Полный текст (5 235 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورة الأنفال
стр. 947
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية.
اختلف العلماء في المراد بالأنفال هنا على خمسة أقوال:
الأول: أن المراد بها خصوص ما شذ عن الكافرين إلى المؤمنين، وأخذ بغير حرب كالفرس، والبعير يذهب من الكافرين إلى المسلمين، وعلى هذا التفسير فالمراد بالأنفال هو المسمى عند الفقهاء فيئا، وهو الآتي بيانه في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ وممن قال بهذا القول عطاء بن أبي رباح.
الثاني: أن المراد بها الخمس، وهو قول مالك.
الثالث: أن المراد بها خمس الخمس.
الرابع: أنها الغنيمة كلها، وهو قول الجمهور، وممن قال به ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. قاله ابن كثير.
الخامس: أن المراد بها أنفال السرايا خاصة، وممن قال به
стр. 948
الشعبي، ونقله ابن جرير عن علي بن صالح بن حي. والمراد بهذا القول ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش، واختار ابن جرير أن المراد بها الزيادة على القسم.
قال ابن كثير: ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية، وهو ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، قتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به النَّبي - ﷺ - فقال: اذهب فاطرحه في القبض قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي. قال: فما جاوزت إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال، فقال رسول الله - ﷺ -: اذهب فخذ سلبك. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: قلت: يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين فهب لي هذا السيف، فقال: إن هذا السيف لا لك، ولا لي ضعه، قال: فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى أن يعطى هذا السيف من لا يبلى بلائي، قال: فإذا رجل يدعوني من ورائي قال: قلت: قد أنزل الله فيَّ شيئاً، قال: كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وإنه قد وهب لي فهو لك. قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش. وقال الترمذي: حسن صحيح. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي: أخبرنا شعبة، أخبرنا سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد
стр. 949
قال: نزلت فيَّ أربع آيات من القرآن أصبت سيفاً يوم بدر، فأتيت النَّبي - ﷺ - فقلت: نفلنيه فقال: ضعه من حيث أخذته مرتين، ثم عاودته فقال النَّبي - ﷺ -: ضعه من حيث أخذته، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية. وتمام الحديث في نزول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، وآية الوصية وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف بن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله - ﷺ - الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل أقبلت به، فألقيته في النفل، وكان رسول الله - ﷺ - لا يمنع شيئاً يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله - ﷺ - فأعطاه إياه. ورواه ابن جرير من وجه آخر اهـ. كلام ابن كثير.
قال مقيده - عفا الله عنه -: جمهور العلماء على أن الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها، قال بعضهم: نحن هم الذين حزنا الغنائم، وحويناها فليس لغيرنا فيها نصيب؛ وقالت المشيخة: إنا كنا لكم ردءاً، ولو هزمتم للجأتم إلينا فاختصموا إلى النَّبي - ﷺ -، وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت أنها نزلت في ذلك. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، وروي نحو ذلك أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن جرير،
стр. 950
وابن مردويه من طرق عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ وعلى هذا القول الذي هو قول الجمهور، فالآية مشكلة مع قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية.
وأظهر الأقوال التي يزول بها الإشكال في الآية هو ما ذكره أبو عبيد، ونسبه القرطبي في تفسيره لجمهور العلماء أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية، ناسخ لقوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، إلا أن قول أبي عبيد: إن غنائم بدر لم تخمس؛ لأن آية الخمس لم تنزل إلا بعد قسم غنائم بدر غير صحيح، ويدل على بطلانه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ "كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفاً من الخمس يومئذ" الحديث. فهذا نص صحيح في تخميس غنائم بدر؛ لأن قول عليّ في هذا الحديث الصحيح: "يومئذ" صريح في أنه يعني يوم بدر كما ترى.
فالحاصل أن آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية. بينت أنه ليس المراد قصر الغنائم على الرسول المذكور في أول السورة، وأنها تعطى أربعة أخماس منها للغانمين، وقد ذكرنا آنفا أن أبا عبيد قال: إنها ناسخة لها، ونسبه القرطبي للجمهور، وسيأتي لهذا المبحث زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى في الكلام على قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ الآية.
في هذه الآية الكريمة التصريح بزيادة الإيمان، وقد صرح تعالى بذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ
стр. 951
يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ الآية وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ الآية.
وتدل هذه الآيات بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضاً؛ لأن كل ما يزيد ينقص، وجاء مصرحاً به في أحاديث الشفاعة الصحيحة كقوله: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال حبة من إيمان" ونحو ذلك.
• قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ .
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ألقى النعاس على المؤمنين؛ ليجعل قلوبهم آمنة غير خائفة من عدوها؛ لأن الخائف الفزع لا يغشاه النعاس، وظاهر سياق هذه الآية أن هذا النعاس ألقي عليهم يوم بدر؛ لأن الكلام هنا في وقعة بدر، كما لا يخفى وذكر في سورة آل عمران أن النعاس غشيهم أيضاً يوم أحد، وذلك في قوله تعالى في وقعة أحد: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ الآية.
المراد بالفتح هنا في هذه الآية عند جمهور العلماء: الحكم وذلك أن قريشاً لما أرادوا الخروج إلى غزوة بدر تعلقوا بأستار الكعبة، وزعموا أنهم قطان بيت الله الحرام، وأنهم يسقون الحجيج، ونحو ذلك، وأن محمداً ﷺ فرق الجماعة، وقطع
стр. 952
الرحم، وسفه الآباء، وعاب الدين، ثم سألوا الله أن يحكم بينهم، وبين النَّبي ﷺ بأن يهلك الظالم منهم، وينصر المحق، فحكم الله بذلك وأهلكهم، ونصره، وأنزل الآية، ويدل على أن المراد بالفتح هنا الحكم أنه تعالى أتبعه بما يدل على أن الخطاب لكفار مكة، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ ويبين ذلك إطلاق الفتح بمعنى الحكم في القرآن في قوله عن شعيب وقومه: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ أي: احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين، ويدل لذلك قوله تعالى: عن شعيب في نفس القصة ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ وهذه لغة حمير؛ لأنهم يسمون القاضي فتاحاً والحكومة فتاحة، ومنه قول الشاعر:
ألا أبلغ بني عمرو رسولا ... بأني عن فتاحتكم غني
أي: عن حكومتكم وقضائكم، أما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الخطاب في قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ للمؤمنين، أي تطلبوا الفتح والنصر من الله، وأن الخطاب في قوله بعده: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ للكافرين فهو غير ظاهر، كما ترى.
• قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ .
أمر تعالى الناس في هذه الآية الكريمة أن يعلموا أن أموالهم وأولادهم فتنة يختبرون بها، هل يكون المال والولد سبباً للوقوع فيما لا يرضى الله؟ وزاد في موضع آخر أن الأزواج فتنة أيضاً،
стр. 953
كالمال والولد، فأمر الإنسان بالحذر منهم أن يوقعوه فيما لا يرضى الله، ثم أمره إن اطلع على ما يكره من أولئك الأعداء الذين هم أقرب الناس له، وأخصهم به، وهم الأولاد، والأزواج أن يعفو عنهم، ويصفح ولا يؤاخذهم، فيحذر منهم أولاً، ويصفح عنهم إن وقع منهم بعض الشيء، وذلك في قوله في التغابن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾.
وصرح في موضع آخر بنهي المؤمنين عن أن تلهيهم الأموال والأولاد عن ذكره جل وعلا، وأن من وقع في ذلك فهو الخاسر المغبون في حظوظه، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ والمراد بالفتنة في الآيات: الاختبار والابتلاء، وهو أحد معاني الفتنة في القرآن.
• قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ .
قال ابن عباس، والسدَّي، ومجاهد وعكرمة، والضحاك وقتادة، ومقاتل بن حيان، وغير واحد: فُرْقَانا: مخرجاً، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة، وفي رواية عن ابن عباس فُرْقَانا: نجاة، وفي رواية عنه: نصراً. وقال محمد بن إسحاق: فُرْقَانا، أي: فصلا بين الحق والباطل. قاله ابن كثير.
قال مقيده - عفا الله عنه -: قول الجماعة المذكورة: إن
стр. 954
المراد بالفرقان المخرج يشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢)﴾ الآية. والقول بأنه النجاة أو النصر راجع في المعنى إلى هذا؛ لأن من جعل الله له مخرجاً أنجاه ونصره، لكن الذي يدل القرآن واللغة على صحته في تفسير الآية المذكورة هو قول ابن إسحاق؛ لأن الفرقان مصدر زيدت فيه الألف والنون وأريد به الوصف أي الفارق بين الحق والباطل، وذلك هو معناه في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ أي: الكتاب الفارق بين الحق والباطل، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ ويدل على أن المراد بالفرقان هنا: العلم الفارق بين الحق والباطل قوله تعالى في الحديد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية. لأن قوله هنا: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: علماً وهدى تفرقون به بين الحق والباطل.
ويدل على أن المراد بالنور هنا الهدى، ومعرفة الحق قوله تعالى فيمن كان كافراً فهداه الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ الآية. فجعل النور المذكور في الحديد: هو معنى الفرقان المذكور في الأنفال كما ترى، وتكفير السيئات والغفران المرتب على تقوى الله في آية الأنفال، كذلك جاء مرتباً أيضاً عليها في آية الحديد، وهو بيان واضح كما ترى.
• قوله تعالى: ﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ الآية.
قد بينا قبل هذه الآيات المصرحة بكذبهم، وتعجيز الله لهم
стр. 955
عن الإتيان بمثله، فلا حاجة إلى إعادتها هنا، وقوله هنا في هذه الآية عنهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ رد الله عليهم كذبهم وافتراءهم هذا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦)﴾ وما أنزله عالم السر في السماوات والأرض فهو بعيد جداً من أن يكون أساطير الأولين، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ ذكر هنا في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن كفار مكة في غاية الجهل حيث قالوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية، ولم يقولوا: فاهدنا إليه، وجاء في آيات أخر ما يدل على ذلك أيضاً، كقوله عنهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ وقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ وذكر عن بعض الأمم السالفة شبه ذلك، كقوله في قوم شعيب: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ وقوله عن قوم صالح: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح في سورة "سَأَلَ سَائِلٌ".
• قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ .
стр. 956
صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بنفي ولاية الكفار على المسجد الحرام، وأثبتها لخصوص المتقين، وأوضح هذا المعنى في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ الآية. المكاء الصفير، والتصدية: التصفيق.
قال بعض العلماء: والمقصود عندهم بالصفير والتصفيق التخليط حتى لا يسمع الناس القرآن من النَّبي ﷺ . ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ .
ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل شيء حواه المسلمون من أموال الكفار فإنه يخمس حسبما نص عليه في الآية، سواء أوجفوا عليه الخيل والركاب، أو لا، ولكنه تعالى بيَّن في سورة "الحشر" أن ما أفاء الله على رسوله من غير إيجاف المسلمين عليه الخيل والركاب أنه لا يخمس، ومصارفه التي بين أنه يصرف فيها كمصارف خمس الغنيمة المذكورة هنا، وذلك في قوله تعالى: في فيء بني النضير ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ الآية، ثم بين شمول الحكم لكل ما أفاء الله على رسوله
стр. 957
من جميع القرى بقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية.
اعلم أولاً أن أكثر العلماء: فرقوا بين الفيء والغنيمة، فقالوا: الفيء: هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر، كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النَّبي - ﷺ - ومكنوه من أنفسهم وأموالهم يفعل فيها ما يشاء؛ لشدة الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم، ورضي لهم - ﷺ - أن يرتحلوا بما يحملون على الإبل غير السلاح.
وأما الغنيمة: فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر، وهذا التفريق يفهم من قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية مع قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ فإن قوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية: ظاهر في أنه يراد به بيان الفرق بين ما أوجفوا عليه، وما لم يوجفوا عليه كما ترى، والفرق المذكور بين الغنيمة والفيء عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله في غزوة بني النضير:
وفيئهم والفيء في الأنفال ... ما لم يكن أخذ عن قتال
أما الغنيمة فعن زحاف ... والأخذ عنوة لدى الزحاف
لخير مرسل .. الخ.
وقوله: "وفيئهم" مبتدأ خبره "لخير مرسل"، وقوله: "الفيء في الأنفال إلخ" كلام اعتراضي بين المبتدأ والخبر، بين به الفرق
стр. 958
بين الغنيمة والفيء، وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات؛ لأن آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ذكر فيها حكم الغنيمة، وآية: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ذكر فيها حكم الفيء، وأشير لوجه الفرق بين المسألتين بقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ أي فكيف يكون غنيمة لكم، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه بالقوة من مالكيه.
وقال بعض العلماء: إن الغنيمة والفيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيء، وهذا قول قتادة ﵀، وهو المعروف في اللغة، فالعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:
فلا وأبي جليلة ما أفأنا ... من النعم المؤبل من بعير
ولكنا نهكنا القوم ضربا ... على الأثباج منهم والنحور
يعني أنهم لم يشتغلوا بسوق الغنائم، ولكن بقتل الرجال فقوله: أفأنا: يعني غنمنا، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ لأن ظاهر هذه الآية الكريمة شمول ذلك لجميع المسببات ولو كن منتزعات قهراً، ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما، وتدل له آية الحشر المتقدمة، وعلى قول قتادة: فآية الحشر مشكلة مع آية الأنفال هذه، ولأجل ذلك الإشكال قال قتادة رحمه الله تعالى: إن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية. ناسخة لآية: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية، وهذا القول الذي ذهب إليه ﵀ باطل بلا شك، ولم يلجىء قتادة ﵀ إلى هذا القول إلا دعوى
стр. 959
اتحاد الفيء والغنيمة، فلو فرق بينهما كما فعل غيره لعلم أن آية الأنفال في الغنيمة، وآية الحشر في الفيء، ولا إشكال.
ووجه بطلان القول المذكور: أن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية نزلت بعد وقعة بدر، قبل قسم غنيمة بدر، بدليل حديث علي الثابت في صحيح مسلم الدال على أن غنائم بدر خمست، وآية التخميس التي شرعه الله بها هي هذه، وأما آية الحشر فهي نازلة في غزوة بني النضير بإطباق العلماء، وغزوة بني النضير بعد غزوة بدر بإجماع المسلمين، ولا منازعة فيه البتة، فظهر من هذا عدم صحة قول قتادة رحمه الله تعالى، وقد ظهر لك أنه -على القول بالفرق بين الغنيمة والفيء - راجع إلى نظر الإمام، فلا منافاة على قوله بين آية الحشر، وآية التخميس إذا رآه الإمام والله أعلم.
مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ فهذا يدل على أنها غنيمة لهم، فلما قال: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم، لا لغيرهم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي: ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعاً، فكذلك قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ أي: وللغانمين ما بقي، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء، وممن حكى إجماع المسلمين عليه ابن المنذر،
стр. 960
وابن عبد البر، والداودي، والمازري، والقاضي عياض، وابن العربي، والأخبار بهذا المعنى متظاهرة، وخالف في ذلك بعض أهل العلم، وهو قول كثير من المالكية، ونقله عنهم المازري ﵀ أيضاً قالوا: للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من الصالح للمسلمين، ويمنع منها الغزاة الغانمين.
واحتجوا لذلك بأدلة، منها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية. قالوا: الْأَنْفَال: الغنائم كلها، والآية محكمة لا منسوخة.
واحتجوا لذلك أيضاً بما وقع في فتح مكة؛ وقصة حنين قالوا: إنه - ﷺ - فتح مكة عنوة بعشرة آلاف مقاتل، ومنَّ على أهلها فردها عليهم، ولم يجعلها غنيمة، ولم يقسمها على الجيش، فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش واجباً، لفعله - ﷺ - لما فتح مكة؛ قالوا: وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جداً، ولم يعط الأنصار منها مع أنهم من خيار المجاهدين الغازين معه - ﷺ -، وقد أشار لعطاياه من غنائم هوازن في وقعة حنين الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة حنين بقوله:
أعطى عطايا شهدت بالكرم ... يومئذ له ولم تجمجم
أعطى عطايا أخجلت دلح الديم ... إذ ملأت رحب الفضا من النعم
زهاء ألقى ناقة منها وما ... ملأ بين جبلين غنما
لرجل وبله ما لحلقه ... منها ومن رقيقه وورقه
стр. 961
الخ.
قالوا: لو كان يجب قسم الأخماس الأربعة على الجيش الذي غنمها لما أعطى - ﷺ - ألفى ناقة من غنائم هوازن لغير الغزاة، ولما أعطى ما ملأ بين جبلين من الغنم لصفوان بن أمية، وفي ذلك اليوم أعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وكذلك عيينة بن حصن الفزاري حتى غار من ذلك العباس بن مرداس السلمي وقال في ذلك شعره المشهور:
أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرىء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ ... فلم أعط شيئاً ولم أمنع
إلا أباعير أعطيتها ... عديد قوائمه الأربع
وكانت نهاباً تلافيتها ... بكري على المهر في الأجرع
وإيقاظي القوم إن يرتدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع
قالوا: فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش الغانمين واجباً لما فضل الأقرع وعيينة في العطاء من الغنيمة على العباس بن مرداس في أول الأمر قبل أن يقول شعره المذكور.
وأجيب من جهة الجمهور عن هذه الاحتجاجات، فالجواب عن آية ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ هو ما قدمنا من أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، ونسبه القرطبي لجمهور العلماء، والجواب عما وقع في فتح مكة من أوجه:
стр. 962
الأول: أن بعض العلماء زعموا أن مكة لم تفتح عنوة، ولكن أهلها أخذوا الأمان منه - ﷺ -؛ وممن قال بهذا الشافعي ﵀.
واستدل قائلوا هذا القول بقوله - ﷺ -: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" وهو ثابت في الصحيح. وهذا الخلاف في مكة هل أخذها النَّبي - ﷺ - عنوة؟ وهو قول الجمهور، أو أخذ لها الأمان، والأمان شبه الصلح. عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله في غزوة الفتح يعني مكة:
واختلفوا فيها فقيل: أمنت ... وقيل: عنوة وكرهاً أخذت
والحق أنها فتحت عنوة كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله، ومن أظهر الأجوبة عما وقع في فتح مكة أن مكة ليست كغيرها من البلاد؛ لأنها حرام بحرمة الله من يوم خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة، وإنما أحلت له - ﷺ - ساعة من نهار، ولم تحل لأحد قبله ولا بعده، وما كان بهذه المثابة، فليس كغيره من البلاد التي ليست لها هذه الحرمة العظيمة.
وأما ما وقع في قصة حنين فالجواب عنه ظاهر، وهو أن النَّبي - ﷺ - استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، ويدل على ذلك أنه - ﷺ - لما سمع أن بعض الأنصار قال: يمنعنا ويعطي قريشاً، وسيوفنا تقطر من دمائهم، جمعهم النَّبي - ﷺ -، وكلمهم كلامه المشهور والبالغ في الحسن، ومن جملته أنه قال لهم: "ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله - ﷺ - إلى رحالكم" إلى آخر كلامه، فرضي القوم، وطابت
стр. 963
نفوسهم، وقالوا: رضينا برسول الله - ﷺ - قسما وحظاً، وهذا ثابت في الصحيح، ونوه الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بحسن هذا الكلام الذي خاطبهم به - ﷺ - بقوله في غزوة حنين:
ووكل الأنصار خير العالمين ... لدينهم إذ ألف المؤلفين
فوجدوا عليه أن منعهم ... فأرسل النَّبي من جمعهم
وقال قولاً كالفريد المؤنق ... عن نظمه ضعف سلك منطقي
فالحاصل: أن أربعة أخماس الغنيمة التي أوجف الجيش عليها الخيل والركاب للغزاة الغانمين على التحقيق، الذي لا شك فيه، وهو قول الجمهور.
وقد علمت الجواب عن حجج المخالفين في ذلك.
ومن العلماء من يقول: لا يجوز للإمام أن ينفل أحداً شيئاً من هذه الأخماس الأربعة؛ لأنها ملك للغانمين، وهو قول مالك.
وذهب بعض العلماء إلى أن للإمام أن ينفل منها بعض الشيء باجتهاده، وهو أظهر دليلاً، وسيأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: هي تحقيق المقام في مصاريف الخمس الذي يؤخذ من الغنيمة قبل القسمة؛ فظاهر الآية الكريمة أنه يجعل ستة أنصباء: نصيب لله جل وعلا، ونصيب للرسول - ﷺ -، ونصيب لذي القربى، ونصيب لليتامى، ونصيب للمساكين، ونصيب لابن السبيل.
وبهذا قال بعض أهل العلم: قال أبو جعفر الرازي، عن
стр. 964
الربيع، عن أبي العالية الرياحي، قال: كان رسول الله - ﷺ - يؤتى بالغنيمة، فيخمسها على خمسة، تكون أربعة أخماس منها لمن شهدها، ثم يؤخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول - ﷺ -، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى, وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وعلى هذا القول فنصيب الله جل وعلا يجعل للكعبة. ولا يخفى ضعف هذا القول؛ لعدم الدليل عليه، وقال بعض من قال بهذا القول: إن نصيب الله جل وعلا يرد على ذوي الحاجة.
والتحقيق أن نصيب الله جل وعلا، ونصيب الرسول - ﷺ - واحد، وذكر اسمه جل وعلا استفتاح كلام للتعظيم، وممن قال بهذا القول ابن عباس، كما نقله عنه الضحاك. وهو قول إبراهيم النخعي، والحسن بن محمد بن الحنفية، والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة، وقتادة، ومغيرة وغير واحد كما نقله عنهم ابن كثير.
والدليل على صحة هذا القول ما رواه البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل، قال: أتيت النَّبي - ﷺ - وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرساً، فقلت: يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ فقال: لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش، قلت: فما أحد أولى به من أحد، قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك لست أحق به من أخيك المسلم. وهذا دليل واضح على ما ذكرنا.
ويؤيده أيضاً ما رواه الإمام أحمد عن المقدام بن معد يكرب
стр. 965
الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي ﵃، فتذاكروا حديث رسول الله - ﷺ -، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله - ﷺ - في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس، فقال عبادة: إن رسول الله - ﷺ - صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله - ﷺ -، فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: إن هذي من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ينجي الله به من الهم والغم.
قال ابن كثير بعد أن ساق حديث أحمد: هذا عن عبادة بن الصامت، هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه، ولكن روى الإمام أحمد أيضاً، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله - ﷺ -: نحوه في قصة الخمس، والنهي عن الغلول.
وعن عمرو بن عبسة أن رسول الله - ﷺ - صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من هذا البعير، ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" رواه أبو داود، والنسائي.
стр. 966
فإذا عرفت أن التحقيق أن الخمس في حياة النَّبي - ﷺ - يقسم خمسة أسهم؛ لأن اسم الله ذكر للتعظيم، وافتتاح الكلام به، مع أن كل شيء مملوك له جل وعلا، فاعلم أن النَّبي - ﷺ - كان يصرف نصيبه الذي هو خمس الخمس في مصالح المسلمين؛ بدليل قوله في الأحاديث التي ذكرناها آنفاً: "والخمس مردود عليكم"، وهو الحق.
ويدل له ما ثبت في الصحيح: من أنه كان يأخذ قوت سنته من فيء بني النضير، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما بعد وفاته، وانتقاله إلى الرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه، فإن بعض العلماء يقول بسقوط نصيبه بوفاته.
وممن قال بذلك: أبو حنيفة ﵀، واختاره ابن جرير.
وزاد أبو حنيفة سقوط سهم ذوي القربى أيضاً بوفاته - ﷺ -. والصحيح أن نصيبه - ﷺ - باق، وأن إمام المسلمين يصرفه فيما كان يصرفه فيه رسول الله - ﷺ - من مصالح المسلمين.
وقال بعض العلماء: يكون نصيبه - ﷺ - لمن يلي الأمر بعده، وروي عن أبي بكر، وعلي، وقتادة، وجماعة، قال ابن كثير: وجاء فيه حديث مرفوع.
قال مقيده - عفا الله عنه -: والظاهر أن هذا القول راجع في المعنى إلى ما ذكرنا أنه الصحيح، وأن معنى كونه لمن يلي الأمر بعده أنه يصرفه فيما كان يصرفه فيه - ﷺ -، والنَّبي قال: "والخمس مردود عليكم" وهو واضح كما ترى.
стр. 967
ولا يخفى أن كل الأقوال في نصيب النَّبي - ﷺ - بعد وفاته راجعة إلى شيء واحد؛ وهو صرفه في مصالح المسلمين.
وقد كان الخلفاء الراشدون المهديون ﵃ يصرفونه فيما كان يصرفه فيه - ﷺ -.
وكان أبو بكر، وعمر ﵄ يصرفانه في الكراع والسلاح.
وجمهور العلماء على أن نصيب ذوي القربى باق، ولم يسقط بموته - ﷺ -.
واختلف العلماء فيه من ثلاث جهات:
الأولى: هل يسقط بوفاته أو لا؟
وقد ذكرنا أن الصحيح عدم السقوط خلافاً لأبي حنيفة.
الثانية: في المراد بذي القربى.
الثالثة: هل يفضل ذكرهم على أنثاهم أو لا؟
أما ذوي القربى: فهم بنو هاشم؛ وبنو المطلب؛ على أظهر الأقوال دليلاً، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، ومسلم بن خالد.
قال البخاري في صحيحه، في كتاب "فرض الخمس": حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم. قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله - ﷺ -، فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب
стр. 968
وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد".
قال الليث: حدثني يونس وزاد، قال جبير: ولم يقسم النَّبي - ﷺ - لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل. اهـ.
وقال البخاري أيضاً في المغازي: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن جبير بن مطعم أخبره، قال: "مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النَّبي - ﷺ -، فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن بمنزلة واحدة منك، فقال: إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد، قال جبير: لم يقسم النَّبي - ﷺ - لبني عبد شمس، وبني نوفل شيئاً. اهـ.
وإيضاح كونهم من النبي - ﷺ - بمنزلة واحدة: أن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وعثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس بن عبد مناف.
فأولاد عبد مناف بن قصي أربعة: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، وهم: أشقاء؛ أمهم: عاتكة بنت مرة بن هلال السلمية، إحدى عواتك سليم؛ اللاتي هن جدات رسول الله - ﷺ -، وهن ثلاث: هذه التي ذكرنا. والثانية: عمتها؛ وهي: عاتكة بنت هلال التي هي أم عبد مناف.
والثالثة: بنت أخي الأول؛ وهي عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال، وهي أم وهب، والد آمنة، أم النبي - ﷺ -.
стр. 969
ورابع أولاد عبد مناف: نوفل بن عبد مناف، وأمه: واقدة، بنت أبي عدي، واسمه نوفل بن عبادة بن مازن بن صعصعة.
قال الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه عمود النسب:
عبد مناف قمر البطحاء ... أربعة بنوه هؤلاء
مطلب، وهاشم، ونوفل، ... وعبد شمس، هاشم لا يجهل
وقال في بيان عواتك سليم اللآتي هن جدات له - ﷺ -:
عواتك النَّبي: أم وهب ... وأم هاشم، وأم الندب
عبد مناف، وذه الأخيره: ... عمة عمة الأولى الصغيره
وهن بالترتيب ذا لذي لرجال ... الأوقص بن مرة بن هلال
فبهذا الذي بينا يتضح أن الصحيح أن المراد بذي القربى في الآية: بنو هاشم، وبنو المطلب دون بني عبد شمس، وبني نوفل.
ووجهه أن بني عبد شمس، وبني نوفل عادوا الهاشميين، وظاهروا عليهم قريشاً، فصاروا كالأباعد منهم؛ للعداوة، وعدم النصرة.
ولذا قال فيهم أبو طالب؛ في لاميته المشهورة:
جزى الله عنا عبد شمس، ونوفلا ... عقوبة شر، عاجل، غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه، غير عائل
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بني خلف قيضا بنا، والغياطل
стр. 970
ونحن الصميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصي في الخطوب الأوائل
بهذا الحديث الصحيح الذي ذكرنا: يتضح عدم صحة قول من قال بأنهم بنو هاشم فقط، وقول من قال: إنهم قريش كلهم.
وممن قال بأنهم بنو هاشم فقط: عمر بن عبد العزيز، وزيد بن أرقم، ومالك، والثوري، ومجاهد، وعلي بن الحسين، والأوزاعي، وغيرهم.
وقد أخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس: أن نجدة الحروري كتب إليه: يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه: إنا كنا نرى أناهم، فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى.
وزيادة قوله: "وقالوا: قريش كلها" تفرد بها أبو معشر، وفيه ضعف. وما قدمنا من قول النَّبي - ﷺ -، وفعله الثابت في الصحيح: يعين أنهم بنو هاشم، والمطلب، وهو قول الشافعي، وأحمد بن حنبل، وكثير من أهل العلم.
فإذا عرفت أنه - ﷺ - قضى بخمس الخمس من غنائم خيبر لبني هاشم والمطلب، وأنهم هم ذوو القربى المذكورون في الآية.
فاعلم أن العلماء اختلفوا: هل يفضل ذكرهم على أنثاهم، أو يقسم عليهم بالسوية؟ فذهب بعض العلماء إلى أنه كالميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وهذا هو مذهب أحمد بن حنبل في أصح الروايتين.
стр. 971
قال صاحب الإنصاف: هذا المذهب جزم به الخرقي، وصاحب الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والعمدة، والوجيز، وغيرهم؛ وقدمه في الرعايتين، والحاويين، وغيرهم، وصححه في البلغة، والنظم، وغيرهما.
وعنه: الذكر والأنثى؛ سواء. قدمه ابن رزين في شرحه؛ وأطلقهما في المغني، والشرح، والمحرر، والفروع. اهـ. من الإنصاف.
وتفضيل ذكرهم على أنثاهم الذي هو مذهب الإمام أحمد: هو مذهب الشافعي أيضاً.
وحجة من قال بهذا القول: أنه سهم استحق بقرابة الأب شرعاً؛ بدليل أن أولاد عماته - ﷺ -، كالزبير بن العوام، وعبد الله بن أبي أمية؛ لم يقسم لهم في خمس الخمس، وكونه مستحقاً بقرابة الأب خاصة يجعله كالميراث؛ فيفضل فيه الذكر على الأنثى.
وقال بعض العلماء: ذكرهم وأنثاهم سواء. وممن قال به المزني، وأبو ثور، وابن المنذر.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول أظهر عندي؛ لأن تفضيل الذكر على الأنثى يحتاج إلى دليل، ولم يقم عليه في هذه المسألة دليل، ولم ينقل أحد عن النَّبي - ﷺ - أنه فضل ذكرهم على أنثاهم في خمس الخمس.
والدليل على أنه ليس كالميراث: أن الابن منهم يأخذ نصيبه مع وجود أبيه، وجده، وصغيرهم، وكبيرهم سواء.
стр. 972
وجمهور العلماء القائلين بنصيب القرابة على أنه يقسم على جميعهم، ولم يترك منهم أحد خلافاً لقوم.
والظاهر شمول غنيهم؛ خلافاً لمن خصص به فقراءهم، لأنه - ﷺ - لم يخصص به فقراءهم، بخلاف نصيب اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. فالظاهر أنه يخصص به فقراؤهم، ولا شيء لأغنيائهم، فقد بان لك مما تقدم أن مذهب الشافعي، وأحمد -رحمهما الله- في هذه المسألة: أن سهم الله، وسهم رسوله - ﷺ - واحد؛ وأنه بعد وفاته يصرف في مصالح المسلمين، وأن سهم القرابة لبني هاشم، وبني المطلب؛ للذكر مثل حظ الأنثيين، وأنه لجميعهم؛ غنيهم وفقيرهم، قاتلوا أم لم يقاتلوا، وأن للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، وأن الأنصباء الثلاثة الباقية لخصوص الفقراء من اليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
ومذهب أبي حنيفة: سقوط سهم الرسول - ﷺ -، وسهم قرابته بموته، وأن الخمس يقسم على الثلاثة الباقية: التي هي اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. قال: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة، والجند، وروي نحو هذا عن الشافعي أيضاً.
ومذهب الإمام مالك ﵀ أن أمر خمس الغنيمة موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيما يراه مصلحة، فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي، القرابة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.
قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها.
стр. 973
وبقول مالك هذا: قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدل قوله - ﷺ -: "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" فإنه لم يقسمه أخماساً، ولا أثلاثاً، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم؛ لأنهم من أهم من يدفع إليه.
قال الزجاج - محتجاً لمالك -: قال الله : ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وللرجل جائز - بإجماع العلماء - أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. وذكر النسائي عن عطاء، وقال: خمس الله، وخمس رسوله واحد، كان رسول الله - ﷺ - يحمل منه، ويعطى منه، ويضعه حيث شاء. اهـ. من القرطبي.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء.
وقال شيخنا العلامة ابن تيمية ﵀: وهذا قول مالك، وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال" اهـ من ابن كثير.
وهذا القول هو رأي البخاري بدليل قوله: باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ يعني للرسول قسم ذلك.
وقال رسول الله: "إنما أنا قاسم، وخازن، والله يعطي" ثم ساق البخاري أحاديث الباب في كونه - ﷺ - قاسماً بأمر الله تعالى.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول قوي، وستأتي له أدلة إن شاء الله في المسألة التي بعد هذا، ولكن أقرب الأقوال للسلامة
стр. 974
هو العمل بظاهر الآية، كما قال الشافعي، وأحمد -رحمهما الله- لأن الله أمرنا أن نعلم أن خمس ما غنمنا لهذه المصارف المذكورة، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ وهو واضح جداً، كما ترى.
وأما قول بعض أهل البيت؛ كعبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين ﵃ بأن الخمس كله لهم دون غيرهم، وأن المراد باليتامى، والمساكين: يتاماهم، ومساكينهم. وقول من زعم أنه بعد النَّبي - ﷺ - يكون لقرابة الخليفة الذي يوليه المسلمون، فلا يخفى ضعفهما، والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: أجمع العلماء على أن المُذّهب، والفضة، وسائر الأمتعة؛ كل ذلك داخل في حكم الآية: يخمس، ويقسم الباقي على الغانمين، كما ذكرنا.
المسألة الرابعة: أما أرضهم المأخوذة عنوة: فقد اختلف العلماء فيها، فقال بعض العلماء: يخير الإمام بين قسمتها، كما يفعل بالذهب، والفضة؛ ولا خراج عليها؛ بل هي أرض عشر مملوكة، وبين وقفها للمسلمين بصيغة. وقيل بغير صيغة، ويدخل في ذلك تركها للمسلمين بخراج مستمر يؤخذ ممن تقر بيده، وهذا التخيير: هو مذهب الإمام أحمد.
وعلى هذا القول: إذا قسمها الإمام، فقيل: تخمس، وهو أظهر، وقيل: لا، واختاره بعض أجلاء العلماء قائلاً: إن أرض خيبر لم يخمس ما قسم منها. والظاهر أن أرض خيبر خمست، كما جزم به غير واحد، ورواه أبو داود بإسناد صحيح عن الزهري.
стр. 975
وهذا التخيير بين القسم، وإبقائها للمسلمين الذي ذكرنا أنه مذهب الإمام أحمد: هو أيضاً مذهب الإمام أبي حنيفة والثوري.
وأما مالك ﵀ فذهب إلى أنها تصير وقفاً للمسلمين، بمجرد الإستيلاء عليها.
وأما الشافعي ﵀ فذهب إلى أنها غنيمة يجب قسمتها على المجاهدين، بعد إخراج الخمس، وسنذكر - إن شاء الله - حجج الجميع، وما يظهر لنا رجحانه بالدليل.
أما حجة الإمام الشافعي ﵀ فهي بكتاب وسنة.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، فهو يقتضي بعمومه شمول الأرض المغنومة.
وأما السنة: فما ثبت أنه - ﷺ -، قسم أرض قريظة بعد أن خمسها، وبني النضير، ونصف أرض خيبر بين الغانمين.
قال: فلو جاز أن يدعي إخراج الأرض، جاز أن يدعي إخراج غيرها، فيبطل حكم الآية.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بالآية: ظاهر، وبالسنة غير ظاهر، لأنه لا حجة فيه على من يقول بالتخيير؛ لأنه يقول: كان مخيراً فاختار القسم، فليس القسم واجباً، وهو واضح كما ترى.
وحجة من قال بالتخيير: أن النَّبي - ﷺ - قسم نصف أرض خيبر، وترك نصفها، وقسم أرض قريظة، وترك قسمة مكة، فدل
стр. 976
قسمه تارة، وتركه القسم أخرى على التخيير.
ففي [السنن] و[المستدرك]: "أن النَّبي - ﷺ - لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهماً، جمع كل سهم مائة سهم فكان لرسول الله - ﷺ -، وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن ينزل به من الوفود، والأمور، ونوائب الناس" هذا لفظ أبي داود. وفي لفظ "عزل رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر سهماً، وهو الشطر -لنوائبه، وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك: الوطيح، والكتيبة، والسلالم، وتوابعها". وفي لفظ أيضاً: "عزل نصفها لنوائبه، وما ينزل به: الوطيحة، والكتيبة، وما أحيز معهما، وعزل النصف الآخر: فقسمه بين المسلمين، الشق، والنطاة، وما أحيز معهما، وكان سهم رسول الله - ﷺ - فيما أحيز معهما.
ورد المخالف هذا الاحتجاج بأن النصف المقسوم من خيبر: مأخوذ عنوة، والنصف الذي لم يقسم منها: مأخوذ صلحاً وجزم بهذا ابن حجر في [فتح الباري].
وقال النووي في [شرح مسلم] في الكلام على قول أنس عند مسلم: وأصبناها عنوة ما نصّه "قال القاضي: قال المازري: ظاهر هذا أنها كلها فتحت عنوة، وقد روى مالك، عن ابن شهاب أن بعضها فتح عنوة، وبعضها صلحاً. قال: وقد يشكل ما روي في سنن أبي داود أنه قسمها نصفين: نصفاً لنوائبه، وحاجته، ونصفاً للمسلمين. قال: وجوابه ما قال بعضهم: إنه كان حولها ضياع وقرى أجلى عنها أهلها، فكانت خالصة للنبي - ﷺ -، وما سواها
стр. 977
للغانمين، فكان قدر الذي جلوا عنه النصف، فلهذا قسم نصفين" اهـ منه بلفظه.
وقال أبو داود في [سننه]: حدثنا حسين بن علي العجلي، ثنا يحيى -يعني ابن آدم- ثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، وعبد الله بن أبي بكر، وبعض ولد محمد بن مسلمة، قالوا: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله - ﷺ - أن يحقن دماءهم، ويسيرهم، ففعل، فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك، فكانت لرسول الله - ﷺ - خاصة، لأنها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا عبد الله بن محمد، عن جويرية، عن مالك، عن الزهري: أن سعيد بن المسيب، أخبره: "أن رسول الله - ﷺ - افتتح بعض خيبر عنوة".
قال أبو داود: وقرىء على الحارث بن مسكين، وأنا شاهد، أخبرهم ابن وهب، وقال: حدثني مالك، عن ابن شهاب: أن خيبر كان بعضها عنوة، وبعضها صلحاً، والكتيبة أكثرها عنوة، وفيها صلح، قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: أرض خيبر، وهي أربعون ألف عذق.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا الذي ذكرنا: يقدح في الاحتجاج لتخيير الإمام في القسم، والوقفية بقضية خيبر، كما ترى. وحجة قول مالك ﵀ ومن وافقه في أن أرض العدو المفتوحة عنوة تكون وقفاً للمسلمين، بمجرد الاستيلاء عليها أمور:
стр. 978
منها: قوله - ﷺ - الثابت في [صحيح مسلم] من حديث أبي هريرة ﵁ "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، شهد على ذلك لحم أبي هريرة، ودمه".
ووجه الاستدلال عندهم بالحديث: أن: "منعت العراق ... الخ" بمعنى ستمنع؛ وعبر بالماضي إيذاناً بتحقيق الوقوع، كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّور﴾ الآية، وقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية.
قالوا: فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم، ولحديث مسلم هذا؛ شاهد من حديث جابر عند مسلم أيضاً، ومن حديث أبي هريرة أيضاً عند البخاري.
وقال ابن حجر في [فتح الباري] في كتاب "فرض الخمس" ما نصه: وذكر ابن حزم: أن بعض المالكية احتج بقوله في حديث أبي هريرة: "منعت العراق درهمها" الحديث. على أن الأرض المغنومة: لا تباع، ولا تقسم، وأن المراد بالمنع: منع الخراج، ورده بأن الحديث ورد في الإنذار بما يكون من سوء العاقبة، وأن المسلمين سيمنعون حقوقهم في آخر الأمر، وكذلك وقع.
واحتجوا أيضاً بما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النَّبي - ﷺ - خيبر".
стр. 979
وفي لفظ في الصحيح عن عمر: "أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس بيانًا ليس لهم شيء؛ ما فتحت علي قرية إلا قسمتها، كما قسم النَّبي - ﷺ - خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها".
واحتج أهل هذا القول أيضاً: بأن الأرض المغنومة لو كانت تقسم، لم يبق لمن جاء بعد الغانمين شيء، والله أثبت لمن جاء بعدهم شركة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ الآية، فإنه معطوف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ الآية، وقول من قال: إن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ مبتدأ خبره "يَقُولُونَ" غير صحيح؛ لأنه يقتضي أنه تعالى أخبر بأن كل من يأتي بعدهم يقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية. والواقع خلافه؛ لأن كثيراً ممن جاء بعدهم يسبون الصحابة ويلعنونهم، والحق أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ حال كما تقدم في "آل عمران" وهي قيد لعاملها وصف لصاحبها.
قال مقيده - عفا الله عنه -: هذه الأدلة التي استدل بها المالكية لا تنهض فيما يظهر؛ لأن الأحاديث المذكورة لا يتعين وجه الدلالة فيها؛ لأنه يحتمل أن يكون الإمام مخيراً، فاختار إبقاءها للمسلمين، ولم يكن واجباً في أول الأمر، كما قدمنا. والاستدلال بآية الحشر المذكورة: واضح السقوط؛ لأنها في الفيء، والكلام في الغنيمة، والفرق بينهما معلوم كما قدمنا.
قال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر الأقوال دليلاً أن الإمام
стр. 980
مخير، ويدل عليه كلام عمر في الأثر المار آنفاً، وبه تنتظم الأدلة، ولم يكن بينها تعارض، والجمع واجب متى ما أمكن. وغاية ما في الباب: أن تكون السنة دلت على تخصيص واقع في عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. وتخصيص الكتاب بالسنة كثير.
قال القرطبي في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها، بعد أن ذكر القول بالتخيير، ما نصه: قال شيخنا أبو العباس ﵁: وكأن هذا جمع بين الدليلين، ووسط بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمر ﵁ قطعاً.
ولذلك قال: "لولا آخر الناس" فلم يخبر بنسخ فعل النَّبي - ﷺ -، ولا بتخصيصه بهم.
فإن قيل: لا تعارض بين الأدلة على مذهب الشافعي؛ لأن ما وقع فيه القسم من خيبر مأخوذ عنوة، وما لم يقسم منها مأخوذ صلحاً، والنضير فيء، وقريظة قسمت.
ولو قال قائل: إنها فيء أيضاً؛ لنزولهم على حكم النَّبي - ﷺ - قبل أن يحكم فيهم سعداً لكان غير بعيد، ولكن يرده: أن النَّبي - ﷺ - خمسها، كما قاله مالك، وغيره.
ومكة مأخوذة صلحاً؛ بدليل قوله - ﷺ -: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن". وهذا ثابت في صحيح مسلم.
فالجواب: أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة؛ ولذلك أدلة واضحة.
стр. 981
منها: أنه لم ينقل أحد أن النَّبي - ﷺ - صالح أهلها زمن الفتح ولا جاءه أحد منهم، فصالحه عن البلد؛ وإنما جاءه أبو سفيان، فأعطاه الأمان لمن دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد، أو ألقى سلاحه، ولو كانت قد فتحت صلحاً لم يقل: "من دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد فهو آمن" فإن الصلح يقتضي الأمان العام.
ومنها: أن النَّبي - ﷺ - قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه أذن لي فيها ساعة من نهار".
وفي لفظ: إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار".
وفي لفظ: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ﷺ -، فقالوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" وهذا صريح في أنها فتحت عنوة.
ومنها: أنه ثبت في الصحيح أنه يوم فتح مكة جعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ثم قال: يا أبا هريرة اهتف لي بالأنصار، فجاءوا يهرولون، فقال: يا معشر الأنصار هل ترون إلى أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتوهم غداً أن تحصدوهم حصداً، وأحفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: موعدكم الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، وصعد رسول الله - ﷺ -
стр. 982
الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن".
وذكر أهل المغازي تفصيل ما أجمل في حديث مسلم هذا، فبينوا أنه قتل من الكفار اثنا عشر، وقيل: قتل من قريش أربعة وعشرون، ومن هذيل أربعة، وقتل يومئذ من المسلمين ثلاثة، وهم سلمة بن الميلاء الجهني، وكرز بن جابن المحاربي -نسبة إلى محارب بن فهر- وخنيس بن خالد الخزاعي أخو أم معبد، وقال كرز قبل أن يقتل في دفاعه عن خنيس:
قد علمت بيضاء من بني فهر ... نقية اللون نقية الصدر
• لأضربن اليوم عن أبي صخر *
وفيه نقل الحركة في الوقف، ورجز حماس بن قيس المشهور يدل على القتال يوم الفتح، وذكره الشنقيطي في مغازيه بقوله:
وزعم ابن قيس أن سيحفدا ... نساءهم خلته وأنشدا
إن يقبلوا اليوم فمالي علة ... هذا سلاح كامل وألة
• وذو عرارين سريع السلة *
وشهد المأزق فيه حطما ... رمزيب من قومه فانهزما
وجاء فاستغلق بابها البتول ... فاستفهمته أينما كنت تقول
فقال والفزع زعفر دمه ... إنك لو شهدت يوم الخندمة
стр. 983
إذ فر صفوان وفر عكرمة ... وبو يزيد قائم كالمؤتمة
واستقبلتنا بالسيوف المسلمة ... لهم نهيت خلفنا وهمهمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمة
• لم تنطقي باللوم أدنى كلمه *
وهذا الرجز صريح في وقوع القتال والقتل يوم فتح مكة.
ومصداقه في الصحيح كما تقدم.
ومنها أيضاً: أن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ أجارت رجلاً، فأراد علي بن أبي طالب ﵁ قتله، فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" وفي لفظ عنها: لما كان يوم فتح مكة أجرت رجلين من أحمائي، فأدخلتهما بيتاً؛ وأغلقت عليهما باباً، فجاء ابن أمي عليَّ، فتفلت عليهما بالسيف" فذكرت حديث الأمان وقول النَّبي ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" وذلك ضحى ببطن مكة بعد الفتح، وقصتها ثانية في الصحيح.
فإجارتها له، وإرادة علي ﵁ قتله، وإمضاء النَّبي ﷺ إجارتها: صريح في أنها فتحت عنوة.
ومنها: أنه ﷺ ، أمر بقتل مقيس بن صبابة، وابن خطل، وجاريتين.
ولو كانت فتحت صلحاً، لم يأمر بقتل أحد من أهلها، ولكان ذكر هؤلاء مستثنى من عقد الصلح.
стр. 984
وأمره - ﷺ - بقتل من ذكر: ثابت عنه - ﷺ -.
وفي السنن بإسناد صحيح: "أن النبي - ﷺ -، لما كان يوم فتح مكة، قال: "أمنوا الناس إلا امرأتين وأربعة نفر: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" إلى غير ذلك من الأدلة.
فهذه أدلة واضحة على أن مكة - حرسها الله - فتحت عنوة.
وكونها فتحت عنوة: يقدح فيما ذهب إليه الشافعي من وجوب قسم الأرض المغنومة عنوة.
فالذي يتفق عليه جميع الأدلة، ولا يكون بينها أي تعارض: هو ما قدمنا من القول بالتخيير بين قسم الأرض، وإبقائها للمسلمين، مع ما قدمنا من الحجج، والعلم عند الله تعالى.
وإذا عرفت أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة، فاعلم أن العلماء اختلفوا في رباع مكة: -هل يجوز تملكها، وبيعها، وإيجارها؟ - على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز شيء من ذلك، وبه قال أبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، ومجاهد، وعطاء، وطاووس، وإبراهيم، والحسن، وإسحاق، وغيرهم. وكرهه مالك ﵀.
وأجاز جميع ذلك الشافعي، وأبو يوسف وبه قال عمر بن الخطاب ﵁، وجماعة من الصحابة ومن بعدهم.
وتوسط الإمام أحمد، فقال: تملك وتورث، ولا تؤجر، ولا تباع، على إحدى الروايتين، جمعاً بين الأدلة، والرواية الثانية
стр. 985
كمذهب الشافعي.
وهذه المسألة: تناظر فيها الإمام الشافعي، وإسحاق بن راهويه في مسجد الخيف -والإمام أحمد بن حنبل حاضر- فأسكت الشافعي إسحاق بالأدلة، بعد أن قال له: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بفرك أذنيه، أنا أقول لك: قال رسول الله - ﷺ -، وأنت تقول: قال طاوس، والحسن، وإبراهيم، وهل لأحد مع النبي - ﷺ - حجة؟ -في كلام طويل-.
ونحن نذكر إن شاء الله أدلة الجميع، وما يقتضي الدليل رجحانه منها، فحجة الشافعي ﵀ ومن وافقه بأمور.
الأول: حديث أسامة، عن النَّبي - ﷺ - لما سأله: أين تنزل غداً؟ فقال النَّبي - ﷺ -: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ " وفي بعض الروايات "من منزول" وفي بعضها "منزلاً" أخرج هذا الحديث البخاري في كتاب "الحج" في باب "توريث دور مكة، وشرائها" الخ، وفي كتاب "المغازي" في غزوة الفتح في رمضان في: باب أين ركز النَّبي - ﷺ - الراية يوم الفتح، وفي كتاب الجهاد في باب "إذا أسلم قوم في دار الحرب، ولهم مال وأرضون فهي لهم" وأخرجه مسلم في كتاب "الحج" في باب: النزول بمكة للحاج وتوريث دورها، بثلاث روايات هي مثل روايات البخاري.
فقوله - ﷺ - في هذا الحديث المتفق عليه: "وهل ترك لنا عقيل من رباع" صريح في إمضائه - ﷺ - بيع عقيل بن أبي طالب ﵁ تلك الرباع.
следующие страницы →