Полный текст (5 235 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وقال آخر:
ولي حبشية سلبت فؤادي ... ونفسي لا تتوق إلى سواها
كأن شروطها طرق ثلاث ... تسير بها النفوس إلى هواها
وقال آخر في سوداء:
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعدة
لا شك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحدة
وأمثاله في كلام الأدباء كثيرة.
وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ يدل على أن تقطيع آذان الأنعام لا يجوز، وهو كذلك.
أما قطع أذن البحيرة والسائبة تقربا بذلك للأصنام فهو كفر بالله إجماعا، وأما تقطيع آذان البهائم لغير ذلك فالظاهر أيضا أنه لا يجوز، ولذا أمرنا - ﷺ - "أن نستشرف العين، والأذن، ولا نضحى بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء". أخرجه أحمد، وأصحاب السنن الأربع، والبزار، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من حديث علي ﵁ وصححه الترمذي، وأعله الدارقطني.
والمقابلة المقطوعة طرف الأذن، والمدابرة المقطوعة مؤخر الأذن، والشرقاء مشقوقة الأذن طولا، والخرقاء التي خرقت أذنها خرقا مستديرا فالعيب في الأذن مراعى عند جماعة العلماء.
قال مالك والليث: المقطوعة الأذن لا تجزىء، أو جل الأذن
стр. 527
قاله القرطبي، والمعروف من مشهور مذهب مالك أن الذي يمنع الإجزاء قطع ثلث الأذن فما فوقه، لا ما دونه فلا يضر، وإن كانت سكاء وهي التي خلقت بلا أذن، فقال مالك، والشافعي: لا تجزئ، وإن كانت صغيرة الأذن أجزأت، وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك، وإن كانت مشقوقة الأذن للميسم أجزأت عند الشافعي، وجماعة الفقهاء. قاله القرطبي في تفسير هذه الآية. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية. لم يبين هنا شيئا من أمانيهم، ولا من أماني أهل الكتاب، ولكنه أشار إلى بعض ذلك في مواضع أخر، كقوله في أماني العرب الكاذبة: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ وقوله عنهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ ونحو ذلك من الآيات، وقوله في أماني أهل الكتاب: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات.
وما ذكره بعض العلماء من أن سبب نزول الآية أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية. لا ينافي ما ذكرنا، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ
стр. 528
مُحْسِنٌ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله في حال كونه محسنا؛ لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي، وصرح في موضع آخر: أن من كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ومعنى إسلام وجهه لله إطاعته وإذعانه، وانقياده لله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسنا، أي: مخلصا عمله لله، لا يشرك فيه به شيئا، مراقبا فيه لله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فالله تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والإنقياد التام، ومنه قول زيد بن نفيل العدوي:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا
• قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ الآية. لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم في الكتاب ما هو، ولكنه بينه في أول السورة، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. كما قدمناه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ فقوله هنا: ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ في محل رفع معطوفا على الفاعل الذي هو لفظ الجلالة، وتقرير المعنى: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) أيضا ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ الآية، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية. ومضمون ما أفتى به هذا الذي يتلى علينا في الكتاب هو تحريم هضم حقوق اليتيمات، فمن خاف أن لا يقسط في اليتيمة التي في حجره
стр. 529
فليتركها، ولينكح ما طاب له سواها، وهذا هو التحقيق في معنى الآية، كما قدمنا، وعليه فحرف الجر المحذوف في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ هو عن، أي: ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن، أي: كما أنكم ترغبون عن نكاحهن إن كن قليلات مال وجمال فلا يحل لكم نكاحهن إن كن ذوات مال وجمال إلا بالإقساط إليهن في حقوقهن، كما تقدم عن عائشة ﵂.
وقال بعض العلماء: الحرف المحذوف هو في، أي: ترغبون في نكاحهن إن كن متصفات بالجمال، وكثرة المال مع أنكم لا تقسطون فيهن.
والذين قالوا بالمجاز واختلفوا في جواز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا أجازوا ذلك في المجاز العقلي كقولك: أغناني زيد وعطاؤه، فإسناد الإغناء إلى زيد حقيقة عقلية، وإسناده إلى العطاء مجاز عقلي فجاز جمعها، وكذلك إسناد الإفتاء إلى الله حقيقي، وإسناده إلى ما يتلى مجاز عقلي عندهم، لأنه سببه فيجوز جمعها.
وقال بعض العلماء: إن قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في محل جر معطوفا على الضمير، وعليه فتقرير المعنى قُلِ: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ويفتيكم فيما يتلى عليكم، وهذا الوجه يضعفه أمران:
الأول: أن الغالب أن الله يفتي بما يتلى في هذا الكتاب، ولا يفتي لظهور أمره.
стр. 530
الثاني: أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ضعفه غير واحد من علماء العربية، وأجازه ابن مالك مستدلا بقراءة حمزة "والأرحام" بالخفض عطفا على الضمير من قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ وبوروده في الشعر كقوله:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
بجر الأيام عطفا على الكاف، ونظيره قول الآخر:
نعلق في السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب مهوى نفانف
بجر الكعب معطوفا على الضمير قبله، وقول الآخر:
وقد رام آفاق السماء فلم يجد ... له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا
فقوله: ولا الأرض بالجر معطوفا على الضمير، وقول الآخر:
أمر على الكتيبة لست أدري ... أحتفي كان فيها أم سواها
فسواها في محل جر بالعطف على الضمير.
وأجيب عن الآية بجواز كونها قسما، والله تعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه، كما أقسم بمخلوقاته كلها في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) الآية.
وعن الأبيات بأنها شذوذ يحفظ ولا يقاس عليه.
وصحح العلامة ابن القيم ﵀ جواز العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وجعل منه قوله تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ فقال: إن قوله: ﴿وَمَنِ﴾
стр. 531
في محل جر عطفا على الضمير المجرور في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ وتقرير المعنى عليه حَسْبُكَ اللَّهُ، أي: كافيك، وكافي من اتبعك من المؤمنين.
وأجاز ابن القيم والقرطبي في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ أن يكون منصوبا معطوفا على المحل؛ لأن الكاف مخفوض في محل نصب، ونظيره قول الشاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند
بنصب الضحاك كما ذكرنا، وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ فقال: ﴿وَمَنْ﴾ عطف على ضمير الخطاب في قوله ﴿لَكُمْ﴾ وتقرير المعنى عليه: وجعلنا لكم ولمن لستم له برازقين فيها معايش، وكذلك إعراب ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ بأنه مبتدأ خبره محذوف، أو خبره ﴿في الكتاب﴾، وإعرابه منصوبا على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره، ويبين لكم ما يتلى، وإعرابه مجرورا على أنه قسم، كل ذلك غير ظاهر.
وقال بعض العلماء: إن المراد بقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ آيات المواريث؛ لأنهم كانوا لا يورثون النساء، فاستفتوا رسول الله - ﷺ - في ذلك، فأنزل الله آيات المواريث.
وعلى هذا القول فالمبين لقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ هو قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآيتين. وقوله في آخر السورة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الآية. والظاهر أن قول أم المؤمنين أصح وأظهر.
стр. 532
تنبيه: المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أصله مجرور بحرف محذوف، وقد قدمنا الخلاف هل هو عن، وهو الأظهر، أو هو في، وبعد حذف حرف الجر المذكور فالمصدر في محل نصب على التحقيق، وبه قال الكسائي والخليل: وهو الأقيس لضعف الجار عن العمل محذوفا.
وقال الأخفش: هو في محل جر بالحرف المحذوف بدليل قول الشاعر:
وما زرت ليلى أن تكون حبيبة ... إلي ولا دين بها أنا طالبه
بجر دين عطفا على محل أن تكون، أي: لكونها حبيبة، ولا لدين، ورد أهل القول الأول الاحتجاج بالبيت بأنه من عطف التوهم كقول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
بجر سابق لتوهم دخول الباء على المعطوف عليه الذي هو خبر ليس، وقول الآخر:
مشائم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
بجر ناعب لتوهم الباء، وأجاز سيبويه الوجهين.
واعلم أن حرف الجر لا يطرد حذفه إلا مع المصدر المنسبك من أن، وأن وصلتهما عند الجمهور خلافا لعلي بن سليمان الأخفش القائل بأنه مطرد في كل شيء عند أمن اللبس، وعقده ابن مالك في الكافية بقوله:
стр. 533
وابن سليمان اطراده رأى ... إن لم يخف لبس كمن زَيدًا نأى
وإذا حذف حرف الجر مع غير أن، وأن نقلا على مذهب الجمهور، وقياسا عند أمن اللبس في قول الأخفش فالنصب متعين. والناصب عند البصريين الفعل، وعند الكوفيين نزع الخافض كقوله:
تمرون الديار ولن تعوجوا ... كلامكم علي إذن حرام
وبقاؤه مجرورا مع حذف الحرف شاذ، كقول الفرزدق:
إذا قيل: أي الناس شر قبيلة ... أشارت كليب بالأكف الأصابع
أي: أشارت الأصابع بالأكف، أي: مع الأكف إلى كليب.
• قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ الآية. القسط العدل، ولم يبين هنا هذا القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ وقوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩)﴾ وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات، فكل ذلك فيه القيام بالقسط لليتامى.
• قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأنفس أحضرت الشح، أي: جعل شيئا حاضرا لها كأنه ملازم لها لا يفارقها؛ لأنها جبلت عليه.
وأشار في موضع آخر: أنه لا يفلح أحد إلا إذا وقاه الله شح نفسه، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
стр. 534
ومفهوم الشرط أن من لم يوق شح نفسه لم يفلح وهو كذلك، وقيده بعض العلماء بالشح المؤدي إلى منع الحقوق التي يلزمها الشرع، أو تقتضيها المروءة، وإذا بلغ الشح إلى ذلك، فهو بخل، وهو رذيلة. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ هذا العدل الذي ذكر تعالى هنا أنه لا يستطاع هو العدل في المحبة، والميل الطبيعي؛ لأنه ليس تحت قدرة البشر، بخلاف العدل في الحقوق الشرعية، فإنه مستطاع، وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾. أي: تجوروا في الحقوق الشرعية، والعرب تقول: عال يعول إذا جار ومال، وهو عائل، ومنه قول أبي طالب:
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل
أي: غير مائل ولا جائر، ومنه قول الآخر:
قالوا: تبعنا رسول الله واطرحوا ... قول الرسول وعالوا في الموازين
أي: جاروا، وقول الآخر:
ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد عال الزمان على عيالي
أي: جار ومال.
أما قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري:
وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل
وقول جرير:
стр. 535
الله نزل في الكتاب فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (٨)﴾ فكل ذلك من العيلة، وهي الفقر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية. فعال التي بمعنى جار واوية العين، والتي بمعنى افتقر يائية العين.
وقال الشافعي ﵀ معنى قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾. أي: يكثر عيالكم، من عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقول بعضهم: إن هذا لا يصح، وإن المسموع أعال الرجال بصيغة الرباعي على وزن أفعل فهو معيل إذا كثر عياله فلا وجه له؛ لأن الشافعي من أدرى الناس باللغة العربية؛ ولأن عال بمعنى كثر عياله لغة حمير، ومنه قول الشاعر:
وأن الموت يأخذ كل حي ... بلا شك وإن أمشى وعالا
يعني: وإن كثرت ماشيته وعياله.
وقرأ الآية طلحة بن مصرف "ألا تعيلوا" بضم التاء، من أعال إذا كثر عياله على اللغة المشهورة.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن الزوجين إذا افترقا أغنى الله كل واحد منهما من سعته وفضله الواسع، وربط بين الأمرين بأن جعل أحدهما شرطا والآخر جزاء.
وقد ذكر أيضا أن النكاح سبب للغنى بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
стр. 536
• قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه إن شاء أذهب الناس الموجودين وقت نزولها، وأتي بغيرهم بدلا منهم، وأقام الدليل على ذلك في موضع آخر، وذلك الدليل هو أنه أذهب من كان قبلهم، وجاء بهم بدلا منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾.
وذكر في موضع آخر: أنهم إن تولوا أبدل غيرهم، وأن أولئك المبدلين لا يكونون مثل المبدل منهم، بل يكونون خيرا منهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾.
وذكر في موضع آخر: أن ذلك هين عليه غير صعب، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ أي: ليس بممتنع ولا صعب.
• قوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن جميع العزة له جل وعلا.
وبين في موضع آخر: أن العزة التي هي له وحده أعز بها رسوله والمؤمنين، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وذلك بإعزاز الله لهم، والعزة الغلبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ أي: غلبني في الخصام، ومن كلام العرب: من عز بزَّ، يعنون من غلب استلب، ومنه قول الخنساء:
стр. 537
كأن لم يكونوا حمى يختشى ... إذ الناس إذ ذاك من عَزَّ بزّ
• قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ هذا المنزل الذي أحال عليه هنا هو المذكور في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ وقوله هنا: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ لم يبين فيه حكم ما إذا نسوا النهي حتى قعدوا معهم، ولكنه بينه في الأنعام بقوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١)﴾ في معنى هذه الآية أوجه للعلماء:
منها: أن المعنى "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين يوم القيامة سبيلا" وهذا مروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵃ ويشهد له قوله في أول الآية: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ﴾ الآية. وهو ظاهر.
قال ابن عطية: وبه قال جميع أهل التأويل، كما نقله عنه القرطبي، وضعفه ابن العربي زاعما أن آخر الآية غير مردود إلى أولها.
ومنها: أن المراد بأنه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ يمحو به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح بيضتهم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه ﷺ من حديث ثوبان أنه قال: "وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم
стр. 538
عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن الله قد أعطاني لأمتي ذلك حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا".
ويدل لهذا الوجه آيات كثيرة كقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وقوله: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
ومنها: أن المعنى أنه لا يجعل لهم سبيلا إلا أن يتواصوا بالباطل، ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة، فيكون تسليط العدو عليهم من قبلهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
قال ابن العربي: وهذا نفيس جدا، وهو راجع في المعنى الأول؛ لأنهم منصورون لو أطاعوا، والبلية جاءتهم من قبل أنفسهم في الأمرين.
ومنها: أنه لا يجعل لهم عليهم سبيلا شرعا، فإن وجد فهو بخلاف الشرع.
ومنها: أن المراد بالسبيل الحجة، أي: ولن يجعل لهم عليه حجة، ويبينه قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣)﴾ وأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة منع دوام ملك الكافر للعبد المسلم والعلم عند الله تعالى.
стр. 539
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (١٤٢)﴾ بين في هذه الآية الكريمة صفة صلاة المنافقين بأنهم يقومون إليها في كسل ورياء، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلا، ونظيرها في ذمهم على التهاون بالصلاة؛ قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ الآية. وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ الآية. ويفهم من مفهوم مخالفة هذه الآيات أن صلاة المؤمنين المخلصين ليست كذلك، وهذا المفهوم صرح به تعالى في آيات كثيرة كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ الآية ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين في أسفل طبقات النار عياذا بالله تعالى.
وذكر في موضع آخر أن آل فرعون يوم القيامة يؤمر بإدخالهم أشد العذاب، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾.
وذكر في موضع آخر: أنه يعذب من كفر من أصحاب المائدة عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ فهذه الآيات تبين أن أشد أهل النار عذابا المنافقون،
стр. 540
وآل فرعون، ومن كفر من أصحاب المائدة، كما قاله ابن عمر ﵄ والدرك بفتح الراء وإسكانها لغتان معروفتان وقراءتان سبعيتان.
• قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ الآية. لم يبين هنا سبب عفوه عنهم ذنب اتخاذ العجل إلاها، ولكنه بينه في سورة البقرة بقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ الآية. لم يبين هنا هل امتثلوا هذا الأمر، فتركوا العدوان في السبت أو لا، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا، وأنهم اعتدوا في السبت كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (١٥٦)﴾ لم يبين هنا هذا البهتان العظيم الذي قالوه على الصديقة مريم العذراء، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أنه رميهم لها بالفاحشة، وأنها جاءت بولد لغير رشده في زعمهم الباطل -لعنهم الله- وذلك في قوله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً (٢٧)﴾ يعنون ارتكاب الفاحشة ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً (٢٨)﴾ أي: زانية، فكيف تفجرين، ووالداك ليسا كذلك، وفي القصة أنهم رموها بيوسف النجار وكان من الصالحين، والبهتان أشد الكذب الذي يتعجب منه.
стр. 541
• قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية. لم يبين هنا ما هذه الطيبات التي حرمها عليهم بسبب ظلمهم، ولكنه بينها في سورة الأنعام بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ الآية. لم يبين هنا ما هذه الحجة التي كانت تكون للناس عليه لو عذبهم دون إنذارهم على ألسنة الرسل، ولكنه بينها في سورة طه بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ وأشار لها في سورة القصص بقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
• قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ هذا الغلو الذي نهوا عنه هو قول غير الحق وهو قول بعضهم: إن عيسى ابن الله، وقول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم: هو إله مع الله عن ذلك كله علوا كبيرا، كما بينه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وأشار هنا إلى إبطال هذه المفتريات بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ
стр. 542
الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾.
وقال بعض العلماء: يدخل في الغلو وغير الحق المنهي عنه في هذه الآية ما قالوا من البهتان على مريم أيضا، واعتمده القرطبي وعليه فيكون الغلو المنهي عنه شاملا للتفريط والإفراط.
وقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مطرف بن عبد الله: "الحسنة بين سيئتين"، وبه تعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى، ولقد أجاد من قال:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، وقولوا: عبد الله ورسوله".
• قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ليست لفظة "من" في هذه الآية للتبعيض، كما يزعمه النصارى افتراء على الله، ولكن "من" هنا لابتداء الغاية، يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حيا من الله تعالى؛ لأنه هو الذي أحياه به، ويدل على أن "من" هنا لابتداء الغاية: قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ أي: كائنا مبدأ ذلك كله منه جل وعلا ويدل لما ذكرنا ما روي عن أبي بن كعب أنه قال: "خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ثم ردها إلى صلب آدم، وأمسك
стр. 543
عنده روح عيسى ﵊"، فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم، فكان منه عيسى ﵇، وهذه الإضافة للتفضيل؛ لأن جميع الأرواح من خلقه جل وعلا، كقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ الآية. وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا يضاف إلى الله، فيقال: هذا روح من الله، أي: من خلقه، وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فاستحق هذا الاسم، وقيل: سمي روحا بسبب نفخة جبريل ﵇ المذكورة في سورة الأنبياء والتحريم، والعرب تسمي النفخ روحا؛ لأنه ريح تخرج من الروح، ومنه قول ذي الرمة:
فقلت له: ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا
وعلى هذا القول فقوله "وَرُوحٌ" معطوف على الضمير العائد إلى الله الذي هو فاعل ألقاها. قاله القرطبي والله تعالى أعلم.
وقال بعض العلماء: وَرُوحٌ مِنْهُ، أي رحمة منه، وكان عيسى رحمة من الله لمن اتبعه، قيل: ومنه وأيده بِرُوحٍ مِنْهُ، أي: برحمة منه، حكاه القرطبي أيضا، وقيل: روح مِنْهُ، أي: برهان منه، وكان عيسى برهانا وحجة على قومه. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤)﴾: المراد بهذا النور المبين القرآن العظيم؛ لأنه يزيل ظلمات الجهل والشك كما يزيل النور الحسي ظلمة الليل، وقد أوضح تعالى ذلك بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً﴾ الآية وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ ونحو ذلك من الآيات.
стр. 544
• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ الآية. صرح في هذه الآية الكريمة بأن الأختين يرثان الثلثين، والمراد بهما الأختان لغير أم، بأن تكونا شقيقتين أو لأب بإجماع العلماء، ولم يبين هنا ميراث الثلاث من الأخوات فصاعدا، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن الأخوات لا يزدن على الثلثين، ولو بلغ عددهن ما بلغ، وهو قوله تعالى في البنات: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] ومعلوم أن البنات أمس رحما وأقوى سببا في الميراث من الأخوات، فإذا كن لا يزدن على الثلثين ولو كثرن فكذلك الأخوات من باب أولى، وأكثر علماء الأصول على أن فحوى الخطاب أعني: مفهوم الموافقة: الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، من قبيل دلالة اللفظ، لا من قبيل القياس، خلافا للشافعي وقوم، وكذلك المساوئ على التحقيق، فقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ يفهم منه من باب أولى حرمة ضربهما، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧)﴾ الآية. يفهم منه من باب أولى أن من عمل مثقال جبل يراه من خير وشر، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يفهم منه من باب أولى قبول شهادة الثلاثة والأربعة مثلا من العدول، ونهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء، يفهم منه من باب أولى النهي عن التضحية بالعمياء، وكذلك في المساوي، فتحريم أكل مال اليتيم يفهم منه بالمساواة منع إحراقه وإغراقه، ونهيه ﷺ عن البول في الماء الراكد، يفهم منه كذلك أيضا النهي عن البول في إناء وصبه فيه، وقوله ﷺ : "من أعتق شركا له في عبد" الحديث. يفهم منه كذلك أن الأمة كذلك، ولا نزاع في هذا عند جماهير العلماء، وإنما خالف فيه بعض الظاهرية.
стр. 545
ومعلوم أن خلافهم في مثل هذا لا أثر له، وبذلك تعلم أنه تعالى لما صرح بأن البنات وإن كثرن ليس لهن غير الثلثين، علم أن الأخوات كذلك من باب أولى، والعلم عند الله تعالى.
انتهى الجزء الأول من هذا الكتاب المبارك، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني، وأوله سورة المائدة.
стр. 546
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورة المائدة
стр. 547
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ، لم يبين هنا ما هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية بهيمة الأنعام، ولكنه بينه بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، فالمذكورات في هذه الآية الكريمة كالموقوذة والمتردية، وإن كانت من الأنعام فإنها تحرم بهذه العوارض.
والتحقيق أن الأنعام هي الأزواج الثمانية، كما قدمنا في سورة آل عمران، وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد من العلماء بهذه الآية على إباحة أكل الجنين إذا ذكيت أمه، ووجد في بطنها ميتاً.
وجاء عن النبي ﷺ "أن ذكاة أمه ذكاة له" كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد. وقال الترمذي: إنه حسن، ورواه أبو داود عن جابر عن النبي ﷺ .
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ يعني إن شئتم، فلا يدل هذا الأمر على إيجاب الاصطياد عند الإحلال، ويدل له الاستقراء في القرآن، فإن كل شيء كان جائزاً، ثم حرم لموجب، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز
стр. 548
نحو قوله هنا: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ الآية.
ولا ينقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، لأن قتلهم كان واجباً قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الأربعة، سواء قلنا: إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أو قلنا: إنها الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾.
وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة، أو وجوب، فالصيد قبل الإحرام كان جائزاً، فمنع للإحرام، ثم أمر به بعد الإحلال بقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز، وقتل المشركين كان واجباً قبل دخول الأشهر الحرم، فمنع من أجلها، ثم أمر به بعد انسلاخها في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الآية، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الوجوب، وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجباً رده واجباً، وإن كان مستحباً فمستحب، أو مباحاً فمباح.
ومن قال: إنه للوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة؛ ومن قال:
стр. 549
إنه للإباحة يرد عليه بآيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم. انتهى منه بلفظه.
وفي هذه المسألة أقوال أخر عقدها في (مراقي السعود) بقوله:
والأمر للوجوب بعد الخطل ... وبعد سؤل قد أتى للأصل
أو يقتضي إباحة للأغلب ... إذا تعلق بمثل السبب
إلا فذي المذهب والكثير ... له إلى إيجابه مصير
وقد تقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة بلا خلاف، وغير التام المعروف بـ "إلحاق الفرد بالأغلب" حجة ظنية، كما عقده في مراقي السعود في كتاب (الاستدلال) بقوله:
ومنه الاستقراء بالجزئي ... على ثبوت الحكم كلي
فإن يعم غير ذي الشقاق ... فهو حجة بالاتفاق
وهو في البعض إلى الظن انتسب ... يسمى لحقوق الفرد بالذي غلب
فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الاستقراء التام في القرآن دل على ما اخترنا، واختاره ابن كثير، وهو قول الزركشي من أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الحكم إلى ما كان عليه قبل التحريم، عرفت أن ذلك هو الحق. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ الآية. نهى الله المسلمين في هذه الآية
стр. 550
الكريمة أن يحملهم بغض الكفار أن صدوهم عن المسجد الحرام في عمرة الحديبية أن يعتدوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعاً. كما روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن زيد بن أسلم، قال: "كان رسول الله - ﷺ - وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي - ﷺ -: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية" اهـ. بلفظه من ابن كثير.
ويدل لهذا قوله قبل هذا: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وصرح بمثل هذه الآية في قوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ الآية، وقد ذكر تعالى في هذه الآية أنهم صدوهم عن المسجد الحرام بالفعل على قراءة الجمهور ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتح الهمزة، لأن معناها: لأجل أن صدوكم، ولم يبين هنا حكمة هذا الصد، ولم يذكر أنهم صدوا معهم الهدي معكوفاً أن يبلغ محله، وذكر في سورة الفتح أنهم صدوا معهم الهدى، وأن الحكمة في ذلك المحافظة على المؤمنين والمؤمنات، الذين لم يتميزوا عن الكفار في ذلك الوقت، بقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (٢٥)﴾، وفي هذه الآية دليل صريح على أن الإنسان عليه أن يعامل من عصى الله فيه؛ بأن يطيع الله فيه. وفي الحديث: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" وهذا دليل واضح على كمال دين الإسلام، وحسن
стр. 551
ما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، مبين أنه دين سماوي لا شك فيه.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ معناه: لا يحملنكم شنآن قوم على أن تعتدوا، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أي حملتم على أن يغضبوا.
وقال بعض العلماء: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي لا يكسبنكم، وعليه فلا تقدير لحرف الجر في قوله: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ أي لا يكسبنكم بغضهم الاعتداء عليهم.
وقرأ بعض السبعة: ﴿شَنْآنُ﴾ بسكون النون، ومعنى الشنآن على القراءتين أي بفتح النون، وبسكونها: البغض. مصدر "شنأه" إذا أبغضه.
وقيل: على قراءة سكون النون يكون وصفاً كالغضبان، وعلى قراءة: ﴿إِنْ صَدُّوكُمْ﴾ بكسر الهمزة: المعنى إن وقع منهم صدهم لكم عن المسجد الحرام، فلا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا عليهم بما لا يحل لكم.
وإبطال هذه القراءة -بأن الآية نزلت بعد صد المشركين النبي - ﷺ - وأصحابه بالحديبية، وأنه لا وجه لاشتراط الصد بعد وقوعه- مردود من وجهين:
الأول منهما: أن قراءة: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾: بصيغة الشرط
стр. 552
قراءة سبعية متواترة لا يمكن ردها، وبها قرأ ابن كثير، وأبو عمرو من السبعة.
الثاني: أنه لا مانع من أن يكون معنى هذه القراءة: إن صدوكم مرة أخرى على سبيل الفرض والتقدير، كما تدل عليه صيغة "إن" لأنها تدل على الشك في حصول الشرط، فلا يحملنكم تكرر الفعل السيء على الاعتداء عليهم بما لا يحل لكم، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ . ظاهر هذه الآية الكريمة أن المرتد يحبط جميع عمله بردته من غير شرط زائد، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن ذلك فيما إذا مات على الكفر، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ ومقتضى الأصول حمل هذا المطلق على هذا المقيد، فيقيد إحباط العمل بالموت على الكفر وهو قول الشافعي ومن وافقه، خلافاً لمالك القائل بإحباط الردة العمل مطلقاً والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ، في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ثلاث قراءآت: واحدة شاذة، واثنتان متواترتان.
أما الشاذة: فقراءة الرفع وهي قراءة الحسن؛ وأما المتواترتان. فقراءة النصب، وقراءة الخفض.
أما النصب: فهو قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي وعاصم في رواية حفص من السبعة، ويعقوب من الثلاثة.
стр. 553
وأما الجر: فهو قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر.
أما قراءة النصب: فلا إشكال فيها، لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجه، وتقرير المعنى عليها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا بروؤسكم. وإنما أدخل مسح الرأس بين المغسولات محافظة على الترتيب، لأن الرأس يمسح بين المغسولات، ومن هنا أخذ جماعة من العلماء وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء حسبما في الآية الكريمة.
وأما على قراءة الجر: ففي الآية الكريمة إجمال، وهو أنها يفهم منها الاكتفاء بمسح الرجلين في الوضوء عن الغسل كالرأس، وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، والتوعد بالنار لمن ترك ذلك، كقوله - ﷺ -: "ويل للأعقاب من النار".
اعلم أولاً أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين كما هو معروف عند العلماء، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض، مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض، مع أن إعرابها النصب أو الرفع.
وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف،
стр. 554
وأنه لم يجز إلا عند أمن اللبس، فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه، وممن صرح به الأخفش، وأبو البقاء، وغير واحد. ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره له -مع ثبوته في كلام العرب، وفي القرآن العظيم- يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعاً كافياً.
والتحقيق: أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين، فمنه في النعت قول امرىء القيس:
كأن ثبيرا في عرانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل
بخفض "مزمل" بالمجاورة، مع أنه نعت "كبير" المرفوع بأنه خبر كأن، وقول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب
إذ الرواية بخفض "غير"، كما قاله غير واحد للمجاورة، مع أنه نعت "سنة" المنصوب بالمفعولية.
ومنه في العطف قول النابغة:
لم يبق إلا أسير غير منفلت ... وموثق في حبال القد مجنوب
بخفض "موثق" لمجاورته المخفوض، مع أنه معطوف على "أسير" المرفوع بالفاعلية.
وقول امرىء القيس:
وظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف سواء أو قدير معجل
стр. 555
بجر "قدير" لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على "صفيف" المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو "منضج" والصفيف: فعيل بمعنى مفعول، وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير: كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ.
وهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق؛ لأن الإنضاج واقع على كل من الصفيف والقدير، فما زعمه "الصبان" في حاشيته على "الأشموني" من أن قوله "أو قدير" معطوف على "منضج" بتقدير المضاف، أي: وطابخ قدير ... الخ ظاهر السقوط؛ لأن المنضج شامل لشاوي الصفيف، وطابخ القدير.
فلا حاجة إلى عطف الطابخ على المنضج لشموله له، ولا داعي لتقدير "طابخ" محذوف.
وما ذكره العيني من أنه معطوف على "شواء"، فهو ظاهر السقوط أيضاً، وقد رده عليه "الصبان"؛ لأن المعنى يصير بذلك، وصفيف قدير، والقدير لا يكون صفيفاً.
والتحقيق: هو ما ذكرنا من الخفض بالمجاورة، وبه جزم ابن قدامة في المغني. ومن الخفض بالمجاورة في العطف قول زهير:
لعب الزمان بها وغيرها ... بعدي سوافي المور والقطر
بجر "القطر" لمجاورته للمخفوض، مع أنه معطوف على "سوافي" المرفوع، بأنه فاعل غير.
ومنه في التوكيد، قول الشاعر:
стр. 556
ذوي الزوجات يا صاح بلغ كلهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
بجر "كلهم" على ما حكاه الفراء، لمجاورة المخفوض، مع أنه توكيد "ذوي" المنصوب بالمفعولية.
ومن أمثلته في القرآن العظيم في العطف -كالآتي التي نحن بصددها- قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾، على قراءة حمزة، والكسائي، ورواية المفضل عن عاصم بالجر لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ مع أن قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ حكمه الرفع، فقيل: إنه معطوف على فاعل "يطوف" الذي هو: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾.
وقيل: هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف، دل المقام عليه.
أي: وفيها حور عين، أولهم حور عين، وإذن فهو من العطف بحسب المعنى.
وقد أنشد سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ، أو ذي الرمة:
بادت وغير آيهن مع البلا ... إلا رواكد جمرهن هباء
ومشجج أما سواء قذاله ... فبدا وغيب ساره المعزاء
لأن الرواية بنصب: رواكد على الاستثناء، ورفع مشجج عطفاً عليه؛ لأن المعنى لم يبق منها إلا رواكد ومشجج.
ومراده بالرواكد أثافي القدر، وبالمشجج وتد الخباء، وبه
стр. 557
تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة، والكسائي هو المجاورة للمخفوض، كما ذكرنا، خلافاً لمن قال في قراءة الجر: إن العطف على أكواب، أي يطاف عليهم بأكواب، وبحور عين، ولمن قال: إنه معطوف على جنات النعيم، أي هم في جنات النعيم، وفي حور على تقدير حذف مضاف أي في معاشرة حور.
ولا يخفى ما في هذين الوجهين؛ لأن الأول يرد بأن الحور العين لا يطاف بهن مع الشراب، لقوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾.
والثاني فيه أن كونهم في جنات النعيم، وفي "حور" ظاهر السقوط كما ترى، وتقدير ما لا دليل عليه لا وجه له.
وأجيب عن الأول بجوابين:
الأول: أن العطف فيه بحسب المعنى؛ لأن المعنى: يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور. قاله الزجاج وغيره.
الجواب الثاني: أن الحور قسمان:
١: - حور مقصورات في الخيام.
٢: - وحور يطاف بهن عليهم، قاله الفخر الرازي وغيره. وهو تقسيم لا دليل عليه، ولا يعرف من صفات الحور العين كونهن يطاف بهن كالشراب، فأظهرها الخفض بالمجاورة، كما ذكرنا.
وكلام الفراء وقطرب يدل عليه، وما رد به القول بالعطف
стр. 558
على أكواب من كون الحور لا يطاف بهن يرد به القول بالعطف على: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾، في قراءة الرفع؛ لأنه يقتضي أن الحور يطفن عليهم كالولدان، والقصر في الخيام ينافي ذلك.
وممن جزم بأن خفض: ﴿وأرجلكم﴾ لمجاورة المخفوض البيهقي في [السنن الكبرى]، فإنه قال ما نصه: باب قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصباً، وأن الأمر رجع إلى الغسل، وأن من قرأها خفضاً فإنما هو للمجاورة، ثم ساق أسانيده إلى ابن عباس، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعروة بن الزبير، ومجاهد وعطاء والأعرج وعبد الله بن عمرو بن غيلان، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارىء، وأبي محمد يعقوب بن إسحاق بن يزيد الحضرمي أنهم قرءوها كلهم: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب.
قال: وبلغني عن إبراهيم بن يزيد التيمي أنه كان يقرؤها نصباً، وعن عبد الله بن عامر اليحصبي، وعن عاصم برواية حفص، وعن أبي بكر بن عياش من رواية الأعشى، وعن الكسائي، كل هؤلاء نصبوها، ومن خفضها فإنما هو للمجاورة، قال الأعمش: كانوا يقرأونها بالخفض، وكانوا يغسلون، اهـ كلام البيهقي.
ومن أمثلة الخفض بالمجاورة في القرآن في النعت قوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ بخفض مُحِيطٍ مع أنه نعت للعذاب.
وقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٨٤)﴾ , ومما يدل أن النعت للعذاب، وقد خفض للمجاورة، كثرة ورود الألم في القرآن نعتاً للعذاب.
стр. 559
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ على قراءة من قرأ بخفض "مَحْفُوظٍ" كما قاله القرطبي.
ومن كلام العرب "هذا جحر ضب خرب" بخفض خرب؛ لمجاورة المخفوض مع أنه نعت خبر المبتدأ؛ وبهذا تعلم أن دعوى كون الخفض بالمجاورة لحناً لا يتحمل إلا لضرورة الشعر باطلة. والجواب عما ذكروه من أنه لا يجوز إلا عند أمن اللبس هو أن اللبس هنا يزيله التحديد بالكعبين، إذ لم يرد تحديد الممسوح وتزيله قراءة النصب، كما ذكرنا. فإن قيل: قراءة الجر الدالة على مسح الرجلين في الوضوء هي المبينة لقراءة النصب بأن تجعل قراءة النصب عطفاً على المحل؛ لأن الرءوس مجرورة بالباء في محل نصب، على حد قول ابن مالك في الخلاصة:
وجر ما يتبع ما جر ومن ... راعى في الاتباع المحل فحسن
وابن مالك وإن كان أورد هذا في "إعمال المصدر" فحكمه عام، أي: وكذلك الفعل والوصف، كما أشار له في الوصف بقوله:
واجرر أو انصب تابع الذي انخفض ... كمبتغي جاه ومالًا من نهض
فالجواب أن بيان قراءة النصب بقراءة الجر -كما ذكر- تأباه السنة الصريحة الصحيحة الناطقة بخلافه، وبتوعد مرتكبه بالويل من النار، بخلاف بيان قراءة الخفض بقراءة النصب، فهو موافق لسنة رسول الله - ﷺ - الثابتة عنه قولاً وفعلاً. فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما، عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: تخلف
стр. 560
عنا رسول الله - ﷺ - في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" وكذلك هو في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂، أن النبي - ﷺ - قال: "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" وروى البيهقي والحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن حارث بن جزء، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار"؛ وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "ويل للأعقاب من النار" وروى الإمام أحمد عن معيقيب، أن النبي - ﷺ - قال: "ويل للأعقاب من النار" وروى ابن جرير عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "- ويل للأعقاب من النار"، قال: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه ينظر إليهما.
وثبت في أحاديث الوضوء عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعلي، وابن عباس، ومعاوية، وعبد الله بن زيد بن عاصم، والمقداد بن معد يكرب "أن رسول الله - ﷺ - غسل الرجلين في وضوئه، إما مرة أو مرتين أو ثلاثاً" على اختلاف رواياتهم.
وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، "أن رسول الله - ﷺ - توضأ فغسل قدميه". ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" والأحاديث في الباب كثيرة جداً، وهي صحيحة
стр. 561
صريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وعدم الاجتزاء بمسحهما.
وقال بعض العلماء: المراد بمسح الرجلين غسلهما، والعرب تطلق المسح على الغسل أيضاً، وتقول: تمسحت، بمعنى توضأت ومسح المطر الأرض، أي: غسلها، ومسح الله ما بك، أي: غسل عنك الذنوب والأذى، ولا مانع من كون المراد بالمسح في الأرجل هو الغسل، والمراد به في الرأس المسح الذي ليس بغسل، وليس من حمل المشترك على معنييه، ولا من حمل اللفظ على حقيقته ومجازه؛ لأنهما مسألتان كل منهما منفردة عن الأخرى، مع أن التحقيق جواز حمل المشترك على معنييه، كما حققه الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن، وحرر أنه هو الصحيح في مذاهب الأئمة الأربعة ﵏، وجمع ابن جرير الطبري في تفسيره بين قراءة النصب والجر بأن قراءة النصب يراد بها غسل الرجلين؛ لأن العطف فيها على الوجوه والأيدي إلى المرافق، وهما من المغسولات بلا نزاع، وأن قراءة الخفض يراد بها المسح مع الغسل، يعني الدلك باليد أو غيرها.
والظاهر أن حكمة هذا في الرجلين دون غيرهما؛ أن الرجلين هما أقرب أعضاء الإنسان إلى ملابسة الأقذار لمباشرتهما الأرض فناسب ذلك أن يجمع لهما بين الغسل بالماء، والمسح، أي: الدلك باليد، ليكون ذلك أبلغ في التنظيف.
وقال بعض العلماء: المراد بقراءة الجر: المسح، ولكن النبي
стр. 562
- ﷺ - بين أن ذلك المسح لا يكون إلا على الخف.
وعليه فالآية تشير إلى المسح على الخف في قراءة الخفض، والمسح على الخفين -إذا لبسهما طاهراً- متواتر عن رسول الله - ﷺ -، لم يخالف فيه إلا من لا عبرة به، والقول بنسخه بآية المائدة يبطل بحديث جرير أنه بال ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم رأيت رسول الله - ﷺ - بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه، قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، متفق عليه، ويوضح عدم النسخ أن آية المائدة نزلت في غزوة "المريسيع".
ولا شك أن إسلام جرير بعد ذلك، مع أن المغيرة بن شعبة روى المسح على الخفين عن رسول الله - ﷺ - في غزوة "تبوك" وهي آخر مغازيه - ﷺ -.
وممن صرح بنزول آية المائدة في غزوة "المريسيع" ابن حجر في [فتح الباري]، وأشار له البدوي الشنقيطي في [نظم المغازي] بقوله في غزوة المريسيع:
والإفك في قولهم ونقلا ... أن التيمم بها قد أنزلا
والتيمم في آية المائدة. وأجمع العلماء على جواز المسح على الخف الذي هو من الجلود، واختلفوا فيما كان من غير الجلد إذا كان صفيقاً ساتراً لمحل الفرض، فقال مالك وأصحابه: لا يمسح على شيء غير الجلد، فاشترطوا في المسح أن يكون الممسوح خفاً من جلود، أو جورباً مجلداً ظاهره وباطنه، يعنون
стр. 563
ما فوق القدم وما تحتها، لا باطنه الذي يلي القدم.
واحتجوا بأن المسح على الخف رخصة، وأن الرخص لا تتعدى محلها، وقالوا: إن النبي - ﷺ - لم يمسح على غير الجلد؛ فلا يجوز تعديه إلى غيره، وهذا مبني على شطر قاعدة أصولية مختلف فيها، وهي: "هل يلحق بالرخص ما في معناها، أو يقصر عليها ولا تعدي محلها"؟ .
ومن فروعها اختلافهم في بيع "العرايا" من العنب بالزبيب اليابس، هل يجوز؛ إلحاقاً بالرطب بالتمر أو لا؟
وجمهور العلماء منهم الشافعي، وأبو حنيفة وأحمد، وأصحابهم على عدم اشتراط الجلد؛ لأن سبب الترخيص الحاجة إلى ذلك، وهي موجودة في المسح على غير الجلد، ولما جاء عن النبي - ﷺ - من أنه مسح على الجوربين، والموقين. قالوا: والجورب: لفافة الرجل، وهي غير جلد.
وفي القاموس: الجورب لفافة الرجل، وفي اللسان: الجورب لفافة الرجل، معرب وهو بالفارسيه "كورب".
وأجاب من اشترط الجلد بأن الجورب هو الخف الكبير، كما قاله بعض أهل العلم، أما الجرموق والموق، فالظاهر أنهما من الخفاف.
وقيل: إنهما شيء واحد، وهو الظاهر من كلام أهل اللغة. وقيل: إنهما متغايران، وفي القاموس: الجرموق: -كعصفور- الذي يلبس فوق الخف. وفي القاموس أيضاً: الموق خف غليظ
стр. 564
يلبس فوق الخف، وفي اللسان: الجرموق، خف صغير، وقيل: خف صغير يلبس فوق الخف، وفي اللسان أيضاً: الموق الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرب، والموق: الخف اهـ.
قالوا: والتساخين: الخفاف، فليس في الأحاديث ما يعين أن النبي - ﷺ - مسح على غير الجلد، والجمهور قالوا: نفس الجلد لا أثر له، بل كل خف صفيق ساتر لمحل الفرض يمكن فيه تتابع المشي، يجوز المسح عليه، جلداً كان أو غيره.
مسائل تتعلق بالمسح على الخفين
الأولى: أجمع العلماء على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر؛ وقال الشيعة والخوارج: لا يجوز، وحكي نحوه القاضي أبو الطيب، عن أبي بكر بن داود، والتحقيق عن مالك، وجل أصحابه، القول بجواز المسح على الخف في الحضر والسفر. وقد روي عنه المنع مطلقاً، وروي عنه جوازه في السفر دون الحضر.
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً أنكره إلا مالكاً في رواية أنكرها أكثر أصحابه، والروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وموطأه يشهد للمسح في الحضر والسفر، وعليه جميع أصحابه، وجمع أهل السنة.
وقال الباجي: رواية الإنكار في "العتبية" وظاهرها المنع، وإنما معناها أن الغسل أفضل من المسح، قال ابن وهب: آخر ما فارقت مالكاً على المسح في الحضر والسفر. وهذا هو الحق الذي
стр. 565
لا شك فيه، فما قاله ابن الحاجب عن مالك من جوازه في السفر دون الحضر غير صحيح؛ لأن المسح على الخف متواتر عن النبي - ﷺ -. قال الزرقاني في شرح "الموطأ": وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وروى ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري، حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين. اهـ.
وقال النووي في شرح "المهذب": وقد نقل ابن المنذر في كتاب [الإجماع] إجماع العلماء على جواز المسح على الخف، ويدل عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة في مسح النبي - ﷺ - في الحضر والسفر، وأمره بذلك وترخيصه فيه، واتفاق الصحابة، فمن بعدهم عليه.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: روينا جواز المسح على الخفين عن عمر، وعلي، وسعيد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبي مسعود الأنصاري، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبي زيد الأنصاري ﵃. قلت: ورواه خلائق من الصحابة، غير هؤلاء الذين ذكرهم البيهقي، وأحاديثهم معروفة في كتب السنن وغيرها.
قال الترمذي: وفي الباب عن عمر، وسلمان، وبريدة،
следующие страницы →