← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

زائدة، وابن شبرمة، والشعبي أيضاً. قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر. وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة، على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى، وحكم بحكم غير الله فهو كافر. وعزا هذا إلى الحسن والسدي، وقال الحسن أيضاً: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشون الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً. انتهى كلام القرطبي. قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ نازلة في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مخاطباً لمسلمي هذه الأمة: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلاً له، أو قاصداً به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها. أما من حكم بغير حكم الله، وهو عالم أنه مرتكب ذنباً، فاعل قبيحاً، وإنما حمله على ذلك الهوى، فهو من سائر عصاة المسلمين. وسياق القرآن ظاهر أيضاً في أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ في اليهود لأنه قال قبلها: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ

стр. 667

وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾. فالخطاب لهم؛ لوضوح دلالة السياق عليه كما أنه ظاهر، وأيضًا في أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ في النصارى؛ لأنه قال قبلها: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾. واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منها ربما أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ معارضةً للرسل، وإبطالاً لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ معتقداً أنه مرتكب حراماً، فاعل قبيحاً، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة، وقد عرفت أن ظاهر القرآن يدل على أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، والعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، وتحقيق أحكام الكل هو ما رأيت، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، قد قدمنا احتجاج أبي حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على قتل المسلم بالذمي، ونفس الآية فيها إشارة إلى أن الكافر لا يدخل في عموم الآية، كما ذهب إليه جمهور العلماء، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ الآية. ومن المعلوم أن الكافر ليس من المتصدقين الذين تكون

стр. 668

صدقتهم كفارة لهم؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. نبه على هذا إسماعيل القاضي في [أحكام القرآن] كما نقله ابن حجر في [فتح الباري]. وما ذكره إسماعيل القاضي من أن الآية تدل أيضاً على عدم دخول العبد بناء على أنه لا يصح له التصدق بجرحه؛ لأن الحق لسيده غير مسلم؛ لأن من العلماء من يقول: إن الأمور المتعلقة ببدن العبد كالقصاص له العفو فيها، دون سيده، وعليه فلا مانع من تصدقه بجرحه، وعلى قول من قال: إن معنى: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أن التصدق بالجناية كفارة للجاني، لا للمجني عليه، فلا مانع أيضاً من الاستدلال المذكور بالآية؛ لأن الله لا يذكر عن الكافر أنه متصدق؛ لأن الكافر لا صدقة له لكفره، وما هو باطل لا فائدة فيه لا يذكره الله تعالى في معرض التقرير والإثبات. مع أن هذا القول ضعيف في معنى الآية. وجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم على أن معناها فهو كفارة للمتصدق. وهو أظهر؛ لأن الضمير فيه عائد إلى مذكور، وذلك في المؤمن قطعاً دون الكافر، فالاستدلال بالآية ظاهر جداً. تنبيه احتج بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على أنه لا يقتل اثنان بواحد؛ لأنهما لو قتلا به لخرج عن قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ لكونهما نفسين بنفس واحدة.

стр. 669

وممن قال بهذا متمسكاً بهذا الدليل ابن الزبير والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، وحكاه ابن أبي موسى، عن ابن عباس. وروي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري: أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية؛ لأن كل واحد منهم مكافىء له، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد. كما نقله عمن ذكرنا ابن قدامة في [المغني]. وقالوا: مقتضى قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة. قالوا: ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع القصاص؛ بدليل عدم قتل الحر بالعبد، والتفاوت في العدد أولى. وقال ابن المنذر: لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد. وعدم قتل الجماعة بالواحد، رواية عن الإمام أحمد. والرواية المشهورة عن الإمام أحمد، ومذهب الأئمة الثلاثة: أنه يقتل الجماعة بالواحد، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قتل سبعة بواحد، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعاً، وروي نحو ذلك عن علي ﵁، فإنه توقف عن قتال الحرورية حتى يحدثوا، فلما ذبحوا عبد الله بن خباب، كما تذبح الشاة، وأخبر علي بذلك قال: الله أكبر، نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله، ثلاث مرات، فقال علي لأصحابه: دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه.

стр. 670

نقله القرطبي عن الدارقطني في [سننه]. ويؤيد قتل الجماعة بالواحد ما رواه الترمذي عن أبي سعيد، وأبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لو أن أهل السماء، وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار" قال فيه الترمذي: حديث غريب. نقله عنه القرطبي. وروى البيهقي في [السنن الكبرى] نحوه عن ابن عباس مرفوعاً، وزاد "إلا أن يشاء" وروى البيهقي أيضاً عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ -: "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله". وروي عن المغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن قدامة في [المغني] أن الجماعة تقتل بالواحد، ورواه البيهقي عن عمر، وعلي ﵄ أيضاً، ولم يعلم لهما مخالف من الصحابة فصار إجماعاً سكوتياً. واعترضه بعضهم بأن ابن الزبير ثبت عنه عدم قتل الجماعة بالواحد، كما قاله ابن المنذر، وإذن فالخلاف واقع بين الصحابة؛ والمقرر في الأصول أن الصحابة إذا اختلفوا لم يجز العمل بأحد القولين إلا بترجيح. قال مقيده - عفا الله عنه -: ويترجح مذهب الجمهور الذي هو قتل الجماعة بالواحد بأن الله تعالى قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ

стр. 671

حَيَاةٌ﴾ يعني أن من علم أنه يقتل إذا قتل يكون ذلك رادعاً له وزاجراً عن القتل، ولو كان الاثنان لا يقتص منهما للواحد، لكان كل من أحب أن يقتل مسلماً أخذ واحداً من أعوانه فقتله معه، فلم يكن هناك رادع عن القتل، وبذلك تضيع حكمة القصاص من أصلها، مع أن المتمالئين على القتل يصدق على كل واحد منهم أنه قاتل فيقتل، ويدل له أن الجماعة لو قذفوا واحداً لوجب حد القذف على جميعهم. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ لم يبين هنا شيئاً مما أنزل في الإنجيل الذي أمر أهل الإنجيل بالحكم به، وبين في مواضع أخر أن من ذلك البشارة بمبعث نبينا محمد ﷺ ، ووجوب اتباعه، والإيمان به كقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. لطيفة لها مناسبة بهذه الآية الكريمة: ذكر بعض العلماء أن نصرانياً قال لعالم من علماء المسلمين: ناظرني في الإسلام والمسيحية أيهما أفضل؟ فقال العالم للنصراني: هلم إلى المناظرة في ذلك، فقال النصراني: المتفق عليه أحق بالاتباع أم المختلف فيه؟ فقال العالم: المتفق عليه أحق بالاتباع من المختلف فيه. فقال النصراني: إذن يلزمكم اتباع عيسى معنا، وترك اتباع محمد ﷺ ؛ لأننا نحن وأنتم نتفق على نبوة عيسى، ونخالفكم في نبوة محمد عليهما الصلاة والسلام. فقال المسلم: أنتم الذين تمتنعون من اتباع

стр. 672

المتفق عليه؛ لأن المتفق عليه الذي هو عيسى قال لكم: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فلو كنتم متبعين عيسى حقاً لاتبعتم محمداً ﷺ ، فظهر أنكم أنتم الذين لم تتبعوا المتفق عليه، ولا غيره، فانقطع النصراني. ولا شك أن النصارى لو كانوا متبعين عيسى لاتبعوا محمداً ﷺ . • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ قد قدمنا أن هذه الآية في النصارى، والتي قبلها في اليهود، والتي قبل تلك في المسلمين، كما يقتضيه ظاهر القرآن. وقد قدمنا أن الكفر والظلم والفسق كلها يطلق على المعصية بما دون الكفر، وعلى الكفر المخرج من الملة نفسه، فمن الكفر بمعنى المعصية، قوله ﷺ لما سألته المرأة عن سبب كون النساء أكثر أهل النار: "إن ذلك واقع بسبب كفرهن" ثم فسره بأنهن يكفرن العشير، ومن الكفر بمعنى المخرج عن الملة، قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآية. ومن الظلم بمعنى الكفر قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ ومنه بمعنى المعصية قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ الآية، ومن الفسق بمعنى الكفر قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية، ومنه بمعنى المعصية قوله

стр. 673

في الذين قذفوا عائشة ﵂: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ ومعلوم أن القذف ليس بمخرج عن الملة، ويدل له قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ومن الفسق بمعنى المعصية أيضاً قوله في الوليد بن عقبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية. وقد قدمنا أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، فمن كان امتناعه من الحكم بما أنزل الله، لقصد معارضته ورده، والامتناع من التزامه فهو كافر ظالم فاسق، كلها بمعناه المخرج من الملة، ومن كان امتناعه من الحكم لهوى، وهو يعتقد قبح فعله، فكفره وظلمه وفسقه غير المخرج من الملة إلا إذا كان ما امتنع من الحكم به شرطاً في صحة إيمانه، كالامتناع من اعتقاد ما لا بد من اعتقاده. هذا هو الظاهر في الآيات المذكورة، كما قدمنا. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، ولكنه بين في مواضع أخر أن ولاية بعضهم لبعض زائفة ليست خالصة؛ لأنها لا تستند على أساس صحيح، هو دين الإسلام، فبين أن العداوة والبغضاء بين النصارى دائمة إلى يوم القيامة بقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وبين مثل ذلك في اليهود أيضاً، حيث قال فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ

стр. 674

يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ والظاهر أنها في اليهود فيما بينهم، كما هو صريح السياق، خلافاً لمن قال: إنها بين اليهود، والنصارى. وصرح تعالى بعدم اتفاق اليهود معللاً له بعدم عقولهم في قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾. تنبيه أخذ بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أن اليهودي والنصراني يتوارثان. ورده بعض العلماء بأن المراد بالآية ولاية اليهود لخصوص اليهود، والنصارى لخصوص النصارى، وعلى هذا المعنى فلا دليل في الآية لتوارث اليهود والنصارى. • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود؛ والنصارى، من المسلمين، فإنه يكون منهم بتوليه إياهم، وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله: والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم، وهو قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾. ونهى في موضع آخر عن توليهم مبيناً سبب التنفير منه، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾.

стр. 675

وبين في موضع آخر: أن محل ذلك فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف، وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقاً، وإيضاح لأن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم، بقدر المداراة التي يكتفي بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة. ومن يأتي الأمور على اضطرار ... فليس كمثل آتيها اختيارا ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً رغبة فيهم أنه كافر مثلهم. • قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ . ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين في قلوبهم مرض -وهم المنافقون- يعتذرون عن موالاة الكفار من اليهود بأنهم يخشون أن تدور عليهم الدوائر، أي: دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم، كما قال الشاعر: إذا ما الدهر جر على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا يعنون إما بقحط فلا يميروننا، ولا يتفضلوا علينا، وإما بظفر

стр. 676

الكفار بالمسلمين، فلا يدوم الأمر للنبي - ﷺ - وأصحابه، زعماً منهم أنهم عند تقلب الدهر بنحو ما ذكر يكون لهم أصدقاء كانوا محافظين على صداقتهم، فينالون منهم ما يؤمل الصديق من صديقه، وأن المسلمين يتعجبون من كذبهم في إقسامهم بالله جهد أيمانهم، إنهم لمع المسلمين، وبين في هذه الآية: أن تلك الدوائر التي حافظوا من أجلها على صداقة اليهود، أنها لا تدور إلا على اليهود والكفار، ولا تدور على المسلمين بقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ الآية. وعسى من الله نافذة؛ لأنه العظيم الذي لا يطمع إلا فيما يعطي. والفتح المذكور قيل: هو فتح المسلمين لبلاد المشركين، وقيل: الفتح الحكم؛ كقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ وعليه فهو حكم الله بقتل مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير، وقيل: هو فتح مكة؛ وهو راجع إلى الأول. وبين تعالى في موضع آخر أن سبب حلفهم بالكذب للمسلمين أنهم منهم إنما هو الفرق، أي: الخوف، وأنهم لو وجدو محلاً يستترون فيه عن المسلمين لسارعو إليه، بغضهم للمسلمين، وهو قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ ففي هذه الآية بيان سبب أيمان المنافقين، ونظيرها قول: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. وبين تعالى في موضع آخر أنهم يحلفون تلك الأيمان ليرضى عنهم المؤمنون، وأنهم إن رضوا عنهم فإن الله لا يرضى عنهم،

стр. 677

وهو قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾. وبين في موضع آخر: أنهم يريدون بأيمانهم إرضاء المؤمنين، وإن الله ورسوله أحق بالإرضاء، وهو قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾. وبين في موضع آخر أنهم يحلفون ليرضوا عنهم بسبب أن لهم عذراً صحيحاً، وأن الله أمرهم بالإعراض عنهم، لا لأن لهم عذراً صحيحاً، بل مع الإعلام بأنهم رجس، ومأواهم النار بسبب ما كسبوا من النفاق، وهو قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾. وبين في موضع آخر: أن أيمانهم الكاذبة سبب لإهلاكهم أنفسهم، وهو قوله: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية. وهذه الأسباب لحلف المنافقين التي ذكرت في هذه الآيات راجعة جميعاً إلى السبب الأول، الذي هو الخوف؛ لأن خوفهم من المؤمنين: هو سبب رغبتهم في إرضائهم، وإعراضهم عنهم بأن لا يؤذوهم، ولذا حلفوا لهم، ليرضوهم، وليعرضوا عنهم، خوفاً من أذاهم، كما هو ظاهر. تنبيه قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ

стр. 678

أَقْسَمُوا﴾ فيه ثلاث قراءات سبعيات: الأول: يقول: بلا واو مع الرفع، وبها قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر. الثانية: ويقول بإثبات الواو مع رفع الفعل أيضاً، وبها قرأ عاصم، وحمزة والكسائي. الثالثة: بإثبات الواو، ونصب يقول، عطفاً على أن ﴿يأتى بالفتح﴾ وبها قرأ أبو عمرو. • قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية. أخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد بعضهم فإن الله يأتي عوضاً عن ذلك المرتد، بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم، ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين، وبهذا أمر الله نبيه ﷺ ، فأمره بلين الجانب للمؤمنين بقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ وقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ وأمره بالقسوة على غيرهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية. وصرح بأن ذلك المذكور من اللين للمؤمنين، والشدة على الكافرين، من صفات الرسول ﷺ وأصحابه ﵃، بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.

стр. 679

وقد قال الشاعر في رسول الله ﷺ : وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد وأعطى إذا ما طلب العرف جاءه ... وأمضى بحد المشرفي المهند وقال الآخر فيه: وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمد ويفهم من هذه الآيات أن المؤمن يجب عليه أن لا يلين إلا في الوقت المناسب للين، وألا يشتد إلا في الوقت المناسب للشدة؛ لأن اللين في محل الشدة ضعف وخور، والشدة في محل اللين حمق وخرق، وقد قال أبو الطيب المتنبي: إذا قيل: حلم قل: فللحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل • قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الكتاب لو أطاعوا الله، وأقاموا كتابهم باتباعه، والعمل بما فيه، ليسر الله لهم الأرزاق، وأرسل عليهم المطر، وأخرج لهم ثمرات الأرض. وبين في مواضع أخر أن ذلك ليس خاصاً بهم، كقوله عن نوح وقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (١٢)﴾ وقوله عن هود وقومه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الآية، وقوله عن نبينا عليه

стр. 680

الصلاة والسلام وقومه: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ هو الآية، على أحد الأقوال، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ ومفهوم الآية أن معصية الله تعالى سبب لنقيض ما يستجلب بطاعته، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ الآية، ونحوها من الآيات. • قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الكتاب قسمان: طائفة منهم مقتصدة في عملها، وكثير منهم سيء العمل. وقسم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ ووعد الجميع بالجنة بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾. وذكر القسم الرابع: وهو الكفار منها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ الآية. وأظهر الأقوال في المقتصد، والسابق، والظالم، أن المقتصد هو من امتثل الأمر، واجتنب النهي، ولم يزد على ذلك، وأن السابق بالخيرات هو من فعل ذلك، وزاد بالتقرب إلى الله بالنوافل، والتورع عن بعض الجائزات، خوفاً من أن يكون سبباً لغيره، وأن

стр. 681

الظالم هو المذكور في قوله: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية. أمر تعالى في هذه الآية نبيه ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه، وشهد له بالامتثال في آيات متعددة، كقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ وقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ ولو كان يمكن أن يكتم شيئاً لكتم قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فمن زعم أنه ﷺ كتم حرفاً مما أنزل عليه فقد أعظم الافتراء على الله، وعلى رسوله ﷺ . • قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن بني إسرائيل عموا وصموا مرتين، تتخللهما توبة من الله عليهم، وبين تفصيل ذلك في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية، فبين جزاء عماهم وصممهم في المرة بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وبين جزاء عماهم وصممهم في المرة الآخرة بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً (٧)﴾ وبين التوبة التي بينهما بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ

стр. 682

وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦)﴾ ثم بين أنهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم بقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه ﷺ ، وكتم صفاته التي في التوراة، فعاد الله إلى الانتقام منهم، فسلط عليهم نبيه ﷺ فذبح مقاتلة بني قريظة، وسبى نساءهم وذراريهم، وأجلى بني قينقاع، وبني النضير. كما ذكر تعالى طرفاً من ذلك في سورة الحشر، وهذا البيان الذي ذكرنا في هذه الآية ذكره بعض المفسرين، وكثير منهم لم يذكره، ولكن ظاهر القرآن يقتضيه؛ لأن السياق في ذكر أفعالهم القبيحة الماضية من قتل الرسل، وتكذيبهم، إذ قبل الآية المذكورة: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾. ومعنى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ظنوا ألا يصيبهم بلاء وعذاب من الله بسبب كفرهم، وقتلهم الأنبياء لزعمهم الباطل أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ أحسن أوجه الإعراب فيه أنه بدل من واو الفاعل في قوله: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ كقولك: جاء القوم أكثرهم. وقوله: ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قرأه حمزة، والكسائي، وأبو عمرو بالرفع، والباقون بالنصب، فوجه قراءة النصب ظاهر؛ لأن الحسبان بمعنى الظن، ووجه قراءة الرفع، تنزيل اعتقادهم لذلك -ولو كان باطلاً- منزلة العلم، فتكون أن مخففة من الثقيلة، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ . أشار في هذه الآية إلى أن الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ

стр. 683

ثَلاثَةٍ﴾ لو تابوا إليه من ذلك لتاب عليهم، وغفر لهم؛ لأنه استعطفهم إلى ذلك أحسن استعطاف وألطفه بقوله: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ ثم أشار إلى أنهم إن فعلوا ذلك غفر لهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ وصرح بهذا المعنى عاماً لجميع الكفار بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن عيسى وأمه كانا يأكلان الطعام، وذكر في مواضع أخر أن جميع الرسل كانوا كذلك، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية وقوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ معنى قوله: ﴿يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ يصرفون عن الحق، والمراد بصرفهم عنه قول بعضهم: إن الله هو المسيح ابن مريم، وقول بعضهم: إن الله ثالث ثلاثة؛ وقول بعضهم: عزير ابن الله عن ذلك علواً كبيراً-، وعلى من يقول ذلك لعائن الله إلى يوم القيامة، فإنهم يقولون هذا الأمر الذي لم يقل أحد أشنع منه ولا أعظم؛ مع ظهور أدلة التوحيد المبينة له، ولذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ على سبيل التعجيب من أمرهم، كيف يؤفكون إلى هذا الكفر مع وضوح أدلة التوحيد؟!. • قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ

стр. 684

دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية. قال بعض العلماء: الذين لعنوا على لسان داود الذين اعتدوا في السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى ابن مريم هم الذين كفروا من أهل المائدة، وعليه فلعن الأولين مسخهم قردة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ ولعن الآخرين هو المذكور في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ وذكر غير واحد أنه مسخهم خنازير، وهذا القول مروي عن الحسن، وقتادة، ومجاهد، والباقر. نقله الألوسي في تفسيره، وقال: واختاره غير واحد. ونقله القرطبي عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وأبي مالك، وذكر أنه روي عن النبي ﷺ . وقال بعض من قال بهذا القول: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود ﵊: "اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء، ومثل المنطقة على الحقوين، فمسخهم الله قردة" وأصحاب المائدة لما كفروا قال عيسى ﵊: "اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير" وأن هذا معنى لعنهم على لسان داود، وعيسى ابن مريم، وفي الآية أقوال غير هذا تركنا التعرض لها؛ لأنها ليست مما نحن بصدده. • قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ قد قدمنا في سورة البقرة أن المراد بما عقدتم الأيمان هو ما قصدتم عقد اليمين فيه، لا ما جرى على ألسنتكم من غير قصد، نحو "لا والله" و"بلى والله" ومنه قول الفرزدق:

стр. 685

ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم وهذا العقد معنوي، ومنه قول الحطيئة: قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا وقرأه حمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ بالتخفيف بلا ألف، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر ﴿عاقدتم﴾ بألف بوزن فاعل، وقرأه الباقون بالتشديد من غير ألف، والتضعيف والمفاعلة: معناهما مجرد الفعل، بدليل قراءة: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ بلا ألف، ولا تضعيف، والقراءات يبين بعضها بعضاً "وما" في قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾ مصدرية على التحقيق، لا موصولة، كما قاله بعضهم زاعماً أن ضمير الربط محذوف. وفي المراد بِاللَّغْوِ في الآية أقوال، أشهرها عند العلماء اثنان: الأول: أن اللغو ما يجري على لسان الإنسان من غير قصد، كقوله "لا والله" و"بلى والله". وذهب إلى هذا القول الشافعي، وعائشة في إحدى الروايتين عنها، وروي عن ابن عمر، وابن عباس في أحد قوليه، والشعبي، وعكرمة في أحد قوليه، وعروة بن الزبير، وأبي صالح، والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة، والزهري، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره. القول الثاني: أن اللغو هو أن يحلف على ما يعتقده، فيظهر نفيه، وهذا هو مذهب مالك بن أنس، وقال: إنه أحسن ما سمع في معنى اللغو، وهو مروي أيضاً عن عائشة، وأبي هريرة،

стр. 686

وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن، وزرارة بن أبي أوفى، وأبي مالك، وعطاء الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي ثابت، والسدي، ومكحول، ومقاتل، وطاوس، وقتادة، والربيع بن أنس، ويحيى بن سعيد، وربيعة، كما نقله عنهم ابن كثير. والقولان متقاربان، واللغو يشملهما؛ لأنه في الأول لم يقصد عقد اليمين أصلاً، وفي الثاني لم يقصد إلا الحق والصواب، وغير هذين القولين من الأقوال تركته لضعفه في نظري. واللغو في اللغة: هو الكلام بما لا خير فيه، ولا حاجة إليه، ومنه حديث: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة: انصت فقد لغوت، أو لغيت". وقول العجاج: ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم مسائل من أحكام الأيمان اعلم أن الأيمان أربعة أقسام: اثنان فيهما الكفارة بلا خلاف، واثنان مختلف فيهما. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام: قسمان فيهما الكفارة، وقسمان لا كفارة فيهما. خرج الدارقطني في سننه، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا خلف بن هشام، حدثنا عبثر، عن ليث، عن

стр. 687

حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: الأيمان أربعة، يمينان يكفران، ويمينان لا يكفران، فاليمينان اللذان يكفران فالرجل الذي يحلف: والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، والرجل يقول: والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل. واليمينان اللذان لا يكفران فالرجل يحلف: والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل، والرجل يحلف: لقد فعلت كذا وكذا، ولم يفعله قال ابن عبد البر: وذكر سفيان الثوري في [جامعه]، وذكره المروزي عنه أيضاً. قال سفيان: الأيمان أربعة، يمينان يكفران، وهو أن يقول الرجل: والله "لا أفعل" ثم يفعل، أو يقول: "والله لأفعلن" ثم لا يفعل، ويمينان لا يكفران وهو أن يقول الرجل: "والله ما فعلت" وقد فعل، أو يقول "والله لقد فعلت" وما فعل. قال المروزي: أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قاله سفيان، وأما اليمينان الأخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما، فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا، أو أنه فعل كذا وكذا عند نفسه صادقاً يرى أنه على ما حلف عليه = فلا إثم عليه ولا كفارة عليه في قول مالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي. وكذلك قال أحمد، وأبو عبيد. وقال الشافعي: لا إثم عليه، وعليه كفارة. قال المروزي: وليس قول الشافعي في هذا بالقوي، قال:

стр. 688

وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا، وقد فعل متعمداً للكذب فهو آثم، ولا كفارة عليه في قول عامة العلماء مالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وأبي عبيد. وكان الشافعي يقول: يكفر. قال: وقد روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي. قال المروزي: أميل إلى قول مالك وأحمد. اهـ محل الغرض من القرطبي بلفظه. وهو حاصل تحرير المقام في حلف الإنسان "لأفعلن" أو "لا أفعل". وأما حلفه على وقوع أمر غير فعله، أو عدم وقوعه، كأن يقول: والله لقد وقع في الوجود كذا، أو لم يقع في الوجود كذا، فإن حلف على ماض أنه واقع، وهو يعلم عدم وقوعه، متعمداً للكذب فهي يمين غموس، وإن كان يعتقد وقوعه فظهر فيه نفيه، فهي من يمين اللغو كما قدمنا، وإن كان شاكاً فهو كالغموس، وجعله بعضهم من الغموس. وإن حلف على مستقل لا يدري أيقع أم لا؟ فهو كذلك أيضاً يدخل في يمين الغموس، وأكثر العلماء على أن يمين الغموس لا تكفر؛ لأنها أغلظ إثماً من أن تكفرها كفارة اليمين. وقد قدمنا قول الشافعي بالكفارة فيها، وفيها عند المالكية تفصيل: وهو وجوب الكفارة في غير المتعلقة بالزمن الماضي منها.

стр. 689

واعلم أن اليمين منقسمة أيضاً إلى يمين منعقدة على بر، ويمين منعقدة على حنث، فالمنعقدة على بر هي التي لا يلزم حالفها تحليل اليمين كقوله: "والله لا أفعل كذا" والمنعقدة على حنث هي التي يلزم صاحبها حل اليمين بفعل ما حلف عليه، أو بالكفارة كقوله: "والله لأفعلن كذا" ولا يحكم بحنثه في المنعقدة على حنث حتى يفوت إمكان فعل ما حلف عليه، إلا إذا كانت مؤقتة بوقت فيحنث بفواته، ولكن إن كانت بطلاق كقوله: على طلاقها "لأفعلن كذا" فإنه يمنع من وطئها حتى يفعل ما حلف عليه؛ لأنه لا يدري أيبر في يمينه أم يحنث؟ ولا يجوز الإقدام على فرج مشكوك فيه عند جماعة من العلماء، منهم مالك وأصحابه. وقال بعض العلماء: لا يمنع من الوطء؛ لأنها زوجته؛ والطلاق لم يقع بالفعل؛ وممن قال به أحمد. المسألة الثانية: اعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته، فلا يجوز القسم بمخلوق؛ لقوله - ﷺ -: "من كان حالفاً فليحلف بالله , أو ليصمت " ولا تنعقد يمين بمخلوق كائناً من كان، كما أنها لا تجوز بإجماع من يعتد به من أهل العلم، وبالنص الصحيح الصريح في منع الحلف بغير الله، فقول بعض أهل العلم بانعقاد اليمين به - ﷺ - لتوقف إسلام المرء على الإيمان به ظاهر البطلان. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: يخرج من عهدة اليمين بواحد من ثلاثة أشياء: الأول: إبرارها بفعل ما حلف عليه.

стр. 690

الثاني: الكفارة، وهي جائزة قبل الحنث وبعده على التحقيق. الثالث: الاستثناء بنحو إن شاء الله. والتحقيق أنه حل لليمين، لا بدل من الكفارة، كما زعمه ابن الماجشون. ويشترط فيه قصد التلفظ به، والاتصال باليمين، فلا يقبل الفصل بغير ضروري كالسعال، والعطاس، وما ذهب إليه ابن عباس وغيره من جواز تراخي الاستثناء فالتحقيق فيه أن المراد به أن العبد يلزمه إذا قال: "لأفعلن كذا" أن يقول: إن شاء الله، كما صرح به تعالى في قوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فإن نسي الاستثناء بإن شاء، وتذكره ولو بعد فصل، فإنه يقول: إن شاء الله؛ ليخرج بذلك من عهدة عدم تفويض الأمور إلى الله، وتعليقها بمشيئته، لا من حيث إنه يحل اليمين التي مضت وانعقدت. ويدل لهذا أنه تعالى قال لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ ولو كان تدارك الاستثناء ممكناً لقال له: قل: إن شاء الله، ويدل له أيضاً أنه لو كان كذلك لما علم انعقاد يمين، لإمكان أن يلحقها الاستثناء المتأخر. واعلم أن الاستثناء بإن شاء الله يفيد في الحلف بالله إجماعاً، واختلف العلماء في غيره كالحلف بالطلاق والظهار والعتق، كأن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله، أو أنت علي كظهر أمي إن شاء الله، أو أنت حرة إن شاء الله، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يفيد في شيء من ذلك؛ لأن هذه ليست أيماناً، وإنما هي تعليقات للعتق والظهار والطلاق؛ والاستثناء بالمشيئة إنما ورد به الشرع في اليمين، دون التعليق، وهذا مذهب مالك وأصحابه، وبه

стр. 691

قال الحسن، والأوزاعي، وقتادة، ورجحه ابن العربي وغيره. وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يفيد في ذلك كله، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وطاوس، وحماد، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني. وفرق قوم بين الظهار وبين العتق والطلاق؛ لأن الظهار فيه كفارة فهو يمين تنحل بالاستثناء، كاليمين بالله والنذر، ونقله ابن قدامة في المغني عن أبي موسى، وجزم هو به. المسألة الرابعة: لو فعلت المحلوف عن فعله ناسياً ففيه للعلماء ثلاثة مذاهب: الأول: لا حنث عليه مطلقاً؛ لأنه معذور بالنسيان، والله تعالى يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ وقال - ﷺ -: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، فإن العلماء تلقوه بالقبول قديماً وحديثاً، ويشهد له ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة "أن النبي - ﷺ - لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: نعم" ومن حديث ابن عباس: "قال الله: قد فعلت"، وكون من فعل ناسياً لا يحنث هو قول عطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وإسحاق، ورواية عن أحمد، كما قاله صاحب المغني. ووجه هذا القول ظاهر للأدلة التي ذكرنا. وذهب قوم إلى أنه يحنث مطلقاً، وهو مشهور مذهب مالك، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، والزهري، وقتادة؛ وربيعة، وأبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي، كما نقله عنهم صاحب المغني. ووجه هذا القول عند القائل به أنه فعل ما حلف لا يفعله عمداً،

стр. 692

فلما كان عامداً للفعل الذي هو سبب الحنث لم يعذر بنسيانه اليمين. ولا يخفى عدم ظهوره. وذهب قوم إلى الفرق بين الطلاق والعتق وبين غيرهما، فلا يعذر بالنسيان في الطلاق والعتق، ويعذر به في غيرهما، وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد، كما قاله صاحب المغني قال: واختاره الخلال؛ وصاحبه، وهو قول أبي عبيد. قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول الأخير له وجه من النظر؛ لأن في الطلاق والعتق حقاً لله وحقاً للآدمي، والحالف يمكن أن يكون متعمداً في نفس الأمر، ويدعي النسيان؛ لأن العمد من القصود الكامنة التي لا تظهر حقيقتها للناس، فلو عذر بادعاء النسيان لأمكن تأدية ذلك إلى ضياع حقوق الآدميين. والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة: إذا حلف لا يفعل أمراً من المعروف كالإصلاح بين الناس ونحوه فليس له الامتناع عن ذلك، والتعلل باليمين، بل عليه أن يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية؛ أي لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر، وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها؛ ونظير الآية قوله تعالى في حلف أبي بكر ﵁ ألا ينفق على مسطح لما قال في عائشة ﵂ ما قال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢).

стр. 693

وقوله ﷺ : "والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه" متفق عليه من حديث أبي هريرة. وقوله ﷺ : "إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" متفق عليه أيضاً من حديث أبي موسى. وقوله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك" متفق عليه أيضاً، والأحاديث في الباب كثيرة. وهذا هو الحق في المسألة خلافاً لمن قال: كفارتها تركها متمسكاً بأحاديث وردت في ذلك، قال أبو داود: والأحاديث عن النبي ﷺ كلها: "فليكفر عن يمينه" وهي الصحاح. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ لم يقيد هنا ﴿رَقَبَةٍ﴾ كفارة اليمين بالإيمان، وقيد به كفارة القتل خطأ. وهذه من مسائل المطلق والمقيد في حالة اتفاق الحكم، مع اختلاف السبب، وكثير من العلماء يقولون فيه: يحمل المطلق على المقيد، فتقيد رقبة اليمين، والظهار بالقيد الذي في رقبة القتل خطأ، حملاً للمطلق على المقيد، وخالف في ذلك أبو حنيفة ومن وافقه.

стр. 694

وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب] في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولذلك لم نطل الكلام بها هنا، والمراد بالتحرير الإخراج من الرق، وربما استعملته العرب في الإخراج من الأسر والمشقات، وتعب الدنيا ونحو ذلك، ومنه قول والدة مريم ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ أي من تعب أعمال الدنيا، ومنه قول الفرزدق همام بن غالب التميمي: أبني غدانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال يعني حررتكم من الهجاء، فلا أهجوكم. • قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ الآية، يفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين؛ لأن الله تعالى قال: إنها رِجْسٌ، والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس. وقيل: إن أصله من الركس، وهو العذرة والنتن. قال بعض العلماء: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً (٢١)﴾ لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح بها تعالى خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ وكقوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ بخلاف خمر الدنيا ففيها غول يغتال العقول، وأهلها يصدعون، أي: يصيبهم الصداع الذي هو

стр. 695

وجع الرأس بسببها، وقوله: ﴿وَلَا يٌنْزَفُونَ (١٩)﴾ على قراءة فتح الزاي مبنياً للمفعول، فمعناه: أنهم لا يسكرون، والنزيف السكران، ومنه قول حميد بن ثور: نزيف ترى ردع العبير بجيبها ... كما ضرج الضاري النزيف المكلما يعني أنها في ثقل حركتها كالسكران، وأن خمرة العبير الذي هو الطيب في جيبها كخمرة الدم على الطريد الذي ضرجه الجوارح بدمه، أصابه نزيف الدم من جرح الجوارح له، ومنه أيضاً قول امرىء القيس: وإذ هي تمشي كمشي النزيـ ... ـف يصرعه بالكثيب البهر وقوله أيضاً: نزيف إذا قامت لوجه تمايلت ... تراشى الفؤاد الرخص ألا تخترا وقول ابن أبي ربيعة، أو جميل: فلثمت فاها آخذاً بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وعلى قراءة ﴿يَنْزِفُونَ (١٩)﴾ بكسر الزاي مبنياً للفاعل ففيه وجهان من التفسير للعلماء: أحدهما: أنه من أنزف القوم إن حان منهم النزف، وهو السكر؛ ونظيره قولهم: أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف العنب إذا حان قطافه، وهذا القول معناه راجع إلى الأول. والثاني: أنه من أنزف القوم إذا فنيت خمورهم. ومنه قول الحطيئة:

стр. 696

لعمري لئن أنزفتموا أو صحوتموا ... لبئس الندامى أنتم آل أبجرا وجماهير العلماء على أن الخمر نجسة العين لما ذكرنا؛ وخالف في ذلك ربيعة والليث، والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين؛ كما نقله عنهم القرطبي في تفسيره. واستدلوا لطهارة عينها بأن المذكورات معها في الآية من مال ميسر، ومال قمار، وأنصاب، وأزلام ليست نجسة العين، وإن كانت محرمة الاستعمال. وأجيب من جهة الجمهور بأن قوله: ﴿رِجْسٌ﴾ يقتضي نجاسة العين في الكل، فما أخرجه إجماع، أو نص خرج بذلك، وما لم يخرجه نص، ولا إجماع لزم الحكم بنجاسته؛ لأن خروج بعض ما تناوله العام بمخصص من المخصصات لا يسقط الاحتجاج به في الباقي، كما هو مقرر في الأصول، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: وهو حجة لدى الأكثر إن ... مخصص له معيناً يبن وعلى هذا، فالمسكر الذي عمت البلوي اليوم بالتطيب به المعروف في اللسان الدارجي بالكولانيا نجس لا تجوز الصلاة به، ويؤيده أن قوله تعالى في المسكر: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء من المسكر، وما معه في الآية بوجه من الوجوه، كما قاله القرطبي وغيره. قال مقيده - عفا الله عنه -: لا يخفى عن منصف أن التضمخ

стр. 697

بالطيب المذكور والتلذذ بريحته، واستطابته، واستحسانه مع أنه مسكر والله يصرح في كتابة بأن الخمر رجس فيه ما فيه، فليس للمسلم أن يتطيب بما يسمع ربه يقول فيه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، كما هو واضح، ويؤيده أنه ﷺ أمر بإراقة الخمر، فلو كانت فيها منفعة أخرى لبينها، كما بين جواز الانتفاع بجلود الميتة، ولما أراقها. واعلم أن ما استدل به سعيد بن الحداد القروي على طهارة عين الخمر بأن الصحابة أراقوها في طرق المدينة، ولو كانت نجسة لما فعلوا ذلك، ولنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، كما نهاهم عن التخلي في الطرق لا دليل له فيه، فإنها لا تعم الطرق، بل يمكن التحرز منها؛ لأن المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر كثيرة جداً بحيث تكون نهراً، أو سيلاً في الطرق يعمها كلها، وإنما أريقت في مواضع يسيرة يمكن التحرز منها. قاله القرطبي وهو ظاهر. • قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ هذه الآية الكريمة يفهم من دليل خطابها، أي: مفهوم مخالفتها أنهم إن حلوا من إحرامهم جاز لهم قتل الصيد، وهذا المفهوم مصرح به في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ يعني إن شئتم كما تقدم إيضاحه في أول هذه السورة الكريمة. • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ الآية. ذهب جمهور العلماء إلى أن معنى هذه الآية الكريمة: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً لقتله ذاكراً لاحرامه. وخالف مجاهد ﵀ الجمهور قائلاً: إن معنى الآية: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً لقتله في حال كونه ناسياً لإحرامه. واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ كما سيأتي

стр. 698

إيضاحه إن شاء الله تعالى. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون فيها قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن في الآية قرينة واضحة دالة على عدم صحة قول مجاهد ﵀، وهي قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ فإنه يدل على أنه متعمد أمراً لا يجوز، أما الناسي فهو غير آثم إجماعاً، فلا يناسب أن يقال فيه: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ الآية. ظاهر عموم هذه الآية الكريمة يشمل إباحة صيد البحر للمحرم بحج أو عمرة، وهو كذلك، كما بينه تخصيصه تعالى تحريم الصيد على المحرم بصيد البر في قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ فإنه يفهم منه أن صيد البحر لا يحرم على المحرم، كما هو ظاهر. مسائل تتعلق بالاصطياد في الإحرام أو في الحرم المسألة الأولى: اجمع العلماء على منع صيد البر للمحرم بحج أو عمرة. وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشي كالظبي والغزال ونحو ذلك، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة ﵁ أنه كان مع قوم من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو حلال، وهم محرمون، ورسول الله ﷺ محرم أمامهم، فأبصروا حماراً وحشياً، وأبو قتادة مشغول يخصف نعله فلم يؤذنوه، وأحبوا لو أنه أبصره، فأبصره فأسرج فرسه، ثم ركب، ونسي سوطه ورمحه، فقال لهم: ناولوني

стр. 699

السوط والرمح، فقالوا: والله لا نعينك عليه، فغضب فنزل فأخذهما، فركب فشد على الحمار فعقره ثم جاء به، وقد مات فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فأدركوا النبي - ﷺ -، فسألوه فقررهم على أكله، وناوله أبو قتادة عضد الحمار الوحشي، فأكل منها - ﷺ -، ولمسلم "هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء، قالوا: لا، قال: فكلوه". وللبخاري: "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقى من لحمها" وقد أجمع جميع العلماء على أن ما صاده محرم لا يجوز أكله للمحرم الذي صاده، ولا لمحرم غيره، ولا لحلال غير محرم، لأنه ميتة. واختلف العلماء في أكل المحرم مما صاده حلال على ثلاثة أقوال، قيل: لا يجوز له الأكل مطلقاً، وقيل: يجوز مطلقاً، وقيل: بالتفصيل بين ما صاده لأجله، وما صاده لا لأجله فيمنع الأول دون الثاني. واحتج أهل القول الأول بحديث مصعب بن جثامة ﵁ "أنه أهدي إلى رسول الله - ﷺ - حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" متفق عليه، ولأحمد ومسلم "لحم حمار وحشي". واحتجوا أيضاً بحديث زيد بن أرقم ﵁ "أن النبي - ﷺ - أهدي له عضو من لحم صيد فرده، وقال: إنا لا نأكله، إنا حرم" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.

стр. 700

واحتجوا أيضاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ ويروى هذا القول عن علي، وابن عباس، وابن عمر، والليث، والثوري، وإسحاق، وعائشة، وغيرهم. واحتج من قال بجواز أكل المحرم ما صاده الحلال مطلقاً بعموم الأحاديث الواردة بجواز أكل المحرم من صيد الحلال، كحديث طلحة بن عبيد الله عند مسلم، والإمام أحمد "أنه كان في قوم محرمين فأهدي لهم طير، وطلحة راقد، فمنهم من أكل، ومنهم من تورع فلم يأكل فلما استيقظ طلحة ﵁ وافق من أكله وقال: "أكلناه مع رسول الله - ﷺ -". وكحديث البهزي -واسمه زيد بن كعب- أنه قال للنبي - ﷺ - في حمار وحشي عقير في بعض وادي الروحاء، وهو صاحبه: "شأنكم بهذا الحمار، فأمر - ﷺ - أبا بكر فقسمه في الرفاق وهم محرمون" أخرجه الإمامان مالك في موطئه، وأحمد في مسنده، والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره، كما قاله ابن حجر. وممن قال بإباحته مطلقاً أبو حنيفة وأصحابه. قال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر الأقوال وأقواها دليلاً هو القول المفصل بين ما صيد لأجل المحرم، فلا يحل له، وبين ما صاده الحلال، لا لأجل المحرم، فإنه يحل له، والدليل على هذا أمران: الأول: أن الجمع بين الأدلة واجب متى أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا طريق للجمع إلا هذه الطريق، ومن عدل عنها لا بد أن يلغي نصوصاً صحيحة.

стр. 701

الثاني: أن جابراً ﵁ روى عن النبي - ﷺ - أنه قال: "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يصد لكم"، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والدارقطني. وقال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. فإن قيل: في إسناد هذا الحديث: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن مولاه المطلب، عن جابر، وعمرو مختلف فيه، قال فيه النسائي: ليس بالقوي في الحديث وإن كان قد روى عنه مالك، وقال الترمذي في مولاه المطلب أيضاً: لا يعرف له سماع من جابر، وقال فيه الترمذي أيضاً في موضع آخر: قال محمد: لا أعرف له سماعاً من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبة رسول الله - ﷺ -. فالجواب أن هذا كله ليس فيه ما يقتضي رد هذا الحديث؛ لأن عمراً المذكور ثقة، وهو من رجال البخاري ومسلم، وممن روى عنه مالك بن أنس، وكل ذلك يدل على أنه ثقة. وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: ثقة ربما وهم، وقال فيه النووي في [شرح المهذب]: أما تضعيف عمرو بن أبي عمرو فغير ثابت؛ لأن البخاري، ومسلماً رويا له في صحيحيهما، واحتجا به، وهما القدوة في هذا الباب. وقد احتج به مالك، وروى عنه وهو القدوة، وقد عرف من

стр. 702

عادته أنه لا يروي في كتابه إلا عن ثقة، وقال أحمد بن حنبل فيه: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: هو ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن عدي: لا بأس به، لأن مالكاً روى عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة. قلت: وقد عرف أن الجرح لا يثبت إلا مفسراً، ولم يفسره ابن معين، والنسائي بما يثبت تضعيف عمرو المذكور. وقول الترمذي: إن مولاه المطلب بن عبد الله بن حنطب لا يعرف له سماع من جابر، وقول البخاري للترمذي: لا أعرف له سماعاً من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبة رسول الله - ﷺ -، ليس في شيء من ذلك ما يقتضي رد روايته، لما قدمنا في سورة النساء من أن التحقيق هو الاكتفاء بالمعاصرة، ولا يلزم ثبوت اللقي، وأحرى ثبوت السماع، كما أوضحه الإمام مسلم بن الحجاج -رحمه الله تعالى- في مقدمة صحيحه، بما لا مزيد عليه، مع أن البخاري ذكر في كلامه هذا الذي نقله عن الترمذي أن المطلب مولى عمرو بن أبي عمرو المذكور صرح بالتحديث ممن سمع خطبة رسول الله - ﷺ -، وهو تصريح بالسماع من بعض الصحابة بلا شك. وقال النووي في [شرح المهذب]: وأما إدراك المطلب لجابر فقال ابن أبي حاتم: وروى عن جابر، قال: ويشبه أن يكون أدركه. هذا هو كلام ابن أبي حاتم، فحصل شك في إدراكه، ومذهب مسلم بن حجاج الذي ادعى في مقدمة صحيحه الإجماع فيه أنه لا يشترط في اتصال الحديث اللقاء، بل يكتفي بإمكانه، والإمكان

стр. 703

حاصل قطعاً، ومذهب علي بن المديني، والبخاري والأكثرين اشتراط ثبوت اللقاء، فعلى مذهب مسلم الحديث متصل، وعلى مذهب الأكثرين يكون مرسلاً لبعض كبار التابعين، وقد سبق أن مرسل التابعي الكبير يحتج به عندنا إذا اعتضد بقول الصحابة، أو قول أكثر العلماء، أو غير ذلك مما سبق، وقد اعتضد هذا الحديث، فقال به من الصحابة ﵃ من سنذكره في فرع مذاهب العلماء اهـ. كلام النووي. فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور على كل التقديرات، على مذاهب الأئمة الأربعة؛ لأن الشافعي منهم هو الذي لا يحتج بالمرسل، وقد عرفت احتجاجه بهذا الحديث على تقدير إرساله. قال مقيده - عفا الله عنه -: نعم يشترط في قبول رواية [المدلس] التصريح بالسماع، والمطلب المذكور مدلس، لكن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة وأحمد -رحمهم الله تعالى- صحة الاحتجاج بالمرسل، ولا سيما إذا اعتضد بغيره كما هنا، وقد علمت من كلام النووي موافقة الشافعية. واحتج من قال بأن المرسل حجة بأن العدل لا يحذف الواسطة مع الجزم بنسبة الحديث لمن فوقها إلا وهو جازم بالعدل والثقة فيمن حذفه، حتى قال بعض المالكية: إن المرسل مقدم على المسند؛ لأنه ما حذف الواسطة في المرسل إلا وهو متكفل بالعدالة والثقة فيما حذف، بخلاف المسند، فإنه يحيل الناظر عليه، ولا يتكفل له بالعدالة والثقة، وإلى هذا أشار في [مراقي السعود] بقوله في مبحث المرسل:

стр. 704

وهو حجة ولكن رجحا ... عليه مسند وعكس صححا ومن المعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند مالك وأبي حنيفة وأحمد مع أن هذا الحديث له شاهد عند الخطيب وابن عدي من رواية عثمان بن خالد المخزومي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، كما نقله ابن حجر في التلخيص وغيره، وهو يقويه وإن كان عثمان المذكور ضعيفاً؛ لأن الضعيف يقوي المرسل، كما عرف في علوم الحديث، فالظاهر أن حديث جابر هذا صالح، وأنه نص في محل النزاع، وهو جمع بين هذه الأدلة بعين الجمع الذي ذكرنا أولاً، فاتضح بهذا أن الأحاديث الدالة على منع أكل المحرم مما صاده الحلال كلها محمولة على أنه صاده من أجله، وأن الأحاديث الدالة على إباحة الأكل منه محمولة على أنه لم يصده من أجله، ولو صاده لأجل محرم معين حرم على جميع المحرمين خلافاً لمن قال: لا يحرم إلا على ذلك المحرم المعين الذي صيد من أجله. ويروى هذا عن عثمان بن عفان ﵁، وهو ظاهر قوله - ﷺ -: "أو يصد لكم" ويدل للأول ظاهر قوله في حديث أبي قتادة: "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار لها؟ قالوا: لا، قال: فكلوه" فمفهومه أن إشارة واحد منهم تحرمه عليهم كلهم، ويدل له أيضاً ما رواه أبو داود عن علي أنه دعي وهو محرم إلى طعام عليه صيد فقال: "أطعموه حلالاً فإنا حرم" وهذا مشهور مذهب مالك عن أصحابه مع اختلاف قوله في ذلك.

стр. 705

المسألة الثانية: لا تجوز ذكاة المحرم للصيد بأن يذبحه مثلاً، فإن ذبحه فهو ميتة لا يحل أكله لأحد كائناً من كان، إذ لا فرق بين قتله بالعقر، وقتله بالذبح، لعموم قوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وبهذا قال مالك وأصحابه كما نقله عنهم القرطبي وغيره، وبه قال الحسن، والقاسم، وسالم، والأوزاعي، وإسحاق وأصحاب الرأي، والشافعي في أحد قوليه، وقال الحكم والثوري، وأبو ثور: لا بأس بأكله، قال ابن المنذر: هو بمنزلة ذبيحة السارق، وقال عمرو بن دينار وأيوب السختياني: يأكله الحلال، وهو أحد قولي الشافعي، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وغيره. واحتج أهل هذا القول بأن من أباحت ذكاته غير الصيد أباحت الصيد كالحلال. والظاهر هو ما تقدم من أن ذبح المحرم لا يحل الصيد، ولا يعتبر ذكاة له؛ لأن قتل الصيد حرام عليه، ولأن ذكاته لا تحل له هو أكله إجماعاً، وإذا كان الذبح لا يفيد الحل للذابح فأولى وأحرى ألا يفيد لغيره؛ لأن الفرع تبع للأصل في أحكامه، فلا يصح أن يثبت له ما لا يثبت لأصله، قاله القرطبي، وهو ظاهر. المسألة الثالثة: الحيوان البري ثلاثة أقسام: قسم هو صيد إجماعاً، وهو ما كالغزال من كل وحشي حلال الأكل، فيمنع قتله للمحرم، وإن قتله فعليه الجزاء، وقسم ليس له بصيد إجماعاً، ولا بأس بقتله، وقسم اختلف فيه. أما القسم الذي لا بأس بقتله، وليس بصيد إجماعاً فهو الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، وأما
следующие страницы →