← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

إسماعيل القاضي. قال ابن نافع: من تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة أبداً. وقال مالك في المدونة: يعيد في الوقت، وروي التيمم إلى المرفقين مرفوعاً، عن جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبي أمامة، وعائشة وعمار، والأسلع، وسيأتي ما في أسانيد رواياتهم من المقال إن شاء الله تعالى، وبه كان يقول ابن عمر، وقال ابن شهاب: يمسح في التيمم إلى الآباط. واحتج من قال بالتيمم إلى المرفقين بما روي عمن ذكرنا من ذكر المرفقين، وبأن ابن عمر كان يفعله، وبالقياس على الوضوء، وقد قال تعالى فيه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر من الأدلة -والله تعالى أعلم- أن الواجب في التيمم هو مسح الكفين فقط، لما قدمنا من أن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها شيء ثابت الرفع إلا حديث عمار؛ وحديث أبي جهيم المتقدمين. أما حديث أبي جهيم، فقد ورد بذكر اليدين مجملاً، كما رأيت، وأما حديث عمار فقد ورد بذكر الكفين في الصحيحين، كما قدمنا آنفاً، وورد في غيرهما بذكر المرفقين، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين، ونصف الذراع، ففيهما مقال سيأتي، وأما رواية الآباط، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذاك وقع بأمر النبي - ﷺ -، فكل تيمم للنبي - ﷺ - بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره، فالحجة فيما أمر به.

стр. 597

ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين، كون عمار كان يفتي بعد النبي - ﷺ - بذلك؛ وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره؛ ولا سيما الصحابي المجتهد. قاله ابن حجر في [الفتح]. أما فعل ابن عمر، فلم يثبت رفعه للنبي - ﷺ -، والموقوف على ابن عمر لا يعارض به مرفوع متفق عليه، وهو حديث عمار. وقد روى أبو داود عن ابن عمر بسند ضعيف، أنه قال: "مر رجل على النبي - ﷺ - في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى كاد الرجل يتوارى في السكك، فضرب بيده على حائط، ومسح بها وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه" ومدار الحديث على محمد بن ثابت، وقد ضعفه ابن معين، وأحمد والبخاري، وأبو حاتم. وقال أحمد، والبخاري: ينكر عليه حديث التيمم. أي هذا، زاد البخاري: خالفه أيوب، وعبيد الله والناس. فقالوا عن نافع، عن ابن عمر فعله. وقال أبو داود: لم يتابع أحد محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن رسول الله - ﷺ -، ورووه من فعل ابن عمر، وقال الخطابي: لا يصح؛ لأن محمد بن ثابت ضعيف جداً، ومحمد بن ثابت هذا هو العبدي أبو عبد الله البصري، قال فيه في التقريب: صدوق، لين الحديث. واعلم أن رواية الضحاك بن عثمان، وابن الهاد لهذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر، ليس في واحدة منهما متابعة محمد بن ثابت على الضربتين، ولا على الذراعين؛ لأن الضحاك لم يذكر

стр. 598

التيمم في روايته، وابن الهاد قال في روايته "مسح وجهه ويديه" قاله ابن حجر، والبيهقي. وروى الدارقطني، والحاكم، والبيهقي من طريق علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين". قال الدارقطني: وقفه يحيى القطان، وهشيم وغيرهما، وهو الصواب. ثم رواه من طريق مالك عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً، قاله ابن حجر. مع أن علي بن ظبيان ضعفه القطان، وابن معين، وغير واحد. وهو ابن ظبيان بن هلال العبسي الكوفي، قاضي بغداد. قال فيه في [التقريب]: ضعيف. ورواه الدارقطني من طريق سالم عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ "تيممنا مع النبي - ﷺ -، ضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى فمسحنا من المرافق إلى الأكف" الحديث، لكن في إسناده سليمان بن أرقم، وهو متروك. قال البيهقي: رواه معمر وغيره عن الزهري موقوفاً، وهو الصحيح، ورواه الدارقطني أيضاً من طريق سليمان بن أبي داود الحراني، وهو متروك أيضاً عن سالم، ونافع جميعاً، عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: "في التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين".

стр. 599

قال أبو زرعة: حديث باطل. ورواه الدارقطني، والحاكم من طريق عثمان بن محمد الأنماطي، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: "التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين" ومن طريق أبي نعيم عن عزرة بسنده المذكور، قال: "جاء رجل فقال: أصابتني جنابة، وإني تمعكت في التراب، فقال: اضرب، فضرب بيده الأرض فمسح وجهه، ثم ضرب يديه فمسح بهما إلى المرفقين". ضعف ابن الجوزي هذا الحديث بأن فيه عثمان بن محمد، ورد على ابن الجوزي بأن عثمان بن محمد لم يتكلم فيه أحد، كما قاله ابن دقيق العيد، لكن روايته المذكورة شاذة؛ لأن أبا نعيم رواه عن عزرة موقوفاً، أخرجه الدارقطني، والحاكم أيضاً. وقال الدارقطني في حاشية السنن عقب حديث عثمان بن محمد: كلهم ثقات، والصواب موقوف. قال ذلك كله ابن حجر في التلخيص، وقال في [التقريب] في عثمان بن محمد المذكور: مقبول، وقال في [التلخيص] أيضاً: وفي الباب عن الأسلع: قال "كنت أخدم النبي - ﷺ -، فأتاه جبريل بآية الصعيد، فأراني التيمم، فضربت بيدي الأرض واحدة، فمسحت بها وجهي، ثم ضربت بها الأرض فمسحت بها يدي إلى المرفقين" رواه الدارقطني، والطبراني، وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف، وعن أبي أمامة رواه الطبراني، وإسناده ضعيف أيضاً. ورواه البزار، وابن عدي من حديث عائشة مرفوعاً: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين": تفرد به

стр. 600

الحريش بن الخريت، عن ابن أبي مليكة، عنها. قال أبو حاتم: حديث منكر، والحريش شيخ لا يحتج به. وحديث "أنه - ﷺ - قال لعمار بن ياسر: تكفيك ضربة للوجه، وضربة للكفين" رواه الطبراني في الأوسط والكبير. وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو ضعيف، ولكنه حجة عند الشافعي. وحديث عمار "كنت في القوم حين نزلت الرخصة فأمرنا فضربنا واحدة للوجه، ثم ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين". رواه البزار، ولا شك أن الرواية المتفق عليها عن عمار أولى منه. وقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة، وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة اهـ. منه: فبهذا كله تعلم أنه لم يصح في الباب إلا حديث عمار، وأبي جهيم المتقدمين، كما ذكرنا. فإذا عرفت نصوص السنة في المسألة فاعلم أن الواجب في المسح الكفان فقط، ولا يبعد ما قاله مالك ﵀ من وجوب الكفين، ووسيلة الذراعين إلى المرفقين، لأن الوجوب دل عليه الحديث المتفق عليه في الكفين. وهذه الروايات الواردة بذكر اليدين إلى المرفقين تدل على السنية، وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال، فإن بعضها يشد بعضاً، لما تقرر في علوم الحديث من أن الطرق الضعيفة المعتبر بها يقوي بعضها بعضاً حتى يصلح مجموعها للاحتجاج.

стр. 601

لا تخاصم بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قوياً وتعتضد أيضاً بالموقوفات المذكورة، والأصل إعمال الدليلين، كما تقرر في الأصول. المسألة الرابعة: هل يجب الترتيب في التيمم أو لا؟ ذهب جماعة من العلماء منهم الشافعي وأصحابه إلى أن تقديم الوجه على اليدين ركن من أركان التيمم، وحكى النووي عليه اتفاق الشافعية، وذهبت جماعة منهم مالك، وجل أصحابه إلى أن تقديم الوجه على اليدين سنة. ودليل تقديم الوجه على اليدين أنه تعالى قدمه في آية النساء، وآية المائدة، حيث قال فيهما: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. وقد قال - ﷺ - "أبدأ بما بدأ الله به" يعني قوله: ﴿ * إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية، وفي بعض رواياته "ابدءوا" بصيغة الأمر. وذهب الإمام أحمد، ومن وافقه إلى تقديم اليدين مستدلاً بما ورد في صحيح البخاري في باب "التيمم ضربة" من حديث عمار بن ياسر ﵄ "أن النبي - ﷺ - قال له: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفيه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها وجهه". الحديث. ومعلوم أن "ثم" تقتضي الترتيب، وأن الواو لا تقتضيه عند الجمهور، وإنما تقتضي مطلق التشريك، ولا ينافي ذلك أن يقوم دليل منفصل على أن المعطوف بالواو مؤخر عما قبله، كما دل

стр. 602

عليه الحديث المتقدم في قوله: ﴿* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية، وكما في قول حسان: • هجوت محمداً وأجبت عنه * على رواية "الواو"، فحديث البخاري هذا نص في تقديم اليدين على الوجه، وللاسماعيلي من طريق هارون الحمال، عن أبي معاوية ما لفظه: "إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ثم تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك" قال ابن حجر في الفتح: وأكثر العلماء على تقديم الوجه مع الاختلاف في وجوب ذلك وسنيته. المسألة الخامسة: هل يرفع التيمم الحدث أو لا؟ وهذه المسألة من صعاب المسائل لإجماع المسلمين على صحة الصلاة بالتيمم عند فقد الماء، أو العجز عن استعماله، وإجماعهم على أن الحدث مبطل للصلاة، فإن قلنا: لم يرتفع حدثه، فكيف صحت صلاته، وهو محدث؟ وإن قلنا: صحت صلاته، فكيف نقول: لم يرتفع حدثه؟. اعلم أولاً أن العلماء في هذه المسألة إلى ثلاثة مذاهب: الأول: أن التيمم لا يرفع الحدث. الثاني: أنه يرفعه رفعاً كلياً. الثالث: أنه يرفعه رفعاً مؤقتاً. حجة القول الأول: أن التيمم لا يرفع الحدث ما ثبت في

стр. 603

صحيح البخاري من حديث عمران المتقدم "أن النبي - ﷺ - صلى بالناس فرأى رجلاً معتزلاً لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك" إلى أن قال: "وكان آخر ذلك أن أعطي الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: اذهب فأفرغه عليك" الحديث. ولمسلم في هذا الحديث "وغسلنا صاحبنا" يعني الجنب المذكور. وهذا نص صحيح في أن تيممه الأول لم يرفع جنابته. ومن الأدلة على أنه لا يرفع الحدث ما رواه أبو داود، وأحمد، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم موصولاً، ورواه البخاري تعليقاً عن عمرو بن العاص ﵁ "أنه تيمم عن الجنابة من شدة البرد. فقال له رسول الله - ﷺ -: صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال عمرو: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. فضحك النبي - ﷺ - ولم ينكر عليه". قال ابن حجر في [التلخيص] في الكلام على حديث عمرو هذا: واختلف فيه على عبد الرحمن بن جبير. فقيل: عنه، عن أبي قيس عن عمرو، وقيل: عنه عن عمرو بلا واسطة، لكن الرواية التي فيها أبو قيس ليس فيها ذكر التيمم، بل فيها أنه غسل مغابنه فقط. وقال أبو داود: روى هذه القصة الأوزاعي عن حسان بن عطية، وفيه: "فتيمم" ورجح الحاكم إحدى الروايتين على الأخرى. وقال البيهقي: يحتمل أن يكون فعل ما في الروايتين جميعاً. فيكون قد غسل ما أمكن، وتيمم عن الباقي، وله شاهد من حديث

стр. 604

ابن عباس، وحديث أبي أمامة، عند الطبراني. انتهى من التلخيص لابن حجر. قال مقيده - عفا الله عنه -: ما أشار إليه البيهقي مع الجمع بين الروايتين متعين؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن، كما تقرر في الأصول، وعلوم الحديث. ومحل الشاهد من هذا الحديث. قوله - ﷺ -: "صليت بأصحابك وأنت جنب"، فإنه أثبت بقاء جنابته مع التيمم. ومن الأدلة على أن التيمم لا يرفع الحدث حديث أبي ذر عند أحمد، وأصحاب السنن الأربع، وصححه الترمذي، وأبو حاتم من حديث أبي ذر، وابن القطان من حديث أبي هريرة عند البزار، والطبراني. قاله ابن حجر في التلخيص. وذكر في [الفتح] أنه صححه ابن حبان، والدارقطني من حديث أبي ذر "أنه - ﷺ - قال: "إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" الحديث. قال ابن حجر في التلخيص -بعد أن ذكر هذا الحديث، عن أصحاب السنن من رواية خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر-: واختلف فيه على أبي قلابة، فقيل هكذا. وقيل: عنه، عن رجل من بني عامر، وهذه رواية أيوب عنه، وليس فيها مخالفة لرواية خالد، وقيل: عن أيوب، عنه، عن أبي المهلب، عن أبي ذر، وقيل: عنه بإسقاط الواسطة، وقيل في

стр. 605

الواسطة: محجن، أو ابن محجن، أو رجاء بن عامر، أو رجل من بني عامر، وكلها عند الدارقطني، والاختلاف فيه كله على أيوب، ورواه ابن حبان، والحاكم من طريق خالد الحذاء كرواية أبي داود، وصححه أيضاً أبو حاتم، ومدار طريق خالد على عمرو بن بجدان، وقد وثقه العجلي، وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول. هكذا قاله ابن حجر في التلخيص. وقال في [التقريب] في ابن بجدان المذكور: لا يعرف حاله، تفرد عنه أبو قلابة، وفي الباب عن أبي هريرة رواه البزار قال: حدثنا مقدم بن محمد، ثنا عمي القاسم بن يحيى، ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رفعه "الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله، وليمسه بشرته، فإن ذلك خير". وقال: لا نعلمه عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ورواه الطبراني في الأوسط من هذا الوجه مطولاً، أخرجه في ترجمة أحمد بن محمد بن صدقة، وساق فيه قصة أبي ذر وقال: لم يروه إلا هشام، عن ابن سيرين، ولا عن هشام إلا القاسم، تفرد به مقدم. وصححه ابن القطان، لكن قال الدارقطني في العلل: إن إرساله أصح. انتهى من التلخيص بلفظه، وقد رأيت تصحيح هذا الحديث للترمذي، وأبي حاتم، وابن القطان، وابن حبان. ومحل الشاهد منه قوله: "فإن وجد الماء فليمسه بشرته" لأن الجنابة لو كان التيمم رفعها، لما احتيج إلى إمساس الماء البشرة. واحتج القائلون بأن التيمم يرفع الحدث بأن النبي - ﷺ -، صرح

стр. 606

بأنه طهور في قوله في الحديث المتفق عليه "وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" وبأن في الحديث المار آنفاً "التيمم وضوء المسلم" وبأن الله تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الآية، وبالإجماع على أن الصلاة تصح به كما تصح بالماء، ولا يخفى ما بين القولين المتقدمين من التناقض. قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر من الأدلة تعين القولين الثالث؛ لأن الأدلة تنتظم به ولا يكون بينهما تناقض، والجمع واجب متى أمكن قال في [مراقي السعود]: والجمع واجب متى ما أمكنا ... إلا فللأخير نسخ بينا والقول الثالث المذكور هو: أن التيمم يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً لا كلياً، وهذا لا مانع منه عقلاً ولا شرعاً، وقد دلت عليه الأدلة؛ لأن صحة الصلاة به المجمع عليها يلزمها أن المصلي غير محدث، ولا جنب لزوماً شرعياً لا شك فيه. ووجوب الاغتسال أو الوضوء بعد ذلك عند إمكانه المجمع عليه أيضاً يلزمه لزوماً شرعياً لا شك فيه، وأن الحدث مطلقاً لم يرتفع بالكلية، فيتعين الارتفاع المؤقت. هذا هو الظاهر، ولكنه يشكل عليه ما تقدم في حديث عمرو بن العاص. أنه - ﷺ - قال له: "صليت بأصحابك وأنت جنب"، وقد تقرر عند علماء العربية أن وقت عامل الحال هو بعينه وقت الحال، فالحال وعاملها إذاً مقترنان في الزمان، فقولك: جاء زيد ضاحكاً مثلا لا شك في أن وقت المجيء فيه هو بعينه وقت الضحك، وعليه فوقت صلاته هو

стр. 607

بعينه وقت كونه جنباً؛ لأن الحال هي كونه جنباً، وعاملها قوله: صليت، فيلزم أن وقت الصلاة والجنابة متحد، ولا يقدح فيما ذكرنا أن الحال المقدرة لا تقارن عاملها في الزمن، كقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ لأن الخلود متأخر عن زمن الدخول، أي: مقدرين الخلود فيها؛ لأن الحال في الحديث المذكور ليست من هذا النوع، فالمقارنة بينها وبين عاملها في الزمن لا شك فيها، وإذا كانت الجنابة حاصلة له في نفس وقت الصلاة كما هو مقتضى هذا الحديث فالرفع المؤقت المذكور لا يستقيم. ويمكن الجواب عن هذا من وجهين: الأول: أنه - ﷺ - قال له: "وأنت جنب" قبل أن يعلم عذره بخوفه الموت إن اغتسل. والمتيمم من غير عذر مبيح جنب قطعاً، وبعد أن علم عذره المبيح للتيمم الذي هو خوف الموت أقره وضحك، ولم يأمره بالإعادة؛ فدل على أنه صلى بأصحابه وهو غير جنب؛ وهذا ظاهر الوجه. الثاني: أنه أطلق عليه اسم الجنابة نظراً إلى أنها لم ترتفع بالكلية، ولو كان في وقت صلاته غير جنب، كإطلاق اسم الخمر على العصير في وقت هو فيه ليس بخمر في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ نظراً إلى مآله في ثاني حال. والعلم عند الله تعالى. ومن المسائل التي تبنى على الاختلاف في التيمم، هل يرفع الحدث أو لا؟ جواز وطء الحائض إذا طهرت، وصلت بالتيمم للعذر الذي يبيحه، فعلى أنه يرفع الحدث يجوز وطؤها قبل

стр. 608

الاغتسال، والعكس بالعكس. وكذلك إذا تيمم ولبس الخفين، فعلى أن التيمم يرفع الحدث يجوز المسح عليهما في الوضوء بعد ذلك، والعكس بالعكس. وكذلك ما ذهب إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن من أن الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء لا يلزمه الغسل، فالظاهر أنه بناه على رفع الحدث بالتيمم، لكن هذا القول ترده الأحاديث المتقدمة، وإجماع المسلمين قبله وبعده على خلافه. المسألة السادسة: هل يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد فريضتان أو لا؟ . ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز به فريضتان، أو فرائض ما لم يحدث، وعليه كثير من العلماء، منهم الإمام أحمد في أشهر الروايتين، والحسن البصري وأبو حنيفة وابن المسيب والزهري. وذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما إلى أنه لا تصلى به إلا فريضة واحدة، وعزاه النووي في شرح المهذب لأكثر العلماء، وذكر أن ابن المنذر حكاه عن علي بن أبي طالب، وابن عباس؛ وابن عمر، والشافعي، والنخعي، وقتادة، وربيعة، ويحيى الأنصاري، والليث، وإسحاق، وغيرهم. واحتج أهل القول الأول بأن النصوص الواردة في التيمم، ليس فيها التقييد بفرض واحد. وظاهرها الإطلاق؛ وبحديث "الصعيد الطيب وضوء المسلم" الحديث؛ وبقوله - ﷺ - الثابت في الصحيح: "وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". وقوله تعالى:

стр. 609

﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الآية. واحتج أهل القول الثاني بما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من السنة ألا يصلي بالتيمم إلا مكتوبة واحدة، ثم يتيمم للأخرى. وقول الصحابي من السنة له حكم الرفع على الصحيح عند المحدثين والأصوليين. أخرج هذا الحديث الدارقطني، والبيهقي من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم عن مجاهد عنه، والحسن ضعيف جداً، قال فيه ابن حجر في [التقريب]: متروك، وقال فيه مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود قال: قال لي شعبة: ائت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه يكذب. وقال البيهقي لما ساق هذا الحديث في سننه: الحسن بن عمارة لا يحتج به اهـ. وهو أبو محمد البجلي مولاهم الكوفي قاضي بغداد. واحتجوا أيضاً بما روي عن ابن عمر، وعلي، وعمرو بن العاص موقوفاً عليهم. أما ابن عمر فرواه عنه البيهقي، والحاكم من طريق عامر الأحول، عن نافع عن ابن عمر قال: يتيمم لكل صلاة، وإن لم يحدث، قال البيهقي: وهو أصل ما في الباب قال: ولا نعلم له مخالفاً من الصحابة. قال مقيده - عفا الله عنه -: ومثل هذا يسمى إجماعاً سكوتياً، وهو حجة عند أكثر العلماء، ولكن أثر ابن عمر هذا الذي صححه

стр. 610

البيهقي، وسكت ابن حجر على تصحيحه له في التلخيص والفتح، تكلم فيه بعض أهل العلم بأن عامرا الأحول ضعفه سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وقيل: لم يسمع من نافع. وضعف هذا الأثر ابن حزم، ونقل خلافه عن ابن عباس. وقال ابن حجر في الفتح -بعد أن ذكر أن البيهقي قال: لا نعلم له مخالفاً-: وتعقب بما رواه ابن المنذر عن ابن عباس، أنه لا يجب. وأما عمرو بن العاص فرواه عنه الدارقطني، والبيهقي، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، أن عمرو بن العاص كان يتيمم لكل صلاة، وبه كان يفتي قتادة. وهذا فيه إرسال شديد بين قتادة، وعمرو. قاله ابن حجر في التلخيص، والبيهقي في [السنن الكبرى] وهو ظاهر. وأما علي فرواه عنه الدارقطني أيضاً بإسناد فيه حجاج بن أرطاة، والحارث الأعور. قاله ابن حجر أيضاً، ورواه البيهقي في السنن الكبرى بالإسناد الذي فيه المذكوران. أما حجاج بن أرطاة، فقد قال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق، كثير الخطأ، والتدليس، وأما الحارث الأعور فقال فيه ابن حجر في التقريب: كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض؛ وفي حديثه ضعف، وقال فيه مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جابر عن مغيرة عن الشعبي قال: حدثني الحارث الأعور الهمداني -وكان كذاباً- حدثنا أبو عامر عبد الله بن براد الأشعري، حدثنا أبو أسامة، عن مفضل، عن مغيرة قال: سمعت الشعبي يقول: حدثني الحارث الأعور -وهو يشهد أنه أحد الكذابين-.

стр. 611

وقد ذكر البيهقي هذا الأثر عن علي في التيمم، في باب [التيمم لكل فريضة] وسكت عن الكلام في المذكورين: أعني حجاج بن أرطاة، والحارث الأعور، لكنه قال في حجاج في باب [المنع من التطهير بالنبيذ]: لا يحتج به، وضعفه في باب الوضوء من لحوم الإبل، وقال في باب الدية أخماس: مشهور بالتدليس، وأنه يحدث عمن لم يلقه، ولم يسمع منه. قاله الدارقطني، وضعف الحارث الأعور في باب [منع التطهير بالنبيذ] أيضاً. وقال في باب أصل القسامة، قال الشعبي: كان كذاباً. المسألة السابعة: إذا كان في بدنه نجاسة، ولم يجد الماء، هل يتيمم لطهارة تلك النجاسة الكائنة في بدنه -فيكون التيمم بدلاً عن طهارة الخبث عند فقد الماء، كطهارة الحدث- أو لا يتيمم لها؟ . ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يتيمم عن الخبث، وإنما يتيمم عن الحدث فقط، واستدلوا بأن الكتاب والسنة إنما دلا على ذلك كقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾. وتقدم في حديث عمران بن حصين. وحديث عمار بن ياسر المتفق عليهما: التيمم عند الجنابة. وأما عن النجاسة فلا. وذهب الإمام أحمد إلى أنه يجوز عن النجاسة إلحاقاً لها بالحدث، واختلف أصحابه في وجوبه إعادة تلك الصلاة. وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو ثور إلى أنه يمسح موضع

стр. 612

النجاسة بتراب ويصلي. نقله النووي عن ابن المنذر. • قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية لم يبين هنا شيئاً من ذلك الكثير الذي يبينه لهم الرسول ﷺ مما كانوا يخفون من الكتاب: يعني التوراة والإنجيل وبين كثيراً منه في مواضع أخر، فمما كانوا يخفون من أحكام التوراة رجم الزاني المحصن، وبينه القرآن في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ مهو يعني يدعون إلى التوراة ليحكم بينهم في حد الزاني المحصن بالرجم، وهم معرضون عن ذلك منكرون له. ومن ذلك ما أخفوه من صفات الرسول ﷺ في كتابهم، وإنكارهم أنهم يعرفون أنه هو الرسول كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾. ومن ذلك إنكارهم أن الله حرم عليهم بعض الطيبات بسبب ظلمهم ومعاصيهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾. فإنهم أنكروا هذا، وقالوا: لم يحرم علينا إلا ما كان محرماً على إسرائيل، فكذبهم القرآن في ذلك في قوله تعالى: ﴿كُلُّ

стр. 613

الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾. ومن ذلك كتم النصارى بشارة عيسى ابن مريم لهم بمحمد ﷺ ، وقد بينها تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما أخفوه من كتبهم. • قوله تعالى: ﴿* وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ ، الآية. قال جمهور العلماء: إنهما ابنا آدم لصلبه، وهما هابيل، وقابيل. وقال الحسن البصري ﵀: هما رجلان من بني إسرائيل، ولكن القرآن يشهد لقول الجماعة، ويدل على عدم صحة قول الحسن، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾، ولا يخفى على أحد أنه ليس في بني إسرائيل رجل يجهل الدفن حتى يدله عليه الغراب، فقصة الاقتداء بالغراب في الدفن، ومعرفته منه تدل على أن الواقعة وقعت في أول الأمر قبل أن يتمرن الناس على دفن الموتى، كما هو واضح، ونبه عليه غير واحد من العلماء. والله تعالى أعلم. • قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، صرح في هذه الآية الكريمة أنه كتب على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ولم يتعرض هنا لحكم

стр. 614

من قتل نفساً بنفس، أو بفساد في الأرض، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن قتل النفس بالنفس جائز، في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ الآية. واعلم أن آيات القصاص في النفس فيها إجمال بينته السنة، وحاصل تحرير المقام فيها أن الذكر الحر المسلم يقتل بالذكر الحر المسلم إجماعاً، وأن المرأة كذلك تقتل بالمرأة كذلك إجماعاً، وأن العبد يقتل كذلك بالعبد إجماعاً، وإنما لم نعتبر قول عطاء باشتراط تساوي قيمة العبدين، وهو رواية عن أحمد، ولا قول ابن عباس: ليس بين العبيد قصاص؛ لأنهم أموال. لأن ذلك كله يرده صريح قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية، وأن المرأة تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت بالمرأة فقتلها بالرجل أولى، وأن الرجل يقتل بالمرأة عند جمهور العلماء فيهما. وروي عن جماعة منهم علي، والحسن، وعثمان البتي، وأحمد في رواية عنه أنه لا يقتل بها حتى يلتزم أولياؤها قدر ما تزيد به ديته على ديتها؛ فإن لم يلتزموه أخذوا ديتها. وروي عن علي والحسن أنها إن قتلت رجلاً قتلت به، وأخذ أولياؤه أيضاً في زيادة ديته على ديتها، أو أخذوا دية المقتول واستحيوها. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا الكلام عن علي ﵁،

стр. 615

والحسن البصري، وقد أنكر ذلك عنهم أيضاً، روى هذا الشعبي عن علي، ولا يصح؛ لأن الشعبي لم يلق علياً. وقد روى الحكم عن علي، وعبد الله أنهما قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمداً فهو بها قود، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي. وقال ابن حجر في [فتح الباري] في باب سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في الحدود بعد أن ذكر القول المذكور عن علي والحسن: ولا يثبت عن علي، ولكن هو قول عثمان البتي أحد فقهاء البصرة، ويدل على بطلان هذا القول أنه ذكر فيه أولياء الرجل إذا قتلته امرأة يجمع لهم بين القصاص ونصف الدية، وهذا قول يدل الكتاب والسنة على بطلانه، وأنه إما القصاص فقط، وإما الدية فقط؛ لأنه تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، فرتب الاتباع بالدية على العفو دون القصاص. وقال - ﷺ -: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين" الحديث، وهو صريح في عدم الجمع بينهما، كما هو واضح عند عامة العلماء؛ وحكي عن أحمد في رواية عنه، وعثمان البتي، وعطاء أن الرجل لا يقتل بالمرأة، بل تجب الدية. قاله ابن كثير، وروي عن الليث والزهري أنها إن كانت زوجته لم يقتل بها، وإن كانت غير زوجته قتل بها. والتحقيق قتله بها مطلقاً، كما سترى أدلته، فمن الأدلة على قتل الرجل بالمرأة إجماع العلماء على أن الصحيح السليم الأعضاء

стр. 616

إذا قتل أعور أو أشل، أو نحو ذلك عمداً وجب عليه القصاص، ولا يجب لأوليائه شيء في مقابلة ما زاد به من الأعضاء السليمة على المقتول. ومن الأدلة على قتل الرجل بالمرأة ما ثبت في الصحيحين عنه - ﷺ - من حديث أنس "أنه - ﷺ - رض رأس يهودي بالحجارة قصاصاً بجارية فعل بها كذلك"، وهذا الحديث استدل به العلماء على قتل الذكر بالأنثى، وعلى وجوب القصاص في القتل بغير المحدد، والسلاح. وقال البيهقي في [السنن الكبرى] في باب [قتل الرجل بالمرأة]: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكرياء يحيى بن محمد العنبري، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي، الحكم بن موسى القنطري، ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، عن رسول الله - ﷺ - "أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، وكان فيه، وإن الرجل يقتل بالمرأة". وروي هذا الحديث موصولاً أيضاً النسائي، وابن حبان، والحاكم. وفي تفسير ابن كثير ما نصه: وفي الحديث الذي رواه النسائي، وغيره "أن رسول الله - ﷺ - كتب في كتاب عمرو بن حزم أن الرجل يقتل بالمرأة، وكتاب رسول الله - ﷺ - هذا لعمرو بن حزم الذي فيه أن الرجل يقتل بالمرأة" رواه مالك، والشافعي، ورواه أيضاً الدارقطني، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم، والدارمي.

стр. 617

وكلام علماء الحديث في كتاب عمرو بن حزم هذا مشهور بين مصحح له، ومضعف، وممن صححه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي. وعن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحاً. وصححه أيضاً من حيث الشهرة لا من حيث الإسناد جماعة منهم الشافعي فإنه قال: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم: أنه كتاب رسول الله - ﷺ -. وقال ابن عبد البر: هو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم يستغني بشهرته عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر؛ لتلقي الناس له بالقبول. قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب، عن مالك، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعد، عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله - ﷺ -. وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتاباً أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ -، والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب، ثم ساق ذلك بسنده إليهما. وضعف كتاب ابن حزم هذا جماعة، وانتصر لتضعيفه أبو محمد بن حزم في محلاه. والتحقيق صحة الاحتجاج به؛ لأنه ثبت أنه كتاب رسول الله - ﷺ -، كتبه ليبين به أحكام الديات، والزكوات وغيرها، ونسخته معروفة في كتب الفقه والحديث، ولاسيما عند من يحتج بالمرسل

стр. 618

كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد في أشهر الروايات. ومن أدلة قتله بها عموم حديث "المسلمون تتكافؤ دماؤهم" الحديث. وسيأتي البحث فيه إن شاء الله. ومن أوضح الأدلة في قتل الرجل بالمرأة قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وقوله - ﷺ -: "لا يحل دم امرىء مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس" الحديث، أخرجه الشيخان، وباقي الجماعة من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. فعموم هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث الصحيح يقتضي قتل الرجل بالمرأة؛ لأنه نفس بنفس، ولا يخرج عن هذا العموم، إلا ما أخرجه دليل صالح لتخصيص النص به. نعم يتوجه على هذا الاستدلال سؤالان: الأول: ما وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، مع أنه حكاية عن قوم موسى، والله تعالى يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾. السؤال الثاني: لم لا يخصص عموم قتل النفس بالنفس في الآية، والحديث المذكورين بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾؛ لأن هذه الآية أخص من تلك؛ لأنها فصلت ما أجمل في الأولى، ولأن هذه الأمة مخاطبة بها صريحاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الآية. الجواب عن السؤال الأول: أن التحقيق الذي عليه الجمهور،

стр. 619

ودلت عليه نصوص الشرع أن كل ما ذكر لنا في كتابنا، وسنة نبينا - ﷺ -، مما كان شرعاً لمن قبلنا أنه كان شرعاً لنا، من حيث إنه وارد في كتابنا، أو سنة نبينا - ﷺ -، لا من حيث إنه كان شرعاً لمن قبلنا؛ لأنه ما قص علينا في شرعنا إلا لنعتبر به، ونعمل بما تضمن. والنصوص الدالة على هذا كثيرة جداً، ولأجل هذا أمر الله في القرآن العظيم في غير ما آية بالاعتبار بأحوالهم، ووبخ من لم يعقل ذلك، كما في قوله تعالى في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾. ففي قوله: ﴿وَبِاللَّيلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾؟ توبيخ لمن مر بديارهم، ولم يعتبر بما وقع لهم ويعقل ذلك ليجتنب الوقوع في مثله، وكقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ثم هدد الكفار بمثل ذلك، فقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾. وقال في حجارة قوم لوط التي أهلكوا بها، أو ديارهم التي أهلكوا فيها: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾، وهو تهديد عظيم منه تعالى لمن لم يعتبر بحالهم، فيجتنب ارتكاب ما هلكوا بسببه، وأمثال ذلك كثير في القرآن. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، فصرح بأنه يقص قصصهم في القرآن للعبرة، وهو دليل واضح لما ذكرنا، ولما ذكر الله تعالى من ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، قال لنبينا - ﷺ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وأمر - ﷺ - أمر لنا؟ لأنه قدوتنا، ولأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ

стр. 620

فَاتَّبِعُونِي﴾ الآية، ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية. ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، ومن طاعته اتباعه فيما أمر به كله إلا ما قام فيه دليل على الخصوص به - ﷺ -، وكون شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرعاً لنا إلا بدليل على النسخ هو مذهب الجمهور، منهم مالك وأبو حنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين، وخالف الإمام الشافعي ﵀ في أصح الروايات عنه، فقال: إن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعاً لنا إلا بنص من شرعنا على أنه مشروع لنا، وخالف أيضاً في الصحيح عنه في أن الخطاب الخاص بالرسول - ﷺ -، يشمل حكمه الأمة. واستدل للأول بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾. وللثاني: بأن الصيغة الخاصة بالرسول لا تشمل الأمة وضعاً، فإدخالها فيها صرف للفظ عن ظاهره، فيحتاج إلى دليل منفصل، وحمل الهدى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والدين في قوله: ﴿ * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ الآية على خصوص الأصول التي هي التوحيد، دون الفروع العملية؛ لأنه تعالى قال في العقائد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. وقال في الفروع العلمية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾، فدل ذلك على اتفاقهم في الأصول، واختلافهم في الفروع، كما قال - ﷺ -: "إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد"، أخرجه البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁.

стр. 621

قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أما حمل الهدى في آية: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ والدين في آية: ﴿ * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ على خصوص التوحيد دون الفروع العملية، فهو غير مسلم. أما الأول: فلما أخرجه البخاري في صحيحه، في تفسير سورة ص، عن مجاهد "أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في ص، فقال: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داود فسجدها رسول الله - ﷺ -. فهذا نص صحيح صريح عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - أدخل سجود التلاوة في الهدى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ومعلوم أن سجود التلاوة فرع من الفروع، لا أصل من الأصول. وأما الثاني: فلأن النبي - ﷺ - صرح في حديث جبريل الصحيح المشهور أن اسم "الدين" يتناول الإسلام، والإيمان، والإحسان حيث قال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً﴾. الآية. وصرح - ﷺ - في الحديث المذكور بأن الإسلام يشمل الأمور العملية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: "بني الإسلام على خمس" الحديث ولم يقل أحد إن الإسلام هو خصوص العقائد، دون الأمور العملية، فدل على أن الدين لا يختص بذلك في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ الآية، وهو ظاهر جداً؛ لأن خير ما يفسر به القرآن هو كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.

стр. 622

وأما الخطاب الخاص بالنبي - ﷺ - في نحو قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فقد دلت النصوص على شمول حكمه للأمة، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية. إلى غيرها مما تقدم من الآيات. وقد علمنا ذلك من استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائماً بالصيغة الخاصة به - ﷺ -، ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة، كقوله في أول سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، فدل على دخول الكل حكماً تحت قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وقال في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فدل على عموم حكم الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ونظير ذلك أيضاً في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢)﴾ فقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يدل على عموم الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وكقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾ الآية. ومن أصرح الأدلة في ذلك آية الروم، وآية الأحزاب. أما آية الروم فقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ ثم قال: ﴿ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ وهو حال من ضمير الفاعل المستتر، المخاطب به النبي - ﷺ - في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ الآية. وتقرير المعنى: فأقم وجهك يا نبي الله في حال كونكم منيبين، فلو لم تدخل الأمة حكماً في الخطاب الخاص به - ﷺ - لقال: منيباً إليه بالإفراد، لإجماع أهل اللسان العربي على أن الحال الحقيقية، أعني

стр. 623

التي لم تكن سببية تلزم مطابقتها لصاحبها إفراداً وجمعاً وثنية، وتأنيثاً وتذكيراً، فلا يجوز أن تقول: جاء زيد ضاحكين، ولا جاءت هند ضاحكات. وأما آية الأحزاب فقوله تعالى في قصة زينب بنت جحش الأسدية ﵂: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فإن هذا الخطاب خاص بالنبي - ﷺ -، وقد صرح تعالى بشمول حكمه لجميع المؤمنين في قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وأشار إلى هذا أيضاً في الأحزاب بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الخطاب الخاص به - ﷺ - في قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية، لو كان حكمه خاصاً به - ﷺ - لأغنى ذلك عن قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كما هو ظاهر، وقد ردت عائشة ﵂ على من زعم أن تخيير الزوجة طلاق، بأن رسول الله - ﷺ - خير نساءه فاخترنه، فلم يعده طلاقاً مع أن الخطاب في ذلك خاص به - ﷺ -، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ الآيتين. وأخذ مالك ﵀ بينونة الزوجة بالردة من قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وهو خطاب خاص به - ﷺ -. وحاصل تحرير المقام في مسألة "شرع من قبلنا" أن لها واسطة وطرفين، طرف يكون فيه شرعاً لنا إجماعاً، وهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، ثم بين لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾،

стр. 624

وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعاً، هو أمران: أحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلاً أنه كان شرعاً لمن قبلنا، كالمتلقي من الإسرائيليات؛ لأن النبي - ﷺ - نهانا عن تصديقهم، وتكذيبهم فيها، وما نهانا - ﷺ - عن تصديقه لا يكون مشروعاً لنا إجماعاً. والثاني: ما ثبت في شرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، وبين لنا في شرعنا أنه غير مشروع لنا كالآصار، والأغلال التي كانت على من قبلنا؛ لأن الله وضعها عنا، كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ وقد ثبت في صحيح مسلم: "أن النبي - ﷺ - لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أن الله قال: نعم قد فعلت". ومن تلك الآصار التي وضعها الله عنا على لسان نبينا - ﷺ - ما وقع لعبدة العجل، حيث لم تقبل توبتهم إلا بتقديم أنفسهم للقتل، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾. والواسطة هي محل الخلاف بين العلماء، وهي ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، ولم يبين هنا في شرعنا أنه مشروع لنا، ولا غير مشروع لنا، وهو الذي قدمنا أن التحقيق كونه شرعاً لنا، وهو مذهب الجمهور، وقد رأيت أدلتهم عليه، وبه تعلم أن آية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، يلزمنا الأخذ بما تضمنته من الأحكام، مع أن القرآن صرح بذلك في الجملة في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ

стр. 625

جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ وفي حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم التصريح بأن ما فيها من قتل النفس بالنفس مشروع لنا، حيث قال - ﷺ -: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله - ﷺ - إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس" الحديث. وإلى هذا أشار البخاري في صحيحه، حيث قال: باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ ثم ذكر حديث ابن مسعود المتقدم. وقال ابن حجر: والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في أهل الكتاب فالحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الإسلام، فهو أصل في القصاص في قتل العمد، ويدل لهذا قوله - ﷺ -: "كتاب الله القصاص" أخرجه الشيخان من حديث أنس، بناء على أن المراد بكتاب الله قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ في هذه الآية التي نحن بصددها، وعلى بقية الأقوال فلا دليل في الحديث، ولم يزل العلماء يأخذون الأحكام من قصص الأمم الماضية، كما أوضحنا دليله. فمن ذلك قول المالكية وغيرهم: إن القرينة الجازمة ربما قامت مقام البينة مستدلين على ذلك بجعل شاهد يوسف شق قميصه من دبر قرينة على صدقه، وكذب المرأة في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ الآية، فذكره تعالى لهذا مقرراً له يدل على جواز العمل به، ومن

стр. 626

هنا أوجب مالك حد الخمر على من أستنكه فشم في فيه ريح الخمر؛ لأن ريحها في فيه قرينة على شربه إياها. وأجاز العلماء للرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها، فتزفها إليه ولائد -لا يثبت بقولهن أمر- أن يجامعها من غير بينة على عينها أنها فلانة بنت فلان التي وقع عليها العقد اعتماداً على القرينة، وتنزيلاً لها منزلة البينة، وكذلك الضيف ينزل بساحة قوم فيأتيه الصبي، أو الوليدة بطعام، فيباح له أكله من غير بينة تشهد على إذن أهل الطعام له في الأكل اعتماداً على القرينة. وأخذ المالكية وغيرهم إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من أن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة، ليكون الدم على قميصه قرينة على صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليماً كيساً يقتل يوسف، ولا يشق قميصه؟ كما بينه تعالى بقوله ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾. وأخذ المالكية ضمان العزم من قوله تعالى في قصة يوسف وإخوته: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾. وأخذ بعض الشافعية ضمان الوجه المعروف بالكفالة من قوله تعالى في قصة يعقوب وبنيه: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.

стр. 627

وأخذ المالكية تلوم القاضي للخصوم ثلاثة أيام بعد انقضاء الآجال من قوله تعالى في قصة صالح: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾. وأخذوا وجوب الإعذار إلى الخصم الذي توجه إليه الحكم: "أبقيت لك حجة؟ " ونحو ذلك من قوله تعالى في قصة سليمان مع الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. وأخذ الحنابلة جواز طول مدة الإجارة من قوله تعالى في قصة موسى، وصهره شعيب، أو غيره: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ الآية، وأمثال هذا كثيرة جداً. وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ لا يخالف ما ذكرنا؛ لأن المراد به أن بعض الشرائع تنسخ فيها أحكام كانت مشروعة قبل ذلك، ويجدد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ذلك. وبهذا الاعتبار يكون لكل شرعة منهاج من غير مخالفة لما ذكرنا، وهذا ظاهر، فبهذا يتضح لك الجواب عن السؤال الأول، وتعلم أن ما تضمنته آية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية مشروع لهذه الأمة، وأن الرجل يقتل بالمرأة، كالعكس على التحقيق الذي لا شك فيه، وكأن القائل بعدم القصاص بينهما يتشبث بمفهوم قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وسترى تحقيق المقام فيه إن شاء الله قريباً. والجواب عن السؤال الثاني -الذي هو لم لا يخصص عموم النفس بالنفس بالتفصيل المذكور في قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ

стр. 628

بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾؟ -هو ما تقرر في الأصول من أن مفهوم المخالفة إذا كان محتملاً لمعنى آخر غير مخالفته لحكم المنطوق يمنعه ذلك من الاعتبار. قال صاحب [جمع الجوامع] في الكلام على مفهوم المخالفة: وشرطه ألا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه، إلى أن قال .... : أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ يدل على قتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، ولم يتعرض لقتل الأنثى بالذكر، أو العبد بالحر، لعكسه بالمنطوق. ومفهوم مخالفته هنا غير معتبر؛ لأن سبب نزول الآية أن قبيلتين من العرب اقتتلتا، فقالت إحداهما: نقتل بعبدنا فلان بن فلان، وبأمتنا فلانة بنت فلانة تطاولا منهم عليهم، وزعماً أن العبد منهم بمنزلة الحر من أولئك، وأن أنثاهم أيضاً بمنزلة الرجل من الآخرين تطاولاً عليهم، وإظهاراً لشرفهم عليهم. ذكر معنى هذا القرطبي، عن الشعبي، وقتادة. وروى ابن أبي حاتم نحوه عن سعيد بن جبير. نقله عنه ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في أسباب النزول، وذكر ابن كثير أنها نزلت في قريظة والنضير؛ لأنهم كان بينهم قتال، وبنو النضير يتطاولون على بني قريظة. فالجميع متفق على أن سبب نزولها أن قوماً يتطاولون على

стр. 629

قوم، ويقولون: إن العبد منا لا يساويه العبد منكم، وإنما يساويه الحر منكم، والمرأة منا لا تساويها المرأة منكم، وإنما يساويها الرجل منكم، فنزل القرآن مبيناً أنهم سواء، وليس المتطاول منهم على صاحبه بأشرف منه، ولهذا لم يعتبر مفهوم المخالفة هنا. وأما قتل الحر بالعبد، فقد اختلف فيه، وجمهور العلماء على أنه لا يقتل حر بعبد، منهم مالك، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعي، وأحمد. وممن قال بهذا أبو بكر، وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير ﵃ وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وغيره. وقال أبو حنيفة: يقتل الحر بالعبد: وهو مروي عن سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة والثوري. واحتج هؤلاء على قتل الحر بالعبد، بقوله - ﷺ -: "المؤمنين تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" الحديث. أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم، وصححه. فعموم المؤمنين يدخل فيه العبيد، وكذلك عموم النفس في قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الأية، وقوله ﷺ : "والنفس بالنفس" في الحديث المتقدم واستدلوا أيضاً بما رواه قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه"

стр. 630

رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن غريب. وفي رواية لأبي داود والنسائي: "ومن خصي عبده خصيناه" هذه هي أدلة من قال بقتل الحر بالعبد. وأجيب عنها من جهة الجمهور بما ستراه الآن إن شاء الله تعالى. أما دخول قتل الحر بالعبد في عموم المؤمنين في حديث "المؤمنون تتكافؤ دماؤهم" وعموم النفس بالنفس في الآية، والحديث المذكور فاعلم أولاً أن دخول العبيد في عمومات نصوص الكتاب والسنة اختلف فيه علماء الأصول على ثلاثة أقوال: الأول: -وعليه أكثر العلماء- أن العبيد داخلون في عمومات النصوص؛ لأنهم من جملة المخاطبين بها. الثاني: وذهب إليه بعض العلماء من المالكية، والشافعية، وغيرهم أنهم لا يدخلون فيها إلا بدليل منفصل، واستدل لهذا القول بكثرة عدم دخولهم كعدم دخولهم في خطاب الجهاد، والحج، وكقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية، فالإماء لا يدخلن فيه. الثالث: وذهب إليه الرازي من الحنفية أن النص العام إن كان من العبادات فهم داخلون فيه، وإن كان من المعاملات لم يدخلوا فيه. وأشار في [مراقي السعود] إلى أن دخولهم في الخطاب العام هو الصحيح الذي يقتضيه الدليل بقوله: والعبد والموجود والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر

стр. 631

وينبني على الخلاف في دخولهم في عمومات النصوص وجوب صلاة الجمعة على المملوكين، فعلى أنهم داخلون في العموم فهي واجبة عليهم، وعلى أنهم لا يدخلون فيه إلا بدليل منفصل، فهي غير واجبة عليهم، وكذلك إقرار العبد بالعقوبة ببدنه يبنى أيضاً على الخلاف المذكور، قاله صاحب [نشر البنود شرح مراقي السعود] في شرح البيت المذكور آنفاً. فإذا علمت هذا، فاعلم أنه على القول بعدم دخول العبيد في عموم نصوص الكتاب والسنة، فلا إشكال، وعلى القول بدخولهم فيه، فالجواب عن عدم إدخالهم في عموم النصوص التي ذكرناها يعلم من أدلة الجمهور الآتية إن شاء الله على عدم قتل الحر بالعبد. وأما حديث سمرة فيجاب عنه من أوجه: الأول: أن أكثر العلماء بالحديث تركوا رواية الحسن، عن سمرة؛ لأنه لم يسمع منه، وقال قوم: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وأثبت علي بن المديني، والبخاري سماعه منه. قال البيهقي في [السنن الكبرى] في كتاب "الجنايات" ما نصه: وأكثر أهل العلم بالحديث رغبوا عن رواية الحسن، عن سمرة. وذهب بعضهم إلى أنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة، وقال أيضاً في باب "النهي عن بيع الحيوان بالحيوان": إن أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة. الثاني: أن الحسن كان يفتي بأن الحر لا يقتل بالعبد،

стр. 632

ومخالفته لما روى تدل على ضعفه عنده. قال البيهقي أيضاً ما نصه: قال قتادة: ثم إن الحسن نسي هذا الحديث، قال: لا يقتل حر بعبد. قال الشيخ: يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث، لكن رغب عنه لضعفه. الثالث: ما ذكره صاحب [منتقى الأخبار] من أن أكثر العلماء قال بعدم قتل الحر بالعبد، وتأولوا الخبر على أنه أراد من كان عبده، لئلا يتوهم تقدم الملك مانعاً من القصاص. الرابع: أنه معارض بالأدلة التي تمسك بها الجمهور في عدم قتل الحر بالعبد، وستأتي إن شاء الله تعالى مفصلة، وهي تدل على النهي عن قتل الحر بالعبد، والنهي مقدم على الأمر، كما تقرر في الأصول. الخامس: ما ادعى ابن العربي دلالته على بطلان هذا القول من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ وولي العبد سيده. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية. ما نصه: قال ابن العربي: ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه، ورووا في ذلك حديثاً عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قتل عبده قتلناه" وهو حديث ضعيف. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ والولي ها هنا: السيد، فكيف يجعل له

стр. 633

سلطان على نفسه، وقد اتفق الجميع على أن السيد إذا قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال اهـ. وتعقب القرطبي تضعيف ابن العربي لحديث الحسن هذا عن سمرة بأن البخاري، وابن المديني صححا سماعه منه، وقد علمت تضعيف الأكثر لرواية الحسن عن سمرة فيما تقدم، ويدل على ضعفه مخالفة الحسن نفسه له. السادس: أن الحديث خارج مخرج التحذير، والمبالغة في الزجر. السابع: ما قيل من أنه منسوخ. قال الشوكاني: ويؤيد دعوى النسخ فتوى الحسن بخلافه. الثامن: مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولكنا قد قدمنا عدم اعتبار هذا المفهوم، كما يدل عليه سبب النزول. واحتج القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد، وهم الجمهور بأدلة: منها: ما رواه الدارقطني بإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن رجلاً قتل عبده متعمداً، فجلده النبي - ﷺ - ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة" ورواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين قوية صحيحة، ومعلوم أن الأوزاعي شامي دمشقي. قال في [نيل الأوطار]: ولكن دونه في إسناد هذا الحديث محمد بن عبد العزيز الشامي، قال فيه ابن أبي حاتم: لم يكن

стр. 634

عندهم بالمحمود، وعنده غرائب. وأسند البيهقي هذا الحديث فقال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأ علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن الحسين الصابوني الأنطاكي قاضي الثغور، ثنا محمد بن الحكم الرملي، ثنا محمد بن عبد العزيز الرملي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي ... إلى آخر السند المتقدم بلفظ المتن. ومحمد بن عبد العزيز الرملي من رجال البخاري. وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق يهم. فتضعيف هذا الحديث به لا يخلو من نظر. والظاهر أن تضعيف البيهقي له من جهة إسماعيل بن عياش، وقد عرفت أن الحق كونه قوياً في الشاميين، دون الحجازيين، كما صرح به أئمة الحديث كالإمام أحمد والبخاري، ولحديث عمرو بن شعيب هذا شاهد من حديث علي عند البيهقي وغيره من طريق إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أتي رسول الله - ﷺ - برجل قتل عبده متعمداً فجلده رسول الله - ﷺ - مائة، ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به. ولكن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك. ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي وغيره عن عمر بن الخطاب أنه جاءته جارية اتهمها سيدها فأقعدها في النار، فاحترق فرجها، فقال ﵁: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده لأقدناها منك فبَزَره، وضربه مائة سوط، وقال للجارية:

стр. 635

اذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله". قال أبو صالح: وقال الليث: وهذا القول معمول به. وفي إسناد هذا الحديث عمر بن عيسى القرشي الأسدي. ذكر البيهقي عن أبي أحمد أنه سمع ابن حماد يذكر عن البخاري أنه منكر الحديث. وقال فيه الشوكاني: هو منكر الحديث، كما قال البخاري ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه الدارقطني، والبيهقي عن ابن عباس أن النبي - ﷺ -، "لا يقتل حر بعبد" قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث: وفي هذا الإسناد ضعف. وإسناده المذكور فيه جويبر، وهو ضعيف جداً. وقال الشوكاني في إسناد هذا الحديث: فيه جويبر وغيره من المتروكين. ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي وغيره من طريق جابر بن زيد الجعفي، عن علي ﵁ أنه قال: "من السنة ألا يقتل حر بعبد" تفرد بهذا الحديث جابر المذكور، وقد ضعفه الأكثر، وقال فيه ابن حجر في التقريب: ضعيف رافضي، وقال فيه النسائي: متروك، ووثقه قوم منهم الثوري، وذكر البيهقي في السنن الكبرى في باب "النهي عن الإمامة جالساً" عن الدارقطني: أنه متروك. ومن أدلتهم أيضاً ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
следующие страницы →