ولا شك أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله إلى أرضه، ليستضاء به، فيعلم في ضوئه الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والنافع من الضار، والرشد من الغي.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾.
فإذا علمت أيها المسلم أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله ليستضاء به، ويهتدى بهداه في أرضه، فكيف ترضى لبصيرتك أن تعمى عن النور؟!
فلا تكن خفاشي البصيرة، واحذر أن تكون ممن قيل فيهم:
خفافيش أعماها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم
مثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورًا ويعمي أعين الخفاش
﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾.
ولا شك أن من عميت بصيرته عن النور، تخبط في الظلام، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
стр. 4832
وبهذا تعلم أيها المسلم المصنف، أنه يجب عليك الجد والاجتهاد في تعلم كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، وبالوسائل النافعة المنتجة، والعمل بكل ما علمك الله منهما علمًا صحيحًا.
ولتعلم أن تعلم كتاب الله وسنة رسوله في هذا الزمان، أيسر منه بكثير في القرون الأولى، لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك، من ناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، ومجمل ومبين، وأحوال الرجال من رواة الحديث، والتمييز بين الصحيح والضعيف؛ لأن الجميع ضبط وأتقن ودُوِّن، فالجميع سهل التناول اليوم.
فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها عن النبي - ﷺ - ثم عن الصحابة والتابعين وكبار المفسرين.
وجميع الأحاديث الواردة عنه - ﷺ - حفظت ودونت، وعلمت أحوال متونها وأسانيدها وما يتطرق إليها من العلل والضعف.
فجميع الشروط التي اشترطوها في الاجتهاد يسهل تحصيلها جدًّا على كل من رزقه الله فهمًا وعلمًا.
والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، ونحو ذلك، تسهل معرفته اليوم على مناظر في الكتاب والسنة ممن رزقه الله فهمًا ووفقه لتعلم كتاب الله وسنة رسوله.
واعلم أيها المسلم المنصف، أن من أشنع الباطل وأعظم القول بغير الحق على الله وكتابه وعلى النبي وسنته المطهرة، ما قاله الشيخ أحمد الصاوي في حاشيته على الجلالين، في سورة الكهف وآل عمران، واغتر بقوله في ذلك خلق لا يحصى من المتسمين باسم طلبة العلم، لكونهم لا يميزون بين حق وباطل.
стр. 4833
فقد قال الصاوي أحمد المذكور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣)﴾ الآية، بعد أن ذكر الأقوال في انفصال الاستثناء عن المستثنى منه بزمان، ما نصه: وعامة المذاهب الأربعة على خلاف ذلك كله، فإن شرط حل الإيمان بالمشيئة أن تتصل، وأن يقصد بها حل اليمين، ولا يضر الفصل بتنفس أو سعال أو عطاس، ولا يجوز تقليدها ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل وربما أداه ذلك للكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. اهـ. منه بلفظه.
فانظر يا أخي رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله، وما أجرأ قائله على الله وكتابه، وعلى النبي - ﷺ - وسنته وأصحابه، سبحانك هذا بهتان عظيم.
أما قوله بأنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، ولو كانت أقوالهم مخالفة للكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃ وإجماع الأئمة الأربعة أنفسهم، كما سترى إيضاحه إن شاء الله بما لا مزيد عليه في المسائل الآتية بعد هذه المسألة؛ فالذي ينصره هو الضال المضل.
وأما قوله: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، فهذا أيضًا من أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكًا لحرمة كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، سبحانك هذا بهتان عظيم.
والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - وعامة علماء المسلمين: أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - في حال من الأحوال بوجه من الوجوه،
стр. 4834
حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح.
والقول بأن العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، لا يصدر البتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلًا؛ لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرًا، والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس.
ومما يوضح لك ذلك: أن آية الكهف هذه التي ظن الصاوي أن ظاهرها حل الإيمان بالتعليق بالمشيئة المتأخر زمنها عن اليمين، وأن ذلك مخالف للمذاهب الأربعة، وبنى على ذلك أن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؛ كله باطل لا أساس له.
وظاهر الآية بعيد مما ظن، بل الظن الذي ظنه والزعم الذي زعمه لا تشير الآية إليه أصلًا، ولا تدل عليه لا بدلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، فضلًا عن أن تكون ظاهرة فيه.
وسبب نزولها يزيد ذلك إيضاحًا، لأن سبب نزول الآية أن الكفار سألوا النبي - ﷺ - عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فقال لهم: سأخبركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله، فعاتبه ربه بعدم تفويض الأمر إليه، وعدم تعليقه بمشيئته جل وعلا، فتأخر عنه الوحي.
ثم علمه الله في الآية الأدب معه في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
ثم قال لنبيه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ يعني إن قلت سأفعل كذا
стр. 4835
غدًا، ثم نسيت أن تقول إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك، فاذكر ربك، أي قل إن شاء الله، أي لتتدارك بذلك الأدب مع الله الذي فاتك عند وقته بسبب النسيان، وتخرج من عهدة النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
والتعليق بهذه المشيئة المتأخرة لأجل المعنى المذكور، الذي هو ظاهر الآية الصحيح، لا يخالف مذهبًا من المذاهب الأربعة ولا غيرهم، وهو التحقيق في مراد ابن عباس بما ينقل عنه من جواز تأخير الاستثناء، كما أوضحه كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀، وقد قدمنا إيضاحه في الكلام على آية الكهف هذه.
فيا أتباع الصاوي المقلدين له تقليدًا أعمى على جهالة عمياء: أين دل ظاهر آية الكهف هذه، على اليمين بالله أو بالطلاق أو بالعتق أو بغير ذلك من الأيمان؟
هل النبي - ﷺ - حلف لما قال للكفار: سأخبركم غدًا؟
وهل قال الله: ولا تقولن لشيء إني حالف سأفعل ذلك غدًا؟
ومن أين جئتم باليمين، حتى قلتم إن ظاهر القرآن هو حل الأيمان بالمشيئة المتأخرة عنها، وبنيتم على ذلك أن ظاهر الآية مخالف لمذاهب الأئمة الأربعة، وأن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟
ومما يزيد ما ذكرنا إيضاحًا: ما قاله الصاوي أيضًا في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ﴾، فإنه قال على كلام الجلال
стр. 4836
ما نصه: (زيغ) أي ميل عن الحق للباطل، قوله: بوقوعهم في الشبهات واللبس، أي كنصارى نجران، ومن هذا حذوهم ممن أخذ بظاهر القرآن، فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة اهـ.
فانظر رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله، وما أجرأ قائله على انتهاك حرمات الله وكتابه ونبيه وسنته - ﷺ - ، وما أدله على أن صاحبه لا يدري ما يتكلم به، فإنه جعل ما قاله نصارى نجران هو ظاهر كتاب الله، ولذا جعل مثلهم من هذا حذوهم فأخذ بظاهر القرآن.
وذكر أن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، مع أنه لا يدري وجه ادعاء نصارى نجران على ظاهر القرآن أنه كفر، مع أنه مسلِّم أن ادعاءهم على ظاهر القرآن أنه كفرهم ومن هذا حذوهم ادعاء صحيح، إلا أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر (١).
وقد قال قبل هذا: قيل: سبب نزولها أن وفد نجران قالوا للنبي - ﷺ - : ألست تقول: إن عيسى روح الله وكلمته؟ فقال: نعم، فقالوا: حسبنا، أي كفانا ذلك في كونه ابن الله. فنزلت الآية.
فاتضح أن الصاوي يعتقد أن ادعاء نصارى نجران أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ هو أن عيسى ابن الله، ادعاء صحيح، وبنى على ذلك أن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر.
стр. 4837
وهذا كله من أشنع الباطل وأعظمه، فالآية لا يفهم من ظاهرها البتة، بوجه من الوجوه، ولا بدلالة من الدلالات، أن عيسى ابن الله، وادعاء نصارى نجران ذلك كذب بحت.
فقول الصاوي: كنصارى نجران ومن هذا حذوهم ممن أخذ بظواهر القرآن، صريح في أنه يعتقد أن ما ادعاه وفد نجران من كون عيسى ابن الله هو ظاهر القرآن، اعتقاد باطل باطل باطل، حاشا القرآن العظيم من أن يكون هذا الكفر البواح ظاهره، بل هو لا يدل عليه البتة فضلًا عن أن يكون ظاهره، وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي كل ذلك، من عيسى ومن تسخير السماوات والأرض، مبدؤه ومنشؤه منه جل وعلا.
فلفظة (مِنْ) في الآيتين لابتداء الغاية، وذلك هو ظاهر القرآن، وهو الحق، خلافًا لما زعمه الصاوي وحكاه عن نصارى نجران.
وقد اتضح بما ذكرنا أن الذين يقولون: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، لا يعلمون ما هي الظواهر، وأنهم يعتقدون شيئًا ظاهر النص، والواقع أن النص لا يدل عليه بحال من الأحوال فضلًا عن أن يكون ظاهره.
فبنوا باطلًا على باطل، ولا شك أن الباطل لا يبنى عليه إلا الباطل.
ولو تصوروا معاني ظواهر الكتاب والسنة على حقيقتها لمنعهم ذلك من أن يقولوا ما قالوا.
فتصور الصاوي أن ظاهر آية الكهف المتقدمة هو حل الأيمان بالتعليق بالمشيئة المتأخر زمنها عن اليمين، وبناؤه على ذلك مخالفة ظاهر الآية لمذاهب الأئمة الأربعة، وأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة
стр. 4838
من أصول الكفر، مع أن الآية لا تشير أصلًا إلى ما اعتقد أنه ظاهرها.
وكذلك اعتقاده أن ظاهر آية آل عمران المذكورة هو ما زعمه نصارى نجران، من أن عيسى ابن الله؛ فإنه كله باطل وليس شيء مما زعم ظاهر القرآن مطلقًا، كما لا يخفى على عاقل.
وقول الصاوي فِي كلامه المذكور في سورة آل عمران: إن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، قول باطل لا يشك في بطلانه من عنده أدنى معرفة.
ومن هم العلماء الذين قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟
سموهم لنا، وبينوا لنا من هم.
والحق الذي لا شك فيه: أن هذا القول لا يقوله عالم ولا متعلم؛ لأن ظواهر الكتاب والسنة هي نور الله الذي أنزله على رسوله، ليستضاء به في أرضه، وتقام به حدوده، وتنفذ به أوامره، وينصف به بين عباده في أرضه.
والنصوص القطعية التي لا احتمال فيها قليلة جدًّا لا يكاد يوجد منها إلا أمثلة قليلة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
والغالب الذي هو الأكثر هو كون نصوص الكتاب والسنة ظواهر.
وقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي صارف عنه إلى المحتمل المرجوح، وعلى هذا كل من تكلم في الأصول.
стр. 4839
فتنفير الناس وإبعادها عن كتاب الله وسنة رسوله، بدعوى أن الأخذ بظواهرهما من أصول الكفر، هو من أشنع الباطل وأعظمه كما ترى.
وأصول الكفر يجب على كل مسلم أن يحذر منها كل الحذر، ويتباعد منها كل التباعد، ويتجنب أسبابها كل الاجتناب، فيلزم على هذا القول المنكر الشنيع وجوب التباعد من الأخذ بظواهر الوحي، وهذا كما ترى.
وبما ذكرنا يتبين أن من أعظم أسباب الضلال، ادعاء أن ظواهر الكتاب والسنة دالة على معان قبيحة ليست بلائقة، والواقع في نفس الأمر بُعْدها وبراءتها من ذلك.
وسبب تلك الدعوى الشنيعة على ظواهر كتاب الله وسنة رسوله، هو عدم معرفة مدعيها.
ولأجل هذه البلية العظمى، والطامة الكبرى، زعم كثير من النظار الذين عندهم فهم (١)، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها غير لائقة بالله، لأن ظواهرها المتبادرة منها هو تشبيه صفات الله بصفات خلقه، وعقد ذلك المقري في إضاءته في قوله:
والنص إن أوهم غير اللائق ... بالله كالتشبيه بالخلائق
فاصرفه عن ظاهره إجماعًا ... واقطع عن الممتنع الأطماعا
وهذه الدعوى الباطلة، من أعظم الافتراء على آيات الله تعالى وأحاديث رسوله - ﷺ - .
стр. 4840
والواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها لكل مسلم رَاجَع عقله، هي مخالفة صفات الله لصفات خلقه.
ولا بد أن نتساءل هنا فنقول:
أليس الظاهر المتبادر مخالفة الخالق للمخلوق في الذات والصفات والأفعال؟
والجواب الذي لا جواب غيره: بلى.
وهل تشابهت صفات الله مع صفات خلقه حتى يقال إن اللفظ الدال على صفته تعالى ظاهره المتبادر منه تشبيهه بصفة الخلق؟
والجواب الذي لا جواب غيره: لا.
فبأي وجه يتصور عاقل أن لفظًا أنزله الله في كتابه مثلًا، دالًّا على صفة من صفات الله، أثنى بها تعالى على نفسه، يكون ظاهره المتبادر منه مشابهته لصفة الخلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
فالخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف.
فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق؟ أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق، مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق؟
فكل لفظ دل على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقًا بالخالق منزهًا عن مشابهة صفات المخلوق.
وكذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق.
стр. 4841
فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق، هو كونها جارحة هي عظم ولحم ودم، وهذا هو الذي يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾.
والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله جل وعلا، ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله.
وقد بين جل وعلا عظم هذه الصفة وما هي عليه من الكمال والجلال، وبين أنها من صفات التأثير كالقدرة، قال تعالى في تعظيم شأنها: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.
وبين أنها صفة تأثير كالقدرة في قوله تعالى: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فتصريحه تعالى بأنه خلق نبيه آدم بهذه الصفة العظيمة التي هي من صفات كماله وجلاله يدل على أنها من صفات التأثير كما ترى.
ولا يصح هنا تأويل اليد بالقدرة البتة، لإِجماع أهل الحق والباطل كلهم على أنه لا يجوز تثنية القدرة.
ولا يخطر في ذهن المسلم المراجع عقله، دخول الجارحة التي هي عظم ولحم ودم في معنى هذا اللفظ الدال على هذه الصفة العظيمة من صفات خالق السماوات والأرض.
فاعلم أيها المدعي أن ظاهر لفظ اليد في الآية المذكورة وأمثالها لا يليق بالله، لأن ظاهرها التشبيه بجارحة الإِنسان، وأنها يجب صرفها عن هذا الظاهر الخبيث، ولم تكتف بهذا حتى ادعيت
стр. 4842
الإِجماع على صرفها عن ظاهرها = أن قولك هذا كله افتراء عظيم على الله تعالى، وعلى كتابه العظيم، وأنك بسببه كنت أعظم المشبهين والمجسمين، وقد جرك شؤم هذا التشبيه إلى ورطة التعطيل، فنفيت الوصف الذي أثبته الله في كتابه لنفسه بدعوى أنه لايليق به، وأولته بمعنى آخر من تلقاء نفسك بلا مستند من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من السلف.
وماذا عليك لو صدقت الله وآمنت بما مدح به نفسه على الوجه اللائق بكماله وجلاله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل؟
وبأي موجب سوغت لذهنك أن يخطر فيه صفة المخلوق عند ذكر صفة الخالق؟
هل تلتبس صفة الخالق بصفة المخلوق عند أحد، حتى يفهم صفة المخلوق من اللفظ الدال على صفة الخالق؟
فاخش الله يا إنسان، واحذر من التقول على الله بلا علم، وآمن بما جاء في كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه.
واعلم أن الله الذي أحاط علمه بكل شيء، لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به والوصف غير اللائق به، حتى يأتي إنسان فيتحكم في ذلك فيقول: هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك، وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك ولا من رسولك، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك.
فاليد مثلًا التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه بالجارحة، وأنا أنفيها عنك نفيًا باتًّا، وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو النعمة أو القدرة مثلًا أو الجود.
стр. 4843
سبحانك هذا بهتان عظيم.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
ومن الغريب أن بعض الجاحدين لصفات الله، المؤولين لها بمعان لم ترد عن الله ولا عن رسوله، يؤمنون فيها ببعض الكتاب دون بعض.
فيقرون بأن الصفات (١) السبع التي تشتق منها أوصاف ثابتة لله مع التنزيه، ونعني بها القدرة والإِرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، لأنها يشتق منها قادر حي عليم ... إلخ، وكذلك في بعض الصفات الجامعة كالعظمة والكبرياء والملك والجلال مثلًا؛ لأنها يشتق منها العظيم والمتكبر والجليل والملك، وهكذا، ويجحدون كل صفة ثبتت في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - لم يشتق منها غيرها كصفة اليد والوجه ونحو ذلك، ولا شك أن هذا التفريق بين صفات الله التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله - ﷺ - لا وجه له البتة بوجه من الوجوه.
ولم يرد عن الله ولا عن رسوله - ﷺ - الإِذن في الإِيمان ببعض صفاته، وجحد بعضها وتأويله لأنها لا يشتق منها.
وهل يتصور عاقل أن يكون عدم الاشتقاق مسوغًا لجحد ما وصف الله به نفسه؟
ولا شك عند كل مسلم راجع عقله، أن عدم الاشتقاق لا يرد به كلام الله فيما أثنى به على نفسه، ولا كلام رسوله فيما وصف به ربه.
стр. 4844
والسبب الموجب للإِيمان إيجابًا حتمًا كليًّا هو كونه من عند الله، وهذا السبب هو الذي علم الراسخون في العلم أنه الموجب للإِيمان بكل ما جاء عن الله، سواء استأثر الله بعلمه كالمتشابه، أو كان مما يعلمه الراسخون في العلم، كما قال الله عنهم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.
فلا شك أن قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من عند ربنا، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ من عند ربنا أيضًا، فيجب علينا الإِيمان بالجميع؛ لأنه كله من عند ربنا.
أما الذي يفرق بينه، وهو عالم بأن كله من عند ربه، بأن هذا يشتق منه وهذا لا يشتق منه، فقد آمن ببعض الكتاب دون بعض.
والمقصود أن كلما جاء من عند الله يجب الإِيمان به، سواء كان من المتشابه أو من غير المتشابه، وسواء كان يشتق منه أو لا.
ومعلوم أن مالكًا ﵀ سئل كيف استوى، فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإِيمان به واجب.
وما يزعمه بعضهم من أن القدرة والإِرادة مثلًا ونحوهما ليست كاليد والوجه، بدعوى أن القدرة والإِرادة مثلًا ظهرت آثارهما في العالم العلوي والسفلي بخلاف غيرهما كصفة اليد ونحوها، فهو من أعظم الباطل.
ومما يوضح ذلك أن الذي يقوله، هو وأبوه وجده من آثار صفة اليد التي خلق الله بها نبيه آدم.
ونحن نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد؛ لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة
стр. 4845
خلقه، فقصدهم حسن، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيئة.
وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق، فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصدًا منهم لتنزيه الله، وأولوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم، فهم كما قال الشافعي ﵀:
رام نفعًا فضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقًا
ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾.
وخطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولًا، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق، لسلموا مما وقعوا فيه.
ولا شك أن النبي - ﷺ - عالم كل العلم بأن الظاهر المتبادر مما مدح الله به نفسه في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات الخلق، ولو كان يخطر في ذهنه أن ظاهره لا يليق، لأنه تشبيه بصفات الخلق، لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد، ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه.
فسكوت النبي - ﷺ - عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤلون لا أساس له كما ترى.
فإن قيل: إن هذا القرآن العظيم، نزل بلسان عربي مبين، والعرب لا تعرف في لغتها كيفية لليد مثلًا إلا كيفية المعاني المعروفة
стр. 4846
عندها، كالجارحة وغيرها من معاني اليد المعروفة في اللغة، فبينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم.
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن العرب لا تدرك كيفيات صفات الله من لغتها، لشدة منافاة صفة الله لصفة الخلق.
والعرب لا تعرف عقولهم كيفيات إلا لصفات الخلق، فلا تعرف العرب كيفية للسمع والبصر إلا هذه المشاهدة في حاسة الأذن والعين، أما سمع لا يقوم بأذن وبصر لا يقوم بحدقة، فهذا لا يعرفون له كيفية البتة.
فلا فرق بين السمع والبصر، وبين اليد والاستواء، فالذي تعرف كيفيته العرب من لغتها من جميع ذلك هو المشاهد في المخلوقات.
وأما الذي اتصف الله به من ذلك، فلا تعرف له العرب كيفية ولا حدًّا، لمخالفة صفاته لصفات الخلق، إلا أنهم يعرفون من لغتهم أصل المعنى، كما قال الإِمام مالك ﵀: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإِيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
كما يعرفون من لغتهم، أن بين الخالق والمخلوق، والرزق والمرزوق، والمحيي والمُحْيَا، والمميت والمُمَات، فوارق عظيمة لا حد لها، تستلزم المخالفة التامة بين صفات الخالق والمخلوق.
الوجه الثاني: أن نقول لمن قال: بينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما
стр. 4847
ذكرتم، من كونها صفة كمال وجلال، منزهة عن مشابهة جارحة المخلوق:
هل عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة باليد؟ فلا بد أن يقول: لا.
فإن قال ذلك، قلنا: معرفة كيفية الصفات تتوقف على معرفة كيفية الذات، فالذات والصفات من باب واحد، فكما أن ذاته جل وعلا تخالف جميع الذوات، فإن صفاته تخالف جميع الصفات.
ومعلوم أن الصفات تختلف وتتباين باختلاف موصوفاتها.
ألا ترى مثلًا أن لفظة "رأس" كلمة واحدة، إن أضفتها إلى الإِنسان فقلت: رأس الإِنسان، وإلى الوادي فقلت: رأس الوادي، وإلى المال فقلت: رأس المال، وإلى الجبل فقلت: رأس الجبل، فإن كلمة الرأس اختلفت معانيها، وتباينت تباينًا شديدًا بحسب اختلاف إضافتها، مع أنها في مخلوقات حقيرة.
فما بالك بما أضيف من الصفات إلى الله وما أضيف منها إلى خلقه، فإنه يتباين كتباين الخالق والمخلوق، كما لا يخفى.
فاتضح بما ذكر أن الشرط في قول المقري في إضاءته:
• والنص إن أوهم غير اللائق *
شرط مفقود قطعًا؛ لأن نصوص الوحي الواردة في صفات الله، لا تدل ظواهرها البتة إلا على تنزيه الله، ومخالفته لخلقه في الذات والصفات والأفعال.
فكل المسلمين الذين يراجعون عقولهم، لا يشك أحد منهم في أن الظاهر المتبادر السابق إلى ذهن المسلم، هو مخالفة الله لخلقه،
стр. 4848
كما نص عليه بقوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، ونحو ذلك من الآيات.
وبذلك تعلم أن الإِجماع الذي بناه على ذلك في قوله:
• فاصرفه عن ظاهره إجماعًا *
إجماع مفقود أصلًا، ولا وجود له البتة؛ لأنه مبني على شرط مفقود لا وجود له البتة.
فالإِجماع المعدوم المزعوم لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله، ولم يقله أحد من أصحاب رسول الله، ولا من تابعيهم، ولم يقله أحد من الأئمة الأربعة ولا من فقهاء الأمصار المعروفين.
وإنما لم يقولوا بذلك؛ لأنهم يعلمون أن ظواهر نصوص الوحي لا تدل إلا على تنزيه الله عن مشابهة خلقه، وهذا الظاهر الذي هو تنزيه الله لا داعي لصرفها عنه كما ترى.
ولأجل هذا كله قلنا في مقدمة هذا الكتاب المبارك: إن الله ﵎ موصوف بتلك الصفات حقيقة لا مجازًا؛ لأنا نعتقد اعتقادًا جازمًا لا يتطرق إليه شك، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تدل البتة إلا على التنزيه عن مشابهة الخلق واتصافه تعالى بالكمال والجلال.
وإثبات التنزيه والكمال والجلال لله حقيقة لا مجازًا لا ينكره مسلم.
ومما يدعو إلى التصريح بلفظ الحقيقة، ونفي المجاز، كثرة الجاهلين الزاعمين أن تلك الصفات لا حقائق لها، وأنها كلها
стр. 4849
مجازات، وجعلوا ذلك طريقًا إلى نفيها؛ لأن المجاز يجوز نفيه، والحقيقة لا يجوز نفيها.
فقالوا مثلًا: اليد مجاز يراد به القدرة والنعمة أو الجود، فنفوا صفة اليد؛ لأنها مجاز.
وقالوا: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مجاز، فنفوا الاستواء؛ لأنه مجاز.
وقالوا: معنى (استوى) استولى، وشبهوا استيلاءه باستيلاء بشر بن مروان على العراق.
ولو تدبروا كتاب الله لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء، وتبديل اليد بالقدرة أو النعمة؛ لأن الله جل وعلا يقول في محكم كتابه في سورة البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾، ويقول في الأعراف: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾، فالقول الذي قاله الله لهم: هو قوله: (حطة) وهي فِعْلة، من الحط بمعنى الوضع، خبر مبتدأ محذوف، أي دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا، أي حطٌّ ووضعٌ لها عنَّا، فهي بمعنى طلب المغفرة.
وفي بعض روايات الحديث في شأنهم: أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نونًا فقط فقالوا: "حنطة" وهي القمح.
وأهل التأويل قيل لهم: (على العرش استوى)، فزادوا لامًا فقالوا: استولى.
стр. 4850
وهذه اللام التي زادوها أشبه شيء بالنون التي زادها اليهود في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
ويقول الله جل وعلا في منع تبديل القرآن بغيره: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.
ولا شك أن من بدل (استوى) باستولى مثلًا لم يتبع ما أوحي إلى النبي - ﷺ - .
فعليه أن يجتنب التبديل، ويخاف العذاب العظيم الذي خافه رسول الله - ﷺ - لو عصا الله فبدل قرآنًا بغيره، المذكور في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.
واليهود لم ينكروا أن اللفظ الذي قاله الله لهم هو لفظة (حطة) ولكنهم حرفوه بالزيادة المذكورة.
وأهل هذه المقالة لم ينكروا أن كلمة القرآن هي (استوى)، ولكن حرفوها وقالوا في معناها: استولى، وإنما أبدلوها بها؛ لأنها أصلح في زعمهم من لفظ كلمة القرآن؛ لأن كلمة القرآن توهم غير اللائق، وكلمة استولى في زعمهم هي المنزهة اللائقة بالله، مع أنه لا يعقل تشبيه أشنع من تشبيه استيلاء الله على عرشه المزعوم باستيلاء بشر على العراق.
وهل كان أحد يغالب الله على عرشه حتى غلبه على العرش، واستولى عليه؟!
وهل يوجد شيء إلا والله مستول عليه؟ فالله مستول على كل شيء.
стр. 4851
وهل يجوز أن يقال: إنه تعالى استوى على كل شيء غير العرش؟
فافهم.
وعلى كل حال، فإن المؤول زعم أن الاستواء يوهم غير اللائق بالله لاستلزامه مشابهة استواء الخلق، وجاء بدله بالاستيلاء؛ لأنه هو اللائق به في زعمه، ولم ينتبه لأن تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر بن مروان على العراق هو أفظع أنواع التشبيه، وليس بلائق قطعًا، إلا أنه يقول: إن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء الخلق، مع أنه ضرب له المثل باستيلاء بشر على العراق، والله يقول: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾.
ونحن نقول: أيها المؤول هذا التأويل، نحن نسألك: إذا علمت أنه لا بد من تنزيه أحد اللفظين، أعني لفظ ﴿اسْتَوَى (٥)﴾ الذي أنزل الله به الملك على النبي - ﷺ - قرآنًا يتلى، كل حرف منه عشر حسنات، ومن أنكر أنه من كتاب الله كفر.
ولفظة استولى التي جاء بها قوم من تلقاء أنفسهم من غير استناد إلى نص من كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من السلف.
فأي الكلمتين أحق بالتنزيه في رأيك؟ الأحق بالتنزيه كلمة القرآن المنزلة من الله على رسوله، أم كلمتكم التي جئتم بها من تلقاء أنفسكم من غير مستند أصلًا؟
ونحن لا يخفى علينا الجواب الصحيح عن هذا السؤال إن كنت لا تعرفه.
стр. 4852
واعلم أنما ذكرنا من أن ما وصف الله به نفسه من الصفات فهو موصوف به حقيقة لا مجازًا، على الوجه اللائق بكماله وجلاله، وأنه لا فرق البتة بين صفة يشتق منها وصف، كالسمع والبصر والحياة، وبين صفة لا يشتق منها كالوجه واليد، وأن تأويل الصفات، كتأويل الاستواء بالاستيلاء، لا يجوز ولا يصح = هو معتقد أبي الحسن الأشعري ﵀، وهو معتقد عامة السلف، وهو الذي كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه.
فمن ادعى على أبي الحسن الأشعري أنه يؤول صفة من الصفات، كالوجه واليد والاستواء ونحو ذلك، فقد افترى عليه افتراء عظيمًا.
بل الأشعري ﵀ مصرح في كتبه العظيمة التي صنفها بعد رجوعه عن الاعتزال، كالموجز، ومقالات الإِسلاميين واختلاف المصلين، والإِبانة عن أصول الديانة: أن معتقده الذين يدين الله به هو ما كان عليه السلف الصالح من الإِيمان بكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله - ﷺ - ، وإثبات ذلك كله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل، وأن ذلك لا يصح تأويله ولا القول بالمجاز فيه، وأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو مذهب المعتزلة ومن ضاهاهم.
وهو أعلم الناس بأقوال المعتزلة؛ لأنه كان أعظم إمام في مذهبهم، قبل أن يهديه الله إلى الحق، وسنذكر لك هنا بعض نصوص أبي الحسن الأشعري ﵀ لتعلم صحة ما ذكرنا عنه.
قال ﵀ في كتاب الإِبانة عن أصول الديانة، الذي قال غير واحد إنه آخر كتاب صنفه، ما نصه:
стр. 4853
فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون، قيل له:
قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا - ﷺ - ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث.
ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإِمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان به الحق ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وخليل معظم مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين.
وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ - ، لا نرد من ذلك شيئًا.
وأن الله إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، والساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
وأن الله استوى على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وكما
стр. 4854
قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وأن له عينان بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. اهـ محل الغرض منه بلفظه.
وبه تعلم أن من يفتري على الأشعري أنه من المؤولين المدعين أن ظاهر آيات الصفات وأحاديثها لا يليق بالله كاذب عليه كذبًا شنيعًا.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب الإِبانة أيضًا في إثبات الاستواء لله تعالى، ما نصه:
إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟
قيل له: نقول: إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وقد قال الله : ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وقد قال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾، وقال : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ﴾، وقال حكاية عن فرعون: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، فكذب فرعونُ نبي الله موسى ﵇ في قوله: إن الله فوق السموات، وقال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾.
فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ لأنه مستوٍ على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات.
هذا لفظ أبي الحسن الأشعري ﵀ في كتاب الإِبانة المذكور.
وقد أطال ﵀ في الكلام بذكر الأدلة القرآنية، في إثبات صفة الاستواء، وصفة العلو لله جل وعلا.
стр. 4855
ومن جملة كلامه المشار إليه ما نصه:
وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ أنه استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة.
ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم.
فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو مستول على الأشياء كلها، لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأفراد؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها.
وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها.
وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في كل مكان، فلزمهم أنه في بطن مريم، وفي الحشوش والأخلية.
وهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم. اهـ.
هذا لفظ أبي الحسن الأشعري ﵀ في آخر مصنفاته، وهو كتاب الإِبانة عن أصول الديانة.
وتراه صرح ﵀ بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو قول
стр. 4856
المعتزلة والجهمية والحرورية، لا قول أحد من أهل السنة، وأقام البراهين الواضحة على بطلان ذلك.
فليعلم مؤولو الاستواء بالاستيلاء أن سلفهم في ذلك المعتزلة والجهمية والحرورية، لا أبو الحسن الأشعري ﵀ ولا أحد من السلف.
وقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ الآية، أن قول الجهمية ومن تبعهم: إن الله في كل مكان، قول باطل؛ لأن جميع الأمكنة الموجودة، أحقر وأقل وأصغر من أن يسع شيء منها خالق السماوات والأرض، الذي هو أعظم وأكبر من كل شيء، وهو محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء.
فانظر إيضاح ذلك في الأنعام.
واعلم أن ما يزعمه كثير من الجهلة، من أن ما في القرآن العظيم، من صفة الاستواء والعلو والفوقية، يستلزم الجهة، وأن ذلك محال على الله، وأنه يجب نفي الاستواء والعلو والفوقية، وتأويلها بما لا دليل عليه من المعاني = كله باطل، وسببه سوء الظن بالله وبكتابه.
وعلى كل حال، فمدعي لزوم الجهة لظواهر نصوص القرآن العظيم، واستلزام ذلك للنقص الموجب للتأويل، يقال له:
ما مرادك بالجهة؟
إن كنت تريد بالجهة مكانًا موجودًا، انحصر فيه الله، فهذا ليس بظاهر القرآن، ولم يقله أحد من المسلمين.
стр. 4857
وإن كنت تريد بالجهة العدم المحض، فالعدم عبارة عن لا شيء، فميز أولًا بين الشيء الموجود وبين اللاشيء.
وقد قال أيضًا أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتاب الإِبانة أيضًا ما نصه:
فإن سئلنا: أتقولون: إن لله يدين؟ قيل: نقول ذلك، وقد دل عليه قوله : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾، وقوله : ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
وأطال ﵀ الكلام في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله.
ومن جملة ما قال، ما نصه:
ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله عنى بقوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ يدين ليستا نعمتين؟
فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة.
قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟
فإن أرجعونا إلى شاهدنا، وإلى ما نجده فيما بيننا من الخلق، فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة، قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله ، فكذلك لم نجد حيًّا من الخلق إلا جسمًا لحمًا ودمًا، فاقضوا بذلك على الله ، وإلا فأنتم لقولكم متأولون ولاعتلالكم ناقضون.
وإن أثبتم حيًّا لا كالأحياء منا، فلم أنكرتم أن تكون اليدان
стр. 4858
اللتان أخبر الله عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا كالأيدي؟
وكذلك يقال لهم:
لم تجدوا مدبرًا حكيمًا إلا إنسانًا، ثم أثبتم أن للدنيا مدبرًا حكيمًا، ليس كالإِنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم.
فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، من أجل أن ذلك خلاف الشاهد. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
وبه تعلم أن الأشعري ﵀ يعتقد أن الصفات التي أنكرها المؤولون، كصفة اليد، من جملة صفات المعاني كالحياة ونحوها، وأنه لا فرق البتة بين صفة اليد وصفة الحياة، فما اتصف الله به من جميع ذلك فهو منزه عن مشابهة ما اتصف به الخلق منه.
واللازم لمن شبه في بعض الصفات ونزه في بعضها أن يشبِّه في جميعها أو ينزه في جميعها، كما قاله الأشعري.
أما ادعاء ظهور التشبيه في بعضها دون بعض، فلا وجه له بحال من الأحوال؛ لأن الموصوف بها واحد، وهو منزه عن مشابهة صفات خلقه.
ومن جملة كلام أبي الحسن الأشعري ﵀ المشار إليها آنفًا في إثبات الصفات، ما نصه:
فإن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على المجاز؟
قيل له: حكم كلام الله أن يكون على ظاهره وحقيقته، ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا لحجة.
стр. 4859
ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم، فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص، فليس هو على حقيقة الظاهر، وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة؟
كذلك قول الله : ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على ظاهره وحقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة.
ولو جاز ذلك لجاز لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم، بغير حجة.
وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان، لم يجز لكم ما ادعيتموه أنه مجاز بغير حجة.
بل واجب أن يكون قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة، غير نعمتين، إذ كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي، وهو يعني النعمتين. اهـ.
محل الغرض منه بلفظه.
وفيه تصريح أبي الحسن الأشعري ﵀ بأن صفات الله كصفة اليد، ثابتة له حقيقة لا مجازًا، وأن المدعين أنها مجاز هم خصومه وهو خصمهم كما ترى.
وإنما قال ﵀: إنه تعالى متصف بها حقيقة لا مجازًا؛ لأنه لا يشك في أن ظاهر صفة الله هو مخالفة صفة الخلق، وتنزيهها عن مشابهتها، كما هو شأن السلف الصالح كلهم.
فإثبات الحقيقة ونفي المجاز في صفات الله، هو اعتقاد كل
стр. 4860
مسلم طاهر القلب من أقذار التشبيه؛ لأنه لا يسبق إلى ذهنه من اللفظ الدال على الصفة كصفة اليد والوجه إلا أنها صفة كمال منزهة عن مشابهة صفات الخلق.
فلا يخطر في ذهنه التشبيه الذي هو سبب نفي الصفة وتأويلها بمعنى لا أصل له.
تنبيه مهم
فإن قيل: دل الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن الله وصف نفسه بصفة اليدين، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الآية.
والأحاديث الدالة على مثل ما دلت عليه الآيات المذكورة كثيرة، كما هو معلوم، وأجمع المسلمون على أنه جل وعلا لا يجوز أن يوصف بصفة الأيدي، مع أنه تعالى قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾، فلم أجمع المسلمون على تقديم آية ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على آية ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾؟
فالجواب: أنه لا خلاف بين أهل اللسان العربي ولا بين المسلمين أن صيغ الجموع تأتي لمعنيين:
أحدهما: إرادة التعظيم فقط، فلا يدخل في صيغة الجمع تعدد أصلًا؛ لأن صيغة الجمع المراد بها التعظيم إنما يراد بها واحد.
والثاني: أن يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف.
стр. 4861
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن القرآن العظيم يكثر فيه جدًّا إطلاق الله جل وعلا على نفسه صيغة الجمع، يريد بذلك تعظيم نفسه، ولا يريد بذلك تعددًا ولا أن معه غيره، عن ذلك علوًا كبيرًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.
فصيغة الجمع في قوله: ﴿إِنَّا﴾، وفي قوله: ﴿نَحْنُ﴾، وفي قوله: ﴿نَزَّلْنَا﴾، وقوله: ﴿حَافِظُونَ (٥)﴾، لا يراد بها أن معه منزلًا للذكر، وحافظًا له غيره تعالى، بل هو وحده المنزل له والحافظ له.
وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾، ونحو هذا كثير في القرآن جدًّا.
وبه تعلم أن صيغة الجمع في قوله: ﴿أَنَّا﴾، وفي قوله: ﴿خَلَقْنَا﴾، وفي قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾ إنما يراد بها التعظيم، ولا يراد بها التعدد أصلًا.
وإذا كان يراد بها التعظيم لا التعدد، علم بذلك أنها لا تصح بها معارضة قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لأنها دلت على صفة اليدين، والجمع في قوله: ﴿أَيدِينَا﴾ لمجرد التعظيم.
وما كان كذلك لا يدل على التعدد، فيطلب الدليل من غيره، فإن دل على أن المراد بالتعظيم واحد حُكِم بذلك، كالآيات المتقدمة، وإن دل على معنى آخر حُكِم به.
فقوله مثلًا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ قام فيه البرهان القطعي أنه حافظ واحد، وكذلك قوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾، ﴿أَمْ نَحْنُ
стр. 4862
الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾، فإنه قد قام في كل ذلك البرهان القطعي على أنه خالق واحد، ومنزل واحد، ومنشئ واحد.
وأما قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾ فقد دل البرهان القطعي على أن الله موصوف بصفة اليدين، كما صرح به في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كما تقدم إيضاحه قريبًا.
وقد علمت أن صيغة الجمع في قوله: ﴿لَحَافِظُونَ (٩)﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾، وقوله: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾، لا يراد بشيء منه معنى الجمع، وإنما يراد به التعظيم فقط.
وقد أجاب أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتاب الإبانة بما يقرب من هذا في المعنى.
واعلم أن لفظ اليدين قد يستعمل في اللغة العربية استعمالًا خاصًّا، بلفظ خاص، لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة، وإنما يراد به معنى أمام.
واللفظ المختص بهذا المعنى هو لفظة اليدين التي أضيفت إليها لفظة "بين" خاصة، أعني لفظة "بين يديه"، فإن المراد بهذه اللفظة: أمامه. وهو استعمال عربي معروف مشهور في لغة العرب، لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا القدرة، ولا أي صفة كائنة ما كانت، وإنما يراد به أمام فقط، كقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾ أي ولا بالذي كان أمامه سابقًا عليه من الكتب.
وكقوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي مصدقًا لما كان أمامه متقدمًا عليه من التوراة.
стр. 4863
وكقوله: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، فالمراد بلفظ ﴿مَا بَينَ أَيدِيهِمْ﴾ ما أمامهم.
وكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ﴾، أي يرسل الرياح مبشرات أمام رحمته التي هي المطر.
إلى غير ذلك من الآيات.
ومما يوضح لك ذلك: أنه لا يمكن تأويل اليدين في ذلك بنعمتين ولا قدرتين ولا جارحتين، ولا غير ذلك من الصفات، فهذا أسلوب خاص، دال على معنى خاص، بلفظ خاص، مشهور في كلام العرب، فلا صلة له باللفظ الدال على الجارحة بالنسبة إلى الإِنسان، ولا باللفظ الدال على صفة الكمال والجلال الثابتة لله تعالى. فافهم.
وقال أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه "مقالات الإِسلاميين واختلاف المصلين"، الذي ذكر فيه أقوال جميع أهل الأهواء والبدع والمؤولين والنافين لصفات الله أو بعضها، ما نصه:
جملة ما عليه أهل الحديث والسنة: الإِقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ - ، لا يردون من ذلك شيئًا.
وأن الله سبحانه إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبه ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله سبحانه على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.
стр. 4864
إلى أن قال في كلامه هذا، بعد أن سرد مذهب أهل السنة والجماعة، ما نصه:
فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، وإليه المصير.
هذا لفظ أبي الحسن الأشعري ﵀ في كتاب المقالات المذكور.
وبه تعلم أنه يؤمن بكل ما جاء عن الله في كتابه، وما ثبت عن رسوله - ﷺ - ، لا يرد من ذلك شيئًا ولا ينفيه، بل يؤمن به ويثبته لله، بلا كيف ولا تشبيه، كما هو مذهب أهل السنة.
وقال أبو الحسن الأشعري أيضًا في كتاب المقالات المذكور، ما نصه:
وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه على العرش كما قاله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف.
ثم أطال الكلام ﵀ في إثبات الصفات، كما قدمنا عنه، ثم قال ما نصه: وقالت المعتزلة: إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
فتراه صرح في كتاب المقالات المذكور بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو قول المعتزلة، لا قوله هو ولا قول أحد من أهل السنة.
стр. 4865
وزاد في كتاب "الإِبانة" مع المعتزلة: الجهمية والحرورية، كما قدمنا.
وبكل ما ذكرنا تعلم أن الأشعري رجع عن الاعتزال إلى مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها.
وقد قدمنا إيضاح الحق في آيات الصفات بالأدلة القرآنية بكثرة في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية.
واعلم أن أئمة القائلين بالتأويل، رجعوا قبل موتهم عنه؛ لأنه مذهب غير مأمون العاقبة؛ لأن مبناه على ادعاء أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تليق بالله، لظهورها وتبادرها في مشابهة صفات الخلق، ثم نَفْي تلك الصفات الواردة في الآيات والأحاديث، لأجل تلك الدعوى الكاذبة المشؤومة، ثم تأويلها بأشياء أخر، دون مستند من كتاب أو سنة، أو قول صحابي أو أحد من السلف.
وكل مذهب هذه حاله، فإنه جدير بالعاقل المفكر أن يرجع عنه إلى مذهب السلف.
وقد أشار تعالى في سورة الفرقان أن وصف الله بالاستواء صادر عن خبير بالله وبصفاته، عالم بما يليق به وبما لا يليق، وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾.
فتأمل قوله: (فاسأل به خبيرًا) بعد قوله: (ثم استوى على العرش الرحمن) تعلم أن من وصف الرحمن بالاستواء على العرش خبير بالرحمن وبصفاته، لا يخفى عليه اللائق من الصفات وغير اللائق.
стр. 4866
فالذي نبأنا بأنه استوى على عرشه هو العليم الخبير الذي هو الرحمن.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.
وبذلك تعلم أن من يدعي أن الاستواء يستلزم التشبيه وأنه غير لائق، غير خبير، نعم والله هو غير خبير!
وسنذكر هنا إن شاء الله أن أئمة المتكلمين المشهورين رجعوا كلهم عن تأويل الصفات.
أما كبيرهم الذي هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري، وهو القاضي محمد بن الطيب المعروف بأبي بكر الباقلاني، فإنه كان يؤمن بالصفات على مذهب السلف ويمنع تأويلها منعًا باتًا، ويقول فيها بمثل ما قدمنا عن الأشعري.
وسنذكر لك هنا بعض كلامه.
قال الباقلاني المذكور في كتاب التمهيد، ما نصه:
باب في أن لله وجهًا ويدين، فإن قال قائل فما الحجة في أن لله وجهًا ويدين؟ قيل له: قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فأثبت لنفسه وجهًا ويدين.
فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون المعنى في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أنه خلقه بقدرته أو بنعمته؛ لأن اليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة، وبمعنى القدرة، كما يقال: لي عند فلان يد بيضاء، يراد به نعمة، وكما يقال: هذا الشيء في يد فلان وتحت يد فلان، يراد به أنه تحت قدرته وفي ملكه، ويقال: رجل أيدٌ، إذا كان قادرًا،
стр. 4867
وكما قال تعالى: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا﴾ يريد عملنا بقدرتنا، وقال الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
فكذلك قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يعني بقدرتي أو بنعمتي؟
يقال لهم: هذا باطل؛ لأن قوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ يقتضي إثبات يدين هما صفة له.
فلو كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان.
وأنتم لا تزعمون أن للباري سبحانه قدرة واحدة، فكيف يجوز أن تثبتوا له قدرتين؟
وقد أجمع المسلمون من مثبتي الصفات والنافين لها على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان، فبطل ما قلتم.
وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين؛ لأن نعم الله تعالى على آدم وعلى غيره لا تحصى.
ولأن القائل لا يجوز أن يقول: رفعت الشيء بيديَّ أو وضعته بيديَّ أو توليته بيديَّ، وهو يعني نعمته.
وكذلك لا يجوز أن يقال: لي عند فلان يدان، يعني نعمتين.
وإنما يقال: لي عنده يدان بيضاوان؛ لأن القول: "يديَّ"، لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة الذات.
ويدل على فساد تأويلهم أيضًا أنه لو كان الأمر على ما قالوه لم يغفل عن ذلك إبليس، وعن أن يقول: وأي فضل لآدم عليَّ يقتضي أن أسجد له، وأنا أيضًا بيدك خلقتني، التي هي قدرتك، وبنعمتك خلقتني؟
стр. 4868
وفي العلم بأن الله تعالى فَضَّلَ آدم عليه بخلقه بيديه، دليل على فساد ما قالوه.
فإن قال قائل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذ كنتم لم تعقلوا يد صفة ووجه صفة لا جارحة؟
يقال له: لا يجب ذلك، كما لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا إلا جسمًا أن نقضي نحن وأنتم على الله تعالى بذلك.
وكما لا يجب متى كان قائمًا بذاته أن يكون جوهرًا أو جسمًا، لأنا وإياكم لم نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
وهو صريح في أنه يرى أن صفة الوجه وصفة اليد وصفة العلم والحياة والقدرة كلها من صفات المعاني، ولا وجه للفرق بينها، وجميع صفات الله مخالفة لجميع صفات خلقه.
وقال الباقلاني أيضًا في كتاب التمهيد ما نصه:
فإن قالوا: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟
قيل: معاذ الله، بل هو مستو على العرش كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وقال تعالى: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾.
ولو كان في كل مكان، لكان في جوف الإِنسان وفمه، وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها، تعالى عن ذلك، ولوجب أن يزيد بزيادة الأماكن إذا خلق منها ما لم يكن خلقه، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان.
стр. 4869
ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا وشمائلنا، وهذا ما قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله.
إلى إن قال ﵀: ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه عليه كما قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر، والله تعالى لم يزل قادرًا قاهرًا عزيزًا مقتدرًا.
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، فيبطل ما قالوه.
فإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله، لأعرف ذلك.
قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها.
وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإِرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان. أهـ محل الغرض منه بلفظه.
وقد نقلناه من نسخة هي أجود نسخة موجودة لكتاب التمهيد للباقلاني المذكور.
وترى تصريحه فيها بأن صفة الوجه واليد من صفات المعاني، كالحياة والعلم والقدرة والإِرادة، كما هو قول أبي الحسن الأشعري الذي قدمنا إيضاحه.
واعلم أن إمام الحرمين أبا المعالي الجويني، كان في زمانه من
стр. 4870
أعظم أئمة القائلين بالتأويل، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه "الإِرشاد".
ولكنه رجع عن ذلك في رسالته العقيدة النظامية، فإنه قال فيها:
اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسُّنَّة، وامتنع على أهل الحق فحواها وإجراؤها على موجب ما تبرزه أفهام أرباب اللسان منها.
فرأى بعضهم تأويلها، والتزام هذا المنهج في آي الكتاب وفيما صح من سنن النبي - ﷺ - .
وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب سبحانه.
والذي نرتضيه رأيًا وندين الله به عقدًا، اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة.
وقد درج صحب الرسول - ﷺ - على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإِسلام والمشتغلون بأعباء الشريعة.
وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها.
فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.
فإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإِضراب عن التأويل كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المتبع بحق.