والمقرر في أصول مالك: أن العرف المقارن للخطاب من المخصصات المنفصلة التي يخصص بها العام. قال في مراقي السعود في ذلك:
والعرف حيث قارن الخطابا ... ودع ضمير البعض والأسبابا
الأمر الثاني: أن الاستدلال بالحديث المذكور على فرض اعتبار عمومه، وعدم تخصيصه بالعرف المذكور، يقتضي أن الطعام كله جنس واحد، فيدخل التمر والملح، لصدق الطعام عليهما، وهذا لا قائل به كما ترى.
فالظاهر أن الإمام مالكًا ﵀ ومن وافقه من أهل العلم، لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن القمح والشعير والتمر والملح أجناس، وأن القمح يباع بالشعير كيف شاء المتبايعان إن كان يدًا بيد.
وأما التدمية البيضاء فقول مالك فيها يظهر لنا قوته واتجاهه، وإن خالف في ذلك بعض أصحابه وأكثر أهل العلم.
وقد بين وجه قول مالك فيها ابن عبد البر وابن العربي وغيرهما.
والمسائل التي قال بعض أهل العلم إن مالكًا خالف فيها السنة معروفة، منها ما ذكرنا، ومنها مسألة سجود الشكر، وسجدات التلاوة في المفصل، وعدم الجهر بآمين، وعدم رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وعدم قول الإمام: ربنا ولك الحمد، وعدم ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر، وترك السجدة الثانية في الحج، وغير ذلك من المسائل.
стр. 4972
وقد قدمنا أن بعض ما ترك مالك من النصوص قد بلغته فيه السنة ولكنه رأى غيرها أرجح منها، وأن بعضها لم يبلغه، وأن الحق قد يكون معه في بعض المسائل التي أخذت عليه، وقد يكون مع غيره، كما قال مالك نفسه ﵀: كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلام صاحب هذا القبر.
وهو تارة يقدم دليل القرآن المطلق أو العام على السنة التي هي أخبار آحاد، لأن القرآن أقوى سندًا وإن كانت السنة أظهر دلالة، ولأجل هذا لم يبح ميتة الجراد بدون ذكاة؛ لأنه يقدم عموم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ الآية على حديث "أحلت لنا ميتتان ودمان" الحديث.
وقدم عموم قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الآية على الأحاديث الواردة بالجهر بآمين" لأن التأمين دعاء، والدعاء مأمور بإخفائه في الآية المذكورة، فالآية أقوى سندًا، وأحاديث الجهر بالتأمين أظهر دلالة في محل النزاع. ومن المعلوم أن أكثر أهل العلم يقدمون السنة في نحو هذا.
وقد قدم مالك ﵀ دليل القرآن فيما ذكرنا، كما قدمه أيضًا في الثانية من سجدتي الحج؛ لأن نص الآية الكريمة فيها كالصريح في أن المراد سجود الصلاة؛ لأن الله يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾.
فذكر الركوع مع السجود يدل على أن المراد سجود الصلاة، والأمر بالصلاة في القرآن لا يستلزم سجود التلاوة، كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، ولذلك لا يسجد عند قوله تعالى في آخر الحجر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾، قالوا: لأن معنى قوله:
стр. 4973
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي صل لربك متلبسًا بحمده، وكن من الساجدين له في صلاتك.
ولا شك أن قوله تعالى في ثانية الحج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ الآية، أصرح في إرادة سجود الصلاة من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾.
ثم بعد هذا كله فإننا نكرر أن الأئمة ﵏ لا يلحقهم نقص ولا عيب فيما أخذ عليهم؛ لأنهم ﵏ بذلوا وسعهم في تعلم ما جاء عن الله على لسان رسوله - ﷺ - ، ثم اجتهدوا بحسب طاقتهم، فالمصيب منهم له أجر اجتهاده وإصابته، والمخطئ منهم مأجور في اجتهاده معذور في خطئه، ولا يسعنا هنا مناقشة الأدلة فيما أخذ عليهم ﵏، وإنما قصدنا مع الاعتراف بعظم منزلتهم أن نبين أن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - يجب تقديمهما على أقوالهم، لأنهم غير معصومين من الخطأ، وأن مذاهبهم المدونة لا يصح ولا يجوز الاستغناء بها عن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، وأن على كل مسلم قادر على التعليم أن يتعلم الكتاب والسنة، ومعرفةُ مذاهب الأئمة تُعِينُه على ذلك، والنظرُ فيما استدل به كل منهم يعينه على معرفة أرجح الأقوال وأقربها إلى رضى الله.
وكذلك الشافعي وأحمد رحمهما الله، فإن كل واحد منهما لا يخلو من شيء قد أخذ عليه، ومرادنا هنا التمثيل لذلك، وأن الوحي مقدم على أقوالهم جميعًا، وليس قصدنا الإِكثار من ذلك.
وهذه (١) أمثلة بالمطلوب، وكان الشيخ ﵀ أرجأ إيرادها،
стр. 4974
فنذكرها على ما هو ظاهر من المذهبين، ونرجو أن تكون موافقة لما أراد، وبالله التوفيق.
فمما هو في مذهب أحمد ﵀: صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان حينما يشك فيه هل هو تمام شعبان أو أول رمضان، وذلك حينما تكون السماء مغيمة، خشية أن يظهر الهلال خلف الغيم أو القتر.
ولا يكون يوم شك إذا كانت السماء صحوًا؛ لأنه إذا رؤي الهلال فهو من رمضان وإلا فهو من شعبان.
فمذهب أحمد هو صوم هذا اليوم المشكوك فيه احتياطًا لرمضان، وهو نص المُغني إلا أنه ذكر عن أحمد روايات أخر. ولكن صومه هو المقدم في المذهب. ولكنه مخالف لصريح النص في قوله - ﷺ - في ذلك: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - ﷺ - ".
قال في بلوغ المرام: ذكره البخاري تعليقًا ووصله. قال في سبل السلام: واعلم أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلة بغيم ساتر، أو نحوه، فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان.
والحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه. اهـ. يعني بما في معناه قوله - ﷺ - "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين". متفق، عليه، ولمسلم: "فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين"، وللبخاري: "فأكملوا العدة ثلاثين".
وشبهة أحمد في قوله - ﷺ - : "فاقدروا له" بمعنى "فضيقوا
стр. 4975
عليه"، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، ولكن هذا معارض للنص الصريح في معنى "فاقدروا له ثلاثين"، وقوله: "فأكملوا العدة ثلاثين"، أي سواء في شعبان أو في تمام رمضان عند الفطر.
ولم يقل بصومه من الأئمة إلا أحمد ﵀.
ومما هو عند الشافعي: قوله بنقض الوضوء من مجرد لمس المرأة الأجنبية بدون حائل، مع ما جاء عنه - ﷺ - في حديث عائشة ﵂: "كنت أنام معترضة في القبلة ورسول الله - ﷺ - قائم يصلي فإذا سجد غمزني في رجالي فأقبضها فإذا قام مددتها".
وقد أجابوا عن ذلك باحتمال سترها بحائل، فجاء قولها: "افتقدت رسول الله - ﷺ - ذات ليلة، فقمت أطلبه والحجرات ليس فيه آنذاك السرج، حتى وقعت كفي على بطن قدمه وهو ساجد يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، فقلت: والله إنك لفي واد وأنا في واد.
فلما قام للركعة الثانية ظنته ذهب عند بعض نسائه فاغتسل ثم جاء يصلي عندها، فقامت وأدخلت يدها في شعر رأسه تتحسس هل اغتسل أم لا .. إلخ.
ولهم أجوبة على كل ذلك ولكنها لا تنهض مع هذه النصوص الصريحة.
وشبهة الشافعي في ذلك في معنى: (لامستم النساء) من قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية.
стр. 4976
ولم يقل بنقض الوضوء به من الأئمة إلا الشافعي ﵀.
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أنه لا يتأتى من أحد أئمة المسلمين أن يخالف نصًّا صريحًا من كتاب أو سنة، بدون أن تكون لديه شبهة معارضة بنص آخر، أو عدم بلوغ النص إليه، أو عدم صحته عنده، أو غير ذلك مما هو معروف في هذا المقام.
وإنما أوردنا هذين المثالين تتمة للبحث ولمجرد المثال.
التنبيه التاسع
اعلم أن كل من يرى أنه لا بد له من تقليد الإمام في كل شيء، بدعوى أنه لا يقدر على الاستدلال بكتاب ولا سنة، ولا قول أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أحد غير ذلك الإمام، يجب عليه أن يتنبه تنبهًا تامًّا للفرق بين أقوال ذلك الإمام التي قالها حقًّا، وبين ما ألحق بعده على قواعد مذهبه، وما زاده المتأخرون وقتًا بعد وقت من أنواع الاستحسان التي لا أساس لها في كتاب الله ولا في سنة رسول - ﷺ - .
ولو علم الإمام بإلحاقهم بمذهبه، لتبرأ منها، وأنكر على ملحقها، فنسبة جميع ذلك للإِمام من الباطل الواضح.
ويزيده بطلانًا نسبته إلى الله ورسوله، بدعوى أنه شرع ذلك على لسان رسوله، ونحو هذا كثير في المختصرات في المذاهب وكتب المتأخرين منهم.
ومن أمثلته في مذهب مالك: قول خليل المالكي في مختصره الذي قال فيه مبينًا لما به الفتوى: كأقل الطهر، يعني أن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا.
стр. 4977
والذين يعتنقون مذهب مالك يعتقدون أن مالكًا يقول بأن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا.
وهذا لم يقله مالك أبدًا ولم يفت به ولم يروه عنه أحد من أصحابه.
والذي كان يقوله مالك: إن أقل الطهر ثمانية أيام أو عشرة أيام.
وهو الذي نقله عنه أجلاء أهل مذهبه كأبي محمد بن أبي زيد في رسالته ﵀.
والقول بأن أقل الطهر خمسة عشر هو قول ابن مسلمة، واعتمده صاحب التلقين، وجعله ابن شاس المشهور أي مشهور مذهب مالك، مع أن مالكًا لم يقله ولم يعلم به، وأمثال هذا كثيرة جدًّا في مذهب مالك وغيره.
ومثال استحسان المتأخرين ما لم يقله الإمام مما لا شك أنه لو بلغ الإمام لم يقبله: قول الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره في الصوم: "وعاشوراء وتاسوعاء" ما نصه: قال الشيخ زروق في شرح القرطبية: صيام المولد كرهه بعض من قرب عصره ممن صلح علمه وورعه، قال: إنه من أعياد المسلمين فينبغي ألا يصام فيه، وكان شيخنا أبو عبد الله القوري يذكر ذلك كثيرًا ويستحسنه. انتهى.
قلت: لعله يعني ابن عباد، فقد قال في رسائله الكبرى ما نصه: وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم، وكل ما يفعل فيه مما يقتضيه وجود الفرح
стр. 4978
والسرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشمع وإمتاع البصر والسمع والتزين بلبس فاخر الثياب وركوب فاره الدواب، أمر مباح لا ينكر على أحد، قياسًا على غيره من أوقات الفرح.
والحكم بكون هذه الأشياء بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سر الوجود، وارتفع فيه علم الشهود، وانقشع فيه ظلام الكفر والجحود، وادعاء أن هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإِيمان، ومقارنة ذلك بالنيروز والمهرجان، أمر مستثقل تشمئز منه القلوب السليمة وتدفعه الآراء المستقيمة.
ولقد كنت فيما خلا من الزمان خرجت في يوم مولد إلى ساحل البحر، فاتفق أن وجدت هناك سيدي الحاج بن عاشر ﵀ وجماعة من أصحابه، وقد أخرج بعضهم طعامًا مختلفًا ليأكلوا هنالك، فلما قدموه لذلك أرادوا مني مشاركتهم في الأكل، وكنت إذ ذاك صائمًا فقلت لهم: إني صائم، نظر إليَّ سيدي الحاج نظرة منكرة، وقال لي ما معناه: إن هذا اليوم يوم فرح وسرور يستقبح في مثله الصيام، بمنزلة العيد. فتأملت كلامه فوجدته حقًّا، وكأنني كنت نائما فأيقظني. انتهى بلفظه.
فهذا الكلام الذي يقتضي قبح صوم يوم المولد وجعله كيوم العيد، من غير استناد إلى كتاب الله ولا سنة رسوله - ﷺ - ، ولا قول أحد من أصحابه ولا من تابعيه، ولم يقل به أحد من الأئمة الأربعة، ولا من فقهاء الأمصار المعروفين، الذي أدخله بعض المتأخرين في مذهب مالك، ومالك بريء منه براءة الشمس من اللمس، ولم يجر على أصول مذهبه؛ لأن علة تحريم صوم يوم العيد والفطر عنده أن الله تعالى يكلف عباده في كل سنة عبادتين عظيمتين، والأمر بهما
стр. 4979
عام لكل من يستطيعهما، وإحداهما تجب في العمرة مرة واحدة وهي الحج، والثانية تجب كل سنة في شهر رمضان منها، وهي الصوم، فإذا انتهت عبادة الحج أو عبادة الصوم ألزم الله الناس كلهم أن يكونوا في ضيافته يوم النحر ويوم عيد الفطر.
فمن صام في أحد اليومين أعرض عن ضيافة الله، والإِعراض عن ضيافته تعالى لا يجوز.
فإلحاق يوم المولد بيوم العيد إلحاقٌ لا أساس له؛ لأنه إلحاق ليس بجامع بينهما ولا نفي فارق، ولا إلحاق البتة إلا بجامع أو نفي فارق.
وكل من لم يطمس الله بصيرته يعلم أن الحق الذي لا شك فيه هو اتباع النبي - ﷺ - وأصحابه.
ومعلوم أن جعل يوم المولد كيوم العيد في منع الصوم لم يقله رسول الله - ﷺ - ولا أصحابه ولا أحد من الأئمة الأربعة.
فهو تشريع لاستقباح قربة الصوم ومنعها في يوم المولد، من غير استناد إلى وحي ولا قياس صحيح ولا قول أحد ممن يقتدى به.
ومما لا نزاع فيه أن النبي - ﷺ - أرسله الله رحمةً للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)﴾، ورسالته - ﷺ - هي أعظم نعمة على الخلق، كما بينه علماء التفسير في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ الآية، والخير كل الخير في اتباعه صلوات الله وسلامه عليه، والشر كل الشر في تشريع ما لم يشرعه والتقول عليه بما لم يقله.
فالمقلدون لمالك مثل هذا التقليد الأعمى يعتقدون أن هذا
стр. 4980
الكلام الذي ذكره الحطاب عن زروق وابن عباد وابن عاشر، أنه هو مذهب مالك وأنه من شرع الله ودينه، وأنه ما دام من مذهب مالك فاللازم تقديمه على الكتاب والسنة؛ لأنهما لا يجوز العمل بهما إلا للمجتهد المطلق.
وهذا مثال من بلايا التقليد الأعمى وعظائمه.
ولا يخفى أن ادعاء أن وجود نعم الله كمولد النبي - ﷺ - يدل على استقباح طاعة الله بالصوم في أوقات وجود تلك النعم، ظاهر الفساد؛ لأن المناسب لنعم الله هو طاعته بأنواع الطاعات كالصوم.
ولذا تجد الناس ينذرون لله صوم اليوم الذي ينعم الله عليهم فيه بشفاء المريض أو إتيان الغائب، وهذا أمر معروف، وهو المعقول لا عكسه.
ومما يوضح هذا أن إنزال القرآن العظيم هو أعظم نعمة على البشر.
ولأجل ذلك علمهم الله حمده تعالى على هذه النعمة العظمى في أول سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الآية.
وقد بين تعالى أنه أنزل هذه النعمة في شهر رمضان، فكان نزول هذه النعمة في شهر رمضان مقتضيًا لصومه، لا لجعل أيامه أعيادًا يستقبح صومها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.
وهذا هو أعظم النعم، وقد رتب على هذا بالفاء قوله بعده: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية، فافهم.
стр. 4981
والمقصود بهذا المثال النصيحة للذين لم يقدروا على غير هذا التقليد الأعمى، ليبحثوا في كتب المذهب وأمهاته عن أقوال الإمام وكبار أصحابه، ليفرقوا بينها وبين أنواع الاستحسان التي لا مستند لها، التي يدخلها المتأخرون وقتا بعد وقت، وهي ظاهرة الفساد عند من رزقه الله علمًا بكتاب الله وسنة رسوله.
ومما لا شك فيه أن أقوال مالك وكبراء أصحابه مثلًا، أحرى بالصواب في الجملة من استحسان ابن عباد وابن عاشر وأمثالهما.
التنبيه العاشر
اعلم أن الدعوى التي اتفق عليها متأخرو الأصوليين التي تتضمن حكمهم على خالق السماوات والأرض جل وعلا، لا يجوز لمسلم يريد الحق والإِنصاف أن يعتقدها، ولا أن يصدقهم فيها، لظهور عدم صحتها ومخالفتها للنص، والحكم فيها على الله بلا مستند، وهو جل وعلا الذي يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.
وهذه الدعوى المذكورة هي المتركبة مما يأتي، وهو أن الاجتهاد قد انقرض في الدنيا وانسد بابه، وأن الله تعالى محكوم عليه بأن لا يخلق مجتهدًا، ولا يعلم أحدا من خلقه علمًا يمكن أن يكون له مجتهدا إلى ظهور المهدي المنتظر، وأنه لا يجوز لأحد أن يعمل لكتاب ولا سنة ولا أن يقلد أحدًا كائنًا من كان غير الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المدونة.
كما نص على هذه الدعوى حاكيًا إجماعهم عليها صاحب مراقي السعود في قوله:
والمجمع اليوم عليه الأربعة ... وقفو غيرها الجميع منعه
стр. 4982
حتى يجيء الفاطمي المجدد ... دين الهدى لأنه مجتهد
ومراده بالفاطمي المهدي المنتظر؛ لأنه شريف.
وقوله: حتى يجيء، حرف غاية، والمغيَّا به: منع تقليد أجد غير الأربعة المذكور في قوله: وقفو غيرها الجميع منعه.
وهذا صريح في أنهم حاكمون على الله القدير العليم، بأنه لا يخلق مجتهدًا قبل وجود المهدي المنتظر، وهذا الذي قاله صاحب مراقي السعود هو المقرر في كتب المتأخرين من الأصوليين من أهل المذاهب المدونة.
وهذا الحكم على الله الذي كل يوم هو في شأن بأنه لا يخلق مجتهدًا قبل المهدي من مدة انقراض الاجتهاد المزعوم، هو يا أخي كما ترى.
ولا شك أنك إن لم يعمك التعصب المذهبي تقطع أنه لا مستند له، وهذا الذي ذكره صاحب مراقي السعود قد صرح بما يناقضه في قوله قبله:
والأرض لا عن قائم مجتهد ... تخلو إلى تزلزل القواعد
وهذا النقيض الأخير هو الصحيح الموافق للحق.
لأن النبي - ﷺ - قد ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله" الحديث. وهو حديث مشهور متفق عليه لا نزاع في صحته.
ولا شك في أن هذه الطائفة التي صرح النبي - ﷺ - بأنها لا تزال ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله أنها طائفة على كتاب الله، وسنة
стр. 4983
رسوله، وليست البتة من المقلدين التقليد الأعمى.
لأن الحق هو ما جاء به محمد - ﷺ - من الكتاب والسنة، كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال في الأنعام: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾، وقال في النمل: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾، وقال في يونس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
فدعوى أن الأرض لم يبق فيها مجتهد البتة، وأن ذلك مستمر إلى ظهور المهدي المنتظر، مناقضة لهذا الحديث الثابت ثبوتًا لا مطعن فيه عن النبي - ﷺ - .
ومما لا نزاع فيه أن كل ما يناقض الحق فهو ضلال؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾. والعلم عند الله تعالى.
التنبيه الحادي عشر
اعلم يا أخي أن هذا الإِعراض عن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، واعتقاد الاستغناء عنهما بالمذاهب المدونة الذي عم جُلَّ مَنْ في المعمورة من المسلمين، من أعظم الماسي والمصائب والدواهي التي دهت المسلمين من مدة قرون عديدة.
ولا شك أن النتائج الوخيمة الناشئة عن الإِعراض عن الكتاب والسنة من جملتها ما عليه المسلمون في واقعهم الآن من تحكيم القوانين الوضعية المنافي لأصل الإِسلام.
لأن الكفار إنما اجتاحوهم بفصلهم عن دينهم، بالغزو الفكري، عن طريق الثقافة وإدخال الشبه والشكوك في دين الإِسلام.
стр. 4984
ولو كان المسلمون يتعلمون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويعملون بما فيهما لكان ذلك حصنًا منيعًا لهم من تأثير الغزو الفكري في عقائدهم ودينهم.
ولكن لما تركوا الوحي ونبذوه وراء ظهورهم واستبدلوا به أقوال الرجال، لم تقم لهم أقوال الرجال ومذاهب الأئمة ﵏ مقام كلام الله والاعتصام بالقرآن، وكلام النبي ﷺ والتحصن بسنته.
ولذلك وجد الغزو الفكري طريقًا إلى قلوب الناشئة من المسلمين.
ولو كان سلاحهم المضاد هو القرآن والسنة، لم يجد إليهم سبيلا.
ولا شك أن كل منصف يعلم أن كلام الناس، ولو بلغوا ما بلغوا من العلم والفضل، لا يمكن أن يقوم مقام كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
وبالجملة، فمما لا شك فيه أن هذا الغزو الفكري الذي قضى على كيان المسلمين ووحدتهم، وفصلهم من دينهم، لو صادفهم وهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله لرجع مدحورا في غاية الفشل، لوضوح أدلة الكتاب والسنة، وكونِ الغزو الفكري المذكور لم يستند إلا على الباطل والتمويه كما هو معلوم.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ
стр. 4985
يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ (٢٨)﴾.
الظاهر أن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، قوم كفروا بعد إيمانهم.
وقال بعض العلماء: هم اليهود الذين كانوا يؤمنون بنبينا محمد ﷺ ، فلما بعث وتحققوا أنه هو النبي الموصوف في كتبهم كفروا به.
وعلى هذا القول فارتدادهم على أدبارهم هو كفرهم به بعد أن عرفوه وتيقنوه، وعلى هذا فالهدى الذي تبين لهم هو صحة نبوته ﷺ ومعرفته بالعلامات الموجودة في كتبهم.
وعلى هذا القول فهذه الآية يوضحها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ لأن قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ مبين معنى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾، وقوله: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ مبين معنى قوله: ﴿ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾.
وقال بعض العلماء: نزلت الآية المذكورة في المنافقين.
وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن سبب ارتداد هؤلاء القوم من بعد ما تبين لهم الهدى، هو إغواء الشيطان لهم، كما قال تعالى مشيرًا إلى علة ذلك: ﴿الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي زين لهم الكفر
стр. 4986
والارتداد عن الدين، (وأملى لهم) أي مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر.
قال الزمخشري: (سول) سهل لهم ركوب العظائم، من السول، وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعًا، (وأملى لهم) ومد لهم في الآمال والأماني. انتهى.
وإيضاح هذا أن هؤلاء المرتدين على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى وقع لهم ذلك بسبب أن الشيطان سول لهم ذلك، أي سهله لهم وزينه لهم وحسنه لهم ومناهم بطول الأعمار، لأن طول الأمل من أعظم أسباب ارتكاب الكفر والمعاصي.
وفي هذا الحرف قراءتان سبعيتان:
قرأه عامة السبعة غير أبي عمرو: (وأَمْلَى لهم) بفتح الهمزة واللام بعدها ألف، وهو فعل ماضٍ مبني للفاعل، وفاعله ضمير يعود إلى الشيطان.
وأصل الإملاء الإمهال والمد في الأجل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ الآية.
ومعنى إملاء الشيطان لهم وعده إياهم بطول الأعمار، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (١٢٠)﴾.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤)﴾.
стр. 4987
وقال بعض العلماء: ضمير الفاعل في قوله: (وأَمْلَى لهم) على قراءة الجمهور راجع إلى الله تعالى.
والمعنى: الشيطان ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي سهل لهم الكفر والمعاصي، وزين ذلك وحسنه لهم، والله جل وعلا أملى لهم: أي أمهلهم إمهال استدراج.
وكون التسويل من الشيطان والإِمهال من الله، قد تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله في تزيين الشيطان لهم: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
وكقوله تعالى في إملاء الله لهم استدراجًا: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾، وقوله تعالى ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾، وقوله تعالى ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وحده من السبعة: ﴿وَأُمْلِيَ لَهُمْ﴾ بضم الهمزة وكسر اللام بعدها ياء مفتوحة، بصيغة الماضي المبني
стр. 4988
للمفعول، والفاعل المحذوف فيه الوجهان المذكوران آنفًا في فاعل ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ على قراءة الجمهور بالبناء للفاعل.
وقد ذكرنا قريبًا ما يشهد لكل منهما من القرآن، كقوله تعالى في إملاء الشيطان لهم: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (١٢٠)﴾، وقوله في إملاء الله لهم: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، كما تقدم قريبًا.
والإِشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ راجعة إلى قوله تعالى: ﴿الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾.
أي ذلك التسويل والإِملاء المفضي إلى الكفر بسبب أنهم ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾.
وظاهر الآية يدل على أن بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه، مما نزل الله وكرهه أولئك المطاعون.
والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله، بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.
وقد قدمنا ما يوضح ذلك من القرآن في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وفي مواضع عديدة من هذا الكتاب المبارك.
وبينا في سورة الشورى أيضًا شدة كراهة الكفار لما نزل الله،
стр. 4989
وبينا ذلك بالآيات القرآنية في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ﴾.
وقد قدمنا مرارًا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (والله يعلم إسرارهم) قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم: (أسرارهم) بفتح الهمزة، جمع سر.
وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: (إسرارهم) بكسر الهمزة، مصدر أسرَّ كقوله: (وأسررت لهم إسرارًا)، وقد قالوا لهم ذلك سرًّا فأفشاه الله العالِم بكل ما يسرون وما يعلنون.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَيفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أي: فكيف يكون حال هؤلاء إذا توفتهم الملائكة؟ أي قبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم، في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الملائكة يتوفون الكفار وهم يضربون وجوههم وأدبارهم، جاء موضحًا في مواضع أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في الأنفال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، وقوله في الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الآية، فقوله: ﴿بَاسِطُو أَيدِيهِمْ﴾ أي بالضرب المذكور.
والإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾
стр. 4990
راجعةٌ إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي، أعني قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾، أي ذلك الضرب وقت الموت واقع بسبب أَنَّهُم ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾، أي أغضبه من الكفر به، وطاعة الكفار الكارهين لما نزله.
والإِسخاط استجلاب السخط، وهو الغضب هنا.
وقوله: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ لأن من أطاع من كره ما نزل الله فقد كره رضوان الله؛ لأن رضوانه تعالى ليس إلا في العمل بما نزل، فاستلزمت كراهة ما نزل كراهة رضوانه؛ لأن رضوانه فيما نزل، ومن أطاع كارهه فهو ككارهه.
وقوله: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ﴾ أي أبطلها؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة.
وقد أوضحنا المقام في ذلك إيضاحًا تامًّا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾، وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية.
واعلم أن هذه الآية الكريم، قد قال بعض العلماء: إنها نزلت في المنافقين.
وقال بعضهم: إنها نزلت في اليهود، وأن المنافقين أو اليهود قالوا للكفار الذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، وهو عداوة النبي - ﷺ - والتعويق عن الجهاد، ونحو ذلك.
стр. 4991
وبعضهم يقول: إن الذين اتبعوا ما أسخط الله، هم اليهود حين كفروا بالنبي - ﷺ - لما عرفوه، وكرهوا رضوانه وهو الإِيمان به - ﷺ - .
والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله.
مسألة
اعلم أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان، تأمل هذه الآيات من سورة محمد وتدبرها، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن كثيرًا ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد - ﷺ - ، وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي - ﷺ - من السنن.
فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية.
وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في كل الأمر، كالذين يتبعون القوانين الوضعية، مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم.
فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر.
стр. 4992
• قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ .
اللام في قوله: (ولنبلونكم) موطئة لقسم محذوف.
وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير شعبة عن عاصم، بالنون الدالة على العظمة في الأفعال الثلاثة، أعني: لنبلونكم، ونعلم، ونبلو.
وقرأه شعبة عن عاصم بالمثناة التحتية، وضمير الفاعل يعود إلى الله.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله جل وعلا يبلو الناس أي يختبرهم بالتكاليف، كبذل الأنفس والأموال في الجهاد، ليتميز بذلك صادقهم من كاذبهم، ومؤمنهم من كافرهم، جاء موضحًا في آيات أخر.
كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.
وقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا
стр. 4993
يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ الآية. قد قدمنا إزالة الإِشكال في نحوه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾ الآية.
فقلنا في ذلك ما نصه:
ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه، عن ذلك علوًا كبيرًا، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون.
وقد بين أنه لا يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾.
فقوله: (والله عليم بذات الصدور) بعد قوله: (وليبتلي) دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئًا لم يكن عالمًا به عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار.
وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه.
ومعنى (إلا لنعلم) أي علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، فلا
стр. 4994
ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس، أما عالِمُ السر والنجوى، فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى. اهـ.
قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وهذا العلم هو العلم الذي يقع عليه به الجزاء؛ لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم، فتأويله: حتى نعلم المجاهدين علم شهادة؛ لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة، (ونبلو أخباركم) نختبرها ونظهرها. انتهى محل الغرض منه.
وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: (ولنبلونكم) أيها المؤمنين بالقتل وجهاد أعداء الله (حتى نعلم المجاهدين منكم) يقول: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم، وأهل الصبر على قتال أعدائه، فيظهر ذلك لهم ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة فيه، وأهل الإِيمان من أهل النفاق (ونبلو أخباركم) فنعرف الصادق منكم من الكاذب. انتهى محل الغرض منه بلفظه.
وما ذكره من أن المراد بقوله: (حتى نعلم المجاهدين) الآية، حتى يعلم حزبنا وأولياؤنا المجاهدين منكم والصابرين؛ له وجه، وقد يرشد له قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾ أي نظهرها ونبرزها للناس، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾؛ لأن المراد بميز الخبيث من الطيب ظهور ذلك للناس، ولذا قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾ فتعلموا ما ينطوي
стр. 4995
عليه الخبيث والطيب، ولكن الله عرفكم بذلك بالاختبار والابتلاء الذي تظهر بسببه طوايا الناس من خبث وطيب.
والقول الأول وجيه أيضًا، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالهُمْ (٣٢)﴾ .
الظاهر أن (صدوا) في هذه الآية متعدية، والمفعول محذوف، أي كفروا وصدوا غيرهم عن سبيل الله، فهم ضالون مضلون.
وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ الآية، أن التأسيس مقدم على التوكيد كما هو مقرر في الأصول.
و (صدوا) هنا، إن قُدِّرَتْ لازمة فمعنى الصدود الكفر، فتكون كالتوكيد لقوله: (كفروا).
وإن قدرت متعدية كان ذلك تأسيسًا؛ لأن قوله: (كفروا) يدل على كفرهم في أنفسهم، وقوله: (وصدوا) على أنه متعد يدل على أنهم حملوا غيرهم على الكفر وصدوه عن الحق. وهذا أرجح مما قبله.
وقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ أي خالفوا محمدًا ﷺ مخالفة شديدة.
وقد دلت هذه الآية الكريمة على أمرين:
أحدهما: أن الذين كفروا وصدوا غيرهم عن الحق وخالفوه ﷺ لن يضروا الله بكفرهم شيئًا، لأنه غني لذاته الغنى المطلق.
стр. 4996
والثاني: أنهم إنما يضرون بذلك أنفسهم، لأن ذلك الكفر سبب لإِحباط أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالهُمْ (٣٢)﴾.
وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات من كتاب الله.
فمن الآيات الدالة على الأول، الذي هو غنى الله عن خلقه، وعدم تضرره بمعصيتهم: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الآيات الدالة على الثاني، وهو إحباط أعمالهم بالكفر أي إبطالها به: قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾.
стр. 4997
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية.
قد قدمنا كثيرًا جدًّا من الآيات المماثلة له قريبًا في جملة كلامنا الطويل على قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾ .
ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن من مات على الكفر لن يغفر الله له؛ لأن النار وجبت له بموته على الكفر، جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله.
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ
стр. 4998
فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ (٣٥)﴾ .
قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم: (إلى السلم) بفتح السين.
وقرأ حمزة وشعبة. (إلى السِّلم) بكسر السين.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ أي لا تضعفوا وتذلوا، ومنه قول تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾، أي مضعف كيدهم، وقول زهير بن أبي سلمى:
وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت ... فأصبح الحبل منها واهنًا خلقًا
وقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ الأَعْلَوْنَ﴾ جملة حالية، أي فلا تضعفوا عن قتال الكفار (وتدعوا إلى السلم) أي تبدءوا بطلب السلم، أي الصلح والمهادنة (وأنتم الأعلون) أي والحال أنكم أنتم الأعلون، أي الأقهرون والأغلبون لأعدائكم؛ ولأنكم ترجون من الله من النصر والثواب ما لا يرجون.
وهذا التفسير في قوله: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ هو الصواب.
وتدل عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى بعده: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾؛ لأن من كان الله معه هو الأعلى وهو الغالب، وهو القاهر المنصور الموعود بالثواب.
стр. 4999
فهو جدير بأن لا يضعف عن مقاومة الكفار ولا يبدأهم بطلب الصلح والمهادنة.
وكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ﴾ الآية.
ومما يوضح معنى آية القتال هذه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ الآية، لأن قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ من النصر الذي وعدكم الله به والغلبة وجزيل الثواب، وذلك كقوله هنا: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعلَوْنَ﴾، وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ أي بالنصر والإِعانة والثواب.
واعلم أن آية القتال هذه لا تعارض بينها وبين آية الأنفال، حتى يقال: إن إحداهما ناسخة للأخرى، بل هما محكمتان، وكل واحدة منهما منزلة على حال غير الحال التي نزلت عليه الأخرى.
فالنهي في آية القتال هذه في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلِمِ﴾ إنما هو عن الابتداء بطلب السلم.
والأمر بالجنوح إلى السلم في آية الأنفال محله فيما إذا ابتدأ الكفار بطلب السلم والجنوح لها، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ قد قدمنا
стр. 5000
الآيات الموضحة له في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.
وهذا الذي ذكرنا في معنى هذه الآية أولى وأصوب مما فسرها به ابن كثير ﵀، وهو أن المعنى: لا تدعوا إلى الصلح والمهادنة وأنتم الأعلون، أي في حال قوتكم وقدرتكم على الجهاد.
أي، وأما إن كنتم في ضعف وعدم قوة فلا مانع من أن تدعوا إلى السلم أي الصلح والمهادنة، ومنه قول العباس بن مرداس السلمي:
السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب تكفيك من أنفاسها جرع
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ (٣٥)﴾ أي لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم.
وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم نقصه تعالى شيئًا من ثواب الأعمال، جاء موضحًا في آيات أخر، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئًا﴾ أي لا ينقصكم من ثوابها شيئًا، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾.
والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة، وقد قدمناها مرارًا.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ﴾ أصله من الوتر، وهو الفرد.
стр. 5001
فأصل قوله: (لن يتركم) لن يفردكم ويجردكم من أعمالكم بل يوفيكم إياها.
في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾.
هذه الأجور التي وعد الله بها من آمن واتقى، جاءت مبينة في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالكُمْ﴾ .
في هذه الآية الكريمة أوجه معلومة عند أهل التفسير، منها أن المعنى: ولا يسألكم النبي ﷺ أموالكم أجرًا على ما بلغكم من الوحي المتضمن لخير الدنيا والآخرة.
وهذا الوجه تشهد له آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾.
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾، وذكرنا بعض ذلك في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له قريبًا في الكلام على قوله تعالى:
стр. 5002
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ (٣٨)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾.
* * *
стр. 5003
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الفتح
стр. 5004
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ .
التحقيق الذي عليه الجمهور أن المراد بهذا الفتح صلح الحديبية؛ لأنه فتح عظيم.
وإيضاح ذلك: أن الصلح المذكور هو السبب الذي تهيأ به للمسلمين أن يجتمعوا بالكفار فيدعوهم إلى الإِسلام ويبينوا لهم محاسنه، فدخل كثير من قبائل العرب بسبب ذلك في الإِسلام.
ومما يوضح ذلك: أن الذين شهدوا صدح الحديبية مع النبي ﷺ في ذي القعدة عام ست كانوا ألفًا وأربعمائة، ولما أراد النبي ﷺ غزو مكة حين نقض الكفار العهد، كان خروجه إلى مكة في رمضان عام ثمان، وكان معه عشرة آلاف مقاتل.
وذلك يوضح أن الصلح المذكور من أعظم الفتوح؛ لكونه سببًا لقوة المسلمين وكثرة عددهم.
وليس المراد بالفتح المذكور فتح مكة، وإن قال بذلك جماعة من أهل العلم.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن أكثر أهل العلم على ما قلنا؛ ولأن ظاهر
стр. 5005
القرآن يدل عليه؛ لأن سورة الفتح هذه نزلت بعد صلح الحديبية في طريقه ﷺ راجعًا إلى المدينة.
ولفظ الماضي في قوله: ﴿إنَّا فتَحْنَا﴾ يدل على أن ذلك الفتح قد مضى، فدعوى أنه فتح مكة ولم يقع إلا بعد ذلك بقرب سنتين، خلاف الظاهر.
والآية التي في فتح مكة دلت على الاستقبال لا على المضي، وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتحُ﴾ الآية.
وقد أوضحنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب معنى اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ .
ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الإِيمان يزيد، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحناه مرارًا.
والحق الذي لا شك فيه: أن الإِيمان يزيد وينقص، كما عليه أهل السنة والجماعة، وقد دل عليه الوحي من الكتاب والسنة كما تقدم.
• قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن له جنود السماوات والأرض، وبين في المدثر أن جنوده هذه لا يعلمها إلا هو، وذلك في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾.
стр. 5006
• قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ .
أظهر الأقوال وأصحها في الآية أن اللام في قوله: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ متعلقة بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾.
وإيضاح المعنى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي السكون والطمأنينة إلى الحق، (في قلوب المؤمنين) (ليزدادوا) بذلك (إيمانًا) لأجل أن يدخلهم بالطمأنينة إلى الحق وازدياد الإِيمان (جنات تجري من تحتها الأنهار).
ومفهوم المخالفة في قوله: ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أن قلوب غير المؤمنين ليست كذلك. وهو كذلك، ولذا كان جزاؤهم مخالفًا لجزاء المؤمنين، كما صرح تعالى بذلك في قوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾.
وإيضاح المعنى: أنه تعالى وفق المؤمنين بإنزال السكينة وازدياد الإِيمان، وأشقى غيرهم من المشركين والمنافقين فلم يوفقهم بذلك، ليجازي كلًّا بمقتضى عمله.
وهذه الآية شبيهة في المعنى بقوله تعالى في آخر الأحزاب: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾.
стр. 5007
• قوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ .
بين جل وعلا في الآية الكريمة، أنه يجازي المشركين والمشركات والمنافقين والمنافقات بثلاث عقوباب: وهي غضبه، ولعنته، ونار جهنم.
وقد بين في بعض الآيات بعض نتائِج هذه الأشياء الثلاثة، كقوله في الغضب: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾، وقوله في اللعنة: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾، وقوله في نار جهنم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيتَهُ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه أرسل نبيه محمدًا ﷺ شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا.
وقد بين تعالى أنه يبعثه ﷺ يوم القيامة شاهدًا على أمته، وأنه مبشر للمؤمنين ومنذر للكافرين.
قال تعالى في شهادته ﷺ يوم القيامة على أمته: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾.
فآية النساء وآية النحل المذكورتان الدالتان على شهادته ﷺ يوم القيامة على أمته تبينان آية الفتح هذه.
وما ذكرنا من أنه مبشر للمؤمنين ونذير للكافرين، أوضحه في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾. وقد أوضحنا هذا في أول سورة الكهف.
стр. 5008
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، ذكره وزيادة في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾.
وقوله هنا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ حال مقدرة. وقوله: (ومبشرًا ونذيرًا) كلاهما حال معطوف على حال.
• قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ .
أمر الله جل وعلا نبيه أن يقول للمنافقين الذين تخلفوا عنه واعتذروا بأعذار كاذبة: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي لا أحد يملك دفع الضر الذي أراد الله إنزاله بكم ولا منع النفع الذي أراد نفعكم له، فلا نافع إلا هو ولا ضار إلا هو تعالى، ولا يقدر أحد على دفع ضر أراده ولا منع نفع أراده.
وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في الأحزاب: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾، وقوله تعالى في آخر يونس: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية، وقوله في الأنعام: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾، وقوله تعالى في النساء: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقوله تعالى في فاطر: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ الآية، وقوله تعالى في الملك: ﴿قُلْ
стр. 5009
أَرَأَيتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾.
وقد ذكرنا بعض الآيات الدالة على هذا في أول سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ الآية، وفي سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين. والسكينة تشمل الطمأنينة والسكون إلى الحق والثبات والشجاعة عند البأس.
وقد ذكر جل وعلا إنزاله السكينة على رسوله وعلى المؤمنين في براءة، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وذكر إنزال سكينته على رسوله في قوله في براءة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ﴾ الآية، وذكر إنزاله سكينته على المؤمنين في قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ﴾ الآية.
وهذه الآيات كلها لم يبين فيها موضع إنزال السكينة، وقد بين في هذه السورة الكريمة أن محل إنزال السكينة هو القلوب، وذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.
ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكره في سورة التوبة
стр. 5010
وسورة الصف، وزاد فيهما أنه فاعل ذلك ولو كان المشركون يكرهونه، فقال في الموضعين: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ .
قرأ هذا الحرف ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر: (شَطَأه) بفتح الطاء، والباقون من السبعة بسكون الطاء.
وقرأ عامة السبعة غير ابن ذكوان: (فآزره) بألف بعد الهمزة، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر: (فأزره) بلا ألف بعد الهمزة مجردًا.
وقرأ عامة السبعة غير قنبل: (على سوقه) بواو ساكنة بعد السين، وقرأه قنبل عن ابن كثير بهمزة ساكنة بدلًا من الواو، وعنه ضم الهمزة بعد السين، بعدها واو ساكنة.
وهذه الآية الكريمة قد بين الله فيها أنه ضرب المثل في الإِنجيل للنبي ﷺ وأصحابه بأنهم كالزرع يظهر في أول نباته رقيقًا ضعيفًا متفرقًا، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل، حتى يقوى ويشتد وتعجب جودته أصحاب الزراعة العارفين بها، فكذلك