← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

قال تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ثم بين الحكمة في ذلك فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾. وقال تعالى في أول سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال تعالى في أول الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ الآية. فتصريحه جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، يفسر قوله ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ومعلوم أن نتيجة العمل المقصود منه لا يتم إلا بجزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولذا صرح تعالى بأن حكمة خلقهم أولًا وبعثهم ثانيًا، هو جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وذلك في قوله تعالى في أول يونس: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾، وقوله في النجم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾. وقد أنكر تعالى على الإنسان حسبانه وظنه أنه يترك سدى، أي مهملًا، لم يؤمر ولم يُنْهَ، وبين أنه ما نقله من طور إلى طور حتى أوجده إلا ليبعثه بعد الموت، أي ويجازيه على عمله، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيسَ

стр. 5077

ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾. والبراهين على البعث دالة على الجزاء. وقد نزه تعالى نفسه عن هذا الظن الذي ظنه الكفار به تعالى، وهو أنه لا يبعث الخلق ولا يجازيهم، منكرًا ذلك عليهم، في قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾. وقده قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. تنبيه اعلم أن الآيات الدالة على حكمة خلق الله للسماوات والأرض وأهلهما وما بينهما قد يظن غير المتأمل أن بينهما اختلافًا، والواقع خلاف ذلك؛ لأن كلام الله لا يخالف بعضه بعضًا، وإيضاح ذلك: أن الله ﵎ ذكر في بعض الآيات أن حكمة خلقه للسماوات والأرض هي إعلام خلقه بأنه قادر على كل شيء، وأنه محيط بكل شيء علمًا، وذلك في قوله تعالى في آخر الطلاق: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا (١٢)﴾. وذكر في مواضع كثيرة من كتابه أنه خلق الخلق ليبين للناس كونه هو المعبود وحده، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾، ثم أقام البرهان على أنه إله واحد بقوله بعده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ولما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ بين أن

стр. 5078

خلقهم برهان على أنه المعبود وحده بقوله بعده: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ الآية. والاستدلال على أن المعبود واحد بكونه هو الخالق كثير جدًّا في القرآن، وقد أوضحنا الآيات الدالة عليه في أول سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا﴾ الآية، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع. وذكر في بعص الآيات أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي الناس، وذلك في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وذكر في بعض الآيات أنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم وذلك في قوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ الآية، وذكر في آية الذاريات هذه أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه. فقد يظن غير العالم أن بين هذه الآيات اختلافًا، مع أنها لا اختلاف بينها؛ لأن الحكم المذكور فيها كلها راجع إلى شيء واحد، وهو معرفة الله وطاعته ومعرفة وعده ووعيده، فقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ راجع إلى شيء واحد هو العلم بالله؛ لأن من عرف الله أطاعه ووحده. وهذا العلم يعلمهم الله إياه، ويرسل لهم الرسل بمقتضاه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة، فالتكليف بعد

стр. 5079

العلم، والجزاء بعد التكليف، فظهر بهذا اتفاق الآيات؛ لأن الجزاء لا بد له من تكليف، وهو الابتلاء المذور في الآيات، والتكليف لا بد له من علم، ولذا دل بعض الآيات على أن حكمة الخلق للمخلوقات هي العلم بالخالق، ودل بعضها على أنها الابتلاء، ودل بعضها على أنها الجزاء، وكل ذلك حق لا اختلاف فيه، وبعضه مرت على بعض. وقد بينا معنى (إلا يعبدون) في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، وبينا هناك أن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي ولأجل الاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ إرادة كونية قدرية، وأن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله: ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ إرادة دينية شرعية. وبينا هناك أيضًا الأحاديث الدالة على أن الله خلق الخلق منقسمًا إلى شقي وسعيد، وأنه كتب ذلك وقدره قبل أن يخلقهم. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، وقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾. والحاصل: أن الله دعا جميع الناس على ألسنة رسله إلى الإيمان به وعبادته وحده، وأمرهم بذلك، وأمره بذلك مستلزم للإرادة الدينية الشرعية، ثم إن الله جل وعلا يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء بإرادته الكونية القدرية، فيصيرون إلى ما سبق به العلم من شقاوة وسعادة. وبهذا تعلم وجه الجمع بين قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ

стр. 5080

الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، وبين قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾. وإنما ذكرنا أن الإرادة قد تكون دينية شرعية، وهي ملازمة للأمر والرضا، وقد تكون كونية قدرية، وليست ملازمة لهما؛ لأن الله يأمر الجميع بالأفعال المرادة منهم دينا، ويريد ذلك كونًا وقدرًا من بعضهم دون بعض، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فقوله: (إلا ليطاع) أي فيما جاء به من عندنا؛ لأنه مطلوب مراد من المكلفين شرعًا ودينًا، وقوله: (بإذن الله) يدل على أنه لا يقع من دلك إلا ما أراده الله كونًا وقدرًا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾، والنبي ﷺ يقول: "كل ميسر لما خلق له". والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾. • قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾ . أصل الذَّنوب في لغة العرب الدلو، وعادة العرب أنهم يقتسمون ماء الآبار والقلب بالدلو، فيأخذ هذا منه ملء دلو، ويأخذ الآخر كذلك، ومن هنا أطلقوا اسم الذنوب التي هي الدلو على النصيب. قال الراجز في اقتسامهم الماء بالدلو: لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب

стр. 5081

ويروى: إنا إذا شاربنا شريب ... له ذنوب ولنا ذنوب • فإن أبى كان لنا القليب * ومن إطلاق الذنوب على مطلق النصيب قول علقمة بن عبدة التميمي، وقيل عبيد: وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب وقول أبي ذؤيب: لعمرك والمنايا طارقات ... لكل بني أب منها ذنوب الذَّنوب في البيتين النصيب. ومعنى الآية الكريمة: (فإن للذين ظلموا) بتكذيب النبي ﷺ (ذَنوبًا) أي نصيبًا من عذاب الله، (مثل ذنوب أصحابهم) من الأمم الماضية من العذاب لما كذبوا رسلهم. وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قَدْ قَالهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالي: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾، وفي سورة مريم في الكلام على قوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾، وغير ذلك من المواضع.

стр. 5082

• قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾ . ما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار بالويل من يوم القيامة لما ينالهم فيه من عذاب النار، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في ص: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾، وقوله في إبراهيم: ﴿وَوَيلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾، وقوله في المرسلات: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقد قدمنا أن كلمة ﴿وَيلٌ﴾، قال فيها بعض أهل العلم: إنها مصدر لا فعل له من لفظه، ومعناه الهلاك الشديد وقيل: هو واد في جهنم تستعيذ من حره. والذي سوغ الابتداء بهذه النكرة أن فيها معنى الدعاء. * * *

стр. 5083

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الطور

стр. 5084

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ . هذه الأقسام التي أقسم الله بها تعالى في أول هذه السورة الكريمة، أقسم ببعضها بخصوصه، وأقسم بجميعها في آية عامة لها ولغيرها. أما الذي أقسم به منها إقسامًا خاصًّا، فهو الطور، والكتاب المسطور، والسقف المرفوع. والأظهر أن الطور: الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وقد أقسم الله تعالى بالطور في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾. والأظهر أن الكتاب المسطور هو القرآن العظيم، وقد أكثر الله من الإِقسام به في كتابه، كقوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾. وقيل: هو كتاب الأعمال. وقيل غير ذلك. والسقف المرفوع: هو السماء، وقد أقسم الله بها في كتابه في

стр. 5085

آيات متعددة، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾. والوَّق، بفتح الراء: كل ما يكتب فيه من صحيفة وغيرها. وقيل: هو الجلد المرقق ليكتب فيه. وقوله: (منشور) أي مبسوط، ومنه قوله: ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾، وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾. والبيت المعمور: هو البيت المعروف في السماء المسمى بالضراح، بضم الضاد، وقيل فيه: (معمور) لكثرة ما يغشاه من الملائكة المتعبدين، فقد جاء الحديث أنَّه يزوره كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه بعدها. وقوله: (والبحر المسجور) فيه وجهان من التفسير للعلماء: أحدهما: أن المسجور هو الموقد نارًا. قالوا: وسيضطرم البحر يوم القيامة نارًا، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾. والوجه الثاني: هو أن المسجور بمعنى المملوء؛ لأنه مملوء ماء، ومن إطلاق المسجور على المملوء قول لبيد بن ربيعة في معلقته: فتوسطا عرض السرى وصدعا ... مسجورة متجاورًا قلامها فقوله: "مسجورة" أي عينًا مملوءة ماء. وقول النمر بن تولب العكلي: إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والساسما

стр. 5086

وهذان الوجهان المذكوران في معنى المسجور هما أيضًا في قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾. وأما الآية العامة التي أقسم فيها تعالى بما يشمل جميع هذه الأقسام وغيرها، فهي قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾؛ لأن الإِقسام في هذه الآية عام في كل شيء. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول الذاريات، وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ . الدعُّ في لغة العرب: الدفع بقوة وعنف، ومنه قوله تعالى ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ أي يدفعه عن حقه بقوة وعنف. وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين: أحدهما: أن الكفار يدفعون إلى النار بقوة وعنف يوم القيامة. والثاني: أنهم يقال لهم يوم القيامة توبيخًا وتقريعًا: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾. وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات أخر، أما الأخير منهما، وهو كونهم يقال لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾، فقد ذكره تعالى في آيات من كتابه، كقوله في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾، وقوله في سبأ: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ

стр. 5087

بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾، وقوله تعالى في المرسلات: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وأما الأول منهما، وهو كونهم يدفعون إلى النار بقوة، فقد ذكره الله جل وعلا في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧)﴾ أي جروه بقوة وعنف إلى وسط النار. والعَتْل في لغة العرب: الجر بعنف وقوة، ومنه قول الفرزدق: ليس الكرام بناحليك أباهم ... حتَّى ترد إلى عطية تعتل وقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ أي تجمع الزبانية بين ناصية الواحدة منهم - أي مقدم شعر رأسه - وقدمه، ثم تدفعه في النار بقوة وشدة. وقد بين جل وعلا أنهم أيضًا يسحبون في النار على وجوههم في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ بدل من قوله: ﴿يَؤْمَئِذٍ﴾ في قوله تعالى قبله: ﴿فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾. • قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار معذبون في النار

стр. 5088

لا محالة، سواء صبروا أو لم يصبروا، فلا ينفعهم في ذلك صبر ولا جزع، وقد أوضح هذا المعنى في قوله: ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَينَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَينَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾. • قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ . ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الناس، وقد بين تعالى في آيات أخر أن أصحاب اليمين خارجون من هذا العموم، وذلك في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾. ومن المعلوم أن التخصيص بيان، كما تقرر في الأصول. • قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾ . لم يذكر هنا شيء من صفات هذه الفاكهة ولا هذا اللحم إلَّا أنَّه مما يشتهون. وقد بين صفات هذه الفاكهة في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾، وبين أنَّها أنواع في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ووصف اللحم المذكور بأنه من الطير، والفاكهة بأنها مما يتخيرونه على غيره، وذلك في قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾. • قوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ . قرأه ابن كثير وأَبو عمرو: (لا لغوَ) بالبناء على الفتح،

стр. 5089

(ولا تأثيمَ) كذلك؛ لأنها (لا) التي نفي الجنس، فبنيت معها، وهي إن كانت كذلك نص في العموم. وقرأه الباقون من السبعة: (لا لغوٌ فيها ولا تأثيم) بالرفع والتنوين؛ لأن لا النافية للجنس إذا تكررت كما هنا جاز إعمالها وإهمالها، والقراءتان في الآية فيهما المثال للوجهين، وإعمالها كثير، ومن شواهد إهمالها قراءة الجمهور في هذه الآية، وقول الشاعر: وما هجرت حتَّى قلت معلنة ... لا ناقة ليَ في هذا ولا جمل وقوله: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ أي يتعاطون، ويتناول بعضهم من بعض (كأسًا) أي خمرًا، فالتنازع يطلق لغة على كل تعاط وتناول، فكل قوم يعطي بعضهم بعضًا شيئًا ويناوله إياه فهم يتنازعونه، كتنازع كؤوس الشراب والكلام، وهذا المعنى معروف في كلام العرب. ومنه في الشراب قول الأخطل: وشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار نازعتُه طيِّب الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعة السار فقوله: "نازعته طيِّب الراح" أي ناولته كؤوس الخمر وناولنيها. ومنه في الكلام قول امرئ القيس: ولما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال والكأس تطلق على إناء الخمر، ولا تكاد العرب تطلق الكأس إلَّا على الإِناء المملوء، وهي مؤنثة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ يعني أن خمر الجنَّة التي يتعاطاها المؤمنون فيها، مُخَالفَة في جميع

стр. 5090

الصفات لخمر الدنيا، فخمر الآخرة لا لغو فيها، واللغو كل كلام ساقط لا خير فيه، فخمر الآخرة لا تحمل شاربيها على الكلام الخبيث والهذيان؛ لأنها لا تؤثر في عقولهم، بخلاف خمر الدنيا، فإنهم إن يشربوها سكروا وطاشت عقولهم، فتكلموا بالكلام الخبيث والهذيان، وكل ذلك من اللغو. والتأثيم: هو ما ينسب به فاعله إلى الإِثم، فخمر الآخرة لا يأثم شاربها بشربها؛ لأنها مباحة له، فينعم بلذتها، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، ولا تحمل شاربها على أن يفعل إثمًا، بخلاف خمر الدنيا، فشاربها يأثم بشربها ويحمله السكر على الوقوع في المحرمات كالقتل والزنا والقذف. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من مُخَالفَة خمر الآخرة لخمر الدنيا، جاء موضحًا في آيات آخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ وقوله (لا فيها غول) أي ليس فيها غول يغتال العقول، فيذهبها كخمر الدنيا، ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ لا يسكرون، وكقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾، وقوله: (لا يصدعون) أي لا يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها. وقد أوضحنا معنى هذه الآيات في صفة خمر الآخرة، وبينا أنَّها مُخَالفَة في جميع الصفات لخمر الدنيا، وذكرنا الشواهد العربية في ذلك في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ﴾.

стр. 5091

• قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنَّةَ يطوف عليهم غلمان، جمع غلام، أي خدم لهم، وقد قدمنا إطلاقات الغلام وشواهدها العربية في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾. ولم يبين هنا ما يطوفون عليهم به، وذكر هنا حسنهم بقوله: (كأنهم لؤلؤ مكنون) في أصدافه، لأن ذلك أبلغ في صفائه وحسنه، وقيل: (مكنون) أي مخزون لنفاسته، لأن النفيس هو الذي يخزن ويُكَنّ. وبين تعالى في الواقعة بعض ما يطوفون عليهم به في قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾، وزاد في هذه الآية كونهم مخلدين، وذكر بعض ما يطاف عليهم به في قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾. والظاهر أن الفاعل المحذوف في قوله: (يطاف عليهم) في آية الزخرف والإِنسان المذكورتين هو الغلمان المذكورون في الطور والواقعة. وذكر بعض صفات هؤلاء الغلمان في الإنسان في قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾.

стр. 5092

• قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ . ذكر جلا وعلا في هذه الآية الكريمة، أن أهل الجنَّةِ يسأل بعضهم بعضًا، وأن المسؤول منهم يقول للسائل: (إنا كنا قبل) أي في دار الدنيا (في أهلنا مشفقين) أي خائفين من عذاب الله، ونحن بين أهلنا أحياء (فمنَّ الله علينا) أي أكرمنا وتفضل علينا بسبب الخوف منه في دار الدنيا، فهدانا ووفقنا في الدنيا (ووقانا) في الآخرة (عذاب السموم) والسموم: النار ولفحها ووهجها، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام، والجمع سمائم. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: أنامل لم تضرب على البهم بالضحى ... بهن ووجه لم تلحه السمائم وقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد، ومنه قول الراجز: اليوم يوم بارد سمومه ... من جزع اليوم فلا ألومه الفاء في قوله: (فمن الله علينا) تدل على أن علة ذلك هي الخوف من الله في دار الدنيا. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإِشفاق الذي هو الخوف الشديد من عذاب الله في دار الدنيا، سبب للسلامة منه في الآخرة، يفهم من دليل خطابه - أعني مفهوم مخالفته - أن من لم يخف من عذاب الله في الدنيا لم ينج منه في الآخرة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها جاء موضحًا في غير هذا الموضع، فذكر تعالى أن السرور في الدنيا وعدم الخوف من الله سبب العذاب يوم القيامة، وذلك في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ

стр. 5093

وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ الآية. وقد تقرر في مسلك الإِيماء والتنبيه أن (إنَّ) المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله: (إنه كان في أهله مسرورًا) علة لقوله: (فسوف يدعوا ثبورًا ويصلى سعيرًا). والمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشفق ولا خائف، ويؤيد ذلك قوله بعده: (إنه ظن أن لن يحور)؛ لأن معناه: ظن أن لن يرجع إلى الله حيًّا يوم القيامة، ولا شك أن من ظن أنَّه لا يبعث بعد الموت لا يكون مشفقًا في أهله خوفًا من العذال؛ لأنه لا يؤمن بالحساب والجزأء، وكون (لن يحور) بمعنى "لن يرجع" معروف في كلام العرب، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي: أليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري فقوله: فلا تحوري، أي فلا ترجعي. وقول لبيد بن ربيعة العامري: وما المرء إلَّا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادًا بعد ما هو ساطع أي يرجع رمادًا، وقيل: يصير. والمعنى واحد. وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾ الآية؛ لأن تنعمهم في الدنيا المذكورة في قوله: ﴿مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾، وإنكارهم للبعث المذكور في قوله: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ الآية، دليل على عدم إشفاقهم في الدنيا، وهو علة كونهم في سموم وحميم.

стр. 5094

وقد قدمنا قريبًا أن (إنَّ) المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾ الآية، علة لقوله: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢)﴾ الآية. وقد ذكر جل وعلا أن الإِشفاق من عذاب الله من أسباب دخول الجنَّة والنجاة من العذاب يوم القيامة، كما دل عليه منطوق آية الطور هذه، قال تعالى في المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾، وذكر ذلك من صفات أهل الجنَّة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾. وقوله في آية الواقعة المذكورة: (وكانوا يصرون على الحنث العظيم) أي يديمون ويعزمون على الذنب الكبير، كالشرك وإنكار البعث، وقيل: المراد بالحنث: حنثهم في اليمين الفاجرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾. • قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ . نفى الله جل وعلا عن نبيه ﷺ في هاتين الآيتين الكريمتين ثلاث صفات قبيحة رماه بها الكفار، وهي الكهانة والجنون والشعر، أما دعواهم أنَّه كاهن أو مجنون، فقد نفاها صريحًا بحرف النفي الذي هو (ما) في قوله: (فما أنث)، وأكد النفي بالباء في قوله: (بكاهن). وأما كونه شاعرًا فقد نفاه ضمنا بأم المنقطعة في قوله: (أم يقولون

стр. 5095

شاعر)، لأنها تدل على الإِضراب والإِنكار المتضمن معنى النفي. وقد جاءت آيات أخر بنفي هذه الصفات عنه - ﷺ - ، كقوله تعالى في نفي الجنون عنه في أول القلم: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾، وقوله في التكوير: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾، وكقوله في نفي الصفتين الأخيرتين أعني الكهانة والشعر: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾، وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الشعراء وغيرها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ أي ننتظر به حوادث الدهر، حتَّى يحدث له منها الموت، فالمنون: الدهر، وريبه: حوادثه التي يطرأ فيها الهلاك والتغيير. والتحقيق أن الدهر هو المراد في قول أبي ذؤيب الهذلي: أمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع لأن الضمير في قوله: "وريبه" يدل على أن المنون الدهر. ومن ذلك أيضًا قول الآخر: تربص بها ريب المنون لعلها ... تطلق يومًا أو يموت حليلها وقال بعض العلماء: المنون في الآية: الموت. وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي الغول الطهوي: همُ منعوا حمى الوَقَبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون لأن الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبى، جاؤوا من جهات مختلفة، فجمع الموت بينهم في محل واحد، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى.

стр. 5096

• قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ . قد قدمنا أن الله تحداهم بسورة واحدة من هذا القرآن في سورة البقرة في قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وفي سورة يونس في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. وتحداهم في سورة هود بعشر سور منه في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. وتحداهم في سورة الطور - هذه - به كله، في قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ الآية. وبين في سورة بني إسرائيل أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك، في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية. وقد أطلق جل وعلا اسم الحديث على القرآن في قوله هنا: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾، كما أطلق عليه ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ . قد قدمنا الكلام عليه وعلى الآيات المشابهة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾.

стр. 5097

• قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيه﴾ الآية. قد قدمنا الكلام عليه وعلى الآيات المشابهة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾، وفي مواضع أخر متعددة. • قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له وما يتعلق بها من الأحكام في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مَالًا﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيدِيهِمْ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا﴾ . بين جل وعلا في هذه الآية أن كيد الكفار لا يغني عنهم شيئًا في الآخرة، في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾.

стр. 5098

وبين أنَّه لا ينفعهم في الدنيا أيضًا، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيدًا (١٦)﴾ الآية، وقوله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ . الظاهر أن قوله: (عذابًا دون ذلك) هو ما عذبوا به في دار الدنيا من القتل وغيره، كما دل على ذلك قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ﴾، إلى غير ذلك من الآيات، ولا مانع من دخول عذاب القبر في ذلك؛ لأنه قد يدخل في ظاهر الآية. وما قيل في معنى الآية غير هذا لا يتجه عندي. والعلم عند الله تعالى. * * *

стр. 5099

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة النجم

стр. 5100

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ . اختلف العلماء في المراد بهذا النجم الذي أقسم الله به في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد به النجم إذا رجمت به الشياطين. وقال بعضهم: إن المراد به الثريا. وهو مروي عن ابن عبَّاس وغيره. ولفظة النجم علم للثريا بالغلبة، فلا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجرَّدًا إلَّا عليها، ومنه قول نابغة ذبيان: أقول والنجم قد مالت أواخره ... إلى المغيب تثبت نظرة حار فقوله: "والنجم": يعني الثريا. وقوله تعالى: (إذا هوى) أي سقط مع الصبح. وهذا اختيار ابن جرير. وقيل: النجم: الزهرة. وقيل: المراد بالنجم نجوم السماء، وعليه فهو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع، كقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ يعني الأدبار،

стр. 5101

وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ أي والملائكة، وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي الغرف. وقد قدمنا أمثلة كثيرة لهذا في القرآن، وفي كلام العرب في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. وإطلاق النجم مرادًا به النجوم معروف في اللغة، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: ثم قالوا تحبها قلت بهرًا ... عدد النجم والحصى والتراب وقول الراعي: فباتت تعد النجم في مستحيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها وعلى هذا القول، فمعنى هُويّ النجوم سقوطُها إذا غربت، أو انتثارها يوم القيامة. وقيل: النجم: النبات الذي لا ساق له. وقال بعض أهل العلم: المراد بالنجم الجملة النازلة من القرآن، فإنه نزل على النبي - ﷺ - أنجمًا منجمًا في ثلاث وعشرين سنة، وكل جملة منه وقت نزولها يصدق عليها اسم النجم صدقًا عربيًّا صحيحًا، كما يطلق على ما حان وقته من الدية المنجمة على العاقلة، والكتابة المنجمة على العبد المكاتب. وعلى هذا فقوله: (إذا هوى) أي نزل به الملك من السماء إلى النبي - ﷺ - . وقوله: هوى يهوي هُويًّا إذا اخترق الهواء (١) نازلًا من أعلا إلى أسفل.

стр. 5102

اعلم أولًا أن القول بأنه الثريا وأن المراد بالنجم خصوصها، وإن اختاره ابن جرير وروي عن ابن عبَّاس وغير واحد، ليس بوجيه عندي. والأظهر أن النجم يراد به النجوم، وإن قال ابن جرير لأنه لا يصح، والدليل على ذلك جمعه تعالى للنجوم في القسم في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾، لأن الظاهر أن المراد بالنجم إذا هوى - هنا - ، كالمراد بمواقع النجوم في الواقعة. وقد اختلف العلماء أيضًا في المراد بمواقع النجوم، فقال بعضهم: هي مساقطها إذا غابت. وقال بعضهم: انتثارها يوم القيامة. وقال بعضهم: منازلها في السماء، لأن النازل في محل واقع فيه. وقال بعضهم: هي مواقع نجوم القرآن النازل بها الملك إلى النبي - ﷺ - . قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري، أن المراد بالنجم إذا هوى هنا في هذه السورة، وبمواقع النجوم في الواقعة، هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجمًا فنجمًا، وذلك لأمرين. أحدهما: أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى، الذي هو أن النبي ﷺ على حق، وأنه ما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلَّا وحي يوحى، موافق في المعنى لما أقسم عليه بمواقع النجوم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ إلى قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٨٠)﴾.

стр. 5103

والإِقسام بالقرآن على صحة رسالة النبي - ﷺ - وعلى صدق القرآن العظيم وأنه منزل من الله، جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. والثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم، هو القرآن العظيم، أنسب لقوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾؛ لأن هذا التعظيم من الله يدل على أن هذا المقسم به في غاية العظمة، ولا شك أن القرآن الذي هو كلام الله أنسب لذلك من نجوم السماء ونجم الأرض. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾، قال بعض العلماء؛ الضلال يقع من الجهل بالحق، والغي هو العدول عن الحق مع معرفته، أي ما جهل الحق وما عدل عنه، بل هو عالم بالحق متبع له. وقد قدمنا إطلاقات الضلال في القرآن بشواهدها العربية في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾، وفي سورة الكهف في الكلال على قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ الآية. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه - ﷺ - على هدى مستقيم، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ

стр. 5104

فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ استدل به علماء الأصول على أن النبي ﷺ لم يكن يجتهد، والذين قالوا: إنه قد يقع منه الاجتهاد، استدلوا بقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. قالوا: فلو لم يكن هذا عن اجتهاد، لما قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية، ولما قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾. ولا منافاة بين الآيات؛ لأن قوله: (إن هو إلَّا وحي يوحى) معناه أن النبي ﷺ لا يبلغ عن الله إلَّا شيئًا أوحى الله إليه أن يبلغه، فمن يقول: إنه شعر أو سحر أو كهانة، أو أساطير الأولين، هو أكذب خلق الله وأكفرهم، ولا ينافي ذلك أنَّه أذن للمتخلفين عن غزوة تبوك، وأسر الأسارى يوم بدر، واستغفر لعمه أبي طالب، من غير أن ينزل عليه وحي خاص في ذلك، وقد أوضحنا هذا في غير هذا الموضع. • قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ . المراد بشديد القوى في هذه الآية: هو جبريل ﵇، والمعنى أنَّه ﷺ علمه هذا الوحي ملك شديد القوى هو جبريل.

стр. 5105

وهذه الآية الكريمة قد تضمنت أمرين: أحدهما: أن هذا الوحي الذي من أعظمه هذا القرآن العظيم، علمه جبريل النبيَّ - ﷺ - بأمر من الله. والثاني: أن جبريل شديد القوة. وهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع. أما الأول منهما، وهو كون جبريل نزل عليه بهذا الوحي وعلمه إياه، فقد جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ أي إذا قرأه عليك الملك المرسل به إليك منا مبلغًا له عنا فاتبع قرآنه، أي اقرأ كما سمعته يقرأ. وأما الأمر الثاني، وهو شدة قوة جبريل النازل بهذا الوحي، فقد ذكره في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾، وقوله في آية التكوير هذه: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ أي لقوله المبلغ له عن الله، فقرينة ذكر الرسول تدل على أنَّه إنما يبلغ شيئًا أرسل به، فالكلام كلام الله بألفاظه ومعانيه، وجبريل مبلغ عن الله، وبهذا الاعتبار نسب القول له؛ لأن النبي - ﷺ - ما سمعه إلَّا منه، فهو القول الذي أرسله الله به؛ وأمره بتبليغه، كما تدل عليه قرينة ذكر الرسول. وسيأتي إيضاح هذه المسألة إن شاء الله في سورة التكوير. والعلم عن الله تعالى.

стр. 5106

• قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ . قد قدمنا بعض الكلام عليه في أول سورة الإِسراء. قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ الآية، وفي مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. • قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن له الآخرة والأولى وهي الدنيا، وبيَّن هذا في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿إِنَّ عَلَينَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾، وبين في موضع آخر أن له كل شيء، وذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة. • قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾ الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على

стр. 5107

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾، وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وفي سورة الذاريات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾. • قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾. قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، وفي غير ذلك من المواضع. • قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)

стр. 5108

وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾. قوله: (تولى) أي رجع وأدبر عن الحق. وقوله: (أعطى قليلًا) قال بعضهم: قليلًا من المال وقال بعضهم: أعطى قليلًا من الكلام الطيب. وقوله: (وأكدى) أي قطع ذلك العطاء ولم يتمه، وأصله من أكدى صاحب الكفر، إذا انتهى في حفره إلى صخرة لا يقدر على الحفر فيها، وأصله من الكدية وهي الحجارة تعترض حافر البئر ونحوه فتمنعه الحفر. وهذا الذي أعطى قليلًا وأكدى، اختلف فيه العلماء، فقيل: هو الوليد بن المغيرة، قارب أن يؤمن بالنبي - ﷺ - ، فعيَّره بعض المشركين فقال: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله. فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيَّره بعض المال الذي ضمن ومنعه تمامه. فأنزل الله الآية. وعلى هذا فقوله: (تولى) أي الوليد عن الإِسلام بعد أن قارب، (وأعطى قليلًا) من المال لذي ضمن له أن يتحمل عنه ذنوبه، (وأكدى) أي بخل عليه بالباقي. وقيل: (وأعطى قليلًا) من الكلام الطيب، كمدحه للقرآن واعترافه بصدق النبي - ﷺ - ، (وأكدى) أي انقطع عن ذلك ورجع عنه. وقيل: هو العاص بن وائل السهمي، كان ربما وافق النبي - ﷺ - في بعض الأمور، وذلك هو معنى إعطائه القليل، ثم انقطع عن ذلك،

стр. 5109

وهو معنى إكدائه. وهذا قول السدي، ولم ينسجم مع قوله بعده: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمِ الْغَيبِ﴾ الآية. وعن محمد بن كعب القرظي: أنَّه أَبو جهل، قال: والله ما يأمرنا محمد - ﷺ - إلَّا بمكارم الأخلاق، وذلك معنى إعطائه قليلًا، وقطعه لذلك معروف. واقتصر الزمخشري على أنَّه عثمان بن عفان ﵁، قال: روي أن عثمان بن عفان كان يعطي ماله في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أخوه من الرضاعة: يوشك ألا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوبًا وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه. فقالا عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن العطاء، فنزلت الآية، ومعنى (تولى): ترك المركز يوم أحد. فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل. انتهى منه. ولا يخفى سقوط هذا القول وبطلانه، وأنه غير لائق بمنصب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة سبعة أمور: الأول: إنكار علم الغيب، المدلول عليه بالهمزة في قوله: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمِ الْغَيبِ﴾ والمراد نفي علمه للغيب. الثاني: أن لكل من إبراهيم وموسى صحفًا لم ينبأ بما فيها هذا الكافر. الثالث: أن إبراهيم وفَّى، أي أتم القيام بالتكاليف التي كلفه ربه بها.

стр. 5110

الرابع: أن في تلك الصحف: أنَّه لا تزر وازرة وزر أخرى. الخامس: أن فيها أيضًا أنَّه ليس للإِنسان إلَّا ما سعى. السادس: أن سعيه سوف يُرى. السابع: أنَّه يجزاه الجزاء الأوفى، أي الأكمل الأتم. وهذه الأمور السبعة قد جاءت كلها موضحة في غير هذا الموضع. أما الأول منها، وهو عدم علمهم الغيب، فقد ذكره تعالى في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُمْ الْغَيبِ فَهُمْ يَكْتُبُوُنَ﴾، وقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمناها مرارًا. والثاني، الذي هو أن لإِبراهيم وموسى صحفًا لم يكن هذا المتولي المعطي قليلًا المكدي عالمًا بها، ذكره تعالى في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾. والثالث منها، وهو أن إبراهيم وفي تكاليفه، فقد ذكره تعالى في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، وقد قدمنا أن الأصح في الكلمات التي ابتلى بها أنَّها التكاليف. وأما الرابع منها، وهو أنَّه لا تزر وازرة وزر أخرى، قد ذكره تعالى في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.

стр. 5111

وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا، والجواب عما يرد عليها من الإِشكال، في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾، وذكرنا وجه الجمع بين الآيات الواردة في ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾. وأما الخامس منها، وهو أنَّه ليس للإِنسان إلَّا ما سعى، فقد جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ يدل على أن الإِنسان لا يستحق أجرًا إلَّا على سعيه بنفسه، ولم تتعوض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات؛ لأن قوله: (وأن ليس للإِنسان إلَّا ما سعى) قد دلت اللام فيه على أنَّه لا يستحق ولا يملك شيئًا إلَّا بسعيه، ولم تتعوض لنفي الانتفاع بما ليس ملكًا له ولا مستحقًا له. وقد جاءت آية من كتاب الله تدل على أن الإِنسان قد يُنْتَفَعُ بسعي غيره، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾. وقد أوضحنا وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ وبين قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية، في

стр. 5112

كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة النجم، وقلنا فيه ما نصه: والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن الآية إنما دلت على نفي ملك الإِنسان لغير سعيه، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره؛ لأنه لم يقل: وأن لن يُنْتَفَع الإِنسان إلَّا بما سعى، وإنَّما قال: (وأن ليس للإِنسان)، وبين الأمرين فردا ظاهر؛ لأن سعي الغير ملك لساعيه، إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإن شاء أبقاه لنفسه. وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ونحو ذلك مما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه. الثاني: أن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم، إذ لو كانوا كفارًا لما حصل لهم ذلك، فإيمان العبد وطاعته سعي منه في انتفاعه بعمل غيره من المسلمين، كما وقع في الصلاة في الجماعة، فإن صلاة بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفردًا، وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في الجماعة، وهذا الوجه يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾. الثالث: أن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد ليس للأولاد، كما هو نص قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾، ولكن من سعي الآباء، فهو سعي للآباء أقر الله عيونهم بسببه بأن رفع إليهم أولادهم ليتمتعوا في الجنَّة برؤيتهم. فالآية تصدق الأخرى ولا تنافيها؛ لأن المقصود بالرفع إكرام الآباء لا الأولاد، فانتفاع الأولاد تبع، فهو بالنسبة إليهم تفضل من الله

стр. 5113

عليهم بما ليس لهم، كما تفضل بذلك على الولدان والحور العين والخلق الذين ينشؤهم للجنة. والعلم عند الله تعالى. اهـ منه. والأمر السادس والسابع، وهما أن عمله سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، فقد جاءا موضحين في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (فهو يرى) أي يعلم ذلك الغيب، والآية تدل على أن سبب النزول لا يخلو من إعطاء شيء في مقابلة تحمل الذنوب عمن أعطى؛ لأن فاعل ذلك ليس عنده علم الغيب فيعلم به أن الذي ضمن له تحمُّلَ ذنوبه يفعل ذلك، ولم ينبأ بما في الصحف الأولى، من أنَّه لا تزر وازرة وزر أخص ى، أي لا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى. وقد قدمنا تفسيره موضحًا في سورة بني إسرائيل، وأنه لا يملك الإِنسان ولا يستحق إلَّا سعي نفسه، وقد اتضح بذلك أنَّه لا يمكن أن يتحمل إنسان ذنوب غيره، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة معلومة.

стр. 5114

وقال أَبو حيان في البحر: (أفرأيت) بمعنى أخبرني، والمفعول الأول هو الموصول وصلته، والمفعول الثاني هو جملة (أعنده علم الغيب فهو يرى). • قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه (خلق الزوجين) أي النوعين (الذكر والأنثى) (من نطفة)، وهي نطفة المني (إذا تمنى) أي تصب وتراق في الرحم، على أصح القولين، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾. والعرب تقول: أمنى الرجل ومني؛ إذا أراق المني وصبه. وقال بعض العلماء: (من نطفة إذا تمنى) أي تقدر بأن يكون الله قدر أن ينشأ منها حمل، من قول العرب: مني الماني إذا قدر. ومن هذا المعنى قول أبي قلابة الهذلي، وقيل سويد بن عامر المصطلقي: لا تأمن الموت في حل وفي حرم ... إن المنايا توافي كل إنسان واسلك سبيلك فيها غير محتشم ... حتَّى تلاقي ما يمني لك الماني وقد قدمنا الكلام على النطفة مستوفىً من جهات في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية، وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾، وفي كل من الموضعين زيادة ليست في الآخر.

стр. 5115

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الاستدلال بخلق النوعين، أعني الذكر والأنثى من النطفة، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، وأنه يستدل به على أمرين، هما: قدرة الله على البعث، وأنه ما خلق الإنسان إلَّا ليكلفه ويجازيه، وقد جمع الأمرين قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾، فذكر دلالة ذلك على البعث في قوله: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾، وذكر أنه ما خلقه ليهمله من التكليف والجزاء، منكرًا على من ظن ذلك بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ أي مهملًا من التكليف والجزاء. وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له، وأحلنا عليها مرارًا كثيرة. • قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة لما أهلك به عادًا، والآيات الموضحة لما أهلك به ثمود، في سورة فصلت في قوله تعالى في الكلام في شأن عاد: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الآية، وقوله في شأن ثمود: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ الآية.
следующие страницы →