وقال بعض العلماء: المراد بهن الحور العين، واستدل من قال ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾؛ لأن الإِنشاء هو الاختراع والابتداع.
وقالت جماعة من أهل العلم: إن المراد بهن بنات آدم اللاتي كن في الدنيا عجائز شمطًا رمصًا، وجاءت في ذلك آثار مرفوعة عنه - ﷺ - ، وعلى هذا القول، فمعنى (أنشأناهن إنشاء) أي خلقناهن خلقًا جديدًا.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ أي فصيرناهن أبكارًا، وهو جمع بِكْر، وهو ضد الثيب.
وقوله: ﴿عُرُبًا﴾ قرأه عامة القراء السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم: (عرُبًا) بضم العين والراء، وقرأه حمزة وشعبة: (عُرْبًا) بسكون الراء، وهي لغة تميم، ومعنى القراءتين واحد، وهو جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل، وهذا هو قول الجمهور، وهو الصواب إن شاء الله.
ومنه قول لبيد:
وفي الخباء عروب غير فاحشة ... ريا الروادف يعشى دونها البصر
وقوله تعالى: ﴿أَتْرَابًا (٣٧)﴾ جمع تِرْب بكسر التاء، والترب اللِّدة. وإيضاحه: أن تِرْب الإِنسان ما وُلِد معه في وقت واحد، ومعناه في الآية: أن نساء أهل الجنة على سن واحدة ليس فيهن شابة وعجوز، ولكنهن كلهن على سن واحدة في غاية الشباب.
وبعض العلماء يقول: إنهن ينشأن مستويات في السن على قدر بنات ثلاث وثلاثين سنة، وجاءت بذلك آثار مروية عن النبي - ﷺ - .
стр. 5182
وكون الأتراب بمعنى المستويات في السن مشهور في كلام العرب.
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب
وهذه الأوصاف الثلاثة التي تضمنتها هذه الآية الكريمة من صفات نساء أهل الجنة، جاءت موضحة في آيات أخر.
أما كونهن يوم القيامة أبكارًا، فقد أوضحه في سورة الرحمن في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ في الموضعين؛ لأن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ نص في عدم زوال بكارتهن.
وأما كونهن عُربًا أي متحببات إلى أزواجهن، فقد دل عليه قوله في الصافات: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ لأن معناه أنهن قاصرات العيون على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم لشدة محبتهن لهم واقتناعهن بهم، كما قدمنا إيضاحه، ولا شك أن المرأة التي لا تنظر إلى غير زوجها متحببة إليه حسنة التبعل معه، وقوله في ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾، وقوله في الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾.
وأما كونهن أترابًا فقد بينه تعالى في قوله في آية ص هذه: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾، وفي سورة النبأ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ يتعلق بقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾، وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ﴾ أي: أنشأناهن وصيرناهن أبكارًا لأصحاب اليمين.
стр. 5183
• قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ .
قد قدمنا معنى أصحاب الشمال في هذه السورة الكريمة، وأوضحنا معنى السموم في الآيات القرآنية التي يذكر فيها في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾.
وقد قدمنا صفات ظل أهل النار وظل أهل الجنة في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾، وبينا هناك أن صفات ظل أهل النار هي المذكورة في قوله هنا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾، وقوله في المرسلات: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾.
وقوله: ﴿مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ أي من دخان أسود شديد السواد، ووزن اليحموم يفعول، وأصله من الحمم وهو الفحم، وقيل: من الحم، وهو الشحم المسود لاحتراقه بالنار.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾ .
قد قدمنا الكلام عليه في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)﴾ .
لما ذكر جل وعلا ما أعد لأصحاب الشمال من العذاب، بين
стр. 5184
بعض أسبابه، فذكر منها أنهم كانوا قبل ذلك في دار الدنيا مترفين أي متنعمين، وقد قدمنا أن القرآن دل على أن الإِتراف والتنعم والسرور في الدنيا من أسباب العذاب يوم القيامة؛ لأن صاحبه معرض عن الله لا يؤمن به ولا برسله، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾، وقد أوضحنا هذا في الكلام على آية الطور المذكورة آنفًا.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون إنكار البعث سببًا لدخول النار؛ لأن قوله تعالى لما ذكر أنهم في سموم وحميم وظل من يحموم، بين أن من أسباب ذلك أنهم قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ الآية، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكارهم بعث آبائهم الأولين في قوله: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾، وأنه تعالى بين لهم الأولين والآخرين في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، فبين فيه أن البعث الذي أنكروا، سيتحقق في حال كونهم أذلاء صاغرين وذلك في قوله تعالى في الصافات: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾.
стр. 5185
وقوله: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ قرأه عامة القراء السبعة، غير ابن عامر وقالون عن نافعٍ: (أوَآباؤنا) بفتح الواو على الاستفهام والعطف. وقد قدمنا مرارا أن همزة الاستفهام إذا جاءت بعدها أداة عطف كالواو والفاء وثم نحو: (أو آباؤنا)، (أفأمن أهل القرى)، (أثم إذا ما وقع)، أن في ذلك وجهين لعلماء العربية والمفسرين:
الأول منهما: أن أداة العطف عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام على ما قبلها، وهمزة الاستفهام متأخرة رتبة عن حرف العطف، ولكنها قدمت عليه لفظًا لا معنى، لأن الأصل في الاستفهام التصدير به كما هو معلوم في محله.
والمعنى على هذا واضح، وهو أنهم أنكروا بعثهم أنفسهم بأداة الإِنكار التي هي الهمزة، وعطفوا على ذلك بالواو إنكارهم بعث آبائهم الأولين بأداة الإِنكار التي هي الهمزة المقدمة عن محلها لفظًا لا رتبة.
وهذا القول هو قول الأقدمين من علماء العربية، واختاره أبو حيان في البحر المحيط وابن هشام في مغنى اللبيب، وهو الذي صرنا نميل إليه أخيرًا بعد أن كنا نميل إلى غيره.
الوجه الثاني: هو أن همزة الاستفهام في محلها الأصلي، وأنها متعلقة بجملة محذوفة، والجملة المصدرة بالاستفهام معطوفة على المحذوفة بحرف العطف الذي بعد الهمزة، وهذا الوجه يميل إليه الزمخشري في أكثر المواضع من كشافه، وربما مال إلى غيره.
وعلى هذا القول، فالتقدير: أمبعوثون نحن وآباؤنا الأولون؟
وما ذكره الزمخشري هنا من أن قوله: (وآباؤنا)، معطوف على
стр. 5186
واو الرفع في قوله: (لمبعوثون)، وأنه ساغ العطف على ضمير رفع متصل من غير توكيد بالضمير المنفصل لأجل الفصل بالهمزة، لا يصح، وقد رده عليه أبو حيان وابن هشام وغيرهما.
وهذا الوجه الأخير مال إليه ابن مالك في الخلاصة في قوله:
وحذف متبوع بدا هنا استبح ... وعطفك الفعل على الفعل يصح
وقرأ هذا الحرف قالون وابن عامر (أوْ آباؤنا) بسكون الواو، والذي يظهر لي على قراءتهما (أو) بمعنى الواو العاطفة، وأن قوله: (آباؤنا) معطوف على محل المنصوب الذي هو إسم إن؛ لأن عطف المرفوع على منصوب إن بعد ذكر خبرها جائز بلا نزاع؛ لأن اسمها وإن كان منصوبًا فأصله الرفع؛ لأنه مبتدأ في الأصل، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
وجائز رفعك معطوفًا على ... منصوب إنّ بعد أن تستكملا
وإنما قلنا إن (أو) بمعنى الواو؛ لأن إتيانها بمعنى الواو معروف في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾؛ لأن الذكر الملقى للعذر والنذر معًا لا لأحدهما؛ لأن المعنى أنها ألقت الذكر إعذارًا وإنذارًا، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ أي ولا كفورًا، وهو كثير في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب.
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
فالمعنى: ما بين الملجم مهره وسافع، أي آخذ بناصيته ليلجمه.
стр. 5187
وقول نابغة ذبيان:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما زعمت ... ستًّا وستين لم تنقص ولم تزد
فقوله: "أو نصفه" بمعنى ونصفه، كما هو ظاهر من معنى البيتين المذكورين؛ لأن مرادها أنها تمنت أن يكون الحمام المار بها هو ونصفه معه لها مع حمامتها التي معها، ليكون الجميع مائة حمامة. فوجده ستًّا وستين ونصفها ثلاث وثلاثون، فيكون المجموع تسعًا وتسعين، والمروي في ذلك عنها أنها قالت:
ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه
ونصفه قديه ... تم الحمام مِايَه
وقول توبة بن الحمير:
قد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تُقاها أو عليها فجورها
وقوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ أجمع عامة القراء على إثبات همزة الاستفهام في قوله: (أإذا متنا)، وأثبتها أيضًا عامة السبعة غير نافع والكسائي في قوله: (أإنا)، وقرأه نافع والكسائي: (إنا لمبعوثون)، بهمزة واحدة مكسورة على الخبر، كما عقده صاحب الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإِمام نافع بقوله:
فصلٌ والاستفهامُ إن تكررا ... فصير الثاني منه خبرا
واعكسه في النمل وفوق الروم ... إلخ .........
والقراءات في الهمزتين في (أإذا) و (أإنا) معروفة، فنافع يسهل الهمزة الثانية بين بين، ورواية قالون عنه هي إدخال ألف بين الهمزتين الأولى المحققة والثانية المسهلة.
стр. 5188
ورواية قالون هذه عن نافع بالتسهيل والإِدخال مطابقة لقراءة أبي عمرو، فأبو عمرو وقالون عن نافع يسهلان ويدخلان، ورواية ورش عن نافع هي تسهيل الأخيرة منهما بين بين من غير إدخال ألف. وهذه هي قراءة ابن كثير وورش فابن كثير وورش يسهلان ولا يدخلان.
وقرأ هشام عن ابن عامر بتحقيق الهمزتين، وبينهما ألف الإِدخال.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر بتحقيق الهمزتين من غير ألف الإِدخال.
هذه القراءات الصحيحة في مثل (أإذا) و (أإنا)، ونحو ذلك في القرآن.
تنبيه
اعلم وفقني الله وإياك أن ما جرى في الأقطار الإِفريقية من إبدال الأخيرة من هذه الهمزة المذكورة وأمثالها في القرآن هاء خالصة، من أشنع المنكر وأعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمة القرآن العظيم وتعد لحدود الله، ولا يعذر فيه إلا الجاهل الذي لا يدري، الذي يظن أن القراءة بالهاء الخالصة صحيحة، وإنما قلنا هذا؛ لأن إبدال الهمزة فيما ذكر هاء خالصة لم يروه أحد عن رسول الله - ﷺ - ، ولم ينزل عليه به جبريل البتة، ولم يرو عن صحابي، ولم يقرأ به أحد من القراء، ولا يجوز بحال من الأحوال، فالتجرؤ على الله بزيادة حرف في كتابه، وهو هذه الهاء التي لم ينزل بها الملك من السماء البتة، هو كما ترى، وكون اللغة العربية قد سمع فيها إبدال الهمزة هاء
стр. 5189
لا يسوغ التجرؤ على الله بإدخال حرف في كتابه لم يأذن بإدخاله الله ولا رسوله.
ودعوى أن العمل جرى بالقراءة بالهاء لا يعول عليها؛ لأن جريان العمل بالباطل باطل، ولا أسوة في الباطل بإجماع المسلمين، وإنما الأسوة في الحق، والقراءة سنة متبعة مروية عن رسول الله ﷺ ، وهذا لا خلاف فيه.
وقوله تعالى: ﴿مِتْنَا﴾، قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو وشعبة عن عاصم: (مُتنا) بضم الميم، وقرأه نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: (مِتْنا) بكسر الميم، وقد قدمنا مسوغ كسر الميم لغة في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾.
• قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ .
لما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين في الآية المتقدمة، أمر الله نبيه ﷺ أن يخبرهم خبرًا مؤكدًا بأن الأولين والآخرين كلهم مجموعون يوم القيامة للحساب والجزاء بعد بعثهم.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من بعث الأولين والآخرين وجمعهم يوم القيامة، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾.
стр. 5190
وقد قدمنا هذا موضحًا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾.
• قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ .
قد قدمنا إيضاح هذا وتفسيره في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾.
• قوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ .
النُزُل بضمتين: هو رزق الضيف الذي يقدم له عند نزوله إكرامًا له، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾. وربما استعملت العرب النُّزُل في ضد ذلك على سبيل التهكم والاحتقار، وجاء القرآن باستعمال النزل فيما يقدم لأهل النار من العذاب، كقوله هنا في عذابهم المذكور في قولهم: ﴿لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾ إلى قوله: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ﴾ أي هذا العذاب المذكور هو ضيافتهم ورزقهم المقدم لهم عند نزولهم في دارهم التي هي النار، كقوله تعالى للكافر الحقير الذليل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من إطلاق النزل على عذاب أهل النار، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله في آخر هذه السورة الكريمة: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾، وقوله تعالى في آخر الكهف: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾، ونظير ذلك
стр. 5191
من كلام العرب قول أبي السعد الضبي:
وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نُزلا
وقوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ أي يوم الجزاء، كما تقدم مرارًا.
• قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾ .
لما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين، وأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه تعالى باعث جميع الأولين والآخرين، وذكر جزاء منكري البعث بأكل الزقوم وشرب الحميم، أتبع ذلك بالبراهين القاطعة الدالة على البعث فقال: (نحن خلقناكم) هذا الخلق الأول (فلولا تصدقون) أي فهلَّا تصدقون بالبعث الذي هو الخلق الثاني؛ لأن إعادة الخلق لا يمكن أن تكون أصعب من ابتدائه كما لا يخفى.
وهذا البرهان على البعث بدلالة الخلق الأول على الخلق الثاني، جاء موضحًا في آيات كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد ذكرناها بإيضاح وكثرة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة والنحل والحج والجاثية، وغير ذلك من المواضع، وأحلنا عليها كثيرًا.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾، (لولا) حرف تحضيض، ومعناه الطلب بِحَثٍّ وشدة، فالآية تدل على
стр. 5192
شدة حث الله للكفار وحضه لهم على التصديق بالبعث لظهور برهانه القاطع الذي هو خلقه لهم أولًا.
• قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ .
قد قدمنا قريبًا كلام أهل العلم في همزة الاستفهام المتبوعة بأداة عطف، وذكرناه قبل هذا مرارًا، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾ يعني أفرأيتم ما تصبونه من المني في أرحام النساء، فلفظة (ما) موصولة، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الصفة محذوف؛ لأنه منصوب بفعل، والتقدير: أفرأيتم ما تمنونه. والعرب تقول: أمنى النطفة، بصيغة الرباعي، يمنيها، بضم حرف المضارعة، إذا أراقها في رحم المرأة، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾ ومنى يمنى بصيغة الثلاثي لغة صحيحة، إلا أن القراءة بها شاذة.
وممن قرأ (تَمْنون) بفتح التاء مضارع في الثلاثي المجرد، أبو السمال وابن السميقع.
وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ هو استفهام تقرير، فإنهم لا بد أن يقولوا: أنتم الخالقون، فيقال لهم: إذا كنا خلقنا هذا الإِنسان الخصيم المبين من تلك النطفة التي تمنى في الرحم، فكيف تكذبون بقدرتنا على خلقه مرة أخرى، وأنتم تعلمون أن الإِعادة لا يمكن أن تكون أصعب من الابتداء؟!
والضمير المنصوب في (تخلقونه) عائد إلى الموصول، أي تخلقون ما تمنونه من النطف علقًا، ثم مضغًا، إلى آخر أطواره.
وهذا الذي تضمنته هذه الآية من البراهين القاطعة على كمال
стр. 5193
قدرة الله على البعث وغيره، وعلى أنه المعبود وحده، ببيان أطوار خلق الإِنسان، جاء موضحًا في آيات آخر، وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفىً بالآيات القرآنية، وبينا ما يتعلق بكل طور من أطواره من الأحكام الشرعية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية.
وذكرنا أطوار خلق الإنسان في سورة الرحمن أيضًا في الكلام على قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ وفي غير ذلك من المواضع.
وبينا الآيات الدالة على أطوار خلقه جملةً وتفصيلًا في الحج.
تنبيه
هذا البرهان الدال على البعث الذي هو خلق الإِنسان من نطفة مني يمنى، يجب على كل إنسان النظر فيه؛ لأن الله جل وعلا وجه صيغة الأمر بالنظر فيه إلى مني الإِنسان، والأصل في صيغة الأمر على التحقيق الوجوب إلا لدليل صارف عنه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ الآية، وقد قدمنا شرحها في أول سورة النحل.
وقرأ هذا الحرف نافع: (أفرأيتم) بتسهيل الهمزة بعد الراء بين بين.
والرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عنه، إبدال الهمزة ألفًا وإشباعها لسكون الياء بعدها.
وقرأه الكسائي: (أفريتم) بحذف الهمزة، وقرأه باقي السبعة بتحقيق الهمزة.
стр. 5194
وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر في إحدى الروايتين بتسهيل الهمزة الثانية، والرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عن نافع إبدال الثانية ألفًا مشبعًا مدها لسكون النون بعدها، وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وهشام عن ابن عامر في الرواية الأخرى بتحقيق الهمزتين، وقالون وأبو عمرو وهشام بألف الإِدخال بين الهمزتين، والباقون بدونها.
• قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ .
قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير ابن كثير: (قدَّرنا) بتشديد الدال، وقرأه ابن كثير بتخفيفها، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد يكون فيها وجهان أو أكثر من التفسير، ويكون كل ذلك صحيحًا، وكله يشهد له قرآن، فنذكر الجميع وأدلته من القرآن، ومن ذلك هذه الآية الكريمة.
وإيضاح ذلك أن في قوله: ﴿قَدَّرْنَا﴾ وجهين من التفسير، وفيما تتعلق به ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ وجهان أيضًا.
فقال بعض العلماء، وهو اختيار ابن جرير: إن قوله: ﴿قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي قدرنا لموتكم آجالًا مختلفة وأعمارًا متفاوتة، فمنكم من يموت صغيرًا ومنكم من يموت شابًّا ومنكم من يموت شيخًا.
وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾،
стр. 5195
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾.
وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾ أي ما نحن بمغلوبين، والعرب تقول: سبقه على كذا أي غلبه عليه وأعجزه عن إدراكه، أي وما نحن بمغلوبين على ما قدرنا من آجالكم وحددناه من أعماركم، فلا يقدر أحد أن يقدم أجلًا أخرناه ولا يؤخر أجلًا قدمناه.
وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾، إلى غير من الآيات.
وعلى هذا القول، فقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالكُمْ﴾ ليس متعلقًا بِـ "مسبوقين"، بل بقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ﴾، والمعنى: نحن قدرنا بينكم الموت (على أن نبدل أمثالكم) أي نبدل من الذين ماتوا أمثالًا لهم نوجدهم، وعلى هذا، فمعنى تبديل أمثالهم إيجاد آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا.
وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير، وقراءة (قدَّرنا) بالتشديد مناسبة لهذا الوجه، وكذلك لفظة (بينكم).
الوجه الثاني: أن (قدَّرنا) بمعنى قضينا وكتبنا، أي كتبنا الموت وقدرناه على جميع الخلق.
стр. 5196
وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.
وعلى هذا القول، فقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ متعلق بِـ "مسبوقين"، أي ما نحن بمغلوبين، والمعنى: وما نحن بمغلوبين على أن نبدل أمثالكم إن أهلكناكم لو شئنا، فنحن قادرون على إهلاككم، ولا يوجد أحد يغلبنا ويمنعنا من خلق أمثالكم بدلًا منكم.
وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ (٣٨)﴾، وقد قدمنا هذا في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾، فيه للعلماء أقوال متقاربة.
قال بعضهم: ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور والهيئات، كأن ننشئكم قردة وخنازير، كما فعلنا ببعض المجرمين قبلكم.
وقال بعضهم: ننشئكم فيما لا تعلمونه من الصفات، فنغير صفاتكم، ونجمِّل المؤمنين ببياض الوجوه، ونقبِّح الكافرين بسواد الوجوه، وزرقة العيون.
إلى غير ذلك من الأقوال.
стр. 5197
• قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾ .
تضمنت هذه الآية الكريمة برهانًا قاطعًا ثانيًا على البعث وامتنانًا عظيمًا على الخلق بخلق أرزاقهم لهم.
فقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾، يعني: أفرأيتم البذر الذي تجعلونه في الأرض بعد حرثها، أي تحريكها وتسويتها، (أأنتم تزرعونه) أي تجعلونه زرعًا، ثم تنمونه إلى أن يصير مدركًا صالحًا للأكل (أم نحن الزارعون) له؟! ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره هو أن يقال: أنت يا ربنا هو الزارع المنبت، ونحن لا قدرة لنا على ذلك، فيقال لهم: كل عاقل يعلم أن من أنبت هذا السنبل من هذا البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على أن يبعثكم بعد موتكم.
وكون إنبات النبات بعد عدمه من براهين البعث، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾، وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾.
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمناها مستوفاة مع سائر آيات براهين البعث في مواضع كثيرة في سورة البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع، وأحلنا عليها مرارًا.
стр. 5198
تنبيه
أعلم أنه يجب على كل إنسان أن ينظر في هذا البرهان الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة؛ لأن الله جل وعلا وجه في كتابه صيغة أمر صريحة عامة في كل ما يصدق عليه مسمى الإِنسان، بالنظر في هذا البرهان العظيم المتضمن للامتنان لأعظم النعم على الخلق، وللدلالة على عظم الله وقدرته على البعث وغيره، وشدة حاجة خلقه إليه مع غناه عنهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.
والمعنى: انظر أيها الإِنسان الضعيف إلى طعامك، كالخبز الذي تأكله ولا غنى لك عنه، من هو الذي خلق الماء الذي صار سببًا لإِنباته، هل يقدر أحد غير الله على خلق الماء؟ أي إبرازه من أصل العدم إلى الوجود.
ثم هب أن الماء خلق، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله على هذا الأسلوب الهائل العظيم الذي يسقي به الأرض من غير هدم ولا غرق؟
ثم هب أن الماء نزل في الأرض، من هو الذي يقدر على شق الأرض عن مسار (١) الزرع؟
ثم هب أن الزرع طلع، فمن هو الذي يقدر على إخراج السنبل منه؟
ثم هب أن السنبل خرج منه، فمن هو الذي يقدر على إنبات الحب فيه وتنميته حتى يدرك صالحًا للأكل؟
стр. 5199
﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾، والمعنى: انظروا إلى الثمر وقت طلوعه ضعيفًا لا يصلح للأكل، وانظروا إلى ينعه، أي انظروا إليه بعد أن صار يانعًا مدركًا صالحًا للأكل، تعلموا أن الذي رباه ونماه حتى صار كما ترونه وقت ينعه قادر على كل شيء منعم عليكم عظيم الإِنعام، ولذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾.
فاللازم أن يتأمل الإِنسان وينظر في طعامه ويتدبر قوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ﴾ أي عن النبات شقًّا، إلى آخر ما بيناه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ يعني لو نشاء تحطيم ذلك الزرع لجعلناه حطامًا، أي فتاتًا وهشيمًا، ولكنا لم نفعل ذلك رحمة بكم، ومفعول فعل المشيئة محذوف للاكتفاء عنه بجزاء الشرط، وتقديره كما ذكرنا.
وقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾. قال بعض العلماء: المعنى: فظلتم تعجبون من تحطيم زرعكم.
وقال بعض العلماء: (تفكهون) بمعنى تندمون على ما خسرتم من الإِنفاق عليه، كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾.
وقال بعض العلماء: تندمون على معصية الله التي كانت سببًا لتحطيم زرعكم.
والأول من الوجهين في سبب الندم هو الأظهر.
стр. 5200
• قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ .
تضمنت هذه الآية الكريمة امتنانًا عظيمًا على خلقه بالماء الذي يشربونه، وذلك أيضًا آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته وشدة حاجة خلقه إليه، والمعنى: (أفرأيتم الماء الذي تشربون) الذي لا غنى لكم عنه لحظة، ولو أعدمناه لهلكتم جميعًا في أقرب وقت: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾.
والجواب الذي لا جواب غيره هو: أنت يا ربنا هو منزله من المزن، ونحن لا قدرة لنا على ذلك. فيقال لهم: إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه تعالى فلم تكفرون به وتشربون ماءه وتأكلون رزقه وتعبدون غيره؟!
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الامتنان على الخلق بالماء وأنهم يلزمهم الإيمان بالله وطاعته، شكرًا لنعمة هذا الماء، كما أشار له هنا بقوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ جاء في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَينَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَسْقَينَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله هنا: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أي لو نشاء جعله أجاجًا لفعلنا، ولكن جعلناه عذبًا فراتًا سائغًا شرابه، وقد قدمنا في سورة الفرقان أن الماء الأجاج هو الجامع بين الملوحة والمرارة الشديدتين.
стр. 5201
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه تعالى لو شاء لجعل الماء غير صالح للشراب، جاء معناه في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ لأن الذهاب بالماء، وجعله غورًا لم يصل إليه، وجعله أجاجًا، كل ذلك في المعنى سواء، بجامع عدم تأتي شرب الماء.
وهذه الآيات المذكورة تدل على شدة حاجة الخلق إلى خالقهم كما ترى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يدل على أن جميع الماء الساكن في الأرض النابع من العيون والآبار ونحو ذلك، أن أصله كله نازل من المزن، وأن الله أسكنه في الأرض وخزنه فيها لخلقه.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾، وقد قدمنا هذا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَينَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾، وفي سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ (فلولا) بمعنى هلَّا، وهي حرف تحضيض، وهو الطلب بحث وحض. والمعنى أنهم يطلب منهم شكر هذا المنعم العظيم بِحَثّ وحض.
стр. 5202
واعلم أن الشكر يطلق من العبد لربه، ومن الرب لعبده.
فشكر العبد لربه، ينحصر معناه في استعماله جميع نعمه فيما يرضيه تعالى، فشكر نعمة العين ألا ينظر بها إلا إلى ما يرضي مَنْ خلقها، وهكذا في جميع الجوارح، وشكر نعمة المال أن يقيم فيه أوامر ربه ويكون مع ذلك شاكر القلب واللسان، وشكر العبد لربه جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى هنا: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وأما شكر الرب لعبده فهو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
تنبيه لغوي
اعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارةً، وإلى المنعم أخرى، فإن عديت إلى النعمة تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ الآية، وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذي هو اللام، كقوله: نحمد الله ونشكر له.
ولم تأت في القرآن معداة إلا باللام، كقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾، وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ﴾، وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾، وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 5203
وهذه هي اللغة الفصحى، وتعديتها للمفعول بدون اللام لغة لا لحن، ومن ذلك قول أبي نخيلة:
شكرتك إن الشكر حبل من اتقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي
وقول جميل بن معمر:
خليلي عوجا اليوم حتى تسلما ... على عذبة الأنياب طيبة النشر
فإنكما إن عجتما لي ساعة ... شكرتكما حتى أغيَّب في قبري
وهذه الآيات من سورة الواقعة قد دلت على أن اقتران جواب (لو) باللام، وعدم اقترانه بها، كلاهما سائغ؛ لأنه تعالى قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ باللام، ثم قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ بدونها.
• قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ (٧٣)﴾ .
قوله تعالى: ﴿الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ أي توقدونها، من قولهم: أورى النار إذا قدحها وأوقدها، والمعنى: أفرأيتم النار التي توقدونها من الشجر أأنتم أنشأتم شجرتها التي توقد منها، أي أوجدتموها من العدم؟
والجواب الذي لا جواب غيره: أنت يا ربنا هو الذي أنشأ شجرتها، ونحن لا قدرة لنا بذلك. فيقال: كيف تنكرون البعث وأنتم تعلمون أن من أنشأ شجرة النار وأخرجها منها قادر على كل شيء؟!
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون خلق النار من أدلة البعث، جاء موضحًا في يس في قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا
стр. 5204
أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾، فقوله في آخر يس: ﴿تُوقِدُونَ (٨٠)﴾، معنى قوله في الواقعة: ﴿تُورُونَ (٧١)﴾ وقوله في آية يس: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ بعد قوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ دليل واضح على أن خلق النار من أدلة البعث.
وقوله هنا: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ أي الشجرة التي توقد منها كالمرخ والعفار، ومن أمثال العرب: "في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار"؛ لأن المرخ والعفار هما أكثر الشجر نصيبًا في استخراج النار منهما، يأخذون قضيبًا من المرخ ويحكّون له عودًا من العفار فتخرج من بينهما النار. ويقال: كل شجر فيه نار إلا العناب.
وقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ أي نذكر الناس بها في دار الدنيا إذا أحسوا شدة حرارتها نار الآخرة التي هي أشد منها حرًّا، لينزجروا عن الأعمال المقتضية لدخول النار، وقد صح عنه - ﷺ - أن حرارة نار الآخرة مضاعفة على حرارة نار الدنيا سبعين مرة. فهي تفوقها بتسع وستين ضعفًا كل واحد منها مثل حرارة نار الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ (٧٣)﴾ أي منفعة للنازلين بالقواء من الأرض، وهو الخلاء والفلاة التي ليس بها أحد، وهم المسافرون؛ لأنهم ينتفعون بالنار انتفاعًا عظيمًا في الاستدفاء بها والاستضاءة وإصلاح الزاد.
وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون اللفظ واردًا للامتنان. وبه تعلم أنه لا يعتبر مفهومًا للمقوين؛ لأنه جيء به للامتنان، أي وهي متاع أيضًا غير المقوين من الحاضرين بالعمران.
стр. 5205
وكل شيء خلا من الناس يقال له أقوى، فالرجل إذا كان في الخلاء قيل له: أقوى. والدار إذا خلت من أهلها قيل لها: أقوت.
ومنه قول نابغة ذبيان:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقول عنترة:
حُيِّيت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
وقيل: (للمقوين): أي للجائعين. وقيل غير ذلك، والذي عليه الجمهور هو ما ذكرنا.
• قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ .
قد قدمنا الكلام عليه في أول سورة النجم.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ .
أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة، وأكد إخباره بأن هذا القرآن العظيم هو حق اليقين، وأمر نبيه بعد ذلك بأن يسبح باسم ربه العظيم.
وهذا الذي تضمنته هذه الآية ذكره الله جل علا في آخر سورة الحاقة في قوله في وصفه للقرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾، والحق هو اليقين.
وقد قدمنا أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين
стр. 5206
أسلوب عربي، وذكرنا كثرة وروده في القرآن وفي كلام العرب، ومنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ والدار هي الآخرة، وقوله ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ والمكر هو السيء، بدليل قوله بعده: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ﴾، وقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ والحبل هو الوريد، وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ والشهر هو رمضان.
ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس:
كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل
والبكر هي المقاناة.
وقول عنترة:
ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
لأن مراده بالمشك هنا الدرع نفسها، بدليل قوله: هتكت فروجها، يعني الدرع، وإن كان أصل المشك لغة السير الذي تشد به الدرع؛ لأن السير لا تمكن إرادته في بيت عنترة هذا، خلافًا لما ظنه صاحب تاج العروس، بل مراد عنترة بالمشك: الدرع، وأضافه إلى السابغة التي هي الدرع كما ذكرنا، وإلى هذا يشير ما ذكروه في باب العَلَم، وعقده في الخلاصة بقوله:
وإن يكونا مفردين فأضف ... حتمًا وإلا أتبع الذي ردف
لأن الإِضافة المذكورة من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، وقد بينا في كتابنا "دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب" أن قوله في الخلاصة:
ولا يضاف اسم لما به اتحد ... معنى وأول موهمًا إذا ورد
стр. 5207
أن الذي يظهر لنا من استقراء القرآن والعربية أن ذلك أسلوب عربي، وأن الاختلاف بين اللفظين كاف في المغايرة بين المضاف والمضاف إليه، وأنه لا حاجة إلى التأويل مع كثرة ورود ذلك في القرآن والعربية.
ويدل له تصريحهم بلزوم إضافة الاسم إلى اللقب إن كانا مفردين نحو سعيد كرز؛ لأن ما لا بد له من تأويل لا يمكن أن يكون هو اللازم كما ترى، فكونه أسلوبًا أظهر.
وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ التسبيح: أصله الإِبعاد عن السوء، وتسبيح الله تنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وذلك التنزيه واجب له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
والظاهر أن الباء في قوله ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ داخلة على المفعول، وقد قدمنا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أدلة كثيرة من القرآن وغيره على دخول الباء على المفعول الذي يتعدى إليه الفعل بنفسه، كقوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، والمعنى: وهزي جذع النخلة، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ أي إلحادًا، إلى آخر ما قدمنا من الآدلة الكثيرة.
وعليه، فالمعنى: سبح اسم ربك العظيم، كما يوضحه قوله في الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾.
وقال القرطبي: الاسم هنا بمعنى المسمى، أي سبح ربك، وإطلاق الاسم بمعنى المسمى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
стр. 5208
ولا يلزم في نظري أن الاسم بمعنى المسمى هنا؛ لإِمكان كون المراد نفس الاسم؛ لأن أسماء الله ألحد فيها قوم ونزهها آخرون عن كل ما لا يليق، ووصفها الله بأنها بالغة غاية الحسن، وفي ذلك أكمل تنزيه لها؛ لأنها مشتملة على صفاته الكريمة، وذلك في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
ولسنا نريد أن نذكر كلام المتكلمين في الاسم والمسمى، هل الاسم هو المسمى أو لا؟ لأن مرادنا هنا بيان معنى الآية، والعلم عند الله تعالى.
стр. 5209
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الحديد
стр. 5210
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ .
قد قدمنا مرارًا أن التسبيح هو تنزيه الله عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وأصله في اللغة الإِبعاد عن السوء، من قولهم: سبح، إذا صار بعيدًا، ومنه قيل للفرس: سابح؛ لأنه إذا جرى يبعد بسرعة، ومن ذلك قول عنترة في معلقته:
إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم
وقول عباس بن مرداس السلمي:
لا يغرسون فسيل النخل حولهم ... ولا تخاور في مشتاهم البقر
إلا سوابح كالعقبان مقربة ... في دارة حولها الأخطار والعكر
وهذا الفعل الذي هو (سبح) قد يتعدى بنفسه بدون اللام، كقوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيلًا طَويلًا (٢٦)﴾، وقد يتعدى باللام كقوله هنا: (سبح لله)، وعلى هذا، فسبحه وسبح له لغتان، كنصحه ونصح له، وشكره وشكر له.
стр. 5211
وذكر بعضهم في الآية وجهًا آخر، وهو أن المعنى: سبح ما في السماوات والأرض، أي أحدث التسبيح لأجل الله، أي ابتغاء وجهه تعالى. ذكره الزمخشري وأبو حيان.
وقيل: (سبح لله) أي صلى له. وقد قدمنا أن التسبيح يطلق على الصلاة.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن أهل السماوات والأرض يسبحون لله، أي ينزهونه عما لا يليق، بينه الله جل وعلا في آيات أخر من كتابه، كقوله تعالى في سورة الحشر: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾، وقوله في الصف: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ أيضًا، وقوله في الجمعة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾، وقوله في التغابن: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١)﴾.
وزاد في سورة بني إسرائيل أن السماوات السبع والأرض يسبحن لله مع ما فيهما من الخلق، وأن تسبيح السماوات ونحوها من الجمادات يعلمه الله ونحن لا نفقهه أي لا نفهمه، وذلك في قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن تسبيح الجمادات المذكور فيها وفي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَال يُسَبِّحْنَ﴾ ونحو ذلك، تسبيح حقيقي يعلمه الله ونحن لا نعلمه.
والآية الكريمة فيها الرد الصريح، على من زعم من أهل العلم أن تسبيح الجمادات هو دلالة إيجادها على قدرة خالقها؛ لأن دلالة
стр. 5212
الكائنات على عظمة خالقها يفهمها كل العقلاء، كما صرح الله تعالى بذلك في قوله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وأمثال ذلك من الآيات كثيرة في القرآن.
وقد قدمنا إيضاح هذا في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾، وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الآية، وفي سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، وفي غير ذلك من المواضع.
وقد عبر تعالى هنا في أول الحديد بصيغة الماضي في قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، وكذلك هو في الحشر والصف، وعبر في الجمعة والتغابن وغيرهما بقوله: (يسبح)، بصيغة المضارع.
قال بعض أهل العلم: إنما عبر بالماضي تارة وبالمضارع أخرى ليبين أن ذلك التسبيح لله هو شأن أهل السماوات وأهل الأرض، ودأبهم في الماضي والمستقبل. ذكر معناه الزمخشري وأبو حيان.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ هو قد قدمنا مرارًا وذكرنا أن العزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، وأن العزة هي الغلبة، ومنه قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾، وقوله: (وعزنى في الخطاب) أي غلبني في الخصام، ومن أمثال العرب: من عزّ بزّ. يعنون: من غلب استلب. ومنه قول الخنساء:
كأن لم يكونوا حمى يُختشى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
стр. 5213
والحكيم، هو من يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها.
وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ غلَّب فيه غير العاقل، وقد قدمنا في غير هذا الموضع أنه تعالى تارة يغلب غير العاقل في نحو: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لكثرته، وتارة يغلب العاقل لأهميته، وقد جمع المثال للأمرين قوله تعالى في البقرة: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ فغلب غير العاقل في قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وغلب العاقل في قوله: (قانتون).
• قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ .
قوله: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، قد قدمنا إيضاحه في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾، وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ﴾ الآية، وذكرنا طرفًا صالحًا من ذلك في سورة القتال في كلامنا الطويل على قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾.
стр. 5214
• قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ .
قد قدمنا إيضاحه في أول سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾ .
قد قدمنا إيضاحه وبينا الآيات القرآنية الدالة على المعية العامة والمعية الخاصة، مع بيان معنى المعية في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.
• قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي ينزل على عبده محمد ﷺ آيات بينات، أي واضحات، وهي هذا القرآن العظيم، ليخرج الناس بهذا القرآن العظيم المعبر عنه بالآيات البينات من الظلمات، أي من ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور التوحيد والهدى.
وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في قوله تعالى في الطلاق: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
стр. 5215
وآية الطلاق هذه بينت أن آية الحديد من العام المخصوص، وأنه لا يخرج بهذا القرآن العظيم من الظلمات إلى النور إلا من وفقهم الله للإيمان والعمل الصالح، فقوله في الحديد: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي بشرط الإيمان والعمل الصالح، بدليل قوله: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الآية.
فالدعوة إلى الإِيمان بالقرآن والخروج بنوره من ظلمات الكفر عامة، ولكن التوفيق إلى الخروجِ به من الظلمات إلى النور خاص بمن وفقهم الله، كما دلت عليه آيات الطلاق المذكورة، والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون القرآن نورًا يخرج الله به المؤمنين من الظلمات إلى النور، جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا﴾ الآية.
стр. 5216
• قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وهو جمع يمين، وأنهم يقال لهم: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا، جاء موضحًا في آيات أخر: أما سعي نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فقد بينه تعالى في سورة التحريم، وزاد فيها بيان دعائهم الذي يدعون به في ذلك الوقت، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ الآية.
وأما تبشيرهم بالجنات، فقد جاء موضحًا في مواضع أخر، وبين الله فيها أن الملائكة تبشرهم وأن ربهم أيضًا يبشرهم، كقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ إلى قوله: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 5217
• قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ .
الضمير المرفوع في (ينادونهم) راجع إلى المنافقين والمنافقات، والضمير المنصوب راجع إلى المؤمنين والمؤمنات.
وقد ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين والمنافقات إذا رأوا نور المؤمنين يوم القيامة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، قالوا لهم: انظرونا نقتبس من نوركم، وقيل لهم جوابا لذلك: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، وضرب بينهم بالسور المذكور، أنهم ينادون المؤمنين: ألم نكن معكم، أي في دار الدنيا، كنا نشهد معكم الصلوات ونسير معكم في الغزوات وندين بدينكم؟ قالوا: بلى، أي كنتم معنا في دار الدنيا، ولكنكم فتنتم أنفسكم.
وقد قدمنا مرارًا معاني الفتنة وإطلاقاتها في القرآن، وبينا أن من معاني إطلاقاتها في القرآن الضلال، كالكفر والمعاصي، وهو المراد هنا، أي فتنتم أنفسكم: أي أضللتموها بالنفاق الذي هو كفر باطن، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي لا يبقى شرك، كما تقدم إيضاحه.
وقوله: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ التربص: الانتظار، والأظهر أن المراد به هنا تربص المنافقين بالمؤمنين الدوائر، أي انتظارهم بهم نوائب الدهر أن تهلكهم، كقوله تعالى في منافقي الأعراب المذكورين في قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾.
стр. 5218
وقوله تعالى: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ أي شككتم في دين الإِسلام، وشكهم المذكور هنا وكفرهم بسببه بينه الله تعالى في قوله عنهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الأماني جمع أمنية، وهي ما يمنون به أنفسهم من الباطل، كزعمهم أنهم مصلحون في نفاقهم، وأن المؤمنين حقًّا سفهاء في صدقهم، أي في إيمانهم، كما بين تعالى ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ الآية.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الأماني المذكورة من الغرور الذي اغتروا به، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾.
وقوله: ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الأظهر أنه الموت؛ لأنه ينقطع به العمل.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ هو الشيطان، وعبر عنه بصيغة المبالغة، التي هي الفعول، لكثرة غروره لبني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا ﴿(٦٤)﴾.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أن الشيطان الكثيرَ الغرور غرهم بالله، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى
стр. 5219
في آخر السجدة: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾، وقوله في أول فاطر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾.
وقوله تعالى في آية السجدة وآية فاطر المذكورتين: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وترتيبه على ذلك النهي عن أن يغرهم بالله الغرور، دليل واضح على أن مما يغرهم به الشيطان أن وعد الله بالبعث ليس بحق، وأنه غير واقع. والغُرور بالضم الخديعة.
• قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ﴾، وفي غير ذلك من المواضع.
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ .
قد قدمنا مرارًا أن كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بلم، إذا تقدمتها همزة الاستفهام كما هنا، فيه وجهان من التفسير معروفان:
الأول منهما: هو أن تقلب مضارعته ماضوية، ونفيه إثباتًا، فيكون بمعنى الماضي المثبت؛ لأن (لم) حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي، وهمزة الاستفهام إنكارية فيها
стр. 5220
معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في (لم) فينفيه، ونفي النفي إثبات، فيرجع المعنى إلى الماضي المثبت. وعليه، فالمعنى: (ألم يأن للذين) أي آن للذين آمنوا.
والوجه الثاني: أن الاستفهام في جميع ذلك التقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول: بلى.
وقوله: (يأن) هو مضارع أنى يأنى إذا جاء إناه أي وقته، ومنه قول كعب بن مالك ﵁:
ولقد أنى لك أن تناهى طائعًا ... أو تستفيق إذا نهاك المرشد
فقوله: "أنى لك أن تناهي طائعًا" أي جاء الإِناه الذي هو الوقت الذي تتناهى فيه طائعًا، أي حضر وقت تناهيك.
ويقال في العربية: آن يئين، كباع يبيع، وأنى يأني كرمى يرمي، وقد جمع اللغتين قول الشاعر:
ألما يئن لي أن تجلى عمايتي ... وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا
والمعنى على كلا القولين: أنه حان للمؤمنين، وأَنَى لهم أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي جاء الحين والأوان لذلك، لكثرة ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ المصدر المنسبك من أن وصلتها في محل رفع فاعل بأن.
والخشوع أصله في اللغة السكون والطمأنينة والانخفاض، ومنه قول نابغة ذبيان:
رماد ككحل العين لأيا أبينه ... ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
فقوله: "خاشع" أي منخفض مطمئن.