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والنافع من الضار، والرشد من الغي. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾. فإذا علمت أيها المسلم أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله ليستضاء به، ويهتدى بهداه في أرضه، فكيف ترضى لبصيرتك أن تعمى عن النور؟! فلا تكن خفاشي البصيرة، واحذر أن تكون ممن قيل فيهم: خفافيش أعماها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم مثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورًا ويعمي أعين الخفاش ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾. ولا شك أن من عميت بصيرته عن النور، تخبط في الظلام، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.

стр. 4832

وبهذا تعلم أيها المسلم المصنف، أنه يجب عليك الجد والاجتهاد في تعلم كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، وبالوسائل النافعة المنتجة، والعمل بكل ما علمك الله منهما علمًا صحيحًا. ولتعلم أن تعلم كتاب الله وسنة رسوله في هذا الزمان، أيسر منه بكثير في القرون الأولى، لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك، من ناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، ومجمل ومبين، وأحوال الرجال من رواة الحديث، والتمييز بين الصحيح والضعيف؛ لأن الجميع ضبط وأتقن ودُوِّن، فالجميع سهل التناول اليوم. فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها عن النبي - ﷺ - ثم عن الصحابة والتابعين وكبار المفسرين. وجميع الأحاديث الواردة عنه - ﷺ - حفظت ودونت، وعلمت أحوال متونها وأسانيدها وما يتطرق إليها من العلل والضعف. فجميع الشروط التي اشترطوها في الاجتهاد يسهل تحصيلها جدًّا على كل من رزقه الله فهمًا وعلمًا. والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، ونحو ذلك، تسهل معرفته اليوم على مناظر في الكتاب والسنة ممن رزقه الله فهمًا ووفقه لتعلم كتاب الله وسنة رسوله. واعلم أيها المسلم المنصف، أن من أشنع الباطل وأعظم القول بغير الحق على الله وكتابه وعلى النبي وسنته المطهرة، ما قاله الشيخ أحمد الصاوي في حاشيته على الجلالين، في سورة الكهف وآل عمران، واغتر بقوله في ذلك خلق لا يحصى من المتسمين باسم طلبة العلم، لكونهم لا يميزون بين حق وباطل.

стр. 4833

فقد قال الصاوي أحمد المذكور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣)﴾ الآية، بعد أن ذكر الأقوال في انفصال الاستثناء عن المستثنى منه بزمان، ما نصه: وعامة المذاهب الأربعة على خلاف ذلك كله، فإن شرط حل الإيمان بالمشيئة أن تتصل، وأن يقصد بها حل اليمين، ولا يضر الفصل بتنفس أو سعال أو عطاس، ولا يجوز تقليدها ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل وربما أداه ذلك للكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. اهـ. منه بلفظه. فانظر يا أخي رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله، وما أجرأ قائله على الله وكتابه، وعلى النبي - ﷺ - وسنته وأصحابه، سبحانك هذا بهتان عظيم. أما قوله بأنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، ولو كانت أقوالهم مخالفة للكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃ وإجماع الأئمة الأربعة أنفسهم، كما سترى إيضاحه إن شاء الله بما لا مزيد عليه في المسائل الآتية بعد هذه المسألة؛ فالذي ينصره هو الضال المضل. وأما قوله: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، فهذا أيضًا من أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكًا لحرمة كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، سبحانك هذا بهتان عظيم. والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - وعامة علماء المسلمين: أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - في حال من الأحوال بوجه من الوجوه،

стр. 4834

حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح. والقول بأن العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، لا يصدر البتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلًا؛ لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرًا، والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس. ومما يوضح لك ذلك: أن آية الكهف هذه التي ظن الصاوي أن ظاهرها حل الإيمان بالتعليق بالمشيئة المتأخر زمنها عن اليمين، وأن ذلك مخالف للمذاهب الأربعة، وبنى على ذلك أن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؛ كله باطل لا أساس له. وظاهر الآية بعيد مما ظن، بل الظن الذي ظنه والزعم الذي زعمه لا تشير الآية إليه أصلًا، ولا تدل عليه لا بدلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، فضلًا عن أن تكون ظاهرة فيه. وسبب نزولها يزيد ذلك إيضاحًا، لأن سبب نزول الآية أن الكفار سألوا النبي - ﷺ - عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فقال لهم: سأخبركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله، فعاتبه ربه بعدم تفويض الأمر إليه، وعدم تعليقه بمشيئته جل وعلا، فتأخر عنه الوحي. ثم علمه الله في الآية الأدب معه في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. ثم قال لنبيه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ يعني إن قلت سأفعل كذا

стр. 4835

غدًا، ثم نسيت أن تقول إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك، فاذكر ربك، أي قل إن شاء الله، أي لتتدارك بذلك الأدب مع الله الذي فاتك عند وقته بسبب النسيان، وتخرج من عهدة النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. والتعليق بهذه المشيئة المتأخرة لأجل المعنى المذكور، الذي هو ظاهر الآية الصحيح، لا يخالف مذهبًا من المذاهب الأربعة ولا غيرهم، وهو التحقيق في مراد ابن عباس بما ينقل عنه من جواز تأخير الاستثناء، كما أوضحه كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀، وقد قدمنا إيضاحه في الكلام على آية الكهف هذه. فيا أتباع الصاوي المقلدين له تقليدًا أعمى على جهالة عمياء: أين دل ظاهر آية الكهف هذه، على اليمين بالله أو بالطلاق أو بالعتق أو بغير ذلك من الأيمان؟ هل النبي - ﷺ - حلف لما قال للكفار: سأخبركم غدًا؟ وهل قال الله: ولا تقولن لشيء إني حالف سأفعل ذلك غدًا؟ ومن أين جئتم باليمين، حتى قلتم إن ظاهر القرآن هو حل الأيمان بالمشيئة المتأخرة عنها، وبنيتم على ذلك أن ظاهر الآية مخالف لمذاهب الأئمة الأربعة، وأن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟ ومما يزيد ما ذكرنا إيضاحًا: ما قاله الصاوي أيضًا في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ﴾، فإنه قال على كلام الجلال
следующие страницы →