← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

ولم يعلم أيضًا بأخذ الجزية من المجوسي، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف بأن النبي - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر. ولم يعلم بحكم الاستئذان ثلاثًا، حتى أخبره أبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري ﵁. ولم يعلم عثمان ﵁ بوجوب السكنى للمتوفى عنها، حتى أخبرته فريعة بنت مالك أن النبي - ﷺ - ألزمها بالسكنى في المحل الذي مات عنها زوجها فيه حتى تنقضي عدتها. وأمثال هذا أكثر من أن تحصر. فهؤلاء الخلفاء الراشدون وهم هم، خفي عليهم كثير من قضايا رسول الله - ﷺ - وأحاديثه، مع ملازمتهم له، وشدة حرصهم على الأخذ منه، فتعلموه ممن هو دونهم في الفضل والعلم. فما ظنك بغيرهم من الأئمة الذين نشؤوا وتعلموا بعد تفرق الصحابة في أقطار الدنيا؟ وروى عنهم الأحاديث عدول من الأقطار التي ذهبوا إليها؟ والحاصل أن ظن إحاطة الإِمام بجميع نصوص الشرع ومعانيها ظن لا يغني من الحق شيئًا، وليس بصحيح قطعًا. لأنه لا شك أنه يفوته بعض الأحاديث، فلم يطلع عليها، ويرويه بعض العدول عن الصحابة فيثبت عند غيره. وهو معذور في ترك العمل به، بعدم اطلاعه عليه مع أنه بذل المجهود في البحث، ولذا كان له أجر الاجتهاد والعذر في الخطأ. وقد يكون الإِمام اطلع على الحديث، ولكن السند الذي بلغه به ضعيف فيتركه لضعف السند.

стр. 4937

ويكون غيره اطلع على رواية أخرى صحيحة يثبت بها الحديث، فهو معذور في تركه؛ لأنه لم يطلع إلا على السند الضعيف ولم تبلغه الطريق الصحيحة الأخرى. وقد يترك الحديث لشيء يظنه أرجح منه، ويكون الواقع أن الحديث أرجح من ذلك الشيء الذي ظنه، لقيام أدلة أخرى على ذلك لم يطلع عليها. إلى أسباب أخر كثيرة لترك الأئمة للعمل ببعض النصوص. وبهذا كله تعلم أن ظن اطلاع الإِمام على كل شيء من أحكام الشرع وإصابته في معانيها كلها ظن باطل. وكل واحد من الأئمة يصرح ببطلان هذا الظن كما سترى إيضاحه إن شاء الله. فاللازم هو ما قاله الأئمة أنفسهم ﵏، من أنهم قد يخطئون، ونهوا عن اتباعهم في كل شيء يخالف نصًّا من كتاب أو سنة. فالمتبع لهم حقيقة، هو من لا يقدم على كتاب الله وسنة رسوله شيئًا. أما الذي يقدم أقوال الرجال على الكتاب وصحيح السنة، فهو مخالف لهم لا متبع لهم، ودعواه اتباعهم كذب محض. وأما القضية الثانية: فهي ظن المقلدين أن لهم مثل ما للإِمام من العذر في الخطأ. وإيضاحه: أنهم يظنون أن الإِمام لو أخطأ في بعض الأحكام وقلدوه في ذلك الخطأ يكون لهم من العذر في الخطأ والأجر مثل

стр. 4938

ما لذلك الإِمام الذي قلدوه؛ لأنهم متبعون له، فيجري عليهم ما جرى عليه. وهذا ظن كاذب باطل بلا شك؛ لأن الإِمام الذي قلدوه بذل جهده في تعلم كتابًا الله وسنة رسوله وأقوال أصحابه وفتاويهم. فقد شمر وما قصر فيما يلزم من تعلم الوحي والعمل به وطاعة الله على ضوء الوحي المنزل. ومن كان هذا شأنه فهو جدير بالعذر في خطئه والأجر في اجتهاده. وأما مقلدوه، فقد تركوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله، وأعرضوا عن تعلمهما إعراضًا كليًّا مع يسره وسهولته، ونزلوا أقوال الرجال الذين يخطئون ويصيبون منزلة الوحي المنزل من الله. فأين هؤلاء من الأئمة الذين قلدوهم؟! وهذا الفرق العظيم بينهم وبينهم، يدل دلالة واضحة على أنهم ليسوا مأجورين في الخطأ في تقليد أعمى؛ إذ لا اقتداء ولا أسوة في غير الحق. وليسوا معذورين؛ لأنهم تركوا ما يلزمهم تعلمه من أمر الله ونهيه على ضوء وحيه المنزل. والذي يجب عليهم من تعلم ذلك، هو ما تدعوهم الحاجة للعمل به، كأحكام عباداتهم ومعاملاتهم، وأغلب ذلك تدل عليه نصوص واضحة، سهلة التناول من الكتاب والسنة. والحاصل أن المعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، المفرط في تعلم دينه، مما أنزل الله وما سنه رسوله، المقدم كلام الناس على

стр. 4939

كتاب الله وسنة رسوله، لا يكون له البتة ما للإِمام الذي لم يُعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، ولم يقدم عليهما شيئًا، ولم يفرط في تعلم الأمر والنهي من الكتاب والسنة. فأين هذا من هذا؟! سارت مشرقة وسرت مغربًا ... شتان بين مُشرِّق ومُغرِّب التنبيه الثاني اعلم أن الأئمة الأربعة ﵏، متفقون على منع تقليدهم التقليد الأعمى الذي يتعصب له من يدعون أنهم أتباعهم. ولو كانوا أتباعهم حقًّا لما خالفوهم في تقليدهم الذي منعوا منه ونهوا عنه. قال الإِمام أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي، قال: حدثنا موسى بن إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. اهـ محل الغرض منه بلفظه. فمالك ﵀ مع علمه وجلالته وفضله، يعترف بالخطأ وينهى عن القول بما خالف الوحي من رأيه. فمن كان مالكيًّا فليمتثل قول مالك ولا يخالفه بلا مستند. وقال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه أيضًا: أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي، حدثني أبي،

стр. 4940

حدثنا محمد بن عمر بن لبابة قال: حدثنا مالك بن علي القرشي، قال: أنبأنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: دخلت على مالك، فوجدته باكيًا، فسلمت عليه، فرد علي ثم سكت عني يبكي، فقلت له: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب، إنا لله على ما فرط مني، ليتني جُلدت بكل كلمة تكلمت بها في هذا الأمر بسوط، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي، وهذه المسائل قد كانت لي سعة فيما سبقت إليه. اهـ محل الغرض منه بلفظه. ومن المعلوم بالضرورة أن مالكًا ﵀ لا يسره ولا يرضيه تقديم رأيه هذا الذي يسترجع ويبكي ندمًا عليه، ويتمنى لو ضرب بالسياط ولم يكن صدر منه، على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - . فليتق الله وليستحي من الله من يقدم مثل هذا الرأي على الكتاب والسنة زاعمًا أنه متبع مالكًا في ذلك، وهو مخالف فيه لمالك، ومخالف فيه لله ورسوله، ولأصحابه، ولكل من يعتد به من أهل العلم. وقال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين: وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة. فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري. ذكره البيهقي. وقال إسماعيل بن عيسى المزني في أول مختصره: اختصرت

стр. 4941

هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله؛ لأقربه على من أراده، مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه، ويحتاط فيه لنفسه. إلى أن قال: وقال أحمد بن حنبل: لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا. وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا. وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله. اهـ محل الغرض منه. ومما لا شك فيه أن الأئمة الأربعة ﵏ نهوا عن تقليدهم في كل ما خالف كتابًا أو سنة، كما نقله عنهم أصحابهم. كما هو مقرر في كتب الحنفية عن أبي حنيفة، وكتب الشافعية عن الشافعي القائل: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وكتب المالكية، والحنابلة، عن مالك وأحمد ﵏ جميعًا. وكذلك كان غيرهم من أفاضل العلماء يمنعون من تقليدهم فيما لم يوافق الكتاب والسنة، وقد يتحفظون منه ولا يرضون. قال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه: وذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عن

стр. 4942

سحنون، قال: كان مالك بن أنس وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله محمد بن إبراهيم بن دينار وذووه لم يجبهما. فقال له: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما، وأسألك أنا وذوي ملا تجيبنا؟ فقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ قال: نعم. فقال له: إني قد كبرت سني ورقَّ عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا مني حقًّا قبلاه، وإذا سمعا خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه. قال محمد بن حارث: هذا والله هو الدين الكامل، والعقل الراجح، لا كمن يأتي بالهذيان، ويريد أن ينزل من القلوب منزلة القرآن. اهـ منه. التنبيه الثالث اعلم أن المقلدين للأئمة هذا التقليد الأعمى قد دل كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع من يعتد به من أهل العلم، أنه لا يجوز لأحد منهم أن يقول: هذا حلال وهذا حرام. لأن الحلال ما أحله الله على لسان رسوله ﷺ في كتابه أو سنة رسوله، والحرام ما حرمه الله على لسان رسوله ﷺ في كتابه أو سنة رسوله.

стр. 4943

ولا يجوز البتة للمقلد أن يزيد على قوله: هذا الحكم قاله الإِمام الذي قلدته أو أفتى به. أما دلالة القرآن على منع ذلك، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ الآية. ومعلوم أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، كما بيناه مرارًا، وأوضحنا أدلته من السنة الصحيحة. ومما يوضح هذا أن المقلد الذي يقول: هذا حلال وهذا حرام، من غير علم بأن الله حرمه على لسان رسوله - ﷺ - ، يقول: على الله بغير علم قطعا. فهو داخل بلا شك في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾. فدخوله في قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ كما ترى. وهو داخل أيضًا في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾. وأما السنة، فقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان، ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا يحيى بن آدم، حدثنا

стр. 4944

سفيان قال: أملاه علينا إملاء، ح وحدثني عبد الله بن هاشم واللفظ له، حدثني عبد الرحمن يعني ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله" الحديث. وفيه: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري، أتصيب حكم الله فيهم أم لا". هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفيه النهي الصريح من النبي - ﷺ - عن نسبة حكم إلى الله، حتى يعلم بأن هذا حكم الله الذي شرعه على لسان رسوله - ﷺ - . ولأجل هذا كان أهل العلم لا يتجرؤون على القول بالتحريم والتحليل إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ - . قال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يوسف بن عدي، قال: حدثنا عبيدة بن حميد، عن عطاء بن السائب قال: قال الربيع بن خثيم: إياكم أن يقول: الرجل في شيء: إن الله حرم هذا أو نهى عنه، فيقول: الله: كذبت، لم أحرمه ولم أنه عنه. قال: أو يقول: إن الله أحل هذا وأمر به، فيقول: كذبت، لم أحله ولم آمر به.

стр. 4945

وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب أنهما سمعا مالك بن أنس يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام. ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنًا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا. وزاد عتيق بن يعقوب: ولا يقولون حلال ولا حرام. أما سمعت قول الله : ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. قال أبو عمر: معنى قول مالك هذا: أن ما أخذ من العلم رأيًا واستحسانًا لم يقل فيه حلال ولا حرام، والله أعلم. اهـ محل الغرض منه. وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسيره، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية، ما نصه: أسند الدارمي أبو محمد في مسنده: أخبرنا هارون، عن حفص، عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول: حلال، ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا يستحبون. وقال ابن وهب: قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام. ولكن يقولون: إياكم وكذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا. ومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو لله ، وليس

стр. 4946

لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون البارئ تعالى مخبرًا بذلك عنه. وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: إني أكره كذا. وكذلك كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى. اهـ محل الغرض منه. وإذا كان مالك وإبراهيم النخعي وغيرهما من أكابر أهل العلم لا يتجرؤون أن يقولوا في شيء من مسائل الاجتهاد والرأي: هذا حلال أو حرام. فما ظنك بغيرهم من المقلدين الذين لم يستضيئوا بشيء من نور الوحي؟ فتجرؤهم على التحريم والتحليل بلا مستند من الكتاب، إنما نشأ لهم من الجهل بكتاب الله وسنة رسوله، وآثار السلف الصالح. وآية يونس المتقدمة صريحة فيما ذكرنا صراحة تغني عن كل ما سواها؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾، أتبع ذلك بقوله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، ولم يجعل واسطة بين إذنه في ذلك وبين الافتراء عليه. فمن كان عنده إذن من الله بتحريم هذا أو تحليله فليعتمد على إذن الله في ذلك. ومن لم يكن عنده إذن من الله في ذلك فليحذر من الافتراء على الله، إذ لا واسطة بين الأمرين. ومعلوم أن العبرة بعموم لفظ الآية لا بخصوص سببها، فالذين يقولون من الجهلة المقلدين: هذا حلال وهذا حرام، وهذا حكم الله، ظنًّا منهم أن أقوال الإِمام الذي قلدوه تقوم مقام الكتاب والسنة وتغني

стр. 4947

عنهما، وأن ترك الكتاب والسنة والاكتفاء بأقوال من قلدوه أسلم لدينهم، أعمتهم ظلمات الجهل المتراكمة عن الحقائق، حتى صاروا يقولون هذا. فهم كما ترى، مع أن الإِمام الذي قلدوه ما كان يتجرأ على مثل الذين تجرؤوا عليه؛ لأن علمه يمنعه من ذلك. والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾. التنبيه الرابع اعلم أن مما لا بد منه معرفة الفرق بين الاتباع والتقليد، وأن محل الاتباع لا يجوز التقليد فيه بحال. وإيضاح ذلك: أن كل حكم ظهر دليله من كتاب الله، أو سنة رسوله - ﷺ - ، أو إجماع المسلمين، لا يجوز فيه التقليد بحال. لأن كل اجتهاد يخالف النص، فهو اجتهاد باطل، ولا تقليد إلا في محل الاجتهاد. لأن نصوص الكتاب والسنة، حاكمة على كل المجتهدين، فليس لأحد منهم مخالفتها كائنًا من كان. ولا يجوز التقليد فيما خالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا، إذ لا أسوة في غير الحق. فليس فيما دلت عليه النصوص إلا الاتباع فقط، ولا اجتهاد ولا تقليد فيما دلت عليه نص، من كتاب أو سنة، سالم من المعارض. والفرق بين التقليد والاتباع أمر معروف عند أهل العلم، لا يكاد ينازع في صحة معناه أحد من أهل العلم.

стр. 4948

وقد قدمنا كلام ابن خويز منداد الذي نقله عنه ابن عبد البر في جامعه. وهو قوله: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح. وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع. اهـ. وقال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين: وقد فرق الإِمام أحمد ﵀ بين التقليد والاتباع. فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي - ﷺ - وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخير. انتهى محل الغرض منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما كون العمل بالوحي اتباعًا لا تقليدًا فهو أمر قطعي. والآيات الدالة على تسميته اتباعًا كثيرة جدًّا: كقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية.

стр. 4949

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾. وقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾. وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾. والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. فالعمل بالوحي هو الاتباع، كما دلت عليه الآيات. ومن المعلوم الذي لا شك فيه، أن اتباع الوحي المأمور به في الآيات لا يصح اجتهاد يخالفه بوجهٍ من الوجوه، ولا يجوز التقليد في شيء يخالفه. فاتضح من هذا الفرق بين الاتباع والتقليد، وأن مواضع الاتباع ليست محلا أصلًا للاجتهاد ولا للتقليد. فنصوص الوحي الصحيحة، الواضحة الدلالة السالمة من المعارض، لا اجتهاد ولا تقليد معها البتة. لأن اتباعها والإِذعان لها فرض على كل أحد كائنًا من كان كما لا يخفى.

стр. 4950

وبهذا تعلم أن شروط المجتهد التي يشترطها الأصوليون إنما تشترط في الاجتهاد. وموضع الاتباع ليس محل اجتهاد. فجعل شروط المجتهد في المتبع، مع تباين الاجتهاد والاتباع وتباين مواضعهما، خلط وخبط، كما ترى. والتحقيق أن اتباع الوحي لا يشترط فيه إلا علمه بما يعمل به من ذلك الوحي الذي يتبعه. وأنه يصح علم حديث والعمل به، وعلم آية والعمل بها، ولا يتوقف ذلك على تحصيل جميع شروط الاجتهاد. فيلزم المكلف أن يتعلم ما يحتاج إليه من الكتاب والسنة، ويعمل بكل ما علم من ذلك، كما كان عليه أول هذه الأمة، من القرون المشهود لها بالخير. التنبيه الخامس اعلم أنه لا يخفى علينا أن المقلدين التقليد الأعمى المذكور، يقولون: هذا الذي تدعوننا إليه وتأمروننا به من العمل بالكتاب والسنة، وتقديمهما على آراء الرجال، من التكليف بما لا يطاق، لأنا لا قدرة لنا على معرفة الكتاب والسنة حتى نعمل بهما، ولا يمكننا معرفة شيء من الشرع إلا عن طريق الإِمام الذي نقلده، لأنا لم نتعلم نحن ولا آباؤنا شيئًا غير ذلك. فإذا لم نقلد إمامنا بقينا في حيرة، لا نعلم شيئًا من أحكام عباداتنا ولا معاملاتنا، وتعطلت بيننا الأحكام، إذ لا نعرف قضاء

стр. 4951

ولا فتوى ولا غير ذلك من الأحكام إلا عن طريق مذهب إمامنا؛ لأن أحكامه مدونة عندنا، وهي التي نتعلمها ونتدارسها دون غيرها من الكتاب أو السنة وأقوال الصحابة ومذاهب الأئمة الآخرين. ونحن نقول: والله لقد ضيقتم واسعًا، وادعيتم العجز وعدم القدرة في أمر سهل. ولا شك أن الأحوال الراهنة للمقلدين التقليد الأعمى للمذاهب المدونة، تقتضي صعوبة شديدة جدًّا في طريق التحول من التقليد الأعمى إلى الاستضاءة بنور الوحي. وذلك إنما نشأ من شدة التفريط في تعلم الكتاب والسنة، والإِعراض عنهما إعراضًا كليًّا يتوارثه الأبناء عن الآباء عن الأجداد. فالداء المستحكم من مئات السنين لا بد لعلاجه من زمن طويل. ونحن لا نقول: إن الجاهل بالكتاب والسنة يعمل بهما باجتهاده، بل نعوذ بالله من أن نقول ذلك. ولكنا نقول: إن الكتاب والسنة يجب تعلمهما، ولا يجوز الإِعراض عنهما، وأن كل ما علمه المكلف منهما علمًا صحيحًا ناشئًا عن تعلم صحيح وجب عليه العمل به. فالبلية العظمى إنما نشأت من توارث الإِعراض عنهما إعراضًا كليًّا اكتفاء عنهما بغيرهما. وهذا من أعظم المنكر وأشنع الباطل. فالذي ندعو إليه هو المبادرة بالرجوع إليهما بتعلمهما أولًا، ثم العمل بهما، والتوبة إلى الله من الإِعراض عنهما.

стр. 4952

ودعوى أن تعلمهما غير مقدور عليه، لا يشك في بطلانها عاقل، ونعيذ أنفسنا وإخواننا بالله أن يدعوا على أنفسهم أن على قلوبهم أكنة، وفي آذانهم وقرًا يمنعهم من فهم كتاب الله؛ لأن ذلك قول الكفار لا قول المسلمين، قال الله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾. فاحذر يا أخي وارحم نفسك أن تقول مثل قول هؤلاء الكفرة، وأنت تسمع ربك يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾، ويقول: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾، ويقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾. فلا تخرج نفسك من عموم أولي الألباب الذين هم أصحاب العقول؛ لأنك إن فعلت ذلك اعترفت على نفسك أنك لست من جملة العقلاء. وعلى كل حال فلا يخلو المقلدون، التقليد الأعمى، من أحد أمرين: أحدهما: ألا يلتفتوا إلى نصح ناصح، بل يستمرون على تقليدهم الأعمى، والإِعراض عن نور الوحي عمدًا، وتقديم رأي الرجال عليه. وهذا القسم منهم لا نعلم له عذرًا في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا في قول أحد من الصحابة، ولا أحد من القرون المشهود لهم بالخير.

стр. 4953

لأن حقيقة ما هم عليه، هو الإِعراض عما أنزل الله عمدًا، مع سهولة تعلم القدر المحتاج إليه منه، والاستغناء عنه بأقوال الأئمة. ومن كان هذا شأنه وهو تام العقل والفهم قادر على التعلم فعدم عذره كما ترى. الأمر الثاني: هو أن يندم المقلدون على ما كانوا عليه من التفريط في تعلم الوحي، والإِعراض عن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، ويبادروا إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، ويشرعوا في ذلك بجد، تائبين مما كانوا عليه من التفريط قبل ذلك، وهذا القسم على هدى من الله، وهو الذي ندعو إخواننا إليه. التنبيه السادس لا خلاف بين أهل العلم، في أن الضرورة لها أحوال خاصة تستوجب أحكامًا غير أحكام الاختيار. فكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاء صحيحًا حقيقيًّا، فهو في سعة من أمره فيه. وقد استثنى الله جل وعلا حالة الاضطرار في خمس آيات من كتابه، ذكر فيها المحرمات الأربع التي هي من أغلظ المحرمات تحريمًا، وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به. فإن الله تعالى كلما ذكر تحريمها استثنى منها حالة الضرورة، فأخرجها من حكم التحريم. قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ

стр. 4954

أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾. وقال في الأنعام أيضًا: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيهِ﴾. وقال تعالى في النحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾. وقال تعالى في البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾. وقال تعالى في المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾. وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطرارًا حقيقيًّا، بحيث يكون لا قدرة له البتة على غيره، مع عدم التفريط، لكونه لا قدرة له أصلًا على الفهم، أو له قدرة على الفهم وقد عاقته عوائق قاهرة عن التعلم، أو هو في أثناء التعلم ولكنه يتعلم تدريجًا؛ لأنه لا يقدر على تعلم كل ما يحتاجه في وقت واحد، أولم يجد كفؤًا يتعلم منه، ونحو ذلك؛ فهو معذور في التقليد المذكور، للضرورة، لأنه لا مندوحة له عنه. أما القادر على التعلم المفرط فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور.

стр. 4955

التنبيه السابع اعلم أن موقفنا من الأئمة ﵏، من الأربعة وغيرهم، هو موقف سائر المسلمين المنصفين منهم. وهو موالاتهم، ومحبتهم، وتعظيمهم، وإجلالهم، والثناء عليهم، بما هم عليه من العلم والتقوى، واتباعهم في العمل بالكتاب والسنة وتقديمهما على رأيهم، وتعلم أقوالهم للاستعانة بها على الحق، وترك ما خالف الكتاب والسنة منها. وأما المسائل التي لا نص فيها فالصواب النظر في اجتهادهم فيها. وقد يكون اتباع اجتهادهم أصوب من اجتهادنا لأنفسنا؛ لأنهم أكثر علمًا وتقوى منا. ولكن علينا أن ننظر ونحتاط لأنفسنا في أقرب الأقوال إلى رضي الله وأحوطها وأبعدها من الاشتباه، كما قال - ﷺ - : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وقال: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". وحقيقة القول الفصل في الأئمة ﵏ أنهم من خيار علماء المسلمين، وأنهم ليسوا معصومين من الخطأ، فكل ما أصابوا فيه فلهم فيه أجر الاجتهاد وأجر الإِصابة، وما أخطأوا فيه فهم مأجورين فيه باجتهادهم، معذورون في خطئهم، فهم مأجورون على كل حال، لا يلحقهم ذم ولا عيب ولا نقص في ذلك. ولكن كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - حاكمان عليهم وعلى أقوالهم كما لا يخفى.

стр. 4956

فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم فلا تك ممن يذمهم وينتقصهم، ولا ممن يعتقد أقوالهم مغنية عن كتاب الله وسنة رسوله أو مقدمة عليهما. التنبيه الثامن اعلم أن كلًّا من الأئمة أخذت عليه مسائل، قال بعض العلماء: إنه خالف فيها السنة. وسنذكر طرفًا من ذلك هنا إن شاء الله. أما الإِمام أبو حنيفة ﵀ فهو أكثر الأئمة في ذلك؛ لأنه أكثرهم رأيًا. ولكثرة المسائل التي حصل فيها القيل والقال من ذلك لا نحتاج إلى بسط تفصيلها. وبعض المسائل التي قيل فيها ذلك يظهر أنه لم تبلغه السنة فيها، وبعضها قد بلغته السنة فيها، ولكنه تركها لشيء آخر ظنه أرجح منها، كتركه العمل بحديث القضاء بالشاهد واليمين في الأموال، وحديث "تغريب الزاني البكر"؛ لأنه ترك العمل بذلك ونحوه احترامًا للنصوص القرآنية في ظنه. لأنه يعتقد أن الزيادة على النص نسخ، وأن القضاء بالشاهد واليمين نسخ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. فاحترمَ النص القرآني المتواتر، فلم يرض نسخه بخبر آحاد سنده دون سنده؛ لأن نسخ المتواتر بالآحاد عنده، رفع للأقوى بالأضعف، وذلك لا يصح.

стр. 4957

كذلك حديث تغريب الزاني البكر، فهو عنده زيادة ناسخة لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد. فتركه العمل بهذا النوع من الأحاديث بناه على مقدمتين: إحداهما: أن الزيادة على النص نسخ. والثانية: أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد. وخالفه في المقدمة الأولى جمهور العلماء. ووافقوه في الثانية. والذي يظهر لنا ونعتقده اعتقادًا جازمًا أن كلتا المقدمتين ليست بصحيحة. أما الزيادة فيجب فيها التفصيل، فإن كانت أثبتت حكمًا نفاه النص أو نفت حكمًا أثبته النص فهي نسخ. وإن كانت لم تتعرض للنص بنفي ولا إثبات، بل زادت شيئًا سكت عنه النص، فلا يمكن أن تكون نسخًا؛ لأنها إنما رفعت الإِباحة العقلية التي هي البراءة الأصلية، ورفعها ليس نسخًا إجماعًا. وأما نسخ المتواتر بالآحاد، فالتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا مانع منه ولا محذور فيه، ولا وجه لمنعه البتة، وإن خالف في ذلك جمهور أهل الأصول. لأن أخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عن المتواتر لا وجه لردها، ولا تعارض البتة بينها وبين المتواتر، إذ لا تناقض بين خبرين اختلف زمنهما، لجواز صدق كل منهما في وقته.

стр. 4958

فلو أخبرك مثلًا عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب، بأن أخاك الغائب لم يزل غائبًا ولم يأت منزله، لأنهم كانوا بمنزله وليس بموجود، ثم أخبرك بعد ذلك رجل واحد بأن أخاك موجود في منزله الآن. فهل يسوغ لك أن تقول له: كذبت؛ لأني أخبرني عدد كثير قبلك أنه لم يأت؟ ولو قلت له ذلك، لقال لك: هم في وقت إخبارهم لك صادقون، ولكن أخاك جاء بعد ذلك. فالمتواتر في وقت نزوله صادق، وخبر الآحاد الوارد بعده صادق أيضًا، لأنه أفاد تجدد شيء لم يكن. فحصر المحرمات مثلًا في الأربع المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً﴾ الآية، صادق ذلك الوقت، لا يوجد محرم على طاعم يطعمه إلا تلك المحرمات الأربع. فلا تحرم في ذلك الوقت الحمر الأهلية ولا ذو الناب من السباع ولا الخمر ولا غير ذلك. فإذا جاء بعدُ خبر آحاد صحيح أن النبي - ﷺ - حرم لحوم الحمر الأهلية بخيبر، فهل يسوغ لقائل أن يقول: هذا الخبر الصحيح مردود، لأنه يعارض حصر المحرمات في الأربع المذكورة في آية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية؟ ولو قال ذلك لقيل له: هذا الخبر الصحيح لا تناقضه الآية، لأنه أفاد حكمًا جديدًا طارئًا لم يكن مشروعًا من قبل، وأحكام الشريعة تتجدد شيئًا فشيئًا.

стр. 4959

والآية لم تدل على استمرار الحصر المذكور فيها، فتبين أن زيادة حكم طارئ لا تناقض بينها وبين ما كان قبلها. وإيضاح هذا أن نسخ المتواتر بالآحاد إنما رفع استمرار حكم المتواتر، ودلالة المتواتر على استمرار حكمه ليست قطعية حتى يمنع نسخها بأخبار الآحاد الصحيحة. وقد قدمنا إيضاح هذا في سورة الأنعام. وقصدنا مطلق المثال لما يقال: إن الإِمام أبا حنيفة ﵀ خالف فيه السنة برأيه، وغرضنا أن نبين أنه ﵀ لم يخالف شيئًا من ذلك، إلا لشيء اعتقده مسوغًا لذلك، وأنه لا يترك السنة إلا لشيء يراه مستوجبًا لذلك شرعًا. ومما يبين ذلك أنه كان يقدم ضعيف الحديث على الرأي. قال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين ما نصه: وأصحاب أبي حنيفة ﵀ مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه. كما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي. وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس. ومنع قطع يد السارق لسرقة أقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف. وجعل أكثر الحيض عشرة أيام، والحديث فيه ضعيف.

стр. 4960

وشرط في إقامة الجمعة المِصْر، والحديث فيه كذلك. وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة. فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة قوله، وقول الإِمام أحمد. وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسنًا قد يسميه المتقدمون ضعيفًا. اهـ محل الغرض منه. ومن أمثلة ما ذكر أن أبا حنيفة ﵀ خالف فيها السنة: لزوم الطمأنينة في الصلاة، وتعين تكبيرة الإِحرام في الدخول فيها، والسلام للخروج منها، وقراءة الفاتحة فيها، والنية في الوضوء والغسل، إلى غير ذلك من مسائل كثيرة. ولا يتسع المقام هنا لذكر ما استدل به أبو حنيفة لذلك، ومناقشة الأدلة. بل المقصود بيان أن الأئمة لا يخلو أحد منهم من أن يؤخذ عليه شيء خالف فيه سنة، وأنهم لم يخالفوها إلا لشيء سوغ لهم ذلك. وعند المناقشة الدقيقة قد يظهر أن الحق قد يكون معهم، وقد يكون الأمر بخلاف ذلك. وعلى كل حال فهم مؤجورون ومعذورون كما تقدم إيضاحه. وقد أخذ بعض العلماء على مالك ﵀ أشياء، قال: إنه خالف فيها السنة. قال أبو عمر بن البر ﵀ في جامعه: وقد ذكر يحيى بن سلام قال: سمعت عبد الله بن غانم في مجلس إبراهيم بن الأغلب

стр. 4961

يحدث عن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي - ﷺ - ، مما قال مالك فيها برأيه، قال: ولقد كتبت إليه في ذلك. انتهى محل الغرض منه. ومعلوم أن مثل كلام الليث هذا عن مالك لا أثر له؛ لأنه لم يعين المسائل المذكورة ولا أدلتها. فيجوز أن يكون الصواب فيها مع مالك، لأدلة خفيت على الليث، فليس خفاؤها على مالك بأولى من خفائها على الليث. ولا شك أن مذهب مالك المدون، فيه فروع تخالف بعض نصوص الوحي، والظاهر أن بعضها لم يبلغه ﵀، ولو بلغه لعمل به، وأن بعضها بلغه وترك العمل به لشيء آخر يعتقده دليلًا أقوى منه. ومن أمثلة ما لم يبلغه النص فيه: صيام ست من شوال بعد صوم رمضان. قال ﵀ في الموطأ ما نصه: إني لم أر أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم، ورأوهم يعملون ذلك. اهـ منه بلفظه. وفيه تصريح مالك ﵀ بأنه لم يبلغه صيام ستة من شوال عن أحد من السلف، وهو صريح في أنه لم يبلغه عن النبي - ﷺ - . ولا شك أنه لو بلغه الترغيب فيه عن النبي - ﷺ - لكان يصومها ويأمر بصومها، فضلًا عن أن يقول بكراهتها.

стр. 4962

وهو لا يشك أن النبي - ﷺ - أرأف وأرحم بالأمة منه؛ لأن الله وصفه - ﷺ - في القرآن بأنه رؤوف رحيم. فلو كان صوم الستة يلزمه المحذور الذي كرهها مالك من أجله، لما رغب فيها النبي - ﷺ - ، ولراعى المحذور الذي راعاه مالك. ولكنه - ﷺ - ألغى المحذور المذكور وأهدره، لعلمه بأن شهر رمضان أشهر من أن يلتبس بشيء من شوال. كما أن النوافل المرغب فيها قبل الصلوات المكتوبة وبعدها لم يكرهها أحد من أهل العلم خشية أن يلحقها الجهلة بالمكتوبات؛ لشهرة المكتوبات الخمس وعدم التباسها بغيرها. وعلى كل حال، فإنه ليس لإِمام من الأئمة أن يقول: هذا الأمر الذي شرعه رسول الله - ﷺ - مكروه، لخشية أن يظنه الجهال من جنس الواجب. وصيام الستة المذكورة، وترغيب النبي - ﷺ - ثابت عنه. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر جميعًا، عن إسماعيل، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني سعد بن سعيد بن قيس، عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه حدثه أن رسول الله - ﷺ - قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر". انتهى منه بلفظه. وفيه التصريح من النبي - ﷺ - بالترغيب في صوم الستة المذكورة، فالقول بكراهتها من غير مستند من أدلة الوحي خشية

стр. 4963

إلحاق الجهال لها برمضان، لا يليق بجلالة مالك وعلمه وورعه، لكن الحديث لم يبلغه، كما هو صريح كلامه نفسه ﵀ في قوله: لم يبلغني ذلك عن أحد من السلف. ولو بلغه الحديث لعمل به؛ لأنه ﵀ من أكثر الناس اتباعا لرسول الله - ﷺ - ، وأحرصهم على العمل بسنته. والحديث المذكور رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، وصوم الستة المذكورة رواه أيضًا عن النبي - ﷺ - جماعة من أصحابه، منهم ثوبان وجابر وابن عباس وأبو هريرة والبراء بن عازب، كما بينه صاحب نيل الأوطار. وعلى كل حال، فالحديث صحيح، ويكفي في ذلك إسناد مسلم المذكور، ولا عبرة بكلام من تكلم في سعد بن سعيد، لتوثيق بعض أهل العلم له واعتماد مسلم عليه في صحيحه. ومن أمثلة ما لم تبلغ مالكًا ﵀ فيه السنة عن رسول الله - ﷺ - : إفراد صوم يوم الجمعة، فقد قال ﵀ في الموطأ ما نصه: لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه، ومن يقتدى به، ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه. انتهى منه بلفظه. وفيه تصريحه ﵀ بأنه لم يسمع أحدًا من أهل العلم ينهى عن صوم الجمعة، وأن ذلك حسن عنده، وأنه رأى بعض أهل العلم يتحرى يوم الجمعة ليصومه. وهذا تصريح منه ﵀ بأنه لم يبلغه نهي النبي - ﷺ - عن صوم يوم الجمعة وحده، وأمره من صامه أن يصوم معه يوما غيره، وإلا أفطر إن ابتدأ صيامه ناويا إفراده.

стр. 4964

ولو بلغته السنة في ذلك عن رسول الله - ﷺ - لعمل بها وترك العمل بغيرها؛ لأن النهي عن صوم يوم الجمعة وحده ثابت عن رسول الله - ﷺ - قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن محمد بن عباد، قال: سألت جابرًا ﵁، أنهى النبي - ﷺ - عن صوم الجمعة؟ قال: نعم. زاد غير أبي عاصم: يعني أن ينفرد بصومه. حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يصومنَّ أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو بعد". حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن شعبة (ح) وحدثني محمد، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن جويرية بنت الحارث ﵂ أن النبي - ﷺ - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا. قال: فأفطري. وقال حماد بن الجعد: سمع قتادة، حدثني أبو أيوب، أن جويرية حدثته فأمرها، فأفطرت. انتهى من صحيح البخاري بلفظه. وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الحميد بن جبير، عن محمد بن عباد بن جعفر: سألت جابر بن عبد الله رضي الله

стр. 4965

عنهما وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله - ﷺ - عن صيام يوم الجمعة؟ فقال: نعم، ورب هذا البيت. وقال مسلم أيضًا: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص وأبو معاوية، عن الأعمش (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - : "لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده". وفي لفظ في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قال: "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" هذا لفظ مسلم في صحيحه. ولا شك أن هذه الأحاديث لو بلغت مالكًا ما خالفها، فهو معذور في كونها لم تبلغه. وقال النووي في شرح مسلم: وأما قول مالك في الموطأ: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن به يقتدى نهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه. فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعين القول به، ومالك معذور، فإنه لم يبلغه. قال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه. انتهى منه.

стр. 4966

وهذا هو الحق الذي لا شك فيه؛ لأن مالكًا من أورع العلماء وأكثر الناس اتباعا لسنة رسول الله - ﷺ - ، فلا يدعها وهو عالم بها. وقوله في هذا الحديث: إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم. أي كأن ينذر أحد صوم اليوم الذي يشفي الله فيه مريضه، فوافق ذلك يوم الجمعة؛ لأن صومه له لأجل النذر، الذي لم يقصد بأصله تعيين يوم الجمعة. وإنما النهي فيمن قصد بصومه نفس يوم الجمعة دون غيره. والغرض عندنا إنما هو المثال لبعض الأحكام التي لم تبلغ مالكًا فيها السنة عن رسول الله - ﷺ - ولو بلغته لعمل بها. ومعلوم أن هنالك بعضًا من النصوص ترك مالك العمل به مع أنه بلغه؛ لأنه يعتقد أن ما ترك النص من أجله أرجح من النص. وهذا يحتاج فيه إلى مناقشات دقيقة بين الأدلة، فقد يكون الحق في ذلك مع هذا الإِمام تارة ومع غيره أخرى. فقد ترك مالك العمل بحديث خيار المجلس مع أنه حديث متفق عليه، وقد بلغ مالكًا. وقد حلف عبد الحميد الصائغ من المالكية بالمشي إلى مكة على أنه لا يفتي بثلاث قالها مالك. ومراده بالثلاث المذكورة: عدم القول بخيار المجلس هذا مع صحة الحديث فيه، وجنسية القمح والشعير مع صحة الأحاديث الدالة على أنهما جنسان، والتدمية البيضاء. ولا شك أن مالكًا بلغه حديث خيار المجلس هذا.

стр. 4967

فقد روى في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار). قال مالك: وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه. انتهى منه بلفظه. مع أن مالكًا لم يعمل بهذا الحديث الصحيح، وأشار في الموطأ إلى بعض الأسباب التي منعته من العمل به في قوله: وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه؛ لأن خيار المجلس لم يحدد بحد معروف، فصار القول به مانعًا من انعقاد البيع إلى حد غير معروف. وقد يكون المتعاقدان في سفينة في البحر لا يمكنهم التفرق بالأبدان، وقد يكونان مسجونين في محل لا يمكنهما التفرق فيه. وقد حمل مالك التفرق المذكور في الحديث على التفرق في الكلام، وصيغة العقد، قال: وقد أطلق التفرق على التفرق في الكلام دون الأبدان في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾، فالتفرق في الآية إنما هو بالتكلم بصيغة الطلاق لا بالأبدان. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ فالتفرق في الآية تفرق بالكلام والاعتقاد، فلا يشترط أن يكون بالأبدان. وحجج من احتج لمالك في عدم أخذه بحديث خيار المجلس هذا كثيرة معروفة.

стр. 4968

منها ما هو في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقوله: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. ومنها ما هو بغير ذلك. وليس غرضنا هنا بسط الحجج ومناقشتها، وإنما غرضنا المثال لأن الإِمام قد يترك نصًّا بلغه لاعتقاده أن ما ترك من أجله النص أرجح من نفس النص، وأنه يجب على المسلم مراعاة المخرج والنجاة لنفسه، فينظر في الأدلة، ويعمل بأقواها وأقربها إلى رضي الله. كما حلف عبد الحميد الصائغ بالمشي إلى مكة، لا يفتي بقول مالك في هذا، مع أنه عالم مالكي؛ لأنه رأى الأدلة واضحة وضوحًا لا ليس فيه في أن المراد بالتفرق التفرق بالأبدان. وقد صرح بذلك جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر راوي الحديث، ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة. ولا شك أن المنصف إذا تأمل تأملًا صادقًا خاليًا من التعصب، عرف أن الحق هو ثبوت خيار المجلس، وأن المراد بالتفرق التفرق في الأبدان لا بالكلام؛ لأن معنى التفرق بالكلام هو حصول الإِيجاب من البائع والقبول من المشتري. وكل عاقل يعلم أن الخيار حاصل لكل من البائع والمشتري ضرورة قبل حصول الإِيجاب والقبول، فحمل كلام النبي - ﷺ - على هذا، حمل له على تحصيل حاصل، وهو كما ترى. مع أن حمل الكلام على هذا المعنى يستلزم أن المراد بالمتبايعين في الحديث المتساومان؛ لأنه لا يصدق عليهما اسم المتبايعين حقيقة إلا بعد حصول الإِيجاب والقبول.

стр. 4969

وحمل المتبايعين في كلام النبي - ﷺ - على المتساومين اللذين لم ينعقد بينهما بيع، خلاف الظاهر أيضًا كما ترى. وأما كون القمح والشعير جنسًا واحدًا، فقد استدل له مالك ببعض الآثار التي ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي - ﷺ - . قال في الموطأ: إنه بلغه أن سليمان بن يسار قال: فَنِيَ علف حمار سعد بن أبي وقاص، فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك فابتع بها شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثله. اهـ منه بلفظه. وفي الموطأ أيضًا عن نافع عن سليمان بن يسار أنه أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فني علف دابته، فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك فابتع بها شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثله. اهـ منه بلفظه. وفي الموطأ أيضًا: أن مالكًا بلغه عن القاسم بن محمد بن معيقيب الدوسي مثل ذلك. قال مالك: وهو الأمر عندنا. اهـ منه بلفظه. فهذه الآثار هي عمدة مالك ﵀ في كون القمح والشعير جنسًا واحدًا، وعضد ذلك بتقارب منفعتهما. والتحقيق الذي لا شك فيه أن القمح والشعير جنسان، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ - ، ولا تصح معارضتها البتة بمثل هذه الآثار المروية عمن ذكر. وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه" انتهى منه بلفظه.

стр. 4970

وهو صريح بأن القمح والشعير جنسان مختلفان، كاختلافهما مع التمر والملح، وأن التفاضل جائز مع اختلاف الجنس إن كان يدًا بيد. وروى مسلم في صحيحه والإِمام أحمد عن عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد". اهـ منه بلفظه. وللنسائي وابن ماجه وأبي داود نحوه، وفي آخره: وأمرنا أن نبيع البر بالشعير والشعير بالبر، يدًا بيد، كيف شئنا. قال المجد في المنتقى لما ساق هذا الحديث ما نصه: وهو صريح في كون البر والشعير جنسين. وما قاله صحيح كما ترى. والأحاديث بمثل هذا كثيرة، وقد قدمنا طرفًا منها في سورة البقرة، والمقصود هنا بيان صراحة الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في أن القمح والشعير جنسان لا جنس واحد، وأنها لا يجوز ترك العمل بها مع صحتها ووضوحها، ولا أن يقدم عليها أثر موقوف على سعد بن أبي وقاص، ولا أثر موقوف على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، ولا أثر موقوف على ابن معيقيب. واعلم أنه لا يصح الاستدلال لكون القمح والشعير جنسًا واحدًا بحديث معمر بن عبد الله الثابت في صحيح مسلم وغيره، قال: كنت أسمع النبي - ﷺ - يقول: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" الحديث. وذلك لأمرين: أحدهما: أن معمر المذكور قال في آخر الحديث: وكان طعامهم يومئذٍ الشعير. فقد عين أن عرفهم المقارن للخطاب يخصص الطعام المذكور بالشعير.

стр. 4971

والمقرر في أصول مالك: أن العرف المقارن للخطاب من المخصصات المنفصلة التي يخصص بها العام. قال في مراقي السعود في ذلك: والعرف حيث قارن الخطابا ... ودع ضمير البعض والأسبابا الأمر الثاني: أن الاستدلال بالحديث المذكور على فرض اعتبار عمومه، وعدم تخصيصه بالعرف المذكور، يقتضي أن الطعام كله جنس واحد، فيدخل التمر والملح، لصدق الطعام عليهما، وهذا لا قائل به كما ترى. فالظاهر أن الإمام مالكًا ﵀ ومن وافقه من أهل العلم، لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن القمح والشعير والتمر والملح أجناس، وأن القمح يباع بالشعير كيف شاء المتبايعان إن كان يدًا بيد. وأما التدمية البيضاء فقول مالك فيها يظهر لنا قوته واتجاهه، وإن خالف في ذلك بعض أصحابه وأكثر أهل العلم. وقد بين وجه قول مالك فيها ابن عبد البر وابن العربي وغيرهما. والمسائل التي قال بعض أهل العلم إن مالكًا خالف فيها السنة معروفة، منها ما ذكرنا، ومنها مسألة سجود الشكر، وسجدات التلاوة في المفصل، وعدم الجهر بآمين، وعدم رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وعدم قول الإمام: ربنا ولك الحمد، وعدم ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر، وترك السجدة الثانية في الحج، وغير ذلك من المسائل.

стр. 4972

وقد قدمنا أن بعض ما ترك مالك من النصوص قد بلغته فيه السنة ولكنه رأى غيرها أرجح منها، وأن بعضها لم يبلغه، وأن الحق قد يكون معه في بعض المسائل التي أخذت عليه، وقد يكون مع غيره، كما قال مالك نفسه ﵀: كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلام صاحب هذا القبر. وهو تارة يقدم دليل القرآن المطلق أو العام على السنة التي هي أخبار آحاد، لأن القرآن أقوى سندًا وإن كانت السنة أظهر دلالة، ولأجل هذا لم يبح ميتة الجراد بدون ذكاة؛ لأنه يقدم عموم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ الآية على حديث "أحلت لنا ميتتان ودمان" الحديث. وقدم عموم قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الآية على الأحاديث الواردة بالجهر بآمين" لأن التأمين دعاء، والدعاء مأمور بإخفائه في الآية المذكورة، فالآية أقوى سندًا، وأحاديث الجهر بالتأمين أظهر دلالة في محل النزاع. ومن المعلوم أن أكثر أهل العلم يقدمون السنة في نحو هذا. وقد قدم مالك ﵀ دليل القرآن فيما ذكرنا، كما قدمه أيضًا في الثانية من سجدتي الحج؛ لأن نص الآية الكريمة فيها كالصريح في أن المراد سجود الصلاة؛ لأن الله يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾. فذكر الركوع مع السجود يدل على أن المراد سجود الصلاة، والأمر بالصلاة في القرآن لا يستلزم سجود التلاوة، كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، ولذلك لا يسجد عند قوله تعالى في آخر الحجر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾، قالوا: لأن معنى قوله:

стр. 4973

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي صل لربك متلبسًا بحمده، وكن من الساجدين له في صلاتك. ولا شك أن قوله تعالى في ثانية الحج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ الآية، أصرح في إرادة سجود الصلاة من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾. ثم بعد هذا كله فإننا نكرر أن الأئمة ﵏ لا يلحقهم نقص ولا عيب فيما أخذ عليهم؛ لأنهم ﵏ بذلوا وسعهم في تعلم ما جاء عن الله على لسان رسوله - ﷺ - ، ثم اجتهدوا بحسب طاقتهم، فالمصيب منهم له أجر اجتهاده وإصابته، والمخطئ منهم مأجور في اجتهاده معذور في خطئه، ولا يسعنا هنا مناقشة الأدلة فيما أخذ عليهم ﵏، وإنما قصدنا مع الاعتراف بعظم منزلتهم أن نبين أن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - يجب تقديمهما على أقوالهم، لأنهم غير معصومين من الخطأ، وأن مذاهبهم المدونة لا يصح ولا يجوز الاستغناء بها عن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، وأن على كل مسلم قادر على التعليم أن يتعلم الكتاب والسنة، ومعرفةُ مذاهب الأئمة تُعِينُه على ذلك، والنظرُ فيما استدل به كل منهم يعينه على معرفة أرجح الأقوال وأقربها إلى رضى الله. وكذلك الشافعي وأحمد رحمهما الله، فإن كل واحد منهما لا يخلو من شيء قد أخذ عليه، ومرادنا هنا التمثيل لذلك، وأن الوحي مقدم على أقوالهم جميعًا، وليس قصدنا الإِكثار من ذلك. وهذه (١) أمثلة بالمطلوب، وكان الشيخ ﵀ أرجأ إيرادها،

стр. 4974

فنذكرها على ما هو ظاهر من المذهبين، ونرجو أن تكون موافقة لما أراد، وبالله التوفيق. فمما هو في مذهب أحمد ﵀: صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان حينما يشك فيه هل هو تمام شعبان أو أول رمضان، وذلك حينما تكون السماء مغيمة، خشية أن يظهر الهلال خلف الغيم أو القتر. ولا يكون يوم شك إذا كانت السماء صحوًا؛ لأنه إذا رؤي الهلال فهو من رمضان وإلا فهو من شعبان. فمذهب أحمد هو صوم هذا اليوم المشكوك فيه احتياطًا لرمضان، وهو نص المُغني إلا أنه ذكر عن أحمد روايات أخر. ولكن صومه هو المقدم في المذهب. ولكنه مخالف لصريح النص في قوله - ﷺ - في ذلك: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - ﷺ - ". قال في بلوغ المرام: ذكره البخاري تعليقًا ووصله. قال في سبل السلام: واعلم أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلة بغيم ساتر، أو نحوه، فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان. والحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه. اهـ. يعني بما في معناه قوله - ﷺ - "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين". متفق، عليه، ولمسلم: "فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين"، وللبخاري: "فأكملوا العدة ثلاثين". وشبهة أحمد في قوله - ﷺ - : "فاقدروا له" بمعنى "فضيقوا

стр. 4975

عليه"، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، ولكن هذا معارض للنص الصريح في معنى "فاقدروا له ثلاثين"، وقوله: "فأكملوا العدة ثلاثين"، أي سواء في شعبان أو في تمام رمضان عند الفطر. ولم يقل بصومه من الأئمة إلا أحمد ﵀. ومما هو عند الشافعي: قوله بنقض الوضوء من مجرد لمس المرأة الأجنبية بدون حائل، مع ما جاء عنه - ﷺ - في حديث عائشة ﵂: "كنت أنام معترضة في القبلة ورسول الله - ﷺ - قائم يصلي فإذا سجد غمزني في رجالي فأقبضها فإذا قام مددتها". وقد أجابوا عن ذلك باحتمال سترها بحائل، فجاء قولها: "افتقدت رسول الله - ﷺ - ذات ليلة، فقمت أطلبه والحجرات ليس فيه آنذاك السرج، حتى وقعت كفي على بطن قدمه وهو ساجد يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، فقلت: والله إنك لفي واد وأنا في واد. فلما قام للركعة الثانية ظنته ذهب عند بعض نسائه فاغتسل ثم جاء يصلي عندها، فقامت وأدخلت يدها في شعر رأسه تتحسس هل اغتسل أم لا .. إلخ. ولهم أجوبة على كل ذلك ولكنها لا تنهض مع هذه النصوص الصريحة. وشبهة الشافعي في ذلك في معنى: (لامستم النساء) من قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية.
следующие страницы →