← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾، وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أمر نبيهم أن يقول لهم بصيغة الإنكار: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾، وذلك بادعائكم أنكم مؤمنون، والله لا يخفى عليه شيء من حالكم، وهو عالم بأنكم لم تؤمنوا وعالم بكل ما في السموات والأرض وعالم بكل شيء. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تقبيح تزكية النفس بالكذب جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾. * * *

стр. 5042

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة ق

стр. 5043

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ . المقسم عليه في الآية محذوف، والظاهر أنه المقسم عليه المحذوف في سورة ص، وقد أوضحناه في الكلام عليها. • وقوله تعالى هنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾. قد قدمنا في سورة ص أن من المقسم عليه أن النبي ﷺ صادق وأن رسالته حق، كما دل عليه قوله في ص: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وقد دل على ذلك قوله هنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وقد قدمنا في ص أنه يدخل في المقسم عليه تكذيب الكفار في إنكارهم البعث، ويدل عليه قوله هنا: ﴿فَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ الآية، والحاصل أن المقسم عليه في ص بقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾، وفي ق بقوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ محذوف، وهو تكذيب الكفار في إنكارهم رسالة النبي ﷺ وإنكارهم البعث، وإنكارهم كون المعبود واحدًا. وقد بينا الآيات الدالة على ذلك في سورة ص، وذكرنا هناك أن

стр. 5044

كون المقسم عليه في سورة ق هذه المحذوف يدخل في إنكارهم لرسالة النبي ﷺ ، بدليل قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وتكذيبهم في إنكارهم للبعث، بدليل قوله: ﴿فَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾، وبينا وجه إيضاح ذلك بالآيات المذكورة هناك وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. • قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ . الهمزة في قوله: ﴿أَفَلَمْ﴾ تتعلق بمحذوف، والفاء عاطفة عليه، كما قدمنا مرارًا أنه أظهر الوجهين، وأنه أشار إليه في الخلاصة بقوله: • وحذف متبوع بدا هنا استبح * والتقدير: أأعرضوا عن آيات الله فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج؛ أي ليس فيها من شقوق ولا تصدع ولا تفطر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تعظيم شأن كيفية بنائه تعالى للسماء وتزيينه لها وكونها لا تصدع ولا شقوق فيها، جاء كله موضحًا في آيات أخر، كقوله جل وعلا في بنائه للسماء: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾، وقوله تعالى في أول الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ

стр. 5045

عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقوله تعالى في لقمان: ﴿بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله تعالى في تزيينه للسماء: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِـ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾. وكقوله تعالى في حفظه للسماء من أن يكون فيها فروج أي شقوق: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، والفطور والفروج بمعنى واحد، وهو الشقوق والصدوع، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾. أما إذا كان يوم القيامة فإن السماء تتشقق وتتفطر، وتكون فيها الفروج، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه مد الأرض وألقى فيها الجبال الرواسي وأنبت فيها من كل زوج بهيج، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب.

стр. 5046

وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَينِ اثْنَينِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وكقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ أي من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقوله: ﴿تَبْصِرَةً﴾ أي قدرنا الأرض وألقينا فيها الرواسي وأنبتنا فيها أصناف النبات الحسنة، لأجل أن نبصر عبادنا كمال قدرتنا على البعث وعلى كل شيء وعلى استحقاقنا للعبادة دون غيرنا. • قوله تعالى: ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ . قوله: (كذلك الخروج): معناه أن الله ﵎ يبين أن إحياء الأرض بعد موتها بإنبات النبات فيها بعد انعدامه واضمحلاله، دليل على بعث الناس بعد الموت بعد كونهم ترابًا وعظامًا. فقوله: (كذلك الخروج) يعني أن خروج الناس أحياء من قبورهم بعد الموت كخروج النبات من الأرض بعد عدمه، بجامع استواء الجميع في أنه جاء بعد عدم، وهذا أحد براهين البعث التي يكثر الاستدلال عليه بها في القرآن، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في صدر سورة البقرة وأول النحل وأول الجاثية، وغير ذلك من المواضع.

стр. 5047

• قوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أن من كذب الرسل يحق عليه العذاب، أي يتحتم ويثبت في حقه ثبوتًا لا يصح معه تخلفه عنه، وهو دليل واضح على أن ما قاله بعض أهل العلم من أن الله يصح أن يخلف وعيده؛ لأنه قال: إنه لا يخلف وعده، ولم يقل إنه لا يخلف وعيده، وأن إخلاف الوعيد حسن لا قبيح، وإنما القبيح هو إخلاف الوعد، وأن الشاعر قال: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي لا يصح بحال؛ لأن وعيده تعالى للكفار حق، ووجب عليهم بتكذيبهم للرسل، كما دل عليه قوله هنا: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾. وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف العلة كقوله: سها فسجد، أي لعله سهوه، وسروا فقطعت يده، أي لعلة سرقته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾، فتكذيبهم الرسل علة صحيحة لكون الوعيد بالعذاب حَقَّ ووجب عليهم، فدعوى جواز تخلفه باطلة بلا شك. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿قَال لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ الآية، والتحقيق: أن المراد بالقول الذي لا يبدل لديه هو الوعيد الذي قدم به إليهم، وقوله تعالى في سورة ص: ﴿إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾. وبهذا تعلم أن الوعيد الذي لا يمتنع إخلافه هو وعيد عصاة المسلمين بتعذيبهم على كبائر الذنوب؛ لأن الله تعالى أوضح ذلك في

стр. 5048

قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهذا في الحقيقة تجاوز من الله عن ذنوب عباده المؤمنين العاصين، ولا إشكال في ذلك، وقد أوضحنا هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَال النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. • قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ . هذه الآية الكريمة من براهين البعث، لأن من لم يعي بخلق الناس ولم يعجز عن إيجادهم الأول لا شك في قدرته على إعادتهم وخلقهم مرة أخرى؛ لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من البدء. والآيات الدالة على هذا كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقد أوضحنا الآيات الدالة على براهين البعث التي يكثر الاستدلال عليه بها في القرآن، كخلق الناس أولًا، وخلق السماوات والأرض وما فيهما، وإحياء الأرض بعد موتها، وغير ذلك، في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، في البقرة والنحل والحج والجاثية وغير ذلك، وأحلنا على ذلك مرارًا كثيرة. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود في الكلام

стр. 5049

على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾. • قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ . قوله: (إذ) منصوب بقوله: (أقرب) أي نحن أقرب إليه من حبل الوريد في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان جميع ما يصدر منه، والمراد: أن الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد في وقت كتابة الحفظة أعماله، لا حاجة له لكتب الأعمال؛ لأنه عالم بها لا يخفى عليه منها شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحكم أخرى، كإقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أوضحه بقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾، ومفعول التلقي في الفعل الذي هو يتلقى، والوصف الذي هو المتلقيان، محذوف تقديره: إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان فيكتبانه عليه. قال الزمخشري: والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة. اهـ منه، والمعنى واضح؛ لأن الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه فيكتبه عليه، والمتلقيان هما اليلكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه ومقعد الآخر عن شماله. والقعيد: قال بعضهم: معناه القاعد. والأظهر أن معناه: المقاعد، وقد يكثر في العربية إطلاق الفعل

стр. 5050

وإرادة المفاعل، كالجليس بمعنى المجالس، والأكيل بمعنى المُآكل، والنديم بمعنى المنادم. وقال بعضهم: القعيد هنا هو الملازم، وكل ملازم دائمًا أو غالبًا يقال له قعيد، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي: قعيدك ألا تسمعيني ملامة ... ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا والمعنى: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف الأول بدلالة الثاني عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن جَوْلِ الطويِّ رماني وقول قيس بن الخطيم الأنصاري: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف وقول ضابئ بن الحارث البرجمي: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب فقول ابن أحمر: "كنت منه ووالدي بريئًا" أي كنت بريئًا منه وكان والدي بريئًا منه. وقول ابن الخطيم: "نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض" أي نحن راضون وأنت راض. وقول ضابئ بن الحارث: "فإني وقيار بها لغريب" يعني إني لغريب وقيار غريب. وهذا أسلوب عربي معروف. ودعوى أن قوله في الآية: (قعيد) هي الأولى أُخِّرت وحذفت

стр. 5051

الثانية لدلالتها عليها، لا دليل عليه، ولا حاجة إليه كما ترى، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخيرة فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (ما يلفظ من قول) أي ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام (إلا لديه) أي إلا والحال أن عنده رقيبًا، أي ملكًا مراقبًا لأعماله حافظًا لها شاهدًا عليها لا يفوته منها شيء. (عتيد) أي حاضر ليس بغائب، يكتب عليه ما يقول من خير وشر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ الآية، وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾. وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن القعيد الذي هو عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات، وأن صاحب الحسنات أمين على صاحب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمهله ولا تكتبها عليه لعله يتوب أو يستغفر. وبعضهم يقول: يمهله سبع ساعات. والعلم عند الله تعالى.

стр. 5052

تنبيه اعلم أن العلماء اختلفوا في عمل الجائز الذي لا ثواب ولا عقاب عليه، هل تكتبه الحفظة عليه أو لا؟ فقال بعضهم: يكتب عليه كل شيء حتى الأنين في المرض، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾؛ لأنه قوله: (من قول) نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة مِنْ، فهي نص صريح في العموم. وقال بعض العلماء: لا يكتب من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب. وكلهم مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب، فالذين يقولون: لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون: يكتب الجميع، متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون: لا يكتب أصلًا، وبعضهم يقولون: يكتب أولًا ثم يمحى. وزعم بعضهم أن محو ذلك، وإثبات ما فيه ثواب أو عقاب، هو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ الآية. والذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه، قالوا: إن في الآية نعتًا محذوفًا سوَّغ حذفه العلم به؛ لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف: ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء. وقد قدمنا أن حذف النعت إذا دل عليه في أسلوب عربي معروف، وقدمنا أن منه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أي كل سفينة صحيحة لا عيب فيها، بدليل قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، أي قرية ظالمة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا

стр. 5053

مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾، وأن من شواهده قول المرقش الأكبر: ورب أسيلة الخدين بكر ... مهفهفة لها فرع وجيد أي لها فرع فاحم وجيد طويل. وقول عبيد بن الأبرص: من قوله قول ومن فعله ... فعل ومن نائله نائل أي قول فصل، وفعل جميل، ونائل جزل. • قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾. • قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ . قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع وشعبة عن عاصم: (يوم نقول) بالنون الدالة على العظمة. وقرأه نافع وشعبة: (يوم يقول) بالياء، وعلى قراءتهما فالفاعل ضمير يعود إلى الله. واعلم أن الاستفهام في قوله: (هل من مزيد) فيه للعلماء قولان معروفان: الأول: أن الاستفهام إنكاري، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾ أي ما يهلك إلا القوم الظالمون. وعلى هذا، فمعنى (هل من مزيد) لا محل للزيادة، لشدة امتلاء النار.

стр. 5054

واستدل بعضهم لها الوجه بآيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾، ﴿قَال فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ الآية؛ لأن إقسامه تعالى في هذه الآية المدلول عليه بلام التوطئة في (لأملأن) على أنه يملأ جهنم من الجنة والناس، دليل على أنها لا بد أن تمتلئ. ولذا قالوا: إن معنى (هل من مزيد) لا مزيد؛ لأني قد امتلأت فليس فِيَّ محل للمزيد. وأما القول الآخر، فهو أن المراد بالاستفهام في قول النار: (هل من مزيد) هو طلبها للزيادة، وأنها لا تزال كذلك حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، أي كفاني قد أمتلأت. وهذا الأخير هو الأصح، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي - ﷺ - أن جهنم لا تزال تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط؛ لأن في هذا الحديث المتفق عليه التصريح بقولها: قط قط، أي كفاني قد امتلأت، وأن قولها قبل ذلك: هل من مزيد، لطلب الزيادة، وهذا الحديث الصحيح من أحاديث الصفات، وقد قدمنا الكلام عليها مستوفًى في سورة الأعراف والقتال.

стр. 5055

واعلم أن قول النار في هذه الآية: (هل من مزيد) قول حقيقي ينطقها الله، فزعم بعض أهل العلم أنه كقول الحوض: امتلأ الحوض فقال قطني ... مهلًا رويدًا قد ملأت بطني وأن المراد بقولها ذلك هو ما يفهم من حالها؛ خلاف التحقيق. وقد أوضحنا ذلك بأدلته في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾ . قوله: (أزلفت) أي قربت. وقوله: (غير بعيد) فيه معنى التوكيد لقوله: (أزلفت) سواء أعربت (غير بعيد) بأنها حال أو ظرف. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من إزلاف الجنة للمتقين، جاء في مواضع أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوينَ (٩١)﴾. قال البغوي ﵀ في تفسير هذه الآية: (غير بعيد) ينظرون إليها قبل أن يدخلوها. • قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَينَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ . قوله: (لهم ما يشاؤون فيها) قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَدَينَا مَزِيدٌ﴾ قال

стр. 5056

بعض العلماء: المزيد النظر إلى وجه الله الكريم. ويستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾؛ لأن الحسنى الجنة، والزيادة النظر، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ . قد قدمنا الكلام عليه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وبينا هناك أن الله أوضح ذلك في فصلت في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾، وأوضحنا ذلك في سورة فصلت. واللغوب: التعب والإعياء من العمل. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره تعالى لنبيه ﷺ بالصبر على ما يقوله الكفار والتسبيح بحمده جل وعلا أطراف النهار، قد ذكره الله في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في أخريات طه: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ

стр. 5057

اللَّيلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾، وأمره له بالتسبيح لعد أمره له بالصبر على أذى الكفار فيه دليل على أن التسبيح يعينه الله به على الصبر المأمور به، والصلاة داخلة في التسبيح المذكور كما قدمنا إيضاح ذلك، وذكرنا فيه حديث نعيم بن همار، في آخر الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾، وبينا هنالك أن الله أمر بالاستعانة بالصبر وبالصلاة كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾. • قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَينَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾ . قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر: (تشقق) بتشديد الشين بإدغام إحدى التاءين فيها، وقرأ الباقون بتخفيف الشين لحذف إحدى التاءين. وقوله تعالى: (سراعًا) جمع سريع، وهو حال من الضمير المجرور في قوله: (عنهم) أي تشقق الأرض عنهم في حال كونهم مسرعين إلى الداعي، وهو الملك الذي ينفخ في الصور ويدعو الناس إلى الحساب والجزاء.

стр. 5058

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الناس يوم البعث يخرجون من قبورهم مسرعين إلى المحشر قاصدين نحو الداعي، جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوه تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾، وقوله: (ينسلون) أي يسرعون، وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ الآية، فقوله: (مهطعين) أي مسرعين مادي أعناقهم، على الأصح، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة يس في الكلام على قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾. • قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ . قد قدمنا الكلام عليه في سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية. * * *

стр. 5059

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الذاريات

стр. 5060

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ . أكثر أهل العلم على أن المراد بالذاريات الرياح. وهو الحق إن شاء الله، ويدل عليه أن الذرو صفة مشهورة من صفات الرياح. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، ومعنى (تذروه) ترفعه وتفرقه، فهي تذرو التراب والمطر وغيرهما، ومنه قول ذي الرمة: ومنهل آجن قفر محاضره ... تذرو الرياح على جماته البعرا ولا يخفى سقوط قول من قال: إلى الذاريات النساء. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا﴾ أكثر أهل العلم على أن المراد بالحاملات وقرًا: السحاب. أي المزن تحمل وقرًا ثقيلًا من الماء. ويدل لهذا القول تصريح الله جل وعلا بوصف السحاب بالثقال، وهو جمع ثقيلة، وذلك لثقل السحابة بوقر الماء الذي تحمله، كقوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَال (١٢)﴾، وهو جمع

стр. 5061

سحابة ثقيلة، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾. وقال بعضهم: المراد بالحاملات وقرًا: السفن تحمل الأثقال من الناس وأمتعتهم. ولو قال قائل: إن الحاملات وقرًا الرياح أيضًا لكان وجهه طاهرًا، ودلالة بعض الآيات عليه واضحة؛ لأن الله تعالى صرح بأن الرياح تحمل السحاب الثقال بالماء، وإذا كانت الرياح هي التي تحمل السحاب إلى حيث شاء الله، فنسبة حمل ذلك الوقر إليها أظهر من نسبته إلى السحاب التي هي محمولة للرياح، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ الآية. فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا﴾ أي حتى إذا حملت الرياح سحابًا ثقالًا، فالإقلال الحمل، وهو مسند إلى الريح. ودلالة هذا على أن الحاملات وقرًا هي الرياح ظاهرة كما ترى. ويصح شمول الآية لجميع ذلك، وقد قدمنا مرارًا أنه هو الأجود في مثل ذلك، وبينا كلام أهل الأصول فيه، وكلامهم في حمل المشترك على معنييه أو معانيه، في أول سورة النور وغيرها. والقول بأن الحاملات وقرًا: هي حوامل الأجنة من الإناث، ظاهر السقوط. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾ أكثر أهل العلم على أن المراد بالجاريات يسرًا: السفن تجري في البحر يسرًا، أي جريًا ذا يسر أي سهولة.

стр. 5062

والأظهر أن هذا المصدر المنكر حال كما قدمنا نحوه مرارًا، أي فالجاريات في حال كونها ميسرة مسخرًا لها البحر. ويدل لهذا القول كثرة إطلاق الوصف بالجري على السفن، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وقيل: الجاريات الرياح. وقيل غير ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾: هي الملائكة يرسلها الله في شؤون وأمور مختلفة، ولذا عبر عنها بالمقسمات. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾، فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح، ومنهم من يرسل لكتابة الأعمال، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لإهلاك الأمم، كما وقع لقوم صالح. والتحقيق أن قوله: (أمرًا) مفعول به للوصف الذي هو المقسمات، وهو مفرد أريد به الجمع، وقد أوضحنا أمثلة ذلك في القرآن العظيم وفي كلام العرب، مع تنكير المفرد كما هنا، وتعريفه وإضافته في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. والمقسم عليه بهذه الأقسام هو قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾، والموجب لهذا التوكيد هو شدة إنكار الكفار للبعث والجزاء. وقوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ (ما)، فيه موصولة والعائد إلى الصلة

стр. 5063

محذوف، والوصف بمعنى المصدر، أي إن الذي توعدونه من الجزاء والحساب لصدق لا كذب فيه. وقال بعض العلماء: (ما) مصدرية، أي إن الوعد بالبعث والجزاء والحساب لصادق. وقال بعضهم: إن صيغة اسم الفاعل في (لصادق) بمعنى اسم المفعول، أي إن الوعد أو الموعود به لمصدوق فيه لا مكذوب به، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي مرضية. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من صدق ما يوعدونه جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. والمراد بالدين هنا الجزاء، وإن الجزاء يوم القيامة لواقع لا محالة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي جزاءهم بالعدل والإنصاف، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾. وقد نزه الله نفسه عن كونه خلق الخلق لا لبعث وجزاء، وبين أن ذلك ظن الكفار، وهددهم على ذلك الظن السيء بالويل من النار، قال تعالى منكرًا على من ظن عدم البعث والجزاء، ومنزهًا نفسه عن أنه خلقهم عبثًا لا لبعث وجزاء: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، في قوله في آية ص هذه: (باطلًا) أي عبثًا لا لبعث وجزاء.

стр. 5064

• قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ . قوله تعالى: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ فيه للعلماء أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبك جمع حبيكة أو حباك، وعليه فالمعنى: (ذات الحبك) أي ذات الطرائق، فما يبدو على سطح الماء الساكن أو الرمل من الطرائق إذا ضربته الريح هو الحبك، وهو جمع حبيكة أو حباك، قالوا: ولبعد السماء لا ترى طرائقها المعبر عنها بالحبك، ومن هذا المعنى قول زهير: مكلل بأصول النجم تنسجه ... ريح خريق بضاحي مائه حبك وقول الراجز: كأنما جللها الحواك ... طنفسة في وشيها حباك وممن نقل عنه هذا القول الكلبي والضحاك. وقال بعض أهل العلم: (ذات الحبك) أي ذات الخلق الحسن المحكم. وممن قال به ابن عباس وعكرمة وقتادة. وهذا الوجه يدل عليه قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول، فالحبك مصدر؛ لأن كل عمل أتقنه عامله وأحسن صنعه تقول فيه العرب: حبكه حَبكًا بالفتح على القياس. والحبك بضمتين بمعناه. وقال بعض العلماء: (ذات الحبك) أي الزينة. وممن روي عنه

стр. 5065

هذا سعيد بن جبير والحسن، وعلى هذا القول، فالآية كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في ق في الكلام على قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ الآية. وقال بعض العلماء: (ذات الحبك) أي ذات الشدة، وهذا القول يدل له قوله تعالى: ﴿وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾. والعرب تسمي شدة الخلق حبكًا، ومنه قيل للفرس الشديد الخلق: محبوك. ومنه قول امرئ القيس: قد غدا يحملني في أنفه ... لاحق الأطلين محبوك ممر والآية تشمل الجميع، فكل الأقوال حق. والمقسم عليه في هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾، أي إنكم أيها الكفار لفي قول مختلف في شأن النبي - ﷺ - وشأن القرآن؛ لأن بعضهم يقول: هو شعر، وبعضهم يقول: سحر، وبعضهم يقول: كهانة، وبعضهم يقول: أساطير الأولين. وقول من قال: (في قول مختلف) أي لأن بعضهم مصدق وبعضهم مكذب، خلاف التحقيق. ويدل على أن الاختلاف إنما هو بين المكذبين دون المصدقين قوله تعالى في ق: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ أي مختلط. وقال بعضهم: مختلف. والمعنى واحد. وقوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ أظهر الأقوال فيه عندي ولا ينبغي العدول عنه في نظري: أن لفظة (عن) في الآية سببية كقوله

стр. 5066

تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي بسبب قولك ومن أجله، والضمير المجرور بعن راجع إلى القول المختلف، والمعنى: (يؤفك) أي يصرف عن الإيمان بالله ورسوله (عنه) أي عن ذلك القول المختلف أي بسببه (من أفك) أي من سبقت له الشقاوة في الأزل، فحرم الهدي وأفك عنه؛ لأن هذا القول المختلف يكذب بعضه بعضًا ويناقضه. ومن أوضح الأدلة على كذب القول وبطلانه اختلافُه وتناقضه كما لا يخفى؛ فهذا القول المختلف الذي يحاول كفار مكة أن يصدوا به الناس عن الإسلام، الذي يقول فيه بعضهم: إن الرسول ساحر، وبعضهم يقول: شاعر، وبعضهم يقول: كذاب. ظاهر البطلان لتناقضه وتكذيب بعضه لبعض، فلا يصرف عن الإسلام بسببه إلا من صرف، أي صرفه الله عن الحق لشقاوته في الأزل، فمن لم يكتب عليه في سابق علم الله الشقاوة والكفر لا يصرفه عن الحق قولٌ ظاهر الكذب والبطلان لتناقضه. وهذا المعنى جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾. ومعنى هذه الآية: أن دين الكفار، الذي هو الشرك بالله وعبادة الأوثان، مع حرصهم على صد الناس عن دين الإسلام إليه، ما هم بفاتنين، أي ليسوا بمضلين عليه أحدا لظهور فساده وبطلانه، (إلا من هو صال الجحيم)، أي إلا من قدر الله عليه الشقاوة وأنه من أهل النار في سابق علمه. هذا هو الظاهر لنا في معنى هذه الآية الكريمة.

стр. 5067

وأكثر المفسرين على أن الضمير في قوله: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ راجح إلى النبي ﷺ أو القرآن، أي يصرف عن الإيمان بالنبي أو القرآن، (من أفك) أي صرف عن الحق، وحرم الهدى؛ لشدة ظهور الحق في صدق النبي ﷺ ، وأن القرآن منزل من الله. وهذا خلاف ظاهر السياق كما ترى. وقول من قال: (يؤفك عنه) أي يصرف عن القول المختلف الباطل (من أفك) أي من صرف عق الباطل إلى الحق؛ لا يخفى بعده وسقوطه، والذين قالوا هذا القول يزعمون أن الإفك يطلق على الصرف عن الحق إلى الباطل، وعن الباطل إلى الحق. ويبعد هذا أن القرآن لم يرد فيه الإفك مراد به إلا الصرف عن الخير إلى الشر، دون عكسه. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾ . لا يخفى على من عنده علم بأصول الفقه أن هذه الآية الكريمة فيها الدلالة المعروفة عند أهل الأصول بدلالة الإيماء والتنبيه على أن سبب نيل هذه الجنات والعيون هو تقوى الله، والسبب الشرعي هو العلة الشرعية على الأصح. وكون التقوى سبب دخول الجنات الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحًا في آيات آخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾.

стр. 5068

• قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الجاثية. • قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ . اختلف العلماء في المراد بكون رزق الناس في السماء. فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن المراد أن جميع أرزاقهم منشؤها من المطر، وهو نازلٌ من السماء، ويكثر في القرآن إطلاق اسم الرزق على المطر لهذا المعنى، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ الآية، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة المؤمن. وإنزاله تعالى الرزق من السماء بإنزال المطر من أعظم آياته الدالة على عظمته وأنه المعبود وحده، ومن أعظم نعمه على خلقه في الدنيا، ولذلك كثر الامتنان به في القرآن على الخلق. وقال بعض أهل العلم: معنى قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة، والله جل وعلا يدبر أمر الأرض من السماء، كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (ما) في محل رفع عطف على قوله: ﴿رِزْقُكُمْ﴾، والمراد بما يوعدون: قال بعض أهل العلم: الجنة؛ لأن الجنة فوق السماوات، فإطلاق كونها في السماء إطلاق

стр. 5069

عربي صحيح؛ لأن العرب تطلق السماء على كل ما علاك، كما قيل: وقد يسمى سماء كل مرتفع ... وإنما الفضل حيث الشمس والقمر ولما حكى النابغة الجعدي شعره المشهور، قال فيه: بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا قال له - ﷺ - : إلى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة. قال: نعم إن شاء الله. قال بعص أهل العلم. (وما توعدون) من الخير والشر كله مقدر في السماء، كما بيناه في القول الثاني في المراد بالرزق في الآية، وهذا المعنى فيما يوعدون به أنسب لهذا القول الثاني في معنى الرزق. وقد وردت قصص تدل على أنه هو الذي يتبادر إلى ذهن السامع، فمن ذلك ما ذكره غير واحد عن سفيان الثوري أنه قال: قرأ واصل الأحدب هذه الآية ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ فقال: ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض، فدخل خربة يمكث ثلاثًا لا يصيب شيئًا، فلما أن كان في اليوم الثالث إذا هو بدوخلة من رطب، وكان له أخ أحسن منه نية، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق بينهما الموت. ومن ذلك أيضًا: ما ذكره الزمخشري في تفسير هذه الآية قال: وعن الأصمعي قال: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال: اتل علي، فتلوت:

стр. 5070

والذاريات، فلما بلغت قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ قال: حسبك. فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفرَّ، فسلَّم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح، وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾، فصاح وقال: يا سبحان الله! من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! لم يصدقوه بقوله حتى ألجئوه إلى اليمين. قالها ثلاثًا، وخرجت معها نفسه. انتهى. • قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ . إلى آخر القصة. قد قدمنا إيضاحه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ الآيات، وفي سورة هود في القصة المذكورة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. • قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾، وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الآية.

стр. 5071

• قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة ق في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا﴾ الآية. تنبيه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (بنيناها بأيد) ليس من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم؛ لأن قوله: (بأيد) ليس جمع يد، وإنما الأيد القوة، فوزن قوله هنا: (بأيد) فَعْل، ووزن الأيدي أفعل، فالهمزة في قوله: (بأيد) في مكان الفاء، والياء في مكان العين، والدال في مكان اللام. ولو كان قوله تعالى: (بأيد) جمع يد لكان وزنه أفعلا، فتكون الهمزة زائدة، والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين، والياء المحذوفة لكونه منقوصًا هي اللام. والأيد، والآد في لغة العرب بمعنى القوة، ورجل أيد قوي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي قوَّيناه به. فمن ظن أنها جمع يد في هذه الآية فقد غلط غلطًا فاحشًا. والمعنى: والسماء بنيناها بقوة.

стр. 5072

• قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما أتى نبيٌّ قومًا إلا قالوا ساحر أو مجنون، ثم قال: (أتواصوا به) ثم أضرب عن تواصيهم بذلك إضراب إبطال؛ لأنهم لم يجمعوا في زمن حتى يتواصوا فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ أي الموجب الذي جمعهم على اتفاقهم جميعًا على تكذيب الرسل ونسبتهم للسحر والجنون هو اتحاد الطغيان الذي هو مجاوزة الحد في الكفر. وهذا يدل على أنهم إنما اتفقوا لأن قلوب بعضهم تشبه قلوب بعض في الكفر والطغيان، فتشابهت مقالاتهم للرسل لأجل تشابه قلوبهم. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة البقرة: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. • قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ . نفيه جل وعلا في هذه الآية الكريمة للَّوم عن نبيه ﷺ ، يدل على أنه أدى الأمانة ونصح للأمة. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة معلومة. • قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ . قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن من أنواع البيان

стр. 5073

التي تضمنها أن يجعل الله شيئًا لحكم متعددة، فيذكر بعض حكمه في بعض المواضع، فإنا نذكر بقية حكمه، والآيات الدالة عليها، وقد قدمنا أمثلة ذلك. ومن ذلك القبيل هذه الآية الكريمة، فإنها تضمنت واحدة من حكم التذكير، وهي رجاء انتفاع المذكَّر، لأنه تعالى قال هنا: ﴿فَذَكِّرْ﴾، ورتب عليه قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾. ومن حكم ذلك أيضًا: خروج المذكِّر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد جمع الله هاتين الحكمتين في قوله: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾. ومن حكم ذلك أيضًا: النيابة عن الرسل في إقامة حجة الله على خلقه في أرضه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وقد بين هذه الحجة في آخر طه في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ الآية. وأشار لها في القصص في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾. وقد قدمنا هذه الحكم في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيتُمْ﴾. • قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ . اختلف العلماء في معنى قوله: (ليعبدون)، فقال بعضهم:

стр. 5074

المعنى ما خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء، فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق التي هي عبادة الله حاصلة بفعل السعداء منهم، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾. وهذا القول نقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان. وغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق فيها المجموع وأراد بعضهم، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن أوضحها قراءة حمزة والكسائي: (فإن قتلوكم فاقتلوهم) من القتل لا من القتال، وقد بينا هذا في مواضع متعددة، وذكرنا أن من شواهده العربية قول الشاعر: فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا من يَدَي ورقاء عن رأس خالد فتراه نسب الضرب لبني عبس مع تصريحه أن الضارب الذي نبا بيده السيف عن رأس خالد يعني ابن جعفر الكلابي، هو ورقاء يعني ابن زهير العبسي. وقد قدمنا في الحجرات أن من ذلك قوله تعالى: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ الآية، بدليل قوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾. وقال بعض العلماء: معنى قوله: (إلا ليعبدون) أي إلا ليقروا لي بالعبودية طوعًا أو كرهًا؛ لأن المؤمن يطيع باختياره والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبرًا عليه. وهذا القول رواه ابن جرير عن ابن عباس، واختاره، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الآية، والسجود والعبادة كلاهما خضوع وتذلل لله

стр. 5075

جل وعلا، وقد دلت الآية على أن بعضهم يفعل ذلك طوعًا وبعضهم يفعله كرهًا. وعن مجاهد أنه قال: (إلا ليعبدون) أي إلا ليعرفوني. واستدل بعضهم لهذا القول بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ونحو ذلك من الآيات، وهو كثير في القرآن، وقد أوضحنا كثرته فيه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. وقال بعض أهل العلم، وهو مروي عن مجاهد أيضًا: معنى قوله: (إلا ليعبدون) أي إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره. وعلى هذا القول: فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله: (ليعبدون) إرادة دينية شرعية وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل بطاعة الله، لا إرادة كونية قدرية؛ لأنها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن، والواقع خلاف ذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ إلى آخر السورة. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾: أي إلا لآمرهم بعبادتي، وأبتليهم، أي أختبرهم بالتكاليف، ثم أجازيهم على أعمالهم، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في معنى الآية، لأنه تدل عليه آيات محكمات من كتاب الله، فقد صرح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم ليبتليهم أيهم أحسن عملًا، وأنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم.

стр. 5076

قال تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ثم بين الحكمة في ذلك فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾. وقال تعالى في أول سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال تعالى في أول الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ الآية. فتصريحه جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، يفسر قوله ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ومعلوم أن نتيجة العمل المقصود منه لا يتم إلا بجزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولذا صرح تعالى بأن حكمة خلقهم أولًا وبعثهم ثانيًا، هو جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وذلك في قوله تعالى في أول يونس: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾، وقوله في النجم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾. وقد أنكر تعالى على الإنسان حسبانه وظنه أنه يترك سدى، أي مهملًا، لم يؤمر ولم يُنْهَ، وبين أنه ما نقله من طور إلى طور حتى أوجده إلا ليبعثه بعد الموت، أي ويجازيه على عمله، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيسَ

стр. 5077

ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾. والبراهين على البعث دالة على الجزاء. وقد نزه تعالى نفسه عن هذا الظن الذي ظنه الكفار به تعالى، وهو أنه لا يبعث الخلق ولا يجازيهم، منكرًا ذلك عليهم، في قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾. وقده قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. تنبيه اعلم أن الآيات الدالة على حكمة خلق الله للسماوات والأرض وأهلهما وما بينهما قد يظن غير المتأمل أن بينهما اختلافًا، والواقع خلاف ذلك؛ لأن كلام الله لا يخالف بعضه بعضًا، وإيضاح ذلك: أن الله ﵎ ذكر في بعض الآيات أن حكمة خلقه للسماوات والأرض هي إعلام خلقه بأنه قادر على كل شيء، وأنه محيط بكل شيء علمًا، وذلك في قوله تعالى في آخر الطلاق: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا (١٢)﴾. وذكر في مواضع كثيرة من كتابه أنه خلق الخلق ليبين للناس كونه هو المعبود وحده، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾، ثم أقام البرهان على أنه إله واحد بقوله بعده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ولما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ بين أن

стр. 5078

خلقهم برهان على أنه المعبود وحده بقوله بعده: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ الآية. والاستدلال على أن المعبود واحد بكونه هو الخالق كثير جدًّا في القرآن، وقد أوضحنا الآيات الدالة عليه في أول سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا﴾ الآية، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع. وذكر في بعص الآيات أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي الناس، وذلك في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وذكر في بعض الآيات أنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم وذلك في قوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ الآية، وذكر في آية الذاريات هذه أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه. فقد يظن غير العالم أن بين هذه الآيات اختلافًا، مع أنها لا اختلاف بينها؛ لأن الحكم المذكور فيها كلها راجع إلى شيء واحد، وهو معرفة الله وطاعته ومعرفة وعده ووعيده، فقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ راجع إلى شيء واحد هو العلم بالله؛ لأن من عرف الله أطاعه ووحده. وهذا العلم يعلمهم الله إياه، ويرسل لهم الرسل بمقتضاه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة، فالتكليف بعد

стр. 5079

العلم، والجزاء بعد التكليف، فظهر بهذا اتفاق الآيات؛ لأن الجزاء لا بد له من تكليف، وهو الابتلاء المذور في الآيات، والتكليف لا بد له من علم، ولذا دل بعض الآيات على أن حكمة الخلق للمخلوقات هي العلم بالخالق، ودل بعضها على أنها الابتلاء، ودل بعضها على أنها الجزاء، وكل ذلك حق لا اختلاف فيه، وبعضه مرت على بعض. وقد بينا معنى (إلا يعبدون) في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، وبينا هناك أن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي ولأجل الاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ إرادة كونية قدرية، وأن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله: ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ إرادة دينية شرعية. وبينا هناك أيضًا الأحاديث الدالة على أن الله خلق الخلق منقسمًا إلى شقي وسعيد، وأنه كتب ذلك وقدره قبل أن يخلقهم. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، وقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾. والحاصل: أن الله دعا جميع الناس على ألسنة رسله إلى الإيمان به وعبادته وحده، وأمرهم بذلك، وأمره بذلك مستلزم للإرادة الدينية الشرعية، ثم إن الله جل وعلا يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء بإرادته الكونية القدرية، فيصيرون إلى ما سبق به العلم من شقاوة وسعادة. وبهذا تعلم وجه الجمع بين قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ

стр. 5080

الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، وبين قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾. وإنما ذكرنا أن الإرادة قد تكون دينية شرعية، وهي ملازمة للأمر والرضا، وقد تكون كونية قدرية، وليست ملازمة لهما؛ لأن الله يأمر الجميع بالأفعال المرادة منهم دينا، ويريد ذلك كونًا وقدرًا من بعضهم دون بعض، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فقوله: (إلا ليطاع) أي فيما جاء به من عندنا؛ لأنه مطلوب مراد من المكلفين شرعًا ودينًا، وقوله: (بإذن الله) يدل على أنه لا يقع من دلك إلا ما أراده الله كونًا وقدرًا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾، والنبي ﷺ يقول: "كل ميسر لما خلق له". والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾. • قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾ . أصل الذَّنوب في لغة العرب الدلو، وعادة العرب أنهم يقتسمون ماء الآبار والقلب بالدلو، فيأخذ هذا منه ملء دلو، ويأخذ الآخر كذلك، ومن هنا أطلقوا اسم الذنوب التي هي الدلو على النصيب. قال الراجز في اقتسامهم الماء بالدلو: لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب
следующие страницы →