← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وينبني على الخلاف في دخولهم في عمومات النصوص وجوب صلاة الجمعة على المملوكين، فعلى أنهم داخلون في العموم فهي واجبة عليهم، وعلى أنهم لا يدخلون فيه إلا بدليل منفصل، فهي غير واجبة عليهم، وكذلك إقرار العبد بالعقوبة ببدنه يبنى أيضاً على الخلاف المذكور، قاله صاحب [نشر البنود شرح مراقي السعود] في شرح البيت المذكور آنفاً. فإذا علمت هذا، فاعلم أنه على القول بعدم دخول العبيد في عموم نصوص الكتاب والسنة، فلا إشكال، وعلى القول بدخولهم فيه، فالجواب عن عدم إدخالهم في عموم النصوص التي ذكرناها يعلم من أدلة الجمهور الآتية إن شاء الله على عدم قتل الحر بالعبد. وأما حديث سمرة فيجاب عنه من أوجه: الأول: أن أكثر العلماء بالحديث تركوا رواية الحسن، عن سمرة؛ لأنه لم يسمع منه، وقال قوم: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وأثبت علي بن المديني، والبخاري سماعه منه. قال البيهقي في [السنن الكبرى] في كتاب "الجنايات" ما نصه: وأكثر أهل العلم بالحديث رغبوا عن رواية الحسن، عن سمرة. وذهب بعضهم إلى أنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة، وقال أيضاً في باب "النهي عن بيع الحيوان بالحيوان": إن أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة. الثاني: أن الحسن كان يفتي بأن الحر لا يقتل بالعبد،

стр. 632

ومخالفته لما روى تدل على ضعفه عنده. قال البيهقي أيضاً ما نصه: قال قتادة: ثم إن الحسن نسي هذا الحديث، قال: لا يقتل حر بعبد. قال الشيخ: يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث، لكن رغب عنه لضعفه. الثالث: ما ذكره صاحب [منتقى الأخبار] من أن أكثر العلماء قال بعدم قتل الحر بالعبد، وتأولوا الخبر على أنه أراد من كان عبده، لئلا يتوهم تقدم الملك مانعاً من القصاص. الرابع: أنه معارض بالأدلة التي تمسك بها الجمهور في عدم قتل الحر بالعبد، وستأتي إن شاء الله تعالى مفصلة، وهي تدل على النهي عن قتل الحر بالعبد، والنهي مقدم على الأمر، كما تقرر في الأصول. الخامس: ما ادعى ابن العربي دلالته على بطلان هذا القول من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ وولي العبد سيده. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية. ما نصه: قال ابن العربي: ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه، ورووا في ذلك حديثاً عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قتل عبده قتلناه" وهو حديث ضعيف. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ والولي ها هنا: السيد، فكيف يجعل له

стр. 633

سلطان على نفسه، وقد اتفق الجميع على أن السيد إذا قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال اهـ. وتعقب القرطبي تضعيف ابن العربي لحديث الحسن هذا عن سمرة بأن البخاري، وابن المديني صححا سماعه منه، وقد علمت تضعيف الأكثر لرواية الحسن عن سمرة فيما تقدم، ويدل على ضعفه مخالفة الحسن نفسه له. السادس: أن الحديث خارج مخرج التحذير، والمبالغة في الزجر. السابع: ما قيل من أنه منسوخ. قال الشوكاني: ويؤيد دعوى النسخ فتوى الحسن بخلافه. الثامن: مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولكنا قد قدمنا عدم اعتبار هذا المفهوم، كما يدل عليه سبب النزول. واحتج القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد، وهم الجمهور بأدلة: منها: ما رواه الدارقطني بإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن رجلاً قتل عبده متعمداً، فجلده النبي - ﷺ - ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة" ورواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين قوية صحيحة، ومعلوم أن الأوزاعي شامي دمشقي. قال في [نيل الأوطار]: ولكن دونه في إسناد هذا الحديث محمد بن عبد العزيز الشامي، قال فيه ابن أبي حاتم: لم يكن

стр. 634

عندهم بالمحمود، وعنده غرائب. وأسند البيهقي هذا الحديث فقال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأ علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن الحسين الصابوني الأنطاكي قاضي الثغور، ثنا محمد بن الحكم الرملي، ثنا محمد بن عبد العزيز الرملي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي ... إلى آخر السند المتقدم بلفظ المتن. ومحمد بن عبد العزيز الرملي من رجال البخاري. وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق يهم. فتضعيف هذا الحديث به لا يخلو من نظر. والظاهر أن تضعيف البيهقي له من جهة إسماعيل بن عياش، وقد عرفت أن الحق كونه قوياً في الشاميين، دون الحجازيين، كما صرح به أئمة الحديث كالإمام أحمد والبخاري، ولحديث عمرو بن شعيب هذا شاهد من حديث علي عند البيهقي وغيره من طريق إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أتي رسول الله - ﷺ - برجل قتل عبده متعمداً فجلده رسول الله - ﷺ - مائة، ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به. ولكن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك. ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي وغيره عن عمر بن الخطاب أنه جاءته جارية اتهمها سيدها فأقعدها في النار، فاحترق فرجها، فقال ﵁: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده لأقدناها منك فبَزَره، وضربه مائة سوط، وقال للجارية:

стр. 635

اذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله". قال أبو صالح: وقال الليث: وهذا القول معمول به. وفي إسناد هذا الحديث عمر بن عيسى القرشي الأسدي. ذكر البيهقي عن أبي أحمد أنه سمع ابن حماد يذكر عن البخاري أنه منكر الحديث. وقال فيه الشوكاني: هو منكر الحديث، كما قال البخاري ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه الدارقطني، والبيهقي عن ابن عباس أن النبي - ﷺ -، "لا يقتل حر بعبد" قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث: وفي هذا الإسناد ضعف. وإسناده المذكور فيه جويبر، وهو ضعيف جداً. وقال الشوكاني في إسناد هذا الحديث: فيه جويبر وغيره من المتروكين. ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي وغيره من طريق جابر بن زيد الجعفي، عن علي ﵁ أنه قال: "من السنة ألا يقتل حر بعبد" تفرد بهذا الحديث جابر المذكور، وقد ضعفه الأكثر، وقال فيه ابن حجر في التقريب: ضعيف رافضي، وقال فيه النسائي: متروك، ووثقه قوم منهم الثوري، وذكر البيهقي في السنن الكبرى في باب "النهي عن الإمامة جالساً" عن الدارقطني: أنه متروك. ومن أدلتهم أيضاً ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده

стр. 636

عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كان لزنباع عبد يسمى سندرا، أو ابن سندر فوجده يقبل جارية له فأخذه فجبه، وجدع أذنيه وأنفه، فأتى إلى النبي - ﷺ - فقال: "من مثل بعبده أو حرقه بالنار فهو حر، ومولى الله ورسوله فأعتقه رسول الله - ﷺ -، ولم يقده منه، فقال: يا رسول الله أوص بي، فقال: أوصي بك كل مسلم". قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث: المثنى بن الصباح ضعيف لا يحتج به، وقد روي عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو مختصراً، ولا يحتج به، وقد قدمنا في آية التيمم تضعيف بن أرطاة وروي عن سوار بن أبي حمزة، وليس بالقوي، والله أعلم. هكذا قال البيهقي. قال مقيده - عفا الله عنه -: سوار بن أبي حمزة من رجال مسلم، وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق له أوهام. ومن أدلتهم أيضاً ما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: "جاء رجل مستصرخ إلى النبي - ﷺ -، فقال: حادثة لي يا رسول الله، فقال: ويحك ما لك؟ فقال: شر، أبصر لسيده جارية فغار فجب مذاكيره، فقال رسول الله - ﷺ -: علي بالرجل، فطلب فلم يقدر عليه فقال رسول الله - ﷺ -: اذهب فأنت حر، فقال: يا رسول الله على من نصرتي؟ قال: على كل مؤمن، أو قال: على كل مسلم. ومن أدلتهم: ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي جعفر، عن بكير أنه قال: مضت السنة بألا يقتل الحر المسلم بالعبد

стр. 637

وإن قتله عمداً، وعليه العقل. ومن أدلتهم أيضاً ما أخرجه البيهقي أيضاً عن الحسن، وعطاء، والزهري وغيرهم من قولهم: إنه لا يقتل حر بعبد. وأخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد" وهذه الروايات الكثيرة وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال، فإن بعضها يشد بعضاً، ويقويه حتى يصلح المجموع للاحتجاج. قال الشوكاني في [نيل الأوطار] ما نصه: وثانياً بالأحاديث القاضية، بأنه لا يقتل حر بعبد، فإنها قد رويت من طرق متعددة يقوي بعضها بعضاً، فتصلح للاحتجاج. قال مقيده - عفا الله عنه -: وتعتضد هذه الأدلة على ألا يقتل حر بعبد بإطباقهم على عدم القصاص للعبد من الحر فيما دون النفس، فإذا لم يقتص له منه في الأطراف فعدم القصاص في النفس من باب أولى. ولم يخالف في أنه لا قصاص للعبد من الحر فيما دون النفس إلا داود، وابن أبي ليلى. وتعتضد أيضاً بإطباق الحجة من العلماء على أنه إن قتل خطأ ففيه القيمة، لا الدية. وقيده جماعة بما إذا لم تزد قيمته عن دية الحر. وتعتضد أيضاً بأن شبه العبد بالمال أقوى من شبهه بالحر، من حيث إنه يجري فيه ما يجري في المال من بيع وشراء، وإرث وهدية وصدقه إلى غير ذلك من أنواع التصرف، وبأنه لو قذفه حر

стр. 638

ما وجب عليه الحد عند عامة العلماء إلا ما روي عن ابن عمر، والحسن، وأهل الظاهر من وجوبه في قذف أم الولد خاصة. ويدل على عدم حد الحر بقذفه العبد ما رواه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: "من قذف مملوكه -وهو بريء مما يقول- جلد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال" وهو يدل على عدم جلده في الدنيا، كما هو ظاهر. هذا ملخص كلام العلماء في حكم قتل الحر بالعبد. وأما قتل المسلم بالكافر فجمهور العلماء على منعه. منهم مالك، والشافعي، وأحمد، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية ﵃، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، وعكرمة، والحسن والزهري، وابن شبرمة، والثوري والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني وغيره. ورواه البيهقي عن عمر، وعثمان وغيرهم. وذهب أبو حنيفة، والنخعي والشعبي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، واستدلوا بعموم النفس بالنفس في الآية، والحديث المتقدمين، وبالحديث الذي رواه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر "أن النبي - ﷺ - قتل مسلماً بمعاهد" وهو مرسل من رواية ضعيف؛ فابن البيلماني لا يحتج به لو وصل، فكيف وقد أرسل.

стр. 639

وترجم البيهقي في [السنن الكبرى] لهذا الحديث بقوله: باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر، وما جاء عن الصحابة في ذلك، وذكر طرقه وبين ضعفها كلها. ومن جملة ما قال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، قال: قال أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ: ابن البيلماني، ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله. والله أعلم. وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية. ما نصه: ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة "أن النبي - ﷺ - قتل يوم خيبر مسلماً بكافر" لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني -وهو ضعيف- عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - مرفوعاً، قال الدارقطني: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النبي - ﷺ -، وابن البيلماني ضعيف الحديث، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله. فإذا عرفت ضعف الاستدلال على قتل المسلم بالكافر فاعلم أن كونه لا يقتل به ثابت عن رسول الله - ﷺ - ثبوتاً لا مطعن فيه مبيناً بطلان تلك الأدلة التي لا يعول عليها. فقد أخرج البخاري في صحيحه في باب "كتابة العلم" وفي باب "لا يقتل المسلم بالكافر" أن أبا جحيفة سأل علياً ﵁: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتابه، وما في هذه

стр. 640

الصحيفة قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر. فهذا نص صحيح قاطع للنزاع، مخصص لعموم النفس بالنفس، مبين عدم صحة الأخبار المروية بخلافه، ولم يصح في الباب شيء يخالفه. قال ابن كثير في تفسيره بعد أن ساق حديث علي هذا: ولا يصح حديث، ولا تأويل يخالف هذا. وقال القرطبي في تفسيره: قلت: فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية، وعموم قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. فهذا الذي ذكرنا في هذا المبحث هو تحقيق المقام في حكم القصاص في الأنفس بين الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، والمسلمين والكفار. وأما حكم القصاص بينهم في الأطراف، فجمهور العلماء على أنه تابع للقصاص في الأنفس، فكل شخصين يجري بينهما القصاص في النفس، فإنه يجري بينهما في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، والذمي بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم. ومشهور مذهب مالك أن الناقص لا يقتص منه للكامل في الجراح، فلا يقتص من عبد جرح حراً، ولا من كافر جرح مسلماً،

стр. 641

وهو مراد خليل بن إسحاق المالكي بقوله في مختصره: والجرح كالنفس في الفعل، والفاعل والمفعول، إلا ناقصاً جرح كاملاً يعني فلا يقتص منه له. ورواية ابن القصار عن مالك وجوب القصاص وفاقاً للأكثر، ومن لا يقتل بقتله لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد. وممن قال بهذا مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب المغني، وغيره. وقال أبو حنيفة: لا قصاص في الأطراف بين مختلفي البدل، فلا يقطع الكامل بالناقص، ولا الناقص بالكامل، ولا الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا الحر بالعبد، ولا العبد بالحر. ويقطع المسلم بالكافر، والكافر بالمسلم؛ لأن التكافؤ معتبر في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ولا الكاملة بالناقصة، فكذلك لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة، ولا يؤخذ طرفها بطرفه، كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى. وأجيب من قبل الجمهور، بأن من يجري بينهما القصاص في النفس يجرى في الطرف بينهما، كالحرين، وما ذكره المخالف يبطل بالقصاص في النفس، فإن التكافؤ فيه معتبر بدليل أن المسلم لا يقتل بمستأمن، ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة؛ لأن المماثلة قد وجدت، ومعها زيادة، فوجب أخذها بها إذا رضي المستحق، كما تؤخذ ناقصة الأصابع بكاملة الأصابع. وأما اليسار واليمين فيجريان مجرى النفس؛ لاختلاف محليهما، ولهذا استوى بدلهما، فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعاً، وأن

стр. 642

العلة فيهما ليست كما ذكر المخالف. قاله ابن قدامة في المغني. ومن الدليل على جريان القصاص في الأطراف بين من جرى بينهم في الأنفس قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ووما روي عن الإمام أحمد من أنه لا قصاص بين العبيد فيما دون النفس، وهو قول الشعبي، والثوري، والنخعي، وفاقاً لأبي حنيفة معللين بأن أطراف العبيد مال كالبهائم يرد عليه بدليل الجمهور الذي ذكرنا آنفاً، وبأن أنفس العبيد مال أيضاً كالبهائم، مع تصريح الله تعالى بالقصاص فيها في قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾. واعلم أنه يشترط للقصاص فيما دون النفس ثلاثة شروط: الأول: كونه عمداً، وهذا يشترط في قتل النفس بالنفس أيضاً. الثاني: كونهما يجري بينهما القصاص في النفس. الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف، ولا زيادة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية، ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فإن لم يمكن استيفاؤه من غير زيادة سقط القصاص، ووجبت الدية، ولأجل هذا أجمع العلماء على أن ما يمكن استيفاؤه من غير حيف، ولا زيادة فيه القصاص المذكور في الآية، في قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾،

стр. 643

وكالجراح التي تكون في مفصل، كقطع اليد، والرجل من مفصليهما. واختلفوا في قطع العضو من غير مفصل، بل من نفس العظم، فمنهم من أوجب فيه القصاص، نظراً إلى أنه يمكن من غير زيادة. وممن قال بهذا مالك، فأوجب القصاص في قطع العظم من غير المفصل إلا فيما يخشى منه الموت كقطع الفخذ، ونحوها. وقال الشافعي: لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقاً، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه يقول عطاء، والشعبي، والحسن البصري، والزهري، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري، والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السن. استدل من قال لا قصاص في قطع العظم من غير المفصل، بما رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم بن قران، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي، أن رجلاً ضرب رجلاً على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النبي - ﷺ -، فأمر له بالدية، فقال: يا رسول الله أريد القصاص، فقال: "خذ الدية بارك الله لك فيها" ولم يقض له بالقصاص. قال ابن عبد البر: ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قران العكلي ضعيف أعرابي، ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضاً، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في

стр. 644

الصحابة. اهـ. من ابن كثير وقال ابن حجر في [التقريب] في دهثم المذكور: متروك، وفي نمران المذكور: مجهول. واختلاف العلماء في ذلك إنما هو من اختلافهم في تحقيق مناط المسألة، فالذين يقولون بالقصاص: يقولون: إنه يمكن من غير حيف، والذين يقولون: بعدمه يقولون: لا يمكن إلا بزيادة، أو نقص، وهم الأكثر. ومن هنا منع العلماء القصاص، فيما يظن به الموت، كما بعد الموضحة من منقلة أطارت بعض عظام الرأس، أو مأمومة وصلت إلى أم الدماغ، أو دامغة خرقت خريطته، وكالجائفة، وهي التي نفذت إلى الجوف، ونحو ذلك للخوف من الهلاك. وأنكر الناس على ابن الزبير القصاص في المأمومة، وقالوا: ما سمعنا بأحد قاله قبله. واعلم أن العين الصحيحة لا تؤخذ بالعوراء، واليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ونحو ذلك. كما هو ظاهر. تنبيه إذا اقتص المجني عليه من الجاني فيما دون النفس، فمات من القصاص فلا شيء على الذي اقتص منه عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وغيرهم. وقال أبو حنيفة: تجب الدية في مال المقتص، وقال الشعبي وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي، وابن أبي

стр. 645

ليلى، وحماد بن أبي سليمان، والزهري، والثوري: تجب الدية على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وعثمان البتي: يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله. قاله ابن كثير. والحق أن سراية القود غير مضمونة؛ لأن من قتله القود، قتله الحق، كما روي عن أبي بكر، وعمر، وغيرهما، بخلاف سراية الجناية، فهي مضمونة، والفرق بينهما ظاهر جداً. واعلم أنه لا تؤخذ عين، ولا أذن، ولا يد يسرى بيمنى، ولا عكس ذلك، لوجوب اتحاد المحل في القصاص، وحكي عن ابن سيرين، وشريك أنهما قالا: بأن إحداهما تؤخذ بالأخرى، والأول قول أكثر أهل العلم. واعلم أنه يجب تأخير القصاص في الجراح حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال، ثم زاد جرحه، فلا شيء له. والدليل على ذلك، ما رواه الإمام أحمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه جده، أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي - ﷺ -، فقال: "أقدني، فقال: حتى تبرأ، ثم جاء إليه، فقال: أقدني، فأقاده، فقال: يا رسول الله عرجت، فقال: قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عرجك، ثم نهى رسول الله - ﷺ - أن يقتص من جرح قبل أن يبرأ صاحبه" تفرد به أحمد. قاله ابن كثير.

стр. 646

وقال بعض العلماء بجواز تعجيل القصاص قبل البرء. وقد عرفت من حديث عمرو بن شعيب المذكور آنفاً أن سراية الجناية بعد القصاص هدر. وقال أبو حنيفة، والشافعي: ليست هدر، بل هي مضمونة. والحديث حجة عليهما، رحمهما الله تعالى، ووجهه ظاهر؛ لأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله، فأبطل الشارع حقه. وإذا عرفت مما ذكرنا تفصيل مفهوم قوله تعالى أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ الآية. فاعلم أن مفهوم قوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ هو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال ابن كثير في تفسيره: المحاربة هي المخالفة والمضادة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض، يطلق على أنواع من الشر. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾. فإذا علمت ذلك فاعلم أن المحارب الذي يقطع الطريق، ويخيف السبيل ذكر الله أن جزاءه واحدة من أربع خلال هي: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. وظاهر هذه الآية الكريمة أن الإمام مخير فيها؛ يفعل ما شاء منها بالمحارب، كما هو مدلول أو؛ لأنها تدل على التخيير. ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ

стр. 647

أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾. وكون الإمام مخيراً بينهما مطلقاً من غير تفصيل هو مذهب مالك، وبه قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، كما نقله عنهم ابن جرير، وغيره، وهو رواية ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، ونقله القرطبي عن أبي ثور، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، ومالك، وقال: وهو مروي عن ابن عباس. ورجح المالكية هذا القول بأن اللفظ فيه مستقل غير محتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن اللفظ إذا دار بين الاستقلال والافتقار إلى تقدير محذوف فالاستقلال مقدم؛ لأنه هو الأصل إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذوف، وإلى هذا أشار في [مراقي السعود] بقوله: كذاك ما قابل ذا اعتلال ... من التأصل والاستقلال إلى قوله: كذاك ترتيب لإيجاب العمل ... بماله الرجحان مما يحتمل والرواية المشهورة عن ابن عباس أن هذه الآية منزلة على أحوال، وفيها قيود مقدرة. وإيضاحه: أن المعنى أن يقتلوا إذا قتلوا ولم يأخذوا المال، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا أحداً ولم

стр. 648

يأخذوا مالاً. وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وأبو مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني، وغير واحد من السلف والأئمة. قاله ابن كثير. ونقله القرطبي، وابن جرير، عن ابن عباس، وأبي مجلز، وعطاء الخراساني، وغيرهم. ونقل القرطبي عن أبي حنيفة إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يده ورجله، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه. ولا يخفى أن الظاهر المتبادر من الآية هو القول الأول؛ لأن الزيادة على ظاهر القرآن بقيود تحتاج إلى نص من كتاب، أو سنة. وتفسير الصحابي لهذا بذلك ليس له حكم الرفع، لإمكان أن يكون عن اجتهاد منه. ولا نعلم أحداً روى في تفسير هذه الآية بالقيود المذكورة خبراً مرفوعاً إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره عن أنس: حدثنا علي بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين إلى أن قال: قال أنس: "فسأل رسول الله - ﷺ - جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق، وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل، واستحل الفرج الحرام فاصلبه". وهذا الحديث لو كان ثابتاً لكان قاطعاً للنزاع، ولكن فيه ابن

стр. 649

لهيعة، ومعلوم أنه خلط بعد احتراق كتبه، ولا يحتج به. وهذا الحديث ليس راويه عنه ابن المبارك، ولا ابن وهب؛ لأن روايتهما عنه أعدل من رواية غيرهما. وابن جرير نفسه يرى عدم صحة هذا الحديث الذي ساقه؛ لأنه قال في سوقه للحديث المذكور: وقد روي عن رسول الله - ﷺ - بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا به علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم. إلى آخر الإسناد الذي قدمنا آنفاً، وذكرنا معه محل الغرض من المتن. ولكن هذا الحديث وإن كان ضعيفاً فإنه يقوي هذا القول الذي عليه أكثر أهل العلم، ونسبه ابن كثير للجمهور. واعلم أن الصلب المذكور في قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ اختلف فيه العلماء، فقيل: يصلب حياً، ويمنع من الشراب، والطعام، حتى يموت، وقيل: يصلب حياً، ثم يقتل برمح، ونحوه، مصلوباً، وقيل: يقتل أولاً، ثم يصلب بعد القتل، وقيل: ينزل بعد ثلاثة أيام، وقيل: يترك حتى يسيل صديده، والظاهر أنه يصلب بعد القتل زمناً يحصل فيه اشتهار ذلك؛ لأن صلبه ردع لغيره. وكذلك قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ اختلف العلماء في المراد بالنفي فيه أيضاً، فقال بعضهم: معناه أن يطلبوا حتى يقدر عليهم، فيقام عليهم الحد، أو يهربوا من دار الإسلام، وهذا القول رواه ابن جرير، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس. وقال آخرون: هو أن ينفوا من بلدهم إلى بلد آخر، أو

стр. 650

يخرجهم السلطان، أو نائبه، من عمالته بالكلية، وقال عطاء الخراساني، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان: إنهم ينفون ولا يخرجون من أرض الإسلام. وذهب جماعة إلى أن المراد بالنفي في الآية السجن؛ لأنه نفي من سعة الدنيا إلى ضيق السجن، فصار المسجون كأنه منفي من الأرض إلا من موضع استقراره؛ واحتجوا بقول بعض المسجونين في ذلك: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. ولا يخفى عدم ظهوره. واختار ابن جرير أن المراد بالنفي في هذه الآية أن يخرج من بلده إلى بلد آخر، فيسجن فيه. وروي نحوه عن مالك أيضاً. وله اتجاه؛ لأن التغريب عن الأوطان نوع من العقوبة، كما يفعل بالزاني البكر. وهذا أقرب الأقوال، لظاهر الآية؛ لأنه من المعلوم إنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء! فعلم أن المراد بالأرض أوطانهم التي تشق عليهم مفارقتها. والله تعالى أعلم. مسائل من أحكام المحاربين المسألة الأولى: اعلم أن جمهور العلماء يثبتون حكم المحاربة في الأمصار والطرق على السواء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً﴾ وممن قال بهذا الأوزاعي، والليث بن سعد، وهو مذهب الشافعي، ومالك حتى قال في الذي يغتال الرجل فيخدعه،

стр. 651

حتى يدخله بيتاً، فيقتله ويأخذ ما معه: إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، فلا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال القاضي ابن العربي المالكي: كنت أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار، وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين. وتوقف الإمام أحمد في ذلك، وظاهر كلام الخرقي أنه لا محاربة إلا في الطرق، فلا يكون محارباً في المصر؛ لأنه يلحقه الغوث. وذهب كثير من الحنابلة إلى أنه يكون محارباً في المصر أيضاً، لعموم الدليل. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرق، وأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه، ويعينه. قال ابن كثير: ولا يثبت لهم حكم المحاربة إلا إذا كان عندهم سلاح، ومن جملة السلاح: العصي، والحجارة عند الأكثر؛ لأنها تتلف بها الأنفس والأطراف كالسلاح، خلافاً لأبي حنيفة. المسألة الثانية: إذا كان المال الذي أتلفه المحارب أقل من نصاب السرقة الذي يجب فيه القطع، أو كانت النفس التي قتلها

стр. 652

غير مكافئة له، كأن يقتل عبداً، أو كافراً، وهو حر مسلم، فهل يقطع في أقل من النصاب؟ ويقتل بغير الكفؤ أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: لا يقطع إلا إذا أخذ ربع دينار، وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: يقطع ولو لم يأخذ نصاباً؛ لأنه يحكم عليه بحكم المحارب. قال ابن العربي: وهو الصحيح؛ لأن الله تعالى حدد على لسان نبيه - ﷺ - ربع دينار لوجوب القطع في السرقة، ولم يحدد في قطع الحرابة شيئاً، ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية جزائهم على المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال؟ فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صيح عليه حارب عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم المحاربين. اهـ كلام ابن العربي. ويشهد لهذا القول عدم اشتراط الإخراج من حرز فيما يأخذه المحارب في قطعه، وأما قتل المحارب بغير الكفؤ فهو قول أكثر العلماء، وعن الشافعي، وأحمد فيه روايتان. والتحقيق عدم اشتراط المكافأة في قتل الحرابة؛ لأن القتل فيها ليس على مجرد القتل، وإنما هو على الفساد العام من إخافة السبيل، وسلب المال. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ فأمر بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع

стр. 653

بين شيئين، وهما المحاربة، والسعي في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفاً من وضيع، ولا رفيعاً من دنيء، اهـ من القرطبي. قال مقيده - عفا الله عنه -: ومما يدل على عدم اعتبار المكافأة في قتل الحرابة إجماع العلماء على أن عفو ولي المقتول في الحرابة لغو لا أثر له، وعلى الحاكم قتل المحارب القاتل، فهو دليل على أنها ليست مسألة قصاص خالص، بل هناك تغليظ زائد من جهة المحاربة. المسألة الثالثة: إذا حمل المحاربون على قافلة مثلاً، فقتل بعضهم بعض القافلة، وبعض المحاربين لم يباشر قتل أحد، فهل يقتل الجميع، أو لا يقتل إلا من باشر القتل، فيه خلاف. والتحقيق قتل الجميع؛ لأن المحاربة مبنية على حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة، فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة الآخر الذي هو ردء له ومعين على حرابته. ولو قتل بعضهم، وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم، وصلبهم كلهم؛ لأنهم شركاء في كل ذلك، وخالف في هذا الشافعي ﵀ فقال: لا يجب الحد إلا على من ارتكب المعصية، ولا يتعلق بمن أعانه عليها كسائر الحدود، وإنما عليه التعزير. المسألة الرابعة: إذا كان في المحاربين صبي، أو مجنون، أو أب المقطوع عليه، فهل يسقط الحد عن كلهم؟ ويصير القتل للأولياء إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا نظراً إلى أن حكم الجميع واحد، فالشبهة في فعل واحد شبهة في الجميع، وهو قول أبي حنيفة، أو لا يسقط الحد غير المذكور من صبي، أو مجنون، أو

стр. 654

أب، وهو قول أكثر العلماء، وهو الظاهر. المسألة الخامسة: إذا تاب المحاربون بعد القدرة عليهم، فتوبتهم حينئذ لا تغير شيئاً من إقامة الحدود المذكورة عليهم، وأما إن جاءوا تائبين قبل القدرة عليهم، فليس للإمام عليهم حينئذ سبيل؛ لأنهم تسقط عنهم حدود الله، وتبقى عليهم حقوق الآدميين، فيقتص منهم في الأنفس والجراح، ويلزمهم غرم ما أتلفوه من الأموال، ولولي الدم حينئذ العفو إن شاء، ولصاحب المال إسقاطه عنهم. وهذا قول أكثر العلماء مع الإجماع على سقوط حدود الله عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وإنما لزم أخذ ما بأيديهم من الأموال، وتضمينهم ما استهلكوا؛ لأن ذلك غصب، فلا يجوز لهم تملكه، وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطلب المحارب الذي جاء تائباً قبل القدرة عليه إلا بما وجد معه من المال، وأما ما استهلكه، فلا يطلب به، وذكر الطبري هذا عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه. قال القرطبي: وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب ﵁ بحارثة بن بدر الغداني، فإنه كان محارباً، ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له سقوط الأموال والدم عنه كتاباً منشوراً، ونحوه ذكره ابن جرير. قال ابن خويز منداد: واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد، ولم يوجد له مال، هل يتبع ديناً بما أخذ، أو

стр. 655

يسقط عنه، كما يسقط عن السارق. يعني عند مالك: والمسلم، والذمي في ذلك سواء. ومعنى قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ اختلف فيه العلماء، فروي عن ابن عباس أنه قال: معناها أن من قتل نبياً، أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً. نقله القرطبي، وابن جرير وغيرهما، ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: المعنى أن من انتهك حرمة نفس واحدة بقتلها فهو كمن قتل الناس جميعاً؛ لأن انتهاك حرمة الأنفس سواء في الحرمة والإثم، ومن ترك قتل نفس واحدة واستحياها خوفاً من الله فهو كمن أحيا الناس جميعاً؛ لاستواء الأنفس في ذلك. وعن ابن عباس: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ أي عند المقتول إذ لا غرض له في حياة أحد بعد موته هو، ومن أحياها واستنقذها من هلكه فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ، وقال مجاهد: المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمداً جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً، ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه. واختار هذا القول ابن جرير. وقال ابن زيد: المعنى أن من قتل نفساً يلزمه من القصاص ما يلزم من قتل الناس جميعاً؛ قال: ومن أحياها؛ أي: عفا عمن

стр. 656

وجب له قتله، وقال الحسن أيضاً: هو العفو بعد المقدرة، وقيل: المعنى أن قتل نفساً فالمؤمنون كلهم خصماؤه لأنه قد وتر الجميع، ومن أحياها وجب على الكل شكره، وقيل: كان هذا مختصاً ببني إسرائيل، وقيل: المعنى أن من استحل قتل واحد، فقد استحل الجميع؛ لأنه أنكر الشرع، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعاً. ذكر هذه الأقوال القرطبي؛ وابن كثير، وابن جرير وغيرهم؛ واستظهر ابن كثير هذا القول الأخير، وعزاه لسعيد بن جبير. وقال البخاري في [صحيحه]: باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ قال ابن عباس: من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه جميعاً. وقال القرطبي: إحياؤه عبارة عن الترك، والإنقاذ من هلكة، وإلا فالإحياء حقيقة الذي هو الاختراع إنما هو لله تعالى، وهذا الإحياء، كقول نمروذ لعنه الله: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ فسمى الترك إحياء، وكذلك قال ابن جرير. • قوله تعالى: ﴿(٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً﴾ الآية. اعلم أن هذه الآية اختلف في سبب نزولها، فقيل: نزلت في قوم من المشركين، وقيل: نزلت في قوم من أهل الكتاب، وقيل: نزلت في الحرورية. وأشهر الأقوال هو ما تضافرت به الروايات من الصحاح،

стр. 657

وغيرها أنها نزلت في قوم "عرينة" و"عكل" الذين قدموا على رسول الله - ﷺ - فاجتووا المدينة، فأمر لهم - ﷺ - بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها، وألبانها فانطلقوا، فلما صحوا وسمنوا، قتلوا راعي النبي - ﷺ -، واستاقوا اللقاح، فبلغه - ﷺ - خبرهم، فأرسل في أثرهم سرية فجاءوا بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. وعلى هذا القول فهي نازلة في قوم سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، هذه هي أقوال العلماء في سبب نزولها. والذي يدل عليه ظاهر القرآن أنها في قطاع الطريق من المسلمين كما قاله جماعة من الفقهاء، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية، فإنها ليست في الكافرين قطعاً؛ لأن الكافر تقبل توبته بعد القدرة عليه كما تقبل قبلها إجماعاً؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وليست في المرتدين؛ لأن المرتد يقتل بردته وكفره ولا يقطع؛ لقوله - ﷺ - عاطفاً على ما يوجب القتل: "والتارك لدينه المفارق للجماعة" وقوله: "من بدل دينه فاقتلوه" فيتعين أنها في المحاربين من المسلمين. فإن قيل: وهل، يصح أن يطلق على المسلم أنه محارب لله ورسوله؟ فالجواب: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. تنبيه استشكل بعض العلماء تمثيله - ﷺ - بالعرنيين؛ لأنه سمل

стр. 658

أعينهم مع قطع الأيدي والأرجل مع أن المرتد يقتل ولا يمثل به. واختلف في الجواب فقيل فيه ما حكاه الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نسخت فعل النبي ﷺ بهم، وقال محمد بن سيرين: كان ذلك قبل نزول الحدود، وقال أبو الزناد: إن هذه الآية معاتبة له ﷺ على ما فعل بهم، وبعد العتاب على ذلك لم يعد، قاله أبو داود. والتحقيق في الجواب هو أنه ﷺ فعل بهم ذلك قصاصاً، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه ﷺ إنما سمل أعينهم قصاصاً؛ لأنهم سملوا أعين رعاة اللقاح، وعقده البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله: وبعدها أنتهبها الأولى انتهوا ... لغاية الجهد وطيبة اجتووا فخرجوا فشربوا ألبانها ... ونبذوا إذ سمنوا أمانها فاقتص منهم النبي أن مثلوا ... بعبده ومقلتيه سملوا واعترض على الناظم شارح النظم "حماد" لفظة: بعبده؛ لأن الثابت أنهم مثلوا بالرعاء، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ الآية. اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد ﷺ بإخلاص في ذلك لله تعالى؛ لأن هذا وحده هو الطريق

стр. 659

الموصلة إلى رضا الله تعالى، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة. وأصل الوسيلة الطريق التي تقرب إلى الشيء، وتوصل إليه، وهي العمل الصالح بإجماع العلماء؛ لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله - ﷺ -، وعلى هذا فالآيات المبينة للمراد من الوسيلة كثيرة جداً، كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وروي عن ابن عباس ﵄ أن المراد بالوسيلة الحاجة، ولما سأله نافع الأزرق هل تعرف العرب ذلك؟ أنشد له بيت عنترة: إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي قال: يعني لهم إليك حاجة، وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس فالمعنى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ واطلبوا حاجتكم من الله؛ لأنه وحده هو الذي يقدر على إعطائها. ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، وفي الحديث "وإذا سألت فاسأل الله". قال مقيده - عفا الله عنه -: التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به الرسول - ﷺ -، وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من

стр. 660

أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته. وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف، من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه= أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين، وتلاعب بكتاب الله تعالى. واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وفيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضا الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله - ﷺ -، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ هو الآية. والظاهر أن الوسيلة في بيت عنترة معناها التقرب أيضاً إلى المحبوب؛ لأنه وسيلة لنيل المقصود منه، ولذا أنشد بيت عنترة المذكور ابن جرير، والقرطبي وغيرهما لهذا المعنى الذي ذكرنا. وجمع الوسيلة: الوسائل، ومنه قول الشاعر: إذا غفل الواشون وعدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل وهذا الذي فسرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضاً في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية، وليس المراد بالوسيلة أيضاً المنزلة التي في الجنة التي أمرنا - ﷺ - أن نسأل له الله أن يعطيه إياها، نرجو الله أن يعطيه إياها؛ لأنها لا تنبغي إلا لعبد، وهو يرجو أن يكون هو.

стр. 661

• قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ في هذه الآية الكريمة إجمال؛ لأن المشار إليه بقوله هَذَا، ومفسر الضمير في قوله: ﴿فَخُذُوهُ﴾ وقوله: ﴿لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ لم يصرح به في الآية ولكن الله أشار له هنا، وذكره في موضع آخر. اعلم أولاً أن هذه الآية نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا بعد الإحصان، وكان اليهود قد بدلوا حكم الرجم في التوراة، فتعمدوا تحريف كتاب الله، واصطلحوا فيما بينهم على أن الزاني المحصن الذي يعلمون أن حده في كتاب الله -التوراة- الرجم، أنهم يجلدونه ويفضحونه بتسويد الوجه، والإركاب على حمار، فلما زنى المذكوران قالوا فيما بينهم: تعالوا نتحاكم إلى محمد ﷺ في شأن حدهما، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه ذلك، واجعلوه حجة بينكم وبين الله تعالى، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم فيهما بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المراد بقوله: ﴿هَذَا﴾ وقوله: ﴿فَخُذُوهُ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ هو الحكم المحرف الذي هو الجلد والتحميم كما بينا، وأشار إلى ذلك هنا بقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يعني المحرف والمبدل الذي هو الجلد والتحميم ﴿فخذوه وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ بأن حكم بالحق الذي هو الرجم ﴿فَاحْذَرُوا﴾ أن تقبلوه. وذكر تعالى هذا أيضاً في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ يعني التوراة ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يعني في شأن الزانيين المذكورين ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي عما

стр. 662

في التوراة من حكم رجم الزاني المحصن، وقوله هنا: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ هو معنى قوله عنهم: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأحبار والرهبان استحفظوا كتاب الله يعني استودعوه، وطلب منهم حفظه، ولم يبين هنا هل امتثلوا الأمر في ذلك وحفظوه، أو لم يمتثلوا الأمر في ذلك وضيعوه؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا الأمر، ولم يحفظوا ما استحفظوه، بل حرفوه وبدلوه عمداً، كقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هو الآية، وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه إن قيل: ما الفرق بين التوراة والقرآن، فإن كلا منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله وسلامه عليهم؛ والتوراة حرفت، وبدلت كما بيناه آنفاً؛ والقرآن محفوظ من التحريف والتبديل؛ ولو حرف منه أحد حرفاً واحداً فأبدله بغيره؛ أو زاد فيه

стр. 663

حرفاً، أو نقص فيه آخر لرد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلاً عن كبارهم؟. فالجواب أن الله استحفظهم التوراة؛ واستودعهم إياها؛ فخانوا الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمداً، والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه إلى أحد حتى يمكنه تضييعه، بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة، كما أوضحه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ وقوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. و"الباء" في قوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ متعلقة بالرهبان والأحبار؛ لأنهم إنما صاروا في تلك المرتبة بسبب ما استحفظوا من كتاب الله، وقيل متعلقة بيحكم، والمعنى متقارب. • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ اختلف العلماء في هذه الآية الكريمة: هل هي في المسلمين، أو في الكفار، فروي عن الشعبي أنها في المسلمين، وروي عنه أنها في اليهود، وروي عن طاوس أيضاً أنها في المسلمين، وأن المراد بالكفر فيها كفر دون كفر، وأنه ليس الكفر المخرج من الملة، وروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: ليس الكفر الذي تذهبون إليه. رواه عنه ابن أبي حاتم، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين: ولم يخرجاه. قاله ابن كثير. قال بعض العلماء: والقرآن العظيم يدل على أنها في اليهود؛ لأنه تعالى ذكر فيما قبلها أنهم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ، وأنهم يقولون: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يعني الحكم المحرف الذي هو

стр. 664

غير حكم الله فَخُذُوهُ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ، أي: المحرف، بل أوتيتم حكم الله الحق فَاحْذَرُوا، فهم يأمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه حق. وقد قال تعالى بعدها: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، فدل على أن الكلام فيهم، وممن قال بأن الآية في أهل الكتاب كما دل عليه ما ذكر= البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبو مجلز، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة، وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري وغيرهم، وزاد الحسن، وهي علينا واجبة. نقله عنهم ابن كثير، ونقل نحو قول الحسن عن إبراهيم النخعي. وقال القرطبي في تفسيره: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) الظَّالِمُونَ (٤٥) الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم، وعلى هذا المعظم، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل: فيه إضمار، أي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ رداً للقرآن، وجحداً لقول الرسول - ﷺ - فهو كافر. قاله ابن عباس ومجاهد. فالآية عامةً على هذا. قال ابن مسعود، والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي: معتقداً ذلك ومستحلاً له، فأما من فعل ذلك، وهو معتقد أنه مرتكب محرم فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وقال ابن عباس في رواية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فقد

стр. 665

فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفار، وقيل: أي: ومن لم يحكم بجميع ما أنزل فهو كافر، فأما من حكم بالتوحيد، ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية. والصحيح الأول إلا أن الشعبي قال: هي في اليهود خاصة. واختاره النحاس قال: ويدل على ذلك ثلاثة أشياء: منها: أن اليهود ذكروا قبل هذا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ فعاد الضمير عليهم. ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك، ألا ترى أن بعده: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ فهذا الضمير لليهود بإجماع، وأيضاً فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص. فإن قال قائل: "من" إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها. قيل له: "من" هنا بمعنى الذي، مع ما ذكرناه من الأدلة والتقرير، واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا من أحسن ما قيل في هذا. ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل؟ فقال: نعم هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل. وقيل: الكافرون للمسلمين، والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى. وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، قال: لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي

стр. 666

زائدة، وابن شبرمة، والشعبي أيضاً. قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر. وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة، على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى، وحكم بحكم غير الله فهو كافر. وعزا هذا إلى الحسن والسدي، وقال الحسن أيضاً: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشون الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً. انتهى كلام القرطبي. قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ نازلة في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مخاطباً لمسلمي هذه الأمة: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلاً له، أو قاصداً به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها. أما من حكم بغير حكم الله، وهو عالم أنه مرتكب ذنباً، فاعل قبيحاً، وإنما حمله على ذلك الهوى، فهو من سائر عصاة المسلمين. وسياق القرآن ظاهر أيضاً في أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ في اليهود لأنه قال قبلها: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ

стр. 667

وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾. فالخطاب لهم؛ لوضوح دلالة السياق عليه كما أنه ظاهر، وأيضًا في أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ في النصارى؛ لأنه قال قبلها: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾. واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منها ربما أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ معارضةً للرسل، وإبطالاً لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ معتقداً أنه مرتكب حراماً، فاعل قبيحاً، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة، وقد عرفت أن ظاهر القرآن يدل على أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، والعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، وتحقيق أحكام الكل هو ما رأيت، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، قد قدمنا احتجاج أبي حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على قتل المسلم بالذمي، ونفس الآية فيها إشارة إلى أن الكافر لا يدخل في عموم الآية، كما ذهب إليه جمهور العلماء، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ الآية. ومن المعلوم أن الكافر ليس من المتصدقين الذين تكون

стр. 668

صدقتهم كفارة لهم؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. نبه على هذا إسماعيل القاضي في [أحكام القرآن] كما نقله ابن حجر في [فتح الباري]. وما ذكره إسماعيل القاضي من أن الآية تدل أيضاً على عدم دخول العبد بناء على أنه لا يصح له التصدق بجرحه؛ لأن الحق لسيده غير مسلم؛ لأن من العلماء من يقول: إن الأمور المتعلقة ببدن العبد كالقصاص له العفو فيها، دون سيده، وعليه فلا مانع من تصدقه بجرحه، وعلى قول من قال: إن معنى: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أن التصدق بالجناية كفارة للجاني، لا للمجني عليه، فلا مانع أيضاً من الاستدلال المذكور بالآية؛ لأن الله لا يذكر عن الكافر أنه متصدق؛ لأن الكافر لا صدقة له لكفره، وما هو باطل لا فائدة فيه لا يذكره الله تعالى في معرض التقرير والإثبات. مع أن هذا القول ضعيف في معنى الآية. وجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم على أن معناها فهو كفارة للمتصدق. وهو أظهر؛ لأن الضمير فيه عائد إلى مذكور، وذلك في المؤمن قطعاً دون الكافر، فالاستدلال بالآية ظاهر جداً. تنبيه احتج بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على أنه لا يقتل اثنان بواحد؛ لأنهما لو قتلا به لخرج عن قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ لكونهما نفسين بنفس واحدة.

стр. 669

وممن قال بهذا متمسكاً بهذا الدليل ابن الزبير والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، وحكاه ابن أبي موسى، عن ابن عباس. وروي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري: أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية؛ لأن كل واحد منهم مكافىء له، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد. كما نقله عمن ذكرنا ابن قدامة في [المغني]. وقالوا: مقتضى قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة. قالوا: ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع القصاص؛ بدليل عدم قتل الحر بالعبد، والتفاوت في العدد أولى. وقال ابن المنذر: لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد. وعدم قتل الجماعة بالواحد، رواية عن الإمام أحمد. والرواية المشهورة عن الإمام أحمد، ومذهب الأئمة الثلاثة: أنه يقتل الجماعة بالواحد، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قتل سبعة بواحد، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعاً، وروي نحو ذلك عن علي ﵁، فإنه توقف عن قتال الحرورية حتى يحدثوا، فلما ذبحوا عبد الله بن خباب، كما تذبح الشاة، وأخبر علي بذلك قال: الله أكبر، نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله، ثلاث مرات، فقال علي لأصحابه: دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه.

стр. 670

نقله القرطبي عن الدارقطني في [سننه]. ويؤيد قتل الجماعة بالواحد ما رواه الترمذي عن أبي سعيد، وأبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لو أن أهل السماء، وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار" قال فيه الترمذي: حديث غريب. نقله عنه القرطبي. وروى البيهقي في [السنن الكبرى] نحوه عن ابن عباس مرفوعاً، وزاد "إلا أن يشاء" وروى البيهقي أيضاً عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ -: "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله". وروي عن المغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن قدامة في [المغني] أن الجماعة تقتل بالواحد، ورواه البيهقي عن عمر، وعلي ﵄ أيضاً، ولم يعلم لهما مخالف من الصحابة فصار إجماعاً سكوتياً. واعترضه بعضهم بأن ابن الزبير ثبت عنه عدم قتل الجماعة بالواحد، كما قاله ابن المنذر، وإذن فالخلاف واقع بين الصحابة؛ والمقرر في الأصول أن الصحابة إذا اختلفوا لم يجز العمل بأحد القولين إلا بترجيح. قال مقيده - عفا الله عنه -: ويترجح مذهب الجمهور الذي هو قتل الجماعة بالواحد بأن الله تعالى قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ
следующие страницы →