← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ما نصه: "الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه، مثل: صلى داخل الكعبة، فلا يعم الفرض والنفل إلى أن قال: وكان يجمع بين الصلاتين لا يعم وقتيهما، وأما تكرر الفعل فمستفاد من قول الراوي كان يجمع، كقولهم كان حاتم يكرم الضيف" الخ. قال شارحه العضد ما نصه: "وإذا قال: كان يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فلا يعم جمعهما بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير في وقت الثانية، وعمومه في الزمان لا يدل عليه أيضا، وربما توهم ذلك من قوله "كان يفعل". فإنه يفهم منه التكرار، كما إذا قيل: كان حاتم يكرم الضيف، وهو ليس مما ذكرناه في شيء؛ لأنه لا يفهم من الفعل وهو "يجمع" بل من قول الراوي، وهو "كان" حتى لو قال: "جمع" لزال التوهم. انتهى محل الغرض منه بلفظه بحذف يسير لما لا حاجة إليه في المراد عندنا. فقوله: حتى لو قال: "جمع" زال التوهم، يدل على أن قول ابن عباس في الحديث المذكور "جمع" لا يتوهم فيه العموم، وإذن فلا تتعين صورة من صور الجمع إلا بدليل منفصل، وقد قدمنا الدليل على أن المراد الجمع الصوري. وقال صاحب جمع الجوامع عاطفا على ما لا يفيد العموم ما نصه: "والفعل المثبت، ونحو كان يجمع في السفر". قال شارحه صاحب الضياء اللامع ما نصه: ونحو كان يجمع في السفر، أي: بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لا عموم له أيضا؛ لأنه فعل في سياق الثبوت، فلا يعم جمعهما بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير إلى وقت الثانية، بهذا فسر الرهوني كلام

стр. 492

ابن الحاجب إلى أن قال: وإنما خص المصنف هذا الفعل الأخير بالذكر مع كونه فعلا في سياق الثبوت؛ لأن في كان معنى زائد، وهو اقتضاؤها مع المضارع التكرار عرفا، فيتوهم منها العموم، نحو "كان حاتم يكرم الضيفان" وبهذا صرح الفهري والرهوني، وذكر ولي الدين عن الإمام في المحصول أنها لا تقتضي التكرار عرفا ولا لغة. قال ولي الدين: والفعل في سياق الثبوت لا يعم، كالنكرة المثبتة، إلا أن تكون في معرض الامتنان، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾. اهـ. من الضياء اللامع لابن حلولو. قال مقيده - عفا الله عنه -: وجه كون الفعل في سياق الثبوت لا يعم هو أن الفعل ينحل عند النحويين، وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن، وينحل عند جماعة من البلاغيين عن مصدر وزمن ونسبة، فالمصدر كامن في معناه إجماعا، والمصدر الكامن فيه لم يتعرف بمعرف فهو نكرة في المعنى، ومعلوم أن النكرة لا تعم في الإثبات، وعلى هذا جماهير العلماء. وما زعمه بعضهم من أن الجمع الصوري لم يرد في لسان الشارع، ولا أهل عصره فهو مردود بما قدمنا عن ابن عباس عند النسائي، وابن عمر عند عبد الرزاق، وبما رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي، وصحَّحه، والشافعي، وابن ماجه والدارقطني، والحاكم من حديث حمنة بنت جحش ﵂ "أن النبي - ﷺ - قال لها وهي مستحاضة: فإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، ثم تغتسلي حتى تطهري وتصلين الظهر والعصر

стр. 493

جمعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح" قال: وهذا أعجب الأمرين إلي. ومما يدل على أن الجمع المذكور في حديث ابن عباس جمع صوري ما رواه النسائي من طريق عمرو بن هشام، عن أبي الشعثاء "أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل" وفيه: رفعه إلى النبي - ﷺ -، وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة، وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه: انتهى من فتح الباري. وما ذكره الخطابي وابن حجر في الفتح من أن قوله - ﷺ -: "صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي" في حديث ابن عباس وابن مسعود المتقدمين يقدح في حمله على الجمع الصوري؛ لأن القصد إليه لا يخلو من حرج، وأنه أضيق من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما يصعب إدراكه على الخاصة فضلا عن العامة، يجاب عنه بما أجاب به العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: وهو أن الشارع - ﷺ -، قد عرف أمته أوائل الأوقات وأواخرها، وبالغ في التعريف والبيان حتى إنه عينها بعلامات حسية لا تكاد تلتبس على العامة فضلا عن الخاصة، والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها، وفعل الأخرى في أول وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها، كما كان

стр. 494

ديدنه - ﷺ -، حتى قالت عائشة ﵂: "ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين حتى قبضه الله" ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة والخروج إليهما مرة أخف من صلاة كل منهما في أول وقتها. وممن ذهب إلى أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري ابن الماجشون، والطحاوي، وإمام الحرمين، والقرطبي، وقواه ابن سيد الناس بما قدمنا عن أبي الشعثاء، ومال إليه بعض الميل النووي في شرح المهذب في باب المواقيت من كتاب الصلاة. فإن قيل: الجمع الصوري الذي حملتم عليه حديث ابن عباس هو فعل كل واحدة من الصلاتين المجموعتين في وقتها، وهذا ليس برخصة، بل عزيمة، فأي فائدة إذن في قوله - ﷺ -: "لئلا تحرج أمتي" مع كون الأحاديث المعينة للأوقات تشمل الجمع الصوري، وهل حمل الجمع على ما شملته أحاديث التوقيت إلا من باب الاطراح لفائدته وإلغاء مضمونه. فالجواب: هو ما أجاب به العلامة الشوكاني ﵀ أيضا: وهو أنه لا شك أن الأقوال الصادرة منه - ﷺ -، في أحاديث توقيت الصلوات شاملة للجمع الصوري كما ذكره المعترض، فلا يصح أن يكون رفع الحرج منسوبا إليها، بل هو منسوب إلى الأفعال، ليس إلا، لما عرفناك من أنه - ﷺ - ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين، فربما ظن ظان أن فعل الصلاة في أول وقتها متحتم لملازمته - ﷺ - لذلك طول عمره، فكان في جمعه جمعا صوريا تخفيف وتسهيل على من اقتدى بمجرد الفعل، وقد كان اقتداء

стр. 495

الصحابة بالأفعال أكثر منه بالأقوال، ولهذا امتنع الصحابة ﵃ من نحر بدنهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم - ﷺ -، بالنحر حتى دخل - ﷺ - على أم سلمة مغموما، فأشارت عليه بأن ينحر ويدعو الحلاق يحلق له ففعل، فنحروا جميعا وكادوا يهلكون غما من شدة تراكم بعضهم على بعض حال الحلق. ومما يؤيد أن الجمع المتنازع فيه لا يجوز لغير عذر ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر" وفي إسناده حنش بن قيس، وهو ضعيف. ومما يدل على ذلك أيضا ما قاله الترمذي في آخر سننه في كتاب العلل منه، ولفظه: جميع ما في كتابي هذا من الحديث معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين. حديث ابن عباس "أن النبي - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر بالمدينة. والمغرب والعشاء من غير خوف، ولا سفر" الخ. وبه تعلم أن الترمذي يقول: إنه لم يذهب أحد من أهل العلم إلى العمل بهذا الحديث في جمع التقديم أو التأخير، فلم يبق إلا الجمع الصوري فيتعين. قال مقيده - عفا الله عنه -: روي عن جماعة من أهل العلم أنهم أجازوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا، لكن بشرط ألا يتخذ ذلك عادة، منهم ابن سيرين، وربيعة، وأشهب، وابن المنذر، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث. قاله ابن حجر وغيره. وحجتهم ما تقدم في الحديث من قوله:

стр. 496

"لئلا تحرج أمتي" وقد عرفت مما سبق أن الأدلة تعين حمل ذلك على الجمع الصوري كما ذكر، والعلم عند الله تعالى. تنبيه: قد اتضح من هذه الأدلة التي سقناها أن الظهر لا يمتد لها وقت إلى الغروب، وأن المغرب لا يمتد لها وقت إلى الفجر، ولكن يتعين حمل هذا الوقت المنفي بالأدلة على الوقت الاختياري، فلا ينافي امتداد وقت الظهر الضروري إلى الغروب، ووقت المغرب الضروري إلى الفجر، كما قاله مالك ﵀ لقيام الأدلة على اشتراك الظهر والعصر في الوقت عند الضرورة، وكذلك المغرب والعشاء، وأوضح دليل على ذلك جواز كل من جمع التقديم، وجمع التأخير في السفر، فصلاة العصر مع الظهر عند زوال الشمس دليل على اشتراكها مع الظهر في وقتها عند الضرورة، وصلاة الظهر بعد خروج وقتها في وقت العصر في جمع التأخير دليل على اشتراكها معها في وقتها عند الضرورة أيضا، وكذلك المغرب والعشاء. أما جمع التأخير بحيث يصلي الظهر في وقت العصر، والمغرب في وقت العشاء فهو ثابت في الروايات المتفق عليها، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي - ﷺ - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما". قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: قوله: ثم يجمع بينهما أي: في وقت العصر، وفي رواية قتيبة عن المفضل في الباب الذي بعده "ثم نزل فجمع بينهما" ولمسلم من رواية جابر بن إسماعيل، عن

стр. 497

عقيل "يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها، وبين العشاء حين يغيب الشفق" وله من رواية شبابة، عن عقيل "حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما". اهـ. منه بلفظه. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - "كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء" ولا يمكن حمل هذا الجمع على الجمع الصوري؛ لأن الروايات الصحيحة التي ذكرنا آنفا فيها التصريح بأنه صلى الظهر في وقت العصر، والمغرب بعد غيبوبة الشفق. وقال البيهقي في السنن الكبرى: اتفقت رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، وأيوب السختياني، وعمر بن محمد بن زيد، عن نافع، على أن جمع ابن عمر الصلاتين كان بعد غيبوبة الشفق، وخالفهم من لا يدانيهم في حفظ أحاديث نافع، ثم قال بعد هذا بقليل: ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولى بالصواب، فقد رواه سالم بن عبد الله، وأسلم مولى عمر وعبد الله بن دينار، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب، وقيل: ابن ذؤيب عن ابن عمر نحو روايتهم. ثم ساق البيهقي أسانيد رواياتهم. وأما جمع التقديم بحيث يصلي العصر عند زوال الشمس مع الظهر في أول وقتها، والعشاء مع المغرب عند غروب الشمس في أول وقتها فهو ثابت أيضا عنه - ﷺ - وإن أنكره من أنكره من العلماء، وحاول تضعيف أحاديثه، فقد جاء عن النبي - ﷺ - فيه أحاديث، منها

стр. 498

ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل في الحج "ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا" وكان ذلك بعد الزوال، فهذا حديث صحيح فيه التصريح بأنه صلى العصر مقدمة مع الظهر بعد الزوال. وقد روى أبو داود، وأحمد، والترمذي وقال: حسن غريب، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي والحاكم عن معاذ ﵁ أن النبي - ﷺ - "كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب". وإبطال جمع التقديم بتضعيف هذا الحديث كما حاوله الحاكم، وابن حزم لا عبرة به؛ لما رأيت آنفا من أن جمع التقديم أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل، وعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - "أنه كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، فإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما" رواه أحمد، ورواه الشافعي في مسنده بنحوه، وقال فيه: "إذا سار قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر" ورواه البيهقي، والدارقطني، وروي عن

стр. 499

الترمذي أنه حسنه. فإن قيل: حديث معاذ معلول بتفرد قتيبة فيه عن الحفاظ، وبأنه معنعن بيزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، ولا يعرف له منه سماع، كما قاله ابن حزم، وبأن في إسناده أبا الطفيل وهو مقدوح فيه بأنه كان حامل راية المختار بن أبي عبيد، وهو يؤمن بالرجعة، وبأن الحاكم قال: هو موضوع، وبأن أبا داود قال: ليس في جمع التقديم حديث قائم، وحديث ابن عباس في إسناده حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، وهو ضعيف. فالجواب: أن إعلاله بتفرد قتيبة به مردود من وجهين: الأول: أن قتيبة بن سعيد -رحمه الله تعالى- بالمكانة المعروفة له من العدالة والضبط والإتقان، وهذا الذي رواه لم يخالف فيه غيره، بل زاد ما لم يذكره غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وقد تقرر في علم الحديث أن زيادات العدول مقبولة لا سيما وهذه الزيادة التي هي جمع التقديم تقدم ثبوتها في صحيح مسلم من حديث جابر، وسيأتي إن شاء الله أيضا أنها صحت من حديث أنس. الوجه الثاني: أن قتيبة لم يتفرد به، بل تابعه فيه المفضل بن فضالة. قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في زاد المعاد ما نصه: فإن أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي، حدثنا المفضل بن فضالة، عن الليث بن سعد، عن هشام

стр. 500

بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ فذكره، فهذا المفضل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجل من المفضل، وأحفظ لكن زال تفرد قتيبة به. اهـ. منه بلفظه. ورواه البيهقي في السنن الكبرى قال: أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأنا أبو بكر بن داسه، حدثنا أبو داود، ثم ساق السند المتقدم آنفا. أعني سند أبي داود الذي ساقه ابن القيم، والمتن فيه التصريح بجمع التقديم، وكذلك رواه النسائي والدارقطني، كما قاله ابن حجر في التلخيص، فاتضح أن قتيبة لم يتفرد بهذا الحديث؛ لأن أبا داود، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي أخرجوه من طريق أخرى متابعة لرواية قتيبة. وقال ابن حجر في التلخيص: إن في سند هذه الطريق هشام بن سعد، وهو لين الحديث. قال مقيده - عفا الله عنه -: هشام بن سعد المذكور من رجال مسلم، وأخرج له البخاري تعليقا، وبه تعلم صحة طريق المفضل المتابعة لطريق قتيبة، ولذا قال البيهقي في السنن الكبرى: قال الشيخ: وإنما أنكروا من هذا رواية يزيد ابن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، فأما رواية أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة. واعلم أنه لا يخفى أن ما يروى عن البخاري ﵀ من أنه سأل قتيبة عمن كتب معه هذا الحديث عن الليث بن سعد فقال: كتبه معي خالد المدائني فقال البخاري: كان خالد المدائني يدخل على الشيوخ. يعني: يدخل في روايتهم ما ليس منها = أنه لا يظهر كونه قادحا في رواية قتيبة؛ لأن العدل الضابط لا يضره أخذ

стр. 501

آلاف الكذابين معه؛ لأنه إنما يحدث بما علمه، ولا يضره كذب غيره، كما هو ظاهر. والجواب عما قاله ابن حزم من أنه معنعن بيزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل، ولا يعرف له منه سماع من وجهين: الأول: أن العنعنة ونحوها لها حكم التصريح بالتحديث عند المحدثين إلا إذا كان المعنعن مدلسا، ويزيد ابن أبي حبيب قال فيه الذهبي في تذكرة الحفاظ: كان حجة حافظا للحديث، وذكر من جملة من روى عنهم أبا الطفيل المذكور، وقال فيه ابن حجر في التقريب: ثقة فقيه. وكان يرسل. ومعلوم أن الإرسال غير التدليس؛ لأن الإرسال في اصطلاح المحدثين هو رفع التابعي مطلقا أو الكبير خاصة الحديث إلى النبي - ﷺ - وقيل: إسقاط راو مطلقا، وهو قول الأصوليين، فالإرسال مقطوع فيه بحذف الواسطة، بخلاف التدليس، فإن تدليس الإسناد يحذف فيه الراوي شيخه المباشر له، ويسند إلى شيخ شيخه المعاصر بلفظ محتمل للسماع مباشرة وبواسطة، نحو عن فلان، وقال فلان، فلا يقطع فيه بنفي الواسطة، بل هو يوهم الاتصال؛ لأنه لا بد فيه من معاصرة من أسند إليه، أعني: شيخ شيخه، وإلا كان منقطعا، كما هو معروف في علوم الحديث. وقول ابن حزم: لم يعرف له منه سماع، ليس بقادح؛ لأن المعاصرة تكفي، ولا يشترط ثبوت اللقى، وأحرى ثبوت السماع، فمسلم بن الحجاج لا يشترط في صحيحه إلا المعاصرة، فلا يشترط اللقى، وأحرى السماع، وإنما اشترط اللقى البخاري. قال العراقي في ألفيته:

стр. 502

وصححوا وصل معنعن وسلم ... من دلسة راويه واللقا علم وبعضهم حكى بذا إجماعا ... ومسلم لم يشترط اجتماعا لكن تعاصر ... إلخ. وبالجملة فلا يخفى إجماع المسلمين على صحة أحاديث مسلم مع أنه لا يشترط إلا المعاصرة، وبه تعلم أن قول ابن حزم ومن وافقه: إنه لا تعرف رواية يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل لا تقدح في حديثه؛ لما علمت من أن العنعنة من غير المدلس لها حكم التحديث، ويزيد بن أبي حبيب مات سنة ثمان وعشرين بعد المائة، وقد قارب الثمانين. وأبو الطفيل ولد عام أحد، ومات سنة عشرين ومائة على الصحيح، وبه تعلم أنه لا شك في معاصرتهما واجتماعهما في قيد الحياة زمنا طويلا، ولا غرو في حكم ابن حزم على رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل بأنها باطلة، فإنه قد ارتكب أشد من ذلك في حكمه على الحديث الثابت في صحيح البخاري "ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" بأنه غير متصل، ولا يحتج به بسبب أن البخاري قال في أول الإسناد: قال هشام بن عمار. ومعلوم أن هشام بن عمار من شيوخ البخاري، وأن البخاري بعيد جدا من التدليس، وإلى رد هذا على ابن حزم أشار العراقي في ألفيته بقوله: وإن يكن أول الاسناد حذف ... مع صيغة الجزم فتعليقا عرف ولو إلى آخره، أما الذي ... لشيخه عزا بقال فكذي

стр. 503

عنعنة كخبر المعازف ... لا تصغ لابن حزم المخالف مع أن المشهور عن مالك وأحمد وأبي حنيفة ﵏ الاحتجاج بالمرسل، والمرسل في اصطلاح أهل الأصول ما سقط منه راو مطلقا، فهو بالاصطلاح الأصولي يشمل المنقطع والمعضل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولي كما صرح به غير واحد وهو واضح. والجواب عن القدح في أبي الطفيل بأنه كان حامل راية المختار مردود من وجهين: الأول: أن أبا الطفيل صحابي، وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله - ﷺ - كما قاله مسلم، وعقده ناظم عمود النسب بقوله: آخر من مات من الأصحاب له ... أبو الطفيل عامر بن واثلة وأبو الطفيل هذا هو عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي نسبة إلى ليث بن أبي كنانة، والصحابة كلهم ﵃ عدول، وقد جاءت تزكيتهم في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - كما هو معلوم في محله، والحكم لجميع الصحابة بالعدالة هو مذهب الجمهور، وهو الحق، وقال في مراقي السعود: وغيره رواية والصحب ... تعديلهم كل إليه يصبو واختار في الملازمين دون من ... رآه مرة إمام مؤتمن الوجه الثاني: هو ما ذكره الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار، وهو أن أبا الطفيل إنما خرج مع المختار على قاتلي

стр. 504

الحسين ﵁ وأنه لم يعلم من المختار إيمانه بالرجعة. والجواب عن قول الحاكم: إنه موضوع، بأنه غير صحيح، بل هو ثابت وليس بموضوع. قال العلامة ابن القيم ﵀: وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلم. يعني: الحاكم. وقال ابن القيم أيضا في زاد المعاد: قال الحاكم: هذا الحديث موضوع، وإسناده على شرط الصحيح، لكن رمى بعلة عجيبة. قال الحاكم: حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أن النبي - ﷺ - "كان في غزوة تبوك -إلى أن قال-: وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار" الحديث. قال الحاكم: هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن، ثم لا نعرف له علة نعله بها، فلو كان الحديث عن الليث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل لعللنا به، فلما لم نجد العلتين خرج عن أن يكون معلولا، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذ، وقد حدثوا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامة

стр. 505

أحمد بن حنبل، وعلى ابن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عد قتيبة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث، وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علة، ثم قال: فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون. اهـ. محل الغرض منه بتصرف يسير لا يخل بشيء من المعنى وانظره، فإن قوله: "ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لعللنا به" فيه أن سنده الذي ساق فيه عن يزيد عن أبي الطفيل. وبهذا تعلم أن حكم الحاكم على هذا الحديث بأنه موضوع لا وجه له، أما رجال إسناده فهم ثقات باعترافه هو، وقد قدمنا لك أن قتيبة تابعه فيه المفضل بن فضالة عند أبي داود، والنسائي، والبيهقي، والدارقطني، وانفراد الثقة الضابط بما لم يروه غيره لا يعد شذوذا، وكم من حديث صحيح في الصحيحين وغيرهما انفرد به عدل ضابط من غيره، وقد عرفت أن قتيبة لم ينفرد به، وأما متنه فهو بعيد الشذوذ أيضا. وقد قدمنا أن مثله رواه مسلم في صحيحه عن جابر ﵁، وصح أيضا مثله من حديث أنس. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد روى إسحاق بن راهويه: حدثنا شبابة، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس أن رسول الله - ﷺ - "كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر ثم ارتحل" هذا إسناد كما ترى. وشبابة هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه، وقد روى له

стр. 506

مسلم في صحيحه، فهذا الإسناد على شرط الشيخين. اهـ. محل الغرض منه بلفظه. وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ساق حديث إسحاق هذا ما نصه: وأعل بتفرد إسحاق به عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق، وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان. اهـ. منه بلفظه. وروى الحاكم في الأربعين بسند صحيح عن أنس نحو حديث إسحاق المذكور، ونحوه لأبي نعيم في مستخرج مسلم. قال الحافظ في بلوغ المرام بعد أن ساق حديث أنس المتفق عليه ما نصه: وفي رواية للحاكم في الأربعين بإسناد صحيح "صلى الظهر والعصر ثم ركب" ولأبي نعيم في مستخرج مسلم "كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل". وقال ابن حجر في التلخيص الحبير بعد أن ساق حديث الحاكم المذكور بسنده ومتنه ما نصه: وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه، والعلائي، وتعجب من كون الحاكم لم يورده في المستدرك. قال: وله طريق أخرى رواها الطبراني في الأوسط. ثم ساق الحديث بها. وقال: تفرد به يعقوب بن محمد. ولا يقدح في رواية الحاكم هذه ما ذكره ابن حجر في الفتح من أن البيهقي ساق سند الحاكم المذكور، ثم ذكر المتن ولم يذكر

стр. 507

فيه زيادة جمع التقديم، لما قدمنا من أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وزيادة العدول مقبولة كما تقدم. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث معاذ الذي نحن بصدده ما نصه: رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وقال البيهقي: هو محفوظ صحيح. وعن أنس قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل" رواه الإسماعيلي، والبيهقي بإسناد صحيح. قال إمام الحرمين في الأساليب: في ثبوت الجمع أخبار صحيحة، هي نصوص لا يتطرق إليها تأويل، ودليله في المعنى الاستنباط من صورة الإجماع، وهي الجمع بعرفات ومزدلفة إذ لا يخفى أن سببه احتياج الحجاج إليه لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار. انتهى محل الغرض منه بلفظه. والجواب عن قول أبي داود: ليس في جمع التقديم حديث قائم. هو ما رأيت من أنه ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر وصح من حديث أنس من طريق إسحاق بن راهويه، وأخرجه الحاكم بسند صحيح في الأربعين، وأخرجه أبو نعيم في مستخرج مسلم والإسماعيلي، والبيهقي وقال: إسناده صحيح بلفظ "كان رسول الله - ﷺ - إذا كان في سفر وزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا" إلى آخر ما تقدم. قال الشوكاني في نيل الأوطار: قد عرفت أن أحاديث جمع

стр. 508

التقديم بعضها صحيح، وبعضها حسن، وذلك يرد قول أبي داود: ليس في جمع التقديم حديث قائم. والجواب عن تضعيف حديث ابن عباس المتقدم في جمع التقديم بأن في إسناده حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، وهو ضعيف، هو أنه روي من طريقين أخريين بهما يعتضد الحديث حتى يصير أقل درجاته الحسن. الأولى: أخرجها يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. والثانية منهما: رواها إسماعيل القاضي في الأحكام عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن كريب، عن ابن عباس بنحوه. قاله ابن حجر في التلخيص، والشوكاني في نيل الأوطار. وقال ابن حجر في التلخيص أيضا: يقال: إن الترمذي حسنه وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربي فصحح إسناده. وبهذا كله تعلم أن كلا من جمع التقديم وجمع التأخير في السفر ثابت عن رسول الله - ﷺ -، وفيه صورة مجمع عليها، وهي التي رواها مسلم عن جابر في حديثه الطويل في الحج كما قدمنا، وهي جمع التقديم ظهر عرفات، وجمع التأخير عشاء المزدلفة. قال البيهقي في السنن الكبرى: والجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين مع الثابت عن النبي - ﷺ -، ثم عن أصحابه،

стр. 509

ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفات، ثم بالمزدلفة. اهـ. منه بلفظه. وروى البيهقي في "السنن الكبرى" أيضا، عن الزهري أنه سأل سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك، ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة اهـ. منه بلفظه. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد": قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويدل على جمع التقديم بعرفة بين الظهر والعصر لمصلحة الوقوف ليتصل وقت الدعاء ولا يقطعه بالنزول لصلاة العصر مع إمكان ذلك بلا مشقة، فالجمع كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى. قال الشافعي: وكان أرفق به يوم عرفة تقديم العصر؛ لأن يتصل له الدعاء فلا يقطعه بصلاة العصر، والتأخير أرفق بالمزدلفة؛ لأن يتصل له المسير، ولا يقطعه للنزول للمغرب؛ لما في ذلك من التضييق على الناس. اهـ. من زاد المعاد. فبهذه الأدلة التي سقناها في هذا المبحث تعلم أن العصر مشتركة مع الظهر في وقتها عند الضرورة، وأن العشاء مشتركة مع المغرب في وقتها عند الضرورة أيضا، وأن الظهر مشتركة مع العصر في وقتها عند الضرورة، وأن المغرب مشتركة مع العشاء في وقتها عند الضرورة أيضا، ولا يخفى أن الأئمة الذين خالفوا مالكا -رحمه الله تعالى- في امتداد وقت الضرورة للظهر إلى الغروب وامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى الفجر كالشافعي، وأحمد -رحمهما الله- ومن وافقهما أنهم في الحقيقة موافقون له،

стр. 510

لاعترافهم بأن الحائض إذا طهرت قبل الغروب بركعة صلت الظهر والعصر معا، وكذلك إذا طهرت قبل طلوع الفجر بركعة صلت المغرب والعشاء كما قدمنا عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف، فلو كان الوقت خرج بالكلية لم يلزمها أن تصلي الظهر ولا المغرب، للإجماع على أن الحائض لا تقضي ما فات وقته من الصلوات وهي حائض. وقال النووي في "شرح المهذب": فرع، قد ذكرنا أن الصحيح عندنا أنه يجب على المعذور الظهر بما تجب به العصر، وبه قال عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وفقهاء المدينة السبعة، وأحمد وغيرهم. وقال الحسن، وحماد، وقتادة، وحماد، والثوري وأبو حنيفة ومالك وداود: لا تجب عليه. اهـ منه بلفظه. ومالك يوجبها بقدر ما تصلى فيه الأولى من مشتركتي الوقت مع بقاء ركعة فهو أربع في المغرب والعشاء، وخمس في الظهر والعصر للحاضر، وثلاث للمسافر. وقال ابن قدامة في "المغني": وروي هذا القول -يعني إدراك الظهر مثلا بما تدرك به العصر في الحائض تطهر- عن عبد الرحمن ابن عوف، وابن عباس، وطاووس، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. قال الإمام أحمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده. قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها

стр. 511

وحدها ... إلى أن قال: ولنا ما روى الأثرم وابن المنذر وغيرهما بإسنادهم عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: تصلي المغرب والعشاء، فإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر جميعا" ولأن وقت الثانية وقت الأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها كما يلزمه فرض الثانية. اهـ. منه بلفظه مع حذف يسير، وهو تصريح من هذا العالم الجليل الحنبلي بامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى الفجر، وللظهر إلى الغروب كقول مالك -رحمه الله تعالى-. وأما أول وقت العشاء فقد أجمع المسلمون على أنه يدخل حين يغيب الشفق. وفي حديث جابر وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل في بيان أول وقت العشاء: "ثم صلى العشاء حين غاب الشفق"، وفي حديث بريدة المتقدم عند مسلم وغيره "ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق"، وفي حديث أبي موسى عند مسلم وغيره "ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق" والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدا، وهو أمر لا نزاع فيه. فإذا علمت إجماع العلماء على أن أول وقت العشاء هو مغيب الشفق فاعلم أن العلماء اختلفوا في الشفق، فقال بعض العلماء: هو الحمرة، وهو الحق. وقال بعضهم: هو البياض الذي بعد الحمرة. ومما يدل على أن الشفق هو الحمرة ما رواه الدارقطني عن

стр. 512

ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: "الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة". قال الدارقطني في "الغرائب": هو غريب، وكل رواته ثقات، وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "ووقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق" الحديث. قال ابن خزيمة: إن صحت هذه اللفظة أغنت عن غيرها من الروايات، لكن تفرد بها محمد بن يزيد. قال ابن حجر في التلخيص: محمد بن يزيد هو الواسطي وهو صدوق، وروى هذا الحديث ابن عساكر، وصحح البيهقي وقفه على ابن عمر، وقال الحاكم أيضا: إن رفعه غلط، بل قال البيهقي: روي هذا الحديث عن عمر، وعلي، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، ولا يصح فيه شيء. ولكن قد علمت أن الإسناد الذي رواه ابن خزيمة به في صحيحه ليس فيه مما يوجب تضعيفه إلا محمد بن يزيد، وقد علمت أنه صدوق. ومما يدل على أن الحمرة الشفق ما رواه البيهقي في سننه عن النعمان بن بشير، قال: أنا أعلم الناس بوقت صلاة العشاء "كان - ﷺ - يصليها لسقوط القمر لثالثة" لما حققه غير واحد من أن البياض لا يغيب إلا بعد ثلث الليل، وسقوط القمر لثالثة الشهر قبل ذلك، كما هو معلوم. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ومن حجج القائلين بأن الشفق الحمرة ما روي عنه - ﷺ - "أنه صلى العشاء لسقوط القمر لثالثة

стр. 513

الشهر" أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. قال ابن العربي: وهو صحيح، وصلى قبل غيبوبة الشفق. قال ابن سيد الناس في "شرح الترمذي": وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حد - ﷺ - خروج أكثر الوقت به، فصح يقينا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين، فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض، فتبين بذلك يقينا أن الوقت دخل بالشفق الذي هو الحمرة انتهى . وابتداء وقت العشاء مغيب الشفق إجماعا" لما تقدم في حديث جبريل، وحديث التعليم، وهذا الحديث، وغير ذلك. انتهى منه بلفظه. وهو دليل واضح على أن الشفق الحمرة، لا البياض، وفي القاموس: الحمرة، ولم يذكر البياض. وقال الخليل والفراء وغيرهما من أئمة اللغة: الشفق الحمرة. وما روي عن الإمام أحمد ﵀ من أن الشفق في السفر هو الحمرة، وفي الحضر هو البياض الذي بعد الحمرة لا يخالف ما ذكرنا" لأنه من تحقيق المناط لغيبوبة الحمرة التي هي الشفق عند أحمد، وإيضاحه أن الإمام أحمد ﵀ يقول: "الشفق هو الحمرة" والمسافر لأنه في الفلاة والمكان المتسع يعلم سقوط الحمرة، أما الذي في الحضر فالأفق يستتر عنه بالجدران فيستظهر حتى يغيب البياض، ليستدل بغيبوبته على مغيب الحمرة، فاعتباره لغيبة البياض لدلالته على مغيب الحمرة، لا لنفسه. اهـ. من المغني لابن قدامة.

стр. 514

وقال أبو حنيفة ﵀ ومن وافقه: الشفق البياض الذي بعد الحمرة، وقد علمت أن التحقيق أنه الحمرة. وأما آخر وقت العشاء فقد جاء في بعض الروايات الصحيحة انتهاؤه عند ثلث الليل الأول، وفي بعض الروايات الصحيحة نصف الليل، وفي بعض الروايات الصحيحة ما يدل على امتداده إلى طلوع الفجر. فمن الروايات بانتهائه إلى ثلث الليل، ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ "كانوا يصلون العشاء فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول". وفي حديث أبي موسى، وبريدة المتقدمين في تعليم من سأله عن مواقيت الصلاة عند مسلم وغيره "أنه - ﷺ - في الليلة الأولى أقام العشاء حين غاب الشفق، وفي الليلة الثانية أخره حتى كان ثلث الليل الأول، ثم قال: الوقت فيما بين هذين". وفي حديث جابر، وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل "أنه في الليلة الأولى صلى العشاء حين مغيب الشفق، وفي الليلة الثانية صلاها حين ذهب ثلث الليل وقال: الوقت فيما بين هذين الوقتين" إلى غير ذلك من الروايات الدالة على انتهاء وقت العشاء عن ذهاب ثلث الليل الأول. ومن الروايات الدالة على امتداده إلى نصف الليل، ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أنس ﵁ قال: "أخر النبي - ﷺ - العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: قد صلى الناس وناموا أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها". قال أنس: كأني أنظر إلى وبيض خاتمه ليلتئذ.

стр. 515

وفي حديث عبد الله بن عمرو المتقدم عند أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبي داود "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل" وفي بعض رواياته: "فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل". ومن الروايات الدالة على امتداده إلى طلوع الفجر ما رواه أبو قتادة عن النبي صفي حديث طويل قال: قال النبي - ﷺ -: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجىء وقت الأخرى" رواه مسلم في صحيحه. واعلم أن عموم هذا الحديث مخصوص بإجماع المسلمين على أن وقت الصبح لا يمتد بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، فلا وقت للصبح بعد طلوع الشمس إجماعا. فإن قيل: يمكن تخصيص حديث أبي قتادة هذا بالأحاديث الدالة على انتهاء وقت العشاء إلى نصف الليل. فالجواب: أن الجمع ممكن، وهو واجب إذا أمكن، وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ووجه الجمع أن التحديد بنصف الليل للوقت الاختياري، والامتداد إلى الفجر للوقت الضروري. ويدل لهذا إطباق من ذكرنا سابقا من العلماء على أن الحائض إذا طهرت قبل الصبح بركعة صلت المغرب، والعشاء، ومن خالف من العلماء فيما ذكرنا سابقا إنما خالف في المغرب، لا في العشاء، مع أن الأثر الذي قدمنا في ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس لا يبعد أن يكون في حكم المرفوع، لأن الموقوف الذي لا مجال للرأي فيه له حكم الرفع، كما تقرر في علوم الحديث، ومعلوم أن انتهاء أوقات العبادات كابتدائها لا مجال للرأي فيه؛ لأنه

стр. 516

تعبدي محض، وبهذا تعرف وجه الجمع بين ما دل على انتهائه بنصف الليل، وما دل على امتداده إلى الفجر. ولكن يبقى الإشكال بين روايات الثلث، وروايات النصف، والظاهر في الجمع -والله تعالى أعلم- أنه جعل كل ما بين الثلث والنصف -وهو السدس- ظرفا لآخر وقت العشاء الاختياري. وإذن فلآخره أول وآخر، وإليه ذهب ابن سريج من الشافعية، وعلى أن الجمع بهذا الوجه ليس بمقنع، فليس هناك طريق إلا الترجيح بين الروايات، فبعض العلماء رجح روايات الثلث بأنها أحوط في المحافظة على الوقت المختار، وبأنها محل وفاق؛ لاتفاق الروايات على أن من صلى العشاء قبل الثلث فهو مؤد صلاته في وقتها الاختياري، وبعضهم رجح روايات النصف بأنها زيادة صحيحة، وزيادة العدل مقبولة. وأما أول وقت صلاة الصبح فهو عند طلوع الفجر الصادق بإجماع المسلمين، وهو الفجر الذي يحرم الطعام والشراب على الصائم. وفي حديث أبي موسى، وبريدة المتقدمين عند مسلم وغيره "وأمر بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا" الحديث. وفي حديث جابر المتقدم في إمامة جبريل أيضا: "ثم صلى الفجر حين برق الفجر، وحرم الطعام على الصائم" ومعلوم أن الفجر فجران كاذب وصادق، فالكاذب لا يحرم الطعام على

стр. 517

الصائم، ولا تجوز به صلاة الصبح، فقد جاء في بعض الروايات الدالة على انتهائه بالإسفار ما في حديث جابر المذكور آنفًا "ثم جاءه حين أسفر جدًّا فقال: قم فصَلِّ. فصلى الفجر". وفي حديث ابن عباس المتقدم آنفا "ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض" الحديث. وهذا في بيانه لآخر وقت الصبح المختار في اليوم الثاني. وفي حديث أبي موسى وبريدة المتقدمين عند مسلم وغيره "ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت". ومن الروايات الدالة على امتداده إلى طلوع الشمس ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ "ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس". وفي رواية لمسلم "ووقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول". والظاهر في وجه الجمع بين هذه الروايات أن الوقت المنتهي إلى الإسفار هو وقت الصبح الاختياري، والممتد إلى طلوع الشمس وقتها الضروري، وهذا هو مشهور مذهب مالك. وقال بعض المالكية: لا ضروري للصبح فوقتها كله إلى طلوع الشمس وقت اختيار، وعليه فوجه الجمع هو ما قدمنا عن ابن سريج في الكلام على آخر وقت العشاء، والعلم عند الله تعالى. فهذا الذي ذكرنا هو تفصيل الأوقات الذي أجمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً (١٠٣)﴾ وبين

стр. 518

بعض البيان في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)﴾ نهى الله تعالى المسلمين في هذه الآية الكريمة عن الوهن، وهو الضعف فى طلب أعدائهم الكافرين، وأخبرهم بأنهم إن كانوا يجدون الألم من القتل والجراح فالكفار كذلك، والمسلم يرجو من الله الثواب والرحمة ما لا يرجوه الكافر، فهو أحق بالصبر على الآلام منه، وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وقوله ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ذكر في هذه الآية أن من فعل ذنبا فإنه إنما يضر به خصوص نفسه، لا غيرها، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه علم نبيه ﷺ ما لم يكن يعلمه، وبين في مواضع أخر أنه علمه ذلك عن طريق هذا القرآن العظيم الذي أنزله عليه كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ

стр. 519

وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية. وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ الى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرا من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه. ونهى في موضع آخر عن التناجي بما لا خير فيه، وبين أنه من الشيطان ليحزن به المؤمنين، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون، دون الكفار أو لا، ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. وقال بعض العلماء: إن الأمر بالمعروف المذكور في هذه الآية في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ يبينه قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ والآية الأخيرة فيها أنها في الآخرة، والأمر بالمعروف

стр. 520

المذكور إنما هو في الدنيا. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً﴾ المراد في هذه الآية بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية. وقوله عن خليله إبراهيم مقررا له: ﴿يَاأَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ وقوله عن الملائكة: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ولم يبين في هذه الآيات ما وجه عبادتهم للشيطان ولكنه بين في آيات أخر أن معنى عبادتهم للشيطان: إطاعتهم له، واتباعهم لتشريعه، وإيثاره على ما جاء به الرسل من عند الله تعالى كقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، فإن عدي بن حاتم ﵁ لما قال للنبي ﷺ : كيف اتخذوهم أربابا؟ قال له النبي ﷺ : "إنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم" وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أربابا. ويفهم من هذه الآيات بوضوح لا لبس فيه أن من اتبع تشريع الشيطان مؤثرا له على ما جاءت به الرسل فهو كافر بالله، عابد للشيطان، متخذ الشيطان ربا وإن سمى أتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء؛ لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها، كما هو معلوم. • قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨)﴾

стр. 521

بين هنا فيما ذكر عن الشيطان كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض بقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ والمراد بتبتيك آذان الأنعام شق أذن البحيرة مثلا وقطعها ليكون ذلك سمة وعلامة، لكونها بحيرة أو سائبة كما قاله قتادة والسدي وغيرهما، وقد أبطله تعالى بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ الآية. والمراد ببحرها شق أذنها كما ذكرنا والتبتيك في اللغة: التقطيع، ومنه قول زهير: حتى إذا ما هوت كف الوليد لها ... طارت وفي كفه من ريشها بتك أي: قطع. كما بين كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض في آيات أخر، كقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وقوله: ﴿قَال أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ الآية. ولم يبين هنا هل هذا الظن الذي ظنه إبليس ببني آدم أنه يتخذ منهم نصيبا مفروضا وأنه يضلهم تحقق لإبليس أو لا، ولكنه بين في آية أخرى أن ظنه هذا تحقق له، وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ الآية. ولم يبين هنا الفريق السالم من كونه من نصيب إبليس، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ولم يبين هنا هل نصيب إبليس هذا هو الأكثر، أو لا؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنه هو الأكثر كقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ

стр. 522

حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾. وقد ثبت في الصحيح أن نصيب الجنة واحد من الألف، والباقي في النار. • قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قال بعض العلماء: معنى هذه الآية أن الشيطان يأمرهم بالكفر وتغيير فطرة الإسلام التي خلقهم الله عليها، وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ إذ المعنى على التحقيق: لا تبدلوا فطرة الله التي خلقكم عليها بالكفر، فقوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ خبر أريد به الإنشاء إيذانا بأنه لا ينبغي ألا أن يمتثل، حتى كأنه خبر واقع بالفعل لا محالة، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ الآية. أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون فيها من جدعاء" وما رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار بن أبي حمار التميمي قال: قال رسول الله ﷺ : "إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم". وأما على القول بأن المراد في الآية بتغيير خلق الله خصاء الدواب، والقول بأن المراد به الوشم، فلا بيان في الآية المذكورة، وبكل من الأقوال المذكورة قال جماعة من العلماء،

стр. 523

وتفسير بعض العلماء لهذه الآية بأن المراد بها خصاء الدواب يدل على عدم جوازه؛ لأنه مسوق في معرض الذم، واتباع تشريع الشيطان، أما خصاء بني آدم فهو حرام إجماعا؛ لأنه مثلة وتعذيب وقطع عضو، وقطع نسل من غير موجب شرعي، ولا يخفى أن ذلك حرام. وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت به المنفعة إما لسمن أو غيره، وجمهور العلماء على أنه لا بأس أن يضحى بالخصي، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره، ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز، وخصى عروة بن الزبير بغلا له، ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم، وإنما جاز ذلك؛ لأنه لا يقصد به التقرب إلى غير الله، وإنما يقصد به تطييب لحم ما يؤكل وتقوية الذكر إذ انقطع أمله عن الأنثى، ومنهم من كره ذلك لقول النبي - ﷺ -: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون". قاله القرطبي، واختاره ابن المنذر قال: لأن ذلك ثابت عن ابن عمر وكان يقول هو: نماء خلق الله. وكره ذلك عبد الملك بن مروان. وقال الأوزاعي: كانوا يكرهون خصاء كل شيء له نسل. وقال ابن المنذر: وفيه حديثان. أحدهما: عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - "نهى عن خصاء الغنم والبقر والإبل والخيل". والآخر: حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - "نهى عن صبر الروح وخصاء البهائم". والذي في الموطأ من هذا الباب ما ذكره عن نافع عن ابن

стр. 524

عمر أنه كان يكره الإخصاء، ويقول: فيه تمام الخلق. قال أبو عمر: يعني في ترك الإخصاء تمام الخلق، وروي نماء الخلق. قال القرطبي بعد أن ساق هذا الكلام الذي ذكرنا: قلت: أسند أبو محمد عبد الغني من حديث عمر بن إسماعيل، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تخصوا ما ينمي خلق الله" رواه عن الدارقطني شيخه قال: حدثنا عباس بن محمد، حدثنا قراد، حدثنا أبو مالك النخعي، عن عمر بن إسماعيل فذكره. قال الدارقطني: ورواه عبد الصمد بن النعمان عن أبي مالك. اهـ. من القرطبي بلفظه. وكذلك على القول بأن المراد بتغيير خلق الله الوشم، فهو يدل أيضا على أن الوشم حرام. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله - ﷺ -، وهو في كتاب الله ، يعني قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وقالت طائفة من العلماء: المراد بتغيير خلق الله في هذه الآية هو أن الله تعالى خلق الشمس والقمر والأحجار والنار وغيرها من المخلوقات للاعتبار وللانتفاع بها، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة.

стр. 525

وقال الزجاج: إن الله تعالى خلق الأنعام لتركب وتؤكل فحرموها على أنفسهم، وجعل الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس، فجعلوها آلهة يعبدونها، فقد غيروا ما خلق الله. وما روى عن طاووس ﵀ من أنه كان لا يحضر نكاح سوداء بأبيض، ولا بيضاء بأسود، ويقول: هذا من قول الله تعالى "فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ" فهو مردود بأن اللفظ وإن كان يحتمله فقد دلت السنة على أنه غير مراد بالآية، فمن ذلك إنفاذه - ﷺ - نكاح مولاه زيد بن حارثة ﵁، وكان أبيض بظئره بركة أم أسامة، وكانت حبشية سوداء، ومن ذلك إنكاحه - ﷺ - أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء قرشية وأسامة أسود، وكانت تحت بلال أخت عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة بن كلاب، وقد سها طاووس ﵀ مع علمه وجلالته عن هذا. قال مقيده - عفا الله عنه -: ويشبه قول طاووس هذا في هذه الآية ما قال بعض علماء المالكية من أن السوداء تزوج بولاية المسلمين العامة، بناء على أن مالكا يجيز تزويج الدنية بولاية عامة المسلمين إن لم يكن لها ولي خاص مجبر. قالوا: والسوداء دنية مطلقا؛ لأن السواد شوه في الخلقة، وهذا القول مردود عند المحققين من العلماء، والحق أن السوداء قد تكون شريفة، وقد تكون جميلة، وقد قال بعض الأدباء: وسوداء الأديم تريك وجها ... ترى ماء النعيم جرى عليه رآها ناظري فرنا إليها ... وشكل الشيء منجذب إليه

стр. 526

وقال آخر: ولي حبشية سلبت فؤادي ... ونفسي لا تتوق إلى سواها كأن شروطها طرق ثلاث ... تسير بها النفوس إلى هواها وقال آخر في سوداء: أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعدة لا شك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحدة وأمثاله في كلام الأدباء كثيرة. وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ يدل على أن تقطيع آذان الأنعام لا يجوز، وهو كذلك. أما قطع أذن البحيرة والسائبة تقربا بذلك للأصنام فهو كفر بالله إجماعا، وأما تقطيع آذان البهائم لغير ذلك فالظاهر أيضا أنه لا يجوز، ولذا أمرنا - ﷺ - "أن نستشرف العين، والأذن، ولا نضحى بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء". أخرجه أحمد، وأصحاب السنن الأربع، والبزار، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من حديث علي ﵁ وصححه الترمذي، وأعله الدارقطني. والمقابلة المقطوعة طرف الأذن، والمدابرة المقطوعة مؤخر الأذن، والشرقاء مشقوقة الأذن طولا، والخرقاء التي خرقت أذنها خرقا مستديرا فالعيب في الأذن مراعى عند جماعة العلماء. قال مالك والليث: المقطوعة الأذن لا تجزىء، أو جل الأذن

стр. 527

قاله القرطبي، والمعروف من مشهور مذهب مالك أن الذي يمنع الإجزاء قطع ثلث الأذن فما فوقه، لا ما دونه فلا يضر، وإن كانت سكاء وهي التي خلقت بلا أذن، فقال مالك، والشافعي: لا تجزئ، وإن كانت صغيرة الأذن أجزأت، وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك، وإن كانت مشقوقة الأذن للميسم أجزأت عند الشافعي، وجماعة الفقهاء. قاله القرطبي في تفسير هذه الآية. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية. لم يبين هنا شيئا من أمانيهم، ولا من أماني أهل الكتاب، ولكنه أشار إلى بعض ذلك في مواضع أخر، كقوله في أماني العرب الكاذبة: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ وقوله عنهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ ونحو ذلك من الآيات، وقوله في أماني أهل الكتاب: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات. وما ذكره بعض العلماء من أن سبب نزول الآية أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية. لا ينافي ما ذكرنا، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ

стр. 528

مُحْسِنٌ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله في حال كونه محسنا؛ لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي، وصرح في موضع آخر: أن من كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ومعنى إسلام وجهه لله إطاعته وإذعانه، وانقياده لله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسنا، أي: مخلصا عمله لله، لا يشرك فيه به شيئا، مراقبا فيه لله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فالله تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والإنقياد التام، ومنه قول زيد بن نفيل العدوي: وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا • قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ الآية. لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم في الكتاب ما هو، ولكنه بينه في أول السورة، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. كما قدمناه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ فقوله هنا: ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ في محل رفع معطوفا على الفاعل الذي هو لفظ الجلالة، وتقرير المعنى: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) أيضا ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ الآية، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية. ومضمون ما أفتى به هذا الذي يتلى علينا في الكتاب هو تحريم هضم حقوق اليتيمات، فمن خاف أن لا يقسط في اليتيمة التي في حجره

стр. 529

فليتركها، ولينكح ما طاب له سواها، وهذا هو التحقيق في معنى الآية، كما قدمنا، وعليه فحرف الجر المحذوف في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ هو عن، أي: ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن، أي: كما أنكم ترغبون عن نكاحهن إن كن قليلات مال وجمال فلا يحل لكم نكاحهن إن كن ذوات مال وجمال إلا بالإقساط إليهن في حقوقهن، كما تقدم عن عائشة ﵂. وقال بعض العلماء: الحرف المحذوف هو في، أي: ترغبون في نكاحهن إن كن متصفات بالجمال، وكثرة المال مع أنكم لا تقسطون فيهن. والذين قالوا بالمجاز واختلفوا في جواز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا أجازوا ذلك في المجاز العقلي كقولك: أغناني زيد وعطاؤه، فإسناد الإغناء إلى زيد حقيقة عقلية، وإسناده إلى العطاء مجاز عقلي فجاز جمعها، وكذلك إسناد الإفتاء إلى الله حقيقي، وإسناده إلى ما يتلى مجاز عقلي عندهم، لأنه سببه فيجوز جمعها. وقال بعض العلماء: إن قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في محل جر معطوفا على الضمير، وعليه فتقرير المعنى قُلِ: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ويفتيكم فيما يتلى عليكم، وهذا الوجه يضعفه أمران: الأول: أن الغالب أن الله يفتي بما يتلى في هذا الكتاب، ولا يفتي لظهور أمره.

стр. 530

الثاني: أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ضعفه غير واحد من علماء العربية، وأجازه ابن مالك مستدلا بقراءة حمزة "والأرحام" بالخفض عطفا على الضمير من قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ وبوروده في الشعر كقوله: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب بجر الأيام عطفا على الكاف، ونظيره قول الآخر: نعلق في السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب مهوى نفانف بجر الكعب معطوفا على الضمير قبله، وقول الآخر: وقد رام آفاق السماء فلم يجد ... له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا فقوله: ولا الأرض بالجر معطوفا على الضمير، وقول الآخر: أمر على الكتيبة لست أدري ... أحتفي كان فيها أم سواها فسواها في محل جر بالعطف على الضمير. وأجيب عن الآية بجواز كونها قسما، والله تعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه، كما أقسم بمخلوقاته كلها في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) الآية. وعن الأبيات بأنها شذوذ يحفظ ولا يقاس عليه. وصحح العلامة ابن القيم ﵀ جواز العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وجعل منه قوله تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ فقال: إن قوله: ﴿وَمَنِ﴾
следующие страницы →