وما ذكره هنا من الامتنان بالحب جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وما ذكره تعالى هنا من الامتنان بالنخل، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية, والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وما ذكره هنا من الامتنان بالريحان، على أنه الرزق كما في قراءة حمزة والكسائي، جاء موضحًا في آيات كثيرة أيضًا، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
مسألة
أخذ بعض علماء الأصول من هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أن الأصل فيما على الأرض الإباحة حتى يرد دليل خاص بالمنع؛ لأن الله امتن على الأنام بأنه وضع لهم الأرض، وجعل لهم فيها أرزاقهم من القوت والتفكه، في آية الرحمن هذه، وامتن عليهم بأنه خلق لهم
стр. 5147
ما في الأرض جميعًا في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ومعلوم أنه جل وعلا لا يمتن بحرام، إذ لا منة في شيء محرم.
واستدلوا لذلك أيضًا بحصر المحرسات في أشياء معينة في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الآية، وقوله تعالى. ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ﴾ الآية.
وفي هذه المسألة قولان آخران:
أحدهما: أن الأصل فيما على الأرض التحريم حتى يدل دليل على الإباحة، واحتجوا لهذا بأن جميع الأشياء مملوكة لله جل وعلا، والأصل في ملك الغير منع التصرف فيه إلَّا بإذنه، وفي هذا مناقشات معروفة في الأصول، ليس هذا محل بسطها.
القول الثاني: هو الوقف وعدم الحكم فيها بمنع ولا إباحة حتى يقوم الدليل.
فتحصل أن في المسألة ثلاثة مذاهب: المنع، والإباحة، والوقف.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي صوابه في هذه المسألة هو التفصيل؛ لأن الأعيان التي خلقها الله في الأرض للناس بها ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون فيها نفع لا يشوبه ضرر، كأنواع الفواكه وغيرها.
стр. 5148
الثانية: أن يكون فيها ضرر لا يشوبه نفع، كأكل الأعشاب السامة القاتلة.
الثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى.
فإن كان فيها نفع لا يشوبه ضرر، فالتحقيق حملها على الإباحة حتى يقوم دليل على خلاف ذلك؛ لعموم قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ الآية.
وإن كان فيها ضرر لا يشوبه نفع، فهي على التحريم؛ لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار".
وإن كان فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى، فلها ثلاث حالات.
الأولى: أن يكون النفع أرجح من الضرر.
والثانية: عكس هذا.
والثالثة: أن يتساوى الأمران.
فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساويًا له، فالمنع؛ لحديث "لا ضرر ولا ضرار"، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وإن كان النفع أرجح، فالأظهر الجواز؛ لأن المقرر في الأصول أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة المرجوحة، كما أشار له في مراقي السعود بقوله:
• وألغ إن يك الفساد أبعدا *
أو رجح الإصلاح كالأسارى ... تفدى بما ينفع للنصارى
وانظر تدليَ دوالي العنب ... في كل مشرق وكل مغرب
стр. 5149
ومراده تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، أو البعيدة، ممثلًا له بمثالين:
الأول منهما: أن تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة، قدمت على المفسدة المرجوحة التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم فداء للأسارى.
الثاني: أن انتفاع الناس بالعنب والزبيب، مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر من العنب، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضرر عصر الخمر منه؛ لأن الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة.
وهذا التفصيل الذي اخترنا، قد أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
والحكم ما به يجيء الشرع ... وأصل كل ما يضر المنع
تنبيه
اعلم أن علماء الأصول يقولون: إن الإنسان لا يحرم عليه فعل شيء إلا بدليل من الشرع، ويقولون: إن الدليل على ذلك عقلي، وهو البراءة الأصلية المعروفة بالإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه.
ونحن نقول: إنه قد دلت آيات من كتاب الله على أن استصحاب العدم الأصلي قبل ورود الدليل الناقل عنه حجة في الإباحة، ومن ذلك أن الله لما أنزل تشديده في تحريم الربا في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، وكانت وقت نزولها
стр. 5150
عندهم أموال مكتسبة من الربا، اكتسبوها قبل نزول التحريم، بين الله تعالى لهم أن ما فعلوه من الربا، على البراءة الأصلية قبل نزول التحريم, لا حرج عليهم فيه، إذ لا تحريم إلا ببيان، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، وقولُه: (ما سلف) أي ما مضى قبل نزول التحريم.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، والأظهر أن الاستثناء فيهما في قوله: (إلا ما قد سلف) منقطع، أي لكن ما سلف من ذلك قبل نزول التحريم فهو عفو؛ لأنه على البراءة الأصلية.
ومن أصرح الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾؛ لأن النبي ﷺ لما استغفر لعمه أبي طالب بعد موته على الشرك، واستغفر المسلمون لموتاهم المشركين، عاتبهم الله في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية، فندموا على الاستغفار لهم، فبين الله لهم أن استغفارهم لهم لا مؤاخذة به؛ لأنه وقع قبل بيان منعه.
وهذا صريح فيما ذكرنا.
وقد قدمنا أن الأخذ بالبراءة الأصلية يعذر به في الأصول أيضًا، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾، وبينا هناك كلام أهل العلم في ذلك، وأوضحنا ما جاء في ذلك من الآيات القرآنية. والعلم عند الله تعالى.
стр. 5151
• قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ .
الصلصال: الطين اليابس الذي تسمع له صلصة، أي صوت إذا قرع بشيء، وقيل: الصلصال: المنتن، والفخار: الطين المطبوخ، وهذه الآية بين الله فيها طورًا من أطوار التراب الذي خلق منه آدم، فبين في آيات أنه خلقه من تراب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
وقد بينا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ وقوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أن المراد بخلقهم منها هو خلق أبيهم آدم منها؛ لأنه أصلهم وهم فروعه.
ثم إن الله تعالى عجن هذا التراب بالماء فصار طينًا، ولذا قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾، وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)﴾.
ثم خمر هذا الطين فصار حمأً مسنونًا، أي طينًا أسود متغير الريح، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨)﴾ ,
стр. 5152
وقال عن إبليس: ﴿قَال لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾. والمسنون قيل: المتغير، وقيل: المصور، وقيل: الأملس.
ثم يبس هذا الطين فصار صلصالًا، كما قال هنا: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾.
فالآيات يصدق بعضها بعضًا، ويتبين فيها أطوار ذلك التراب كما لا يخفى.
قوله ﴿وَالْجَانَّ﴾ أي وخلق الجان وهو أبو الجن، وقيل: هو إبليس، وقيل: هو الواحد من الجن.
وعليه فالألف واللام للجنس، والمارج: اللهب الذي لا دخان فيه، وقوله: (من نار) بيان لمارج. أي من لهب صافٍ كائن من النار.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه تعالى خلق الجان من النار، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الحجر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾.
وقد أوضحنا الكلام على هذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.
• قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ (١٧)﴾ .
قد أوضحنا الكلام عليه في أول الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾.
стр. 5153
• قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَينَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَينَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ .
قرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو: (يُخْرَج) بضم الياء وفتح الراء مبينًا للمفعول، وعليه فاللؤلؤ نائب فاعل يُخْرَج.
وقرأه باقي السبعة: (يَخْرُج) بفتح الياء وضم الراء مبينًا للفاعل، وعليه فاللؤلؤ فاعل يَخْرُج.
أعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن المراد بقوله في هذه الآية: (يخرج منهما) أي من مجموعهما الصادق بالبحر الملح، وأن الآية من إطلاق المجموع وإرادة بعضه، وأن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من البحر الملح وحده دون العذب.
وهذا القول الذي قالوه في هذه الآية مع كثرتهم وجلالتهم لا شك في بطلانه؛ لأن الله صرح بنقيضه في سورة فاطر، ولا شك أن كل ما ناقض القرآن فهو باطل، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ فالتنوين في قوله: (من كل) تنوين عوض، أي من كل واحد من العذب والملح تأكلون لحمًا طريًّا وتستخرجون حلية تلبسونها، وهي اللؤلؤ والمرجان، وهذا مما
стр. 5154
لا نزاع فيه (١).
وقد أوضحنا هذا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ الآية.
واللؤلؤ: الدر، والمرجان: الخرز الأحمر. وقال بعضهم: المرجان صغار الدر واللؤلؤ كباره.
стр. 5155
• قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾ .
قد قدمنا الكلام عليه في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢)﴾.
• قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ .
ما تضمنته هذه الآية الكريمة من فناء كل من على الأرض وبقاء وجهه جل وعلا المتصف بالجلال والإكرام، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
والوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه، فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق.
وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة الأعراف، وفي سورة القتال. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ .
قد قدمنا الكلام عليه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ , وتكلمنا أيضًا هناك على غيرها من الآيات التي يفسرها الجاهلون بكتاب الله بغير معانيها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
стр. 5156
• قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن السماء ستنشق يوم القيامة، وأنها إذا انشقت صارت وردة كالدهان، وقوله: (وردة) أي حمراء كلون الورد، وقوله: (كالدهان) فيه قولان معروفان للعلماء:
الأول منهما: أن الدهان هو الجلد الأحمر. وعليه فالمعنى: أنها تصير وردة متصفة بلون الورد مشابهة للجلد الأحمر في لونه.
والثاني: أن الدهان هو ما يدهن به، وعليه، فالدهان قيل: هو جمع دهن، وقيل: هو مفرد؛ لأن العرب تسمى ما يدهن به دهانًا، وهو مفرد، ومنه قول امرئ القيس:
كأنهما مزادتا متعجل ... فرِيَّان لما تدهني بدهان
وحقيقة الفرق بين القولين أنه على القول بأن الدهان هو الجلد الأحمر، يكون الله وصف السماء عند انشقاقها يوم القيامة بوصف واحد وهو الحمرة، فشبهها بحمرة الورد، وحمرة الأديم الأحمر.
قال بعض أهل العلم: إنها يصل إليها حر النار فتحمر من شدة الحرارة. وقال بعض أهل العلم: أصل السماء حمراء إلا أنها لشدة بعدها وما دونها من الحواجز لم تصل العيون إلى إدراك لونها الأحمر على حقيقته، وأنها يوم القيامة ترى على حقيقة لونها.
وأما على القول بأن الدهان هو ما يدهن به، فإن الله يكون قد وصف السماء عند انشقاقها بوصفين: أحدهما: حمرة لونها، والثاني: أنها تذوب وتصير مائعة كالدهن.
стр. 5157
أما على القول الأول، فلم نعلم آية من كتاب الله تبين هذه الآية، بأن السماء ستحمر يوم القيامة حتى تكون كلون الجلد الأحمر.
وأما على القول الثاني الذي هو أنها تذوب وتصير مائعة، فقد أوضحه الله في غير هذا الموضع، وذلك في قوله تعالى في المعارج: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾، والمهل شيء ذائب على كلا القولين، سواء قلنا: إنه دردي الزيت وهو عكره، أو قلنا: إنه الذائب من حديد أو نحاس أو نحوهما.
وقد أوضح تعالى في الكهف أن المهل شيء ذائب يشبه الماء شديد الحرارة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾.
والقول بأن الوردة تشبيه بالفرس الكميت وهو الأحمر؛ لأن حمرته تتلون باختلاف الفصول، فتشتد حمرتها في فصل، وتميل إلى الصفرة في فصل، وإلى الغبرة في فصل، وأن المراد بالتشبيه كون السماء عند انشقاقها تتلون بألوان مختلفة، واضح البعد عن ظاهر الآية.
وقول من قال: إنها تذهب وتجيء، معناه له شاهد في كتاب الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾ الآية، ولكنه لا يخلو عندي من بعد.
وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من انشقاق السماء يوم القيامة، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ ,
стр. 5158
وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة؛ أنه يوم القيامة لا يسأل إنسًا ولا جانًا عن ذنبه، وبين هذا المعنى في قوله تعالى في القصص: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾.
وقد ذكر جل وعلا في آيات أخر أنه يسأل جميع الناس يوم القيامة الرسل والمرسل إليهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.
وقد جاءت آيات من كتاب الله مبينة لوجه الجمع بين هذه الآيات التي قد يظن غير العالم أن بينها اختلافًا.
اعلم أولًا أن السؤال المنفي في قوله هنا: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾، وقوله: ﴿يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ أخص من السؤال المثبت في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾؛ لأن هذه فيها تعميم السؤال في كل عمل، والآيتان قبلها ليس فيهما نفي السؤال إلا عن الذنوب خاصة.
وللجمع بين هذه الآيات أوجه معروفة عند العلماء:
الأول منها، وهو الذي دل عليه القرآن، وهو محل الشاهد عندنا من بيان القرآن بالقرآن هنا: هو أن السؤال نوعان: أحدهما
стр. 5159
سؤال التوبيخ والتقريع وهو من أنواع العذاب، والثاني هو سؤال الاستخبار والاستعلام.
فالسؤال المنفي في بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام؛ لأن الله أعلم بأفعالهم منهم أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾.
وعليه فالمعنى: (لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) سؤال استخبار واستعلام؛ لأن الله أعلم بذنبه منه.
والسؤال المثبت في الآيات الأخرى هو سؤال التوبيخ والتقريع، سواء كان من ذنب أو غير ذنب، ومثال سؤالهم عن الذنوب سؤال توبيخ وتقريع قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)﴾، ومثاله عن غير ذنب قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ الآية، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾.
أما سؤال الموؤودة في قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ فلا يعارض الآيات النافية السؤال عن الذنب؛ لأنها سئلت عن أبي ذنب قتلت، وهذا ليس من ذنبها، والمراد بسؤالها توبيخ قاتلها وتقريعه؛ لأنها هي تقول: لا ذنب لي، فيرجع اللوم على من قتلها ظلمًا.
وكذلك سؤال الرسل، فإن المراد به توبيخ من كذبهم وتقريعه، مع إقامة الحجة عليه بأن الرسل قد بلغته.
وباقي أوجه الجمع بين الآيات لا يدل عليه قرآن، وموضوع
стр. 5160
هذا الكتاب بيان القرآن بالقرآن، وقد بينا بقيتها في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في أول سورة الأعراف.
وقد قدمنا طرفًا من هذا في هذا الكتاب المبارك في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ .
قوله: (بسيماهم) أي بعلامتهم المميزة لهم، وقد دل القرآن على أنها هي سواد وجوههم وزرقة عيونهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾؛ لأن معنى قوله: (ترهقها قترة) أي يعلوها ويغشاها سواد كالدخان الأسود، وقال تعالى في زرقة عيونهم: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾، ولا شيء أقبح وأشوه من سواد الوجوه وزرقة العيون، ولذا لما أراد الشاعر أن يقبح علل البخيل بأسوأ الأوصاف وأقبحها، فوصفها بسواد الوجوه وزرقة العيون حيث قال:
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
ولا سيما إذا اجتمع مع سواد الوجه اغبراره، كما في قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ فإن ذلك يزيده قبحًا على قبح.
стр. 5161
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ قد قدمنا تفسيره والآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ .
أما قوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)﴾ فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور أيضًا في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾.
وأما قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ .
قد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن الآية قد يكون فيها وجهان صحيحان كلاهما يشهد له القرآن، فنذكر ذلك كله مبينين أنه كله حق، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك، ومن ذلك هذه الآية الكريمة.
وإيضاح ذلك: أن هذه الآية الكريمة فيها وجهان معروفان عند العلماء، كلاهما يشهد له قرآن:
أحدهما: أن المراد بقوله: (مقام ربه) أي قيامه بين يدي ربه، فالمقام اسم مصدر بمعنى القيام، وفاعله على هذا الوجه هو العبد الخائف، وإنما أضيف إلى الرب لوقوعه بين يديه، وهذا الوجه يشهد
стр. 5162
له قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ , فإن قوله: (ونهى النفس عن الهوى) قرينة دالة على أنه خاف عاقبة الذنب حين يقوم بين يدي ربه، فنهى نفسه عن هواها.
والوجه الثاني: أن فاعل المصدر الميمي الذي هو المقام، هو الله تعالى، أي خاف هذا العبد قيام الله عليه ومراقبته لأعماله وإحصائها عليه، ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على قيام الله على جميع خلقه وإحصائه عليهم أعمالهم، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدمنا في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى في شأن الجن: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ الآية، أن قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾، نص قرآني على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم من الجن يدخلون الجنة.
• قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ .
قد بينا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ جميع الآيات القرآنية الدالة على تنعم أهل الجنة بالسندس والإستبرق، والحلية بالذهب والفضة، وبينا أن جميع ذلك يحرم على ذكور هذه الأمة في دار الدنيا.
стр. 5163
• قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ .
قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾.
• قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ .
قد قدمنا معنى القصر في الخيام، وقصر الطرف على الأزواج، في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾، وقدمنا الآيات الدالة على صفات نساء أهل الجنة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب في سورة البقرة والصافات، وغير ذلك.
* * *
стр. 5164
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الواقعة
стр. 5165
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ .
الذي يظهر لي صوابه أن (إذا) هنا هي الظرفية المضمنة معنى الشرط، وأن قوله الآتي: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ بدل من قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ وأن جواب (إذا) هو قوله: (فأصحاب الميمنة). وهذا هو اختيار أبي حيان، خلافًا لمن زعم أنها مسلوبة معنى الشرط هنا، وأنها منصوبة بـ "اذكر" مقدرة أو أنها مبتدأ، وخلافًا لمن زعم أنها منصوبة بِـ "ليسَ" المذكورة بعدها.
والمعروف عند جمهور النحويين أن إذا ظرف مضمن معنى الشرط منصوب بجزائه، وعليه فالمعنى: إذا قامت القيامة وحصلت هذه الأحوال العظيمة ظهرت منزلة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ أي قامت القيامة، فالواقعة من أسماء القيامة، كالطامة والصاخة والآزفة والقارعة.
وقد بين جل وعلا أن الواقعة هي القيامة في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي
стр. 5166
الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ فيه أوجه من التفسير معروفة عند العلماء كلها حق، وبعضها يشهد له قرآن.
الوجه الأول: أن قوله: (كاذبة) مصدر جاء بصفة اسم الفاعل، فالكاذبة بمعنى الكذب، كالعافية بمعنى المعافاة، والعاقبة بمعنى العقبى، ومنه قوله تعالى عند جماعات من العلماء: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾، قالوا: معناه لا تسمع فيها لغوًا. وعلى هذا القول، فالمعنى: ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلُّف، بل هو أمر واقع يقينًا لا محالة.
ومن هذا المعنى قولهم: حمل الفارس على قرنه فما كذب، أي ما تأخر ولا تخلف ولا جبن.
ومنه قول زهير:
ليث بِعَثَّرَ يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
وهذا المعنى قد دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾.
الوجه الثاني: أن اللام في قوله: (لوقعتها) ظرفية، و (كاذبة)
стр. 5167
اسم فاعل صفة لمحذوف، أي ليس في وقعة الواقعة نفس كاذبة، بل جميع الناس يوم القيامة صادقون بالاعتراف بالقيامة مصدقون بها ليس فيهم نفس كاذبة بإنكارها ولا مكذبة بها.
وهذا المعنى تشهد له في الجملة آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾.
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾.
وباقي الأوجه قد يدل على معناه قرآن ولكنه لا يخلو من بعد عندي، ولذا لم أذكره، وأقربها عندي الأول.
• قوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ .
خبر مبتدأ محذوف، أي هي خافضة رافعة، ومفعول كل من الوصفين محذوف.
قال بعض العلماء: تقديره: هي خافضة أقوامًا في دركات النار، رافعة أقوامًا إلى الدرجات العلى إلى الجنة. وهذا المعنى قد دلت عليه آيات كثيرة، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.
стр. 5168
وقال بعض العلماء: تقديره: خافضة أقوامًا كانوا مرتفعين في الدنيا، رافعة أقوامًا كانوا منخفضين في الدنيا. وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وقال بعض العلماء: تقديره: خافضة بعض الأجرام التي كانت مرتفعة، كالنجوم التي تسقط وتتناثر يوم القيامة، وذلك خفض لها بعد أن كانت مرتفعة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾. رافعة: أي رافعة بعض الأجرام التي كانت منخفضة، كالجبال التي ترفع من أماكنها وتسير بين السماء والأرض، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾، فقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾؛ لأنها لم يبق على ظهرها شيء من الجبال، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾.
وقد قدمنا أن التحقيق الذي دل عليه القرآن، أن ذلك يوم القيامة، وأنها تسير بين السماء والأرض كسير السحاب الذي هو المزن.
وقد صرح تعالى بأن الجبال تحمل هي والأرض أيضًا يوم القيامة، وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ الآية.
وعلى هذا القول، فالمراد تعظيم شأن يوم القيامة، وأنه يختل فيه نظام العالم، وعلى القولين الأولين، فالمراد الترغيب والترهيب، ليخاف الناس في الدنيا من أسباب الخفض في الآخرة فيطيعوا الله
стр. 5169
ويرغبوا في أسباب الرفع فيطيعوه أيضًا، وقد قدمنا مرارًا أن الصواب في مثل هذا حمل الآية على شمولها للجميع.
• قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ .
قد قدمنا أن الأظهر عندنا أن قوله: (إذا رجت) بدل من قوله: (إذا وقعت الواقعة)، والرج: التحريك الشديد.
وما دلت عليه هذه الآية من أن الأرض يوم القيامة تحرك تحريكًا شديدًا جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١)﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ في معناه لأهل العلم أوجه متقاربة، لا يكذب بعضها بعضًا، وكلها حق، وكلها يشهد له قرآن.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد يكون فيها أوجه كلها حق وكلها يشهد له قرآن، فنذكر جميع الأوجه وأدلتها القرآنية.
قال أكثر المفسرين: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ أي فتت تفتيتًا حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن، ومنه قول لص من غطفان أراد أن يخبز دقيقًا عنده فخاف أن يعجل عنه، فأمر صاحبيه أن يلتاه ليأكلوه دقيقًا ملتوتًا، وهو البسيسة:
لا تخبزا خبزًا وبُسَّا بَسًّا ... ولا تطيلا بمناخ حبسا
стр. 5170
وهذا الوجه يشهد له قرآن، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ , فقوله: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ أي رملًا متهايلًا، ومنه قول امرئ القيس:
ويومًا على ظهر الكثيب تعذرت ... عليَّ وآلت حلفة لم تحلل
ومشابهة الدقيق المبسوس بالرمل المتهايل واضحة، فقوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ مطابق في المعنى لتفسير ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ بأن بسها هو تفتيتها وطحنها كما ترى.
وما دلت عليه هذه الآيات من أنها تسلب عنها قوة الحجرية وتتصف بعد الصلابة والقوة باللين الشديد الذي هو كلين الدقيق والرمل المتهايل، يشهد له في الجملة تشبيهها في بعض الآيات بالصوف المنفوش الذي هو العهن، كقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾، وأصل العهن أخص من مطلق الصوف؛ لأنه الصوف المصبوغ خاصة؛ ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته:
كأن فتاة العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
وقال بعضهم: الجبال منها جدد بيض وحمر ومختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا بست وفتتت يوم القيامة وطيرت في الجو أشبهت العهن إذا طيرته الريح في الهواء، وهذا الوجه يدل عليه ترتيب كينونتها هباء منبثًا بالفاء على قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾؛ لأن الهباء هو ما ينزل من الكوة من شعاع الشمس إذا قابلتها، ﴿مُنْبَثًّا (٦)﴾ أي متفرقًا، ووصفها بالهباء المنبث أنسب لكون البَسِّ بمعنى التفتيت والطحن.
стр. 5171
الوجه الثاني: أن معنى قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ أي سيرت بين السماء والأرض، وعلى هذا فالمراد ببسها سوقها وتسييرها، من قول العرب: بسست الإبل أبُسها، بضم الباء، وأبسستها أُبسها بضم الهمزة وكسر الباء، لغتان بمعنى سقتها، ومنه حديث: "يخرج أقوام من المدينة إلى اليمن والشام والعراق يبسون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون".
وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال﴾ الآية، وقوله: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠)﴾. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾.
الوجه الثالث: أن معنى قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ نزعت من أماكنها وقلعت، وقد أوضحنا أن هذا الوجه راجع للوجه الأول مع الإيضاح التام لأحوال الجبال يوم القيامة وأطوارها، بالآيات القرآنية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾، والهباء إذا انبث، أي تفرق واضمحل: صار لا شيء، والسراب قد قال الله تعالى فيه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ .
أي صرتم أزواجًا ثلاثة، والعرب تطلق كان بمعنى صار، ومنه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ أي فتصيرا من الظالمين.
стр. 5172
ومنه قول الشاعر:
بتيهاء قفر والمطي كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها
وقوله: (أزواجًا) أي أصنافًا ثلاثة، ثم بين هذه الأزواج الثلاثة بقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾، أما أصحاب الميمنة فهم أصحاب اليمين، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ الآيات، وأصحاب المشأمة هم أصحاب الشمال، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ الآيات.
قال بعض العلماء: قيل لهم: أصحاب اليمين؛ لأنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم.
وقيل: لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقيل: لأنهم عن يمين أبيهم آدم، كما رآهم النبي - ﷺ - كذلك ليلة الإسراء.
وقيل: سموا أصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة؛ لأنهم ميامين، أي مباركون على أنفسهم؛ لأنهم أطاعوا ربهم فدخلوا الجنة، واليُمْن البركة.
وسمي الآخرون أصحاب الشمال، قيل: لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقيل: لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار، والعرب تسمي الشمال شؤمًا، كما تسمي اليمين يمينًا، ومن هنا قيل لهم: أصحاب المشأمة، أو لأنهم مشائيم على أنفسهم، فعصوا الله فأدخلهم النار،
стр. 5173
والمشائيم ضد الميامين، ومنه قول الشاعر:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
وبين جل وعلا أن السابقين هم المقربون، وذلك في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾، وهذه الأزواج الثلاثة المذكورة هي وجزاؤها في أول هذه السورة الكريمة جاءت هي وجزاؤها أيضًا في آخرها، وذلك في قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾.
والمكذبون هم أصحاب المشأمة وهم أصحاب الشمال.
وذكر تعالى بعض صفات أصحاب الميمنة والمشأمة في البلد في قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (ما أصحاب الميمنة)، وقوله: (ما أصحاب المشأمة) استفهام أريد به التعجب من شأن هؤلاء في السعادة، وشأن هؤلاء في الشقاوة، والجملة فيهما مبتدأ وخبر، وهي خبر المبتدأ قبله، وهو أصحاب الميمنة في الأول وأصحاب المشأمة في الثاني.
وهذا الأسلوب يكثر في القرآن نحو: (الحاقة ما الحاقة)، و (القارعة ما القارعة)، والرابط في جملة الخبر في جميع الآيات المذكورة هو إعادة لفظ المبتدأ في جملة الخبر كما لا يخفى،
стр. 5174
والسابقون لم يذكر فيه استفهام تعجب كما ذكره فيما قبله، ولكنه ذكر في مقابلة تكرير لفظ السابقين.
والأظهر في إعرابه أنه مبتدأ وخبر، على عادة العرب في تكريرهم اللفظ وقصدهم الإخبار بالثاني عن الأول، يعنون أن اللفظ المخبر عنه هو المعروف خبره الذي لا يحتاج إلى تعريف. ومنه قول أبي النجم:
أنا أبو النجم وشعري شعري ... لله دري ما أجن صدري
فقوله: "وشعري شعري" يعني شعري هو الذي بلغك خبره، وانتهى إليك وصفه.
• قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ .
وقوله: (ثلة) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم ثلة، والثلة الجماعة من الناس، وأصلها القطعة من الشيء وهي الثل، وهو الكسر.
وقال الزمخشري: والثلة من الثل، وهو الكسر، كما أن الأمة من الأَمّ وهو الشَّجّ، كأنها جماعة كسرت من الناس، وقطعت منهم. اهـ منه.
واعلم أن الثلة تشمل الجماعة الكثيرة، ومنه قول الشاعر:
فجاءت إليهم ثلة خندقية ... بجيش كتيار من السيل مزبد
لأن قوله: "تيار من السيل" يدل على كثرة هذا الجيش المعبر عنه بالثلة.
وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الثلة من الأولين، وهذا
стр. 5175
القليل من الآخرين المذكورين هنا، كما اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾.
فقال بعض أهل العلم: كل هؤلاء المذكورين من هذه الأمة، وأن المراد بالأولين منهم الصحابة.
وبعض العلماء يذكر معهم القرون المشهود لهم بالخير في قوله - ﷺ - : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم" الحديث.
والذين قالوا: هم كلهم من هذه الأمة، قالوا: إنما المراد بالقليل وثلةٍ من الآخرين، هم من بعد ذلك إلى قيام الساعة.
وقال بعض العلماء: المراد بالأولين في الموضعين الأمم الماضية قبل هذه الأمة، والمراد بالآخرين فيهما هو هذه الأمة.
قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: ظاهر القرآن في هذا المقام: أن الأولين في الموضعين من الأمم الماضية، والآخرين فيهما من هذه الأمة، وأن قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ في السابقين خاصة، وأن قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ في أصحاب اليمين خاصة.
وإنما قلنا: إن هذا هو ظاهر القرآن في الأمور الثلاثة، التي هي شمول الآيات لجميع الأمم، وكون قليل من الآخرين في خصوص السابقين، وكون ثلة من الآخرين في خصوص أصحاب اليمين؛ لأنه واضح من سياق الآيات.
أما شمول الآيات لجميع الأمم فقد دل عليه أول السورة؛ لأن قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ إلى قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ لا شك أنه لا يخص أمة دون أمة، وأن الجميع مستوون في الأهوال والحساب والجزاء.
стр. 5176
فدل ذلك على أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ عام في جميع أهل المحشر، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين منهم من هو من الأمم السابقة، ومنهم من هو من هذه الأمة.
وعلى هذا، فظاهر القرآن أن السابقين من الأمم الماضية أكثر من السابقين من هذه الأمة، وأن أصحاب اليمين من الأمم السابقة ليست أكثر من أصحاب اليمين من هذه الأمة؛ لأنه عبر في السابقين من هذه الأمة بقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ وعبر عن أصحاب اليمين من هذه الأمة ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾.
ولا غرابة في هذا؛ لأن الأمم الماضية أمم كثيرة، وفيها أنبياء كثيرة ورسل، فلا مانع من أن يجتمع من سابقيها من لدن آدم إلى محمد - ﷺ - أكثر من سابقي هذه الأمة وحدها.
أما أصحاب اليمين من هذه الأمة فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جميع الأمم؛ لأن الثلة تتناول العدد الكثير، وقد يكون أحد العددين الكثيرين أكثر من الآخر، مع أنهما كلاهما كثير.
وبهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير، لا ينافي ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة.
فأما كون قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ دل ظاهر القرآن على أنه في خصوص السابقين؛ فلأن الله قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾، ثم قال تعالى مخبرًا عن هؤلاء السابقين المقربين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾.
وأما كون قوله: (وثلة من الآخرين) في خصوص أصحاب اليمين؛ فلأن الله تعالى قال ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ
стр. 5177
الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾، والمعنى: هم أي أصحاب اليمين: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين. وهذا واضح كما ترى.
• قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ السرر جمع سرير، وقد بين تعالى أن سررهم مرفوعة في قوله في الغاشية: ﴿سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾ منسوجة بالذهب. وبعضهم يقول: بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت، وكل نسج أُحْكِم ودُوخِل بعضه في بعض، تسميه العرب وضنًا، وتسمي المنسوج به موضونًا ووضينًا، ومنه الدرع الموضونة إذا أحكم نسجها ودوخل بعض حلقاتها في بعض.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحي عيرًا فعيرا
وقوله أيضًا:
وبيضاء كالنهي موضونة ... لها قونس فوق جيب البدن
ومن هذا القبيل تسمية البطان الذي ينسج من السيور، مع إدخالها بعضها في بعض: وضينًا.
ومنه قول الراجز:
إلَيْك تعدو قلقًا وضينها ... معترضًا في بطنها جنينها
• مخالفًا دين النصارى دينها *
стр. 5178
وهذه السرر المزينة، هي المعبر عنها بالأرائك في قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾، والتقدير: استقروا على سرر في حال كونهم متكئين عليها.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كونهم على سرر متقابلين، أي ينظر بعضهم إلى وجه بعض، كلهم يقابل الآخر بوجهه، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى في الحجر: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾، وقوله في الصافات: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾.
• قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾، وفي المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ﴾ الآية.
стр. 5179
• قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ .
قد قدمنا الكلام عليه في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الآية، وفي الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾، وفي غير ذلك من المواضع.
• قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ .
قد قدمنا الكلام عليه بإيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾، وتكلمنا هناك على الاستثناء المنقطع، وذكرنا شواهده من القرآن وكلام العرب، وبينا كلام أهل العلم في حكمه شرعًا.
• قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ .
أما قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾، وأما قوله: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾ فقد دلت عليه آيات كثيرة من
стр. 5180
كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾، وقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ الْمَاءِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
والمسكوب اسم مفعول سكب الماء ونحوه، إذا صبه بكثرة، والمفسرون يقولون: إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وإن الماء يصل إليهم أينما كانوا كيف شاؤوا، كما قال تعالى: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾.
وأما قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢)﴾ الآية، فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ .
الضمير في (أنشأناهن) قال بعض أهل العلم: هو راجع إلى مذكور. وقال بعض العلماء: هو راجع إلى غير مذكور، إلا أنه دل عليه المقام.
فمن قال: إنه راجع إلى مذكور، قال: هو راجع إلى قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾، قال: لأن المراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة لباسًا وإزارًا وفراشًا ونعلًا، وعلى هذا فالمراد بالرفع في قوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ رفع المنزلة والمكانة.
ومن قال: إنه راجع إلى غير مذكور، قال: إنه راجع إلى نساء لم يذكرن، ولكن ذكر الفرش دل عليهن؛ لأنهن يتكئن عليها مع أزواجهن.
стр. 5181
وقال بعض العلماء: المراد بهن الحور العين، واستدل من قال ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾؛ لأن الإِنشاء هو الاختراع والابتداع.
وقالت جماعة من أهل العلم: إن المراد بهن بنات آدم اللاتي كن في الدنيا عجائز شمطًا رمصًا، وجاءت في ذلك آثار مرفوعة عنه - ﷺ - ، وعلى هذا القول، فمعنى (أنشأناهن إنشاء) أي خلقناهن خلقًا جديدًا.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ أي فصيرناهن أبكارًا، وهو جمع بِكْر، وهو ضد الثيب.
وقوله: ﴿عُرُبًا﴾ قرأه عامة القراء السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم: (عرُبًا) بضم العين والراء، وقرأه حمزة وشعبة: (عُرْبًا) بسكون الراء، وهي لغة تميم، ومعنى القراءتين واحد، وهو جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل، وهذا هو قول الجمهور، وهو الصواب إن شاء الله.
ومنه قول لبيد:
وفي الخباء عروب غير فاحشة ... ريا الروادف يعشى دونها البصر
وقوله تعالى: ﴿أَتْرَابًا (٣٧)﴾ جمع تِرْب بكسر التاء، والترب اللِّدة. وإيضاحه: أن تِرْب الإِنسان ما وُلِد معه في وقت واحد، ومعناه في الآية: أن نساء أهل الجنة على سن واحدة ليس فيهن شابة وعجوز، ولكنهن كلهن على سن واحدة في غاية الشباب.
وبعض العلماء يقول: إنهن ينشأن مستويات في السن على قدر بنات ثلاث وثلاثين سنة، وجاءت بذلك آثار مروية عن النبي - ﷺ - .
стр. 5182
وكون الأتراب بمعنى المستويات في السن مشهور في كلام العرب.
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب
وهذه الأوصاف الثلاثة التي تضمنتها هذه الآية الكريمة من صفات نساء أهل الجنة، جاءت موضحة في آيات أخر.
أما كونهن يوم القيامة أبكارًا، فقد أوضحه في سورة الرحمن في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ في الموضعين؛ لأن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ نص في عدم زوال بكارتهن.
وأما كونهن عُربًا أي متحببات إلى أزواجهن، فقد دل عليه قوله في الصافات: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ لأن معناه أنهن قاصرات العيون على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم لشدة محبتهن لهم واقتناعهن بهم، كما قدمنا إيضاحه، ولا شك أن المرأة التي لا تنظر إلى غير زوجها متحببة إليه حسنة التبعل معه، وقوله في ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾، وقوله في الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾.
وأما كونهن أترابًا فقد بينه تعالى في قوله في آية ص هذه: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾، وفي سورة النبأ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ يتعلق بقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾، وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ﴾ أي: أنشأناهن وصيرناهن أبكارًا لأصحاب اليمين.
стр. 5183
• قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ .
قد قدمنا معنى أصحاب الشمال في هذه السورة الكريمة، وأوضحنا معنى السموم في الآيات القرآنية التي يذكر فيها في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾.
وقد قدمنا صفات ظل أهل النار وظل أهل الجنة في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾، وبينا هناك أن صفات ظل أهل النار هي المذكورة في قوله هنا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾، وقوله في المرسلات: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾.
وقوله: ﴿مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ أي من دخان أسود شديد السواد، ووزن اليحموم يفعول، وأصله من الحمم وهو الفحم، وقيل: من الحم، وهو الشحم المسود لاحتراقه بالنار.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾ .
قد قدمنا الكلام عليه في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)﴾ .
لما ذكر جل وعلا ما أعد لأصحاب الشمال من العذاب، بين
стр. 5184
بعض أسبابه، فذكر منها أنهم كانوا قبل ذلك في دار الدنيا مترفين أي متنعمين، وقد قدمنا أن القرآن دل على أن الإِتراف والتنعم والسرور في الدنيا من أسباب العذاب يوم القيامة؛ لأن صاحبه معرض عن الله لا يؤمن به ولا برسله، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾، وقد أوضحنا هذا في الكلام على آية الطور المذكورة آنفًا.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون إنكار البعث سببًا لدخول النار؛ لأن قوله تعالى لما ذكر أنهم في سموم وحميم وظل من يحموم، بين أن من أسباب ذلك أنهم قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ الآية، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكارهم بعث آبائهم الأولين في قوله: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾، وأنه تعالى بين لهم الأولين والآخرين في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، فبين فيه أن البعث الذي أنكروا، سيتحقق في حال كونهم أذلاء صاغرين وذلك في قوله تعالى في الصافات: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾.
стр. 5185
وقوله: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ قرأه عامة القراء السبعة، غير ابن عامر وقالون عن نافعٍ: (أوَآباؤنا) بفتح الواو على الاستفهام والعطف. وقد قدمنا مرارا أن همزة الاستفهام إذا جاءت بعدها أداة عطف كالواو والفاء وثم نحو: (أو آباؤنا)، (أفأمن أهل القرى)، (أثم إذا ما وقع)، أن في ذلك وجهين لعلماء العربية والمفسرين:
الأول منهما: أن أداة العطف عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام على ما قبلها، وهمزة الاستفهام متأخرة رتبة عن حرف العطف، ولكنها قدمت عليه لفظًا لا معنى، لأن الأصل في الاستفهام التصدير به كما هو معلوم في محله.
والمعنى على هذا واضح، وهو أنهم أنكروا بعثهم أنفسهم بأداة الإِنكار التي هي الهمزة، وعطفوا على ذلك بالواو إنكارهم بعث آبائهم الأولين بأداة الإِنكار التي هي الهمزة المقدمة عن محلها لفظًا لا رتبة.
وهذا القول هو قول الأقدمين من علماء العربية، واختاره أبو حيان في البحر المحيط وابن هشام في مغنى اللبيب، وهو الذي صرنا نميل إليه أخيرًا بعد أن كنا نميل إلى غيره.
الوجه الثاني: هو أن همزة الاستفهام في محلها الأصلي، وأنها متعلقة بجملة محذوفة، والجملة المصدرة بالاستفهام معطوفة على المحذوفة بحرف العطف الذي بعد الهمزة، وهذا الوجه يميل إليه الزمخشري في أكثر المواضع من كشافه، وربما مال إلى غيره.
وعلى هذا القول، فالتقدير: أمبعوثون نحن وآباؤنا الأولون؟
وما ذكره الزمخشري هنا من أن قوله: (وآباؤنا)، معطوف على