المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة القصيم
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
قسم الفقه
اختيارات القاضي أبي يعلى الحنبلي الفقهية
من أول كتاب الطهارة إلى آخر باب التيمم
جمعاً ودراسةً
رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الفقه المقارن
إعداد الطالب
عدنان بن عوض بن رشيد الرشيدي
إشراف الأستاذ الدكتور
عبدالعزيز بن محمد الحجيلان
١٤٣٠ هـ - ١٤٣١ هـ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الله أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، وجعل دينه آخر الأديان السماوية، وشريعته آخر الشرائع المنزلة، وكان الأنبياء ﵈ يبعثون إلى أقوامهم خاصة، وبُعث محمد ﷺ إلى الناس عامة، ومن هنا كانت شريعته أتم الشرائع وأشملها، وأبهاها وأحسنها.
ولاشك أن من علماء الأمة من ورث من مشكاة النبوة حتى فتح الله عليهم بالعلم والقبول، فحفظ الله بهم علم من سلف، ويهدي بهم من اهتدى من الخلف، وجعل لفتواه واختياره موطن ثقة وقبول، عند أهل العلم خاصة، وعند الناس عامة، وإذا كان ذلك كذلك فإن الأمة تتحمل تبعة حفظ علمه، والانتفاع به ونشره.
وإن من هؤلاء الأعلام القاضي الإمام أبي يعلى الفراء ت ٤٥٨ هـ-رحمه الله تعالى- وفي أثناء بحثي عن موضوع يستحق أن يكون جديراً بالبحث، لنيل درجة الماجستير استرعى اهتمامي كثرة المسائل التي اختارها القاضي أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين، وترجيحاته بين روايات الإمام أحمد ﵀، وكثرة الناقلين لاختياراته وترجيحاته من الأصحاب، من أجل ذلك أردت أن أسهم بجهدي المتواضع مع بقية الزملاء الفضلاء في الكلية -طلبة الدراسات العليا- في مشروع يجمع من خلاله فقه هذا الإمام؛ لتفرقها ولكثرتها في كتب الأصحاب كالمغني والفروع والإنصاف والشرح الكبير وشرح الزركشي وغيرها من كتب الحنابلة، مما يصعب معه التعرف على اختيار القاضي أبي يعلى ﵀ -في المسألة، مع العلم أن هذه الاختيارات لم تلق حظها من الإبراز والدراسة الفقهية المقارنة، فوافقت الجامعة مشكورة ممثلة بقسم الفقه في الكلية على هذا المقترح.
وبناء على ما سبق؛ فقد صح العزم، على اختيار موضوع "اختيارات القاضي أبي يعلى الحنبلي الفقهية من أول كتاب الطهارة إلى آخر باب التيمم- جمعاً ودراسةً-"؛ليكون أطروحتي لاستكمال متطلبات درجة الماجستير، والله المستعان، وعليه التكلان.
стр. 4
- أهمية الموضوع:
١ - مكانة القاضي أبي يعلى ﵀ -عند العلماء وخصوصاً الحنابلة، فقد أسهم بتحقيقاته وتقييداته في خدمة المذهب، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب التالين له إلا وينقل عنه، ويعزو إليه، ففي دراسة اختياراته وجمعها في مكان واحد خدمة للمذهب الحنبلي خاصة، وللفقه المقارن عامة.
٢ - القيمة العلمية لاختيارات القاضي أبي يعلى ﵀ بين العلماء وخصوصاً الحنابلة، فقد كانوا يجلونه، ويأخذون باختياراته وترجيحاته، ويعتمدونها ويهتمون بها.
٣ - أن اختيارات القاضي أبي يعلى ﵀، مفرقة في بطون الكتب فيصعب العثور عليها بسهولة، لا سيما مع هذه الثروة العلمية التي خلفها وراءه، ومن ثم كان جمعها وترتيبها ودراستها مفيداً جداً للباحثين وطلبة العلم، لا سيما ما يتعلق بأحكام الطهارة التي يحتاجها كل مسلم ومسلمة في حياته اليومية.
стр. 5
أسباب اختيار الموضوع:
دفعني لاختيار هذا الموضوع جملة من الأسباب منها:
١ - ما تقدم من أهمية الموضوع.
٢ - البحث في اختيارات القاضي أبي يعلى ﵀ -يفتح لطالب العلم الباب للتعرف على الروايات المختلفة عن الإمام أحمد ﵀ -في المسألة، فإذا أضيف إلى ذلك مقارنتها ببقية المذاهب ساعد الطالب في فهم تلك المسائل، وتكوين الملكة الفقهية لديه.
٣ - أن لدراسة أحكام الطهارة أهمية كبرى في الإسلام؛ وذلك لأنها شرط لصحة الصلاة ومفتاحها, و لأن الطهارة يحتاجها كل مسلم ومسلمة، وقد امتدح الله المتطهرين فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].
٤ - أن أراء القاضي واختياراته الفقهية، لم تلق حظها من الجمع والدراسة مع مالها من قيمة علمية لا تخفى، والقيام بجمعها في مكان واحد، وتحريرها على نسق متآلف عمل جدير بالعناية.
٥ - رغبتي في خدمة المذهب الحنبلي من خلال جمع اختيارات عالم من علمائه المحققين، لما في ذلك من إثراء للمكتبة الفقهية المعاصرة.
стр. 6
- الدراسات السابقة:
لقد تتبعت هذا الموضوع في دليل رسائل المعهد العالي للقضاء, ودليل رسائل كلية الشريعة، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية, ومكتبة الملك فهد الوطنية، والمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فلم أجد من بحث هذا الموضوع, باستثناء بعض الرسائل العلمية بتحقيق تراث هذا الإمام كتحقيق فضيلة الشيخ الدكتور / عبد الكريم اللاحم لكتابه الروايتين والوجهين، ونحوها من الرسائل العلمية في تحقيق مؤلفاته، كما سيأتي ذكرها في سرد مؤلفاته، بيد أنها لم تتعرض هذه الدراسات لجمع اختياراته ودراستها، حسب علمي مما شجعني على بحثه وعقد العزم على الكتابة فيه, وإتحاف المكتبة الإسلامية بكل ما هو جديد ومفيد.
-
стр. 7
خطة البحث:
تتكون خطة البحث من مقدمة وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة.
المقدمة: وتتضمن أهمية الموضوع، و أسباب اختياره، و الدراسات السابقة، وخطة البحث ومنهج البحث.
التمهيد: وفيه التعريف بالقاضي أبي يعلى ﵀، وبمؤلفاته وطريقته في الاختيار، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف بالمؤلف.
١ - اسمه ونسبه و مولده.
٢ - نشأته وحياة العلمية ورحلاته في طلب العلم.
٣ - مشايخه وتلاميذه.
٤ - مكانته العلمية ومكانته الاجتماعية.
٥ - وفاته.
المطلب الثاني: التعريف بمؤلفاته، وطريقته ﵀ -في الاختيار.
١ - مؤلفات القاضي أبي يعلى المطبوعة.
٢ - مؤلفات القاضي أبي يعلى المخطوطة.
٣ - طريقة القاضي أبي يعلى في الاختيار.
стр. 8
الفصل الأول: اختيارات القاضي أبي يعلى في أبواب المياه، والآنية، الاستنجاء.
اختياراته في باب المياه، وفيه اثنتا عشرة مسألة.
المسألة الأولى: ملاقاة الماء الجاري للنجاسة.
المسألة الثانية: حكم الوضوء من الماء المشمس.
المسألة الثالثة: حكم الماء المسخن بالنجاسة.
المسألة الرابعة: الماء المنفصل عن غسل اليد من نوم الليل.
المسألة الخامسة: حكم طهارة الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به.
المسألة السادسة: المراد بخلوة المرأة بالماء.
المسألة السابعة: حكم الماء الذي خلت به المرأة لإزالة نجاسة.
المسألة الثامنة: هل مقدار القلتين على وجه التقريب أو التحديد؟
المسألة التاسعة: الوضوء بالماء المتغير بمائع طاهر.
المسألة العاشرة: حكم الماء الذي يمكن نزحه إذا وقع فيه بول الآدمي أو عذرته ولم يتغير.
المسألة الحادية عشرة: حكم الباقي من الماء الكثير إذا تغير بعضه بنجاسة.
المسألة الثانية عشرة: حكم اشتباه الطاهر بالنجس.
стр. 9
اختياراته في باب الآنية، وفيه تمهيد، وأربع مسائل.
التمهيد: في تعريف الآنية لغةً، واصطلاحاً.
المسألة الأولى: حكم اليسير من الفضة لغير حاجه.
المسألة الثانية: جلد الميتة المدبوغ.
المسألة الثالثة: حكم لبن الميتة و أنفحتها.
المسألة الرابعة: حكم عظم الميتة.
اختياراته في باب الاستنجاء، وفيه تمهيد، وسبع مسائل.
التمهيد: في تعريف الاستنجاء، لغةً، وشرعاً.
المسألة الأولى: حكم اللبث فوق الحاجة.
المسألة الثانية: حكم تطهير باطن فرج الثيب.
المسألة الثالثة: حكم الاستجمار بغير الأحجار.
المسألة الرابعة: حكم الاستجمار بشعب الحجر الواحد.
المسألة الخامسة: الاستجمار في الصفحتين والحشفة.
المسألة السادسة: حكم الاستجمار لو انسد المخرج وانفتح غيره.
المسألة السابعة: حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة.
стр. 10
الفصل الثاني: اختياراته في أبواب السواك وسنن الوضوء، و فروض الوضوء وصفته، و مسح الخفين، ونواقض الوضوء.
اختياراته في باب السواك وسنن الوضوء، وفيه خمس مسائل.
المسألة الأولى: حكم السواك للنبي ﷺ .
المسألة الثانية: حكم تسوك الصائم قبل الزوال بسواك رطب.
المسألة الثالثة: حكم التسوك بإصبعه أو بخرقة.
المسألة الرابعة: حكم التسمية في الوضوء.
المسألة الخامسة: حكم أخذ ماء جديد للأذنين.
стр. 11
اختياراته في باب فروض الوضوء وصفته، وفيه تمهيد، وتسع مسائل.
التمهيد: في تعريف الفرض، والوضوء، لغةً، وشرعاً.
المسألة الأولى: ترتيب المضمضة والاستنشاق في أعضاء الوضوء.
المسألة الثانية: حكم غسل داخل العينين في الوضوء.
المسألة الثالثة: حكم غسل النزعتين.
المسألة الرابعة: حكم استيعاب الرأس بالمسح.
المسألة الخامسة: حكم تعيين الناصية للمسح.
المسألة السادسة: حكم ارتفاع الحدث إذا نوى ما تسن له الطهارة.
المسألة السابعة: حكم طهارة من نوى بطهارته أحد الأحداث.
المسألة الثامنة: حكم غسل الأقطع من المرفقين.
المسألة التاسعة: حكم تنشيف الأعضاء من ماء الوضوء.
стр. 12
اختياراته في باب مسح الخفين، وفيه تمهيد، وثمان مسائل.
التمهيد: في تعريف المسح والخف، في اللغة والشرع.
المسألة الأولى: حكم المداومة على المسح على الخفين.
المسألة الثانية: حكم اشتراط إمكان المشي بالخف.
المسألة الثالثة: لبس الخف قبل كمال الطهارة.
المسألة الرابعة: حكم المسح على الفوقاني إذا كان مخرقا والتحتاني صحيحا.
المسألة الخامسة: مدة مسح المسافر إذا مسح مقيماً ثم سافر.
المسألة السادسة: المسح على القلانس.
المسألة السابعة: بطلان الطهارة بخلع الخفين.
المسألة الثامنة: اشتراط اللبس على طهارة للمسح على الجبيرة.
стр. 13
اختياراته في باب نواقض الوضوء، وفيه تمهيد، و ست مسائل:
التمهيد: في تعرف النواقض، لغةً، وشرعاً.
المسألة الأولى: حد الفاحش من النجاسة الخارجة من غير السبيلين.
المسألة الثانية: حكم وضوء من نام راكعاً أو ساجداً.
المسألة الثالثة: حكم وضوء من مس ذكره بظهر كفه.
المسألة الرابعة: حكم وضوء من مس ذكره من غير شهوة.
المسألة الخامسة: حكم مس المرأة الميتة لشهوة.
المسألة السادسة: حكم تصفح المحدث للمصحف بكمه.
الفصل الثالث: اختياراته في باب الغسل، وفيه تمهيد، و ثلاث مسائل:
التمهيد: في تعريف الغسل، لغةً، وشرعاً.
المسألة الأولى: الطهارة الواجبة بخروج بقية المني بعد الغسل وقبل البول.
المسألة الثانية: ارتفاع الحدث الأصغر بالطهارة عن الحدث الأكبر إذا نواهما.
المسألة الثالثة: حكم الغسل للحجامة.
стр. 14
الفصل الرابع: اختياراته في باب التيمم، وفيه تمهيد، وخمس عشرة مسألة:
التمهيد: وفيه تعريف التيمم لغة واصطلاحاً.
المسألة الأولى: حكم التيمم قبل الاستنجاء.
المسألة الثانية: حكم التسمية في التيمم.
المسألة الثالثة: حكم التيمم قبل طلب الماء.
المسألة الرابعة: نفخ اليدين عن التراب في التيمم.
المسألة الخامسة: حكم التيمم إذا وجد الماء وهو في الصلاة.
المسألة السادسة: حكم التيمم إذا خرج الوقت.
المسألة السابعة: حكم التيمم في الحضر لعذر.
المسألة الثامنة: حكم التيمم لخوف زيادة المرض.
المسألة التاسعة: حكم التيمم لخوف فوات الجنازة.
المسألة العاشرة: حكم صلاة فاقد الطهورين.
المسألة الحادية عشرة: حكم الترتيب والموالاة لمن توضأ وتيمم للجرح.
المسألة الثانية عشرة: التيمم لنجاسة على بدنه عجز عن إزالتها.
المسألة الثالثة عشرة: حكم تيمم من نوى وصمد للريح فعمه التراب.
المسألة الرابعة عشرة: حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه.
المسألة الخامسة عشرة: إذا اجتمع حي وميت، ولا يكفي الماء إلا لواحد فمن يأخذه؟
الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث، والتوصيات.
стр. 15
منهج البحث:
سلكت في بحث مسائل هذه الرسالة الطريقة الآتية:
١/ جمعت كل ما وقع لي من اختيارات القاضي أبي يعلى سواء التي خالف فيها المذهب أو وافقه فيها كما هو المنهج المقرر من قبل قسم الفقه في الكلية، وذلك من خلال ما صححه من الروايات والأوجه في كتابه الروايتين والوجهين، وما نقله عنه الأصحاب كما في الفروع والإنصاف وغيرها من كتب الأصحاب، كقولهم (اختاره القاضي)، (وهو اختيار القاضي)، (رجحه القاضي)، ونحوها من صيغ الترجيح.
٢/ صدرت اختيار القاضي أبي يعلى في كل مسألة معنوناً لاختياره، مع ذكر نص اختياره فيها و التوثيق لها في الهامش.
٣/ بينت المقصود بالمسألة إن احتاج الأمر إلى ذلك.
٤/ حررت محل النزاع إن وجد.
٥/بينت سبب الخلاف في المسألة.
٦/ رتبت هذه المسائل على حسب ترتيب كتاب زاد المستقنع وهو ما عليه المتأخرون من فقهاء الحنابلة.
مع التقيد بالمنهج الذي أقره قسم الفقه وهو:
١ - تصويرالمسألة المراد بحثها تصويراً دقيقاً قبل بيان حكمها ليتضح المقصود من دراستها.
٢ - إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق أذكر حكمها بدليلها مع توثيق الاتفاق من مظانه المعتبرة.
стр. 16
٣ - إذا كانت المسألة من مسائل الاختلاف، فاتبعت ما يلي:
أ حررت محل الخلاف إذا كانت بعض صور المسألة محل خلاف وبعضها محل اتفاق.
ب ذكرت الأقوال في المسألة وبينت من قال بها من أهل العلم، ويكون عرض الأقوال حسب الاتجاهات الفقهية، وذكرت الأقوال في المسألة مبتدئاً بالترتيب التاريخي للمذاهب، فأبدأ بقول الحنفية ومن وافقهم ثم المالكية وهكذا.
ج- اقتصرت على المذاهب الفقهية المعتبرة مع العناية بذكر ما تيسر الوقوف عليه من أقوال السلف الصالح، وإذا لم أقف على المسألة في أحد المذاهب فسلكت فيها مسلك التخريج.
د- وثقت الأقوال من كتب أهل المذهب نفسه.
هـ- استقصيت أدلة الأقوال مع بيان وجه الدلالة، وذكرت ما يرد عليها من مناقشات وما يجاب به عنها.
و- الترجيح مع بيان سببه، وذكر ثمرة الخلاف إن وجدت.
ي- اعتنيت بضرب الأمثلة.
٤ - اعتمدت على أمهات المصادر والمراجع الأصلية في التحرير والتوثيق والتخريج والجمع
٥ - ركزت على موضوع البحث وتجنبت الاستطراد.
٦ - تجنب الأقوال الشاذة.
٧ - رقمت الآيات وبينت سورها.
стр. 17
٨ - خرجت الأحاديث، وبيَّنت ما ذكره أهل الشأن في درجتها – إن لم تكن في الصحيحين أو أحدهما – فإن كانت كذلك فأكتفي حينئذ بتخريجها.
٩ - خرجت الآثار من مصادرها الأصلية وحكمت عليها.
١٠ - عند تخريج الحديث أو الأثر قمت بذكر الكتاب والباب ثم ذكرت الجزء والصفحة ورقمت الحديث أو الأثر إن كان مذكوراً في المصدر.
١١ - عرَّفت بالمصطلحات الفقهية الواردة في البحث والتي تحتاج إلى تعريف وبيَّنت الألفاظ الغريبة ووضحت المصطلحات العلمية.
١٢ - اعتنيت بقواعد اللغة العربية والإملاء وعلامات الترقيم.
١٣ - ترجمت للأعلام غير المشهورين والمعاصرين.
١٤ - أتبعت الرسالة بالفهارس الفنية المتعارف عليها، وهي:
فهرس الآيات القرآنية.
فهرس الأحاديث والآثار.
فهرس الأعلام.
فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الموضوعات.
الصعوبات التي واجهتها في هذا البحث.
١ - كثرة اختياراته المخالفة للمذهب.
٢ - تفرق أقواله وكثرتها، وكثرة الناقلين عنه، في أغلب مؤلفات الحنابلة.
стр. 18
شكر وتقدير:
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أشكر ربي سبحانه على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وعلى توفيقه وامتنانه وتيسيره وإعانته، فله الحمد والشكر حتى يرضى، وإن من شكر الله شكر من أحسن إلي من خلقه، وأولهم وأحقهم بالشكر والديّ الكريمين، لا سيما والدتي متعها الله بالصحة والعافية وحسن العاقبة التي تولت تربيتي مبكراً، بعد وفاة الوالد غفر الله له، فرب اغفر لهما وارحمهما كما ربياني صغيراً.
ثم أثني بالشكر الجزيل والعرفان الجميل لجامعة القصيم ممثلة بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية فجزى الله خيراً عميد كلية الشريعة، ووكيلها وعميد الدراسات العليا بها، ورئيس قسم الفقه، وجميع أعضاء هيئة التدريس على إتاحتهم الفرصة لي لإكمال دراستي فيها، وما أسدوه لي من نصائح وتوجيهات، وأخص بالذكر ثم الشكر فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن محمد الحجيلان الذي تفضل بالإشراف على هذه الرسالة، فقد كان لتوجيهاته وملحوظاته أكبر الأثر في تسديد هذا الجهد، وإكمال هذا العمل، فجزاه الله على ذلك خيراً كثيراً، وعافاه في الدنيا والآخرة.
وفي الختام هذا البحث جهد المقل كسائر الأعمال البشرية التي يعتريها النقص والخطأ والهفوات والنسيان مما هو من طبيعة البشر، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده فهو الذي علمني ما لم أكن أعلم، وكان فضله عليّ كبيراً، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله العظيم من ذلك، وأتوب إليه من كل ذنب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المطلب الأول: التعريف بالمؤلف .
١. اسمه ونسبه و مولده ولقبه.
٢. نشأته وحياة العلمية ورحلاته في طلب العلم.
٣. مشايخه وتلاميذه.
٤. مكانته العلمية ومكانته الاجتماعية.
٥. ثناء العلماء عليه.
٦. وفاته.
стр. 21
المطلب الأول: التعريف بالمؤلف.
١ - اسمه ونسبه و مولده ولقبه (١).
اسمه: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفرَّاء، أبو يعلى البغدادي، واشتهر بعد ذلك بأبي يعلى، ولقب بالقاضي لتوليه القضاء، ويقال له أيضاً أَبو يعلى الكبير لأَنه جد الحنابلة منهم، فهو أَول حنبلي من أَهله، وللتفريق بينه وبين الحفيد: أَبو يعلى الصغير (٢).
نسبه: الفرَّاء، نسبة إلى خياطة الفراء والتجارة بها (٣).
مولده: ولد في بغداد لسبع وعشرين أو ثمان وعشرين أو تسع وعشرين خلت من شهر الله المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة من الهجرة النبوية (٤).
لقبه: القاضي، لتوليه القضاء (٥).
стр. 22
٢ - نشأته وحياة العلمية ورحلاته في طلب العلم .
ولد القاضي ونشأ في بيت علم ودين، فقد كان أبوه الحسين بن محمد الفراء رجلاً صالحاً فقيهاً، درس على مذهب الإمام أبي حنيفة -رحمهما الله- وأسند الحديث، توفي سنة ٣٩٠ هـ (١)، بالإضافة إلى نشأته في بيئة علمية، حيث ولد في بغداد ونشأ بها، وقد كانت آن ذاك عاصمة الخلافة العباسية، ومهد العلماء فكانت النهضة العلمية فيها متوافرة الدواعي مكتملة الأسباب، متنوعة العلوم والفنون، بالإضافة للمكتبات الزاخرة بالمصادر والمراجع في كل فن، مما كان له كبير الأثر في شخصية القاضي أبي يعلى وتكوينه العلمي وعلو منزلته فيه.
فقد سمع الحديث مبكراً، وعمره خمس سنوات في سنة ٣٨٥ هـ (٢)، وتوفي والده وهو لم يجاوز العاشرة من عمره، وكان وصيه رجلاً صالحاً يقال له الحربي (٣)، فنقل القاضي إلى دار القز (٤) حيث يسكن، وفيها مسجد يصلي فيه رجل صالح يقال له ابن مقدحة المقرئ (٥)، يقرئ القرآن و يلقن من يقرأ عليه العبارات من مختصر الخرقي (٦) فلقنه ما جرت عادته بتلقينه من العبادات فاستزاده القاضي فقال له ذلك الشيخ: هذا القدر الذي أحسنته فإن أردت زيادة عليه فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن حامد (٧) فإنه شيخ هذه الطائفة ومسجده بباب الشعير فمضى إليه وصحبه، ولازمه وتتلمذ عليه إلى أن توفي ابن حامد ﵀ -سنة ٤٠٣ هـ، وكان من المشايخ الذين لازمهم القاضي وتأثر بهم كثيراً.
وتصدر بأمره للإفادة سنة ٤٠٢ هـ. فقد سئل ابن حامد ﵀ -إمام الحنبلية في وقته عند خروجه إلى الحج في سنة اثنتين وأربعمائة فقيل له: على من ندرس؟ وإلى من نجلس؟ فقال: إلى هذا الفتى وأشار إلى القاضي الإمام أبي يعلي (٨).
ورحل لأجل طلب العلم وتحصيله إلى مكة، ودمشق، وحلب وسمع الحديث، من بعض المحدثين كالحافظ عبد الرحمن بن أبي نصر ﵀ (٩) في دمشق، وأبي نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (١٠) في مكة، وتبادل الرسائل معه. (١١)
وسمع من أبي عبدالله الحاكم، صاحب المستدرك (١٢)، ولم يكن القاضي ﵀ -كثير رحلات لما سبق من كون بغداد وقتئذ حاضنة العلم، ومقصد الطلبة.
стр. 23
٣ - مشايخه وتلاميذه .
تلقى القاضي ﵀ العلم في فنون متعددة وعلى علماء كثر من أبرزهم:
١ - عبيد الله بن عثمان بن يحيى المعروف بابن جنيقا أبو القاسم الدقاق، وهو جده لأمه، محدث ثقة، توفي ﵀ -سنة ٣٩٠ هـ (١).
٢ - الحسن بن حامد بن علي بن مروان، أبو عبدالله البغدادي، إمام الحنابلة في وقته، له مصنفات في علوم مختلفة، منها الجامع في اختلاف العلماء، في أربعمائة جزء، وشرح أصول الدين، وأصول الفقه، وتهذيب الأجوبة، وغيرها توفي ﵀ -سنة ٤٠٣ هـ (٢).
٣ - الحسين بن أحمد بن جعفر، المعروف بابن البغدادي، سمع منه القاضي، وخرّج عنه في مصنفاته، وكان صدوقاً، ديناً عابداً، توفي سنة ٤٠٤ هـ (٣).
٤ - محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم النيسابوري، أبو عبدالله الحاكم، صاحب المستدرك، طلب العلم ورحل في تحصيله، من أهل العلم والفضل، والحفظ والمعرفة، له مصنفات عدة، منها معرفة علوم الحديث، وتأريخ النيسابوريين، والمدخل إلى علم الصحيح، والإكليل، وغيرها، توفي ﵀ -سنة ٤٠٥ هـ (٤).
٥ - محمد بن أحمد بن محمد بن فارس بن سهل، أبو الفتح بن أبي الفوارس، المحقق الحافظ، توفي ﵀ -سنة ٤١٢ هـ (٥).
٦ - علي بن أحمد بن عمر بن حفص الحمامي البغدادي، الإمام، المحدث، مقرئ العراق، أبو الحسن المقرئ، كان صادقاً، ديناً فاضلاً، تفرد بأسانيد القراءات وعلوها في وقته، توفي ﵀ -سنة ٤١٧ هـ (٦).
٧ - علي بن عمر الحَرْبي، أبو الحسن السُّكّري، سمع منه الحديث توفي سنة ٣٨٦ هـ (٧).
٨ - عبد الله بن محمد بن إسحاق، أبو القاسم بن حبابة، المتوفى سنة ٣٨٩ هـ (٨).
٩ - إسماعيل بن سعيد بن محمد، أبو القاسم المُعَدِّل، المتوفى سنة ٣٩٢ هـ وأخذ عنه الحديث (٩).
١٠ - علي بن معروف بن محمد، أبو الحسن البزار، ثقة في حديثه (١٠)
وغيرهم ممن تلقى عنهم القاضي أبو يعلى- ﵏ جميعاً- (١١).
стр. 24
تلاميذه.
لا غرو أن عالماً بمنزلة القاضي أبي يعلى في العلم والتحقيق، أن يتوافد عليه الجم الغفير والعدد الكثير من الطلبة، فقد تخرج على يديه العلماء والقراء والفقهاء المحققون، وغيرهم كثير، ولعل من أبرزهم.
١ - الخطيب البغدادي الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي، صاحب تأريخ بغداد، وشرف أهل الحديث، والمتفق والمفترق، والتبيين لأسماء المدلسين، وغيرها فقد قال عن نفسه (كتبنا عنه -القاضي- وكان ثقة) (١) توفي ﵀ -سنة ٤٦٣ هـ (٢).
٢ - الشريف أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى الهاشمي من أكبر تلامذة القاضي، فقد درس في حياة شيخه وأفتى، حتى أطلق عليه إمام الحنابلة، وكان مختصر الكلام مليح التدريس جيد الكلام في المناظرة عالما بالفرائض وأحكام القرآن والأصول، صنف رؤوس المسائل وشرح من المذهب: الطهارة وبعض الصلاة وسلك فيه طريق القاضي أبي يعلى في الجامع الكبير، وله جزء في أدب الفقه، وبعض فضائل أحمد، وترجيح مذهبه توفي ﵀ -سنة ٤٧٠ هـ (٣).
٣ - أبو علي المقرئ الحسن بن أحمد بن عبد الله المعروف بابن البنا، تفقه على القاضي أبي يعلى وعلق عنه المذهب والخلاف وهو من قدماء أصحابه له مصنفات كثيرة منها شرح الخرقي في الفقه، الكامل في الفقه، الكافي المحدد في شرح المجرد، الخصال والأقسام، نزهة الطالب في تجريد المذاهب، آداب العالم والمتعلم، أخبار القاضي أبي يعلى وغيرها كثير توفي ﵀ -سنة ٤١٧ هـ (٤)
٤ - القاضي أبو علي يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن سطور البَرْزَبيني، تفقه على القاضي أبي يعلى، حتى برع في الفقه، ودرس في حياته، وصنف كتبا في الأصول والفروع وكان له غلمان كثيرون، وكان مبارك التعليم لم يدرس عليه أحد إلا أفلح وصار فقيها. وله تصانيف في المذهب. منها: " التعليقة في الفقه " في عدة مجلدات، وهي مُلخصة من تعليقة شيخه القاضي، توفي ﵀ -سنة ٤٨٦ هـ (٥).
٥ - القاضي الفقيه الواعظ على بن محمد بن علي أبو منصور بن الأنباري، سمع من القاضي أبي يعلى الحديث الكثير، وتفقه عليه حتى برع في الفقه، وأفتى ووعظ بجامع القصر وجامع المنصور وجامع المهدي، وكان مظهراً للسنة في مجالسه، توفي ﵀ -سنة ٥٠٧ هـ (٦).
стр. 25
٦ - الفقيه محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذَاني، أبو الخطاب البغدادي، أحد أئمة المذهب وأعيانه، درس الفقه على القاضي أبي يعلى، ولزمَهُ حتى برع في المذهب والخلاف، وقرأ عليه بعض مصنفاته، وقرأ الفرائض وبرع فيها أيضا، وصار إمام وقته، وفريد عصره في الفقه. ودرَّس وأفتى، وقَصَده الطلبة، وصنف كتبا حسانا في المذهب والأصول والخلاف، وانتُفع بها بحسن قصده، فمن تصانيفه: الهداية في الفقه، والخلاف الكبير المسمى "بالانتصار في المسائل الكبار"، و " الخلاف الصغير " المسمى ب " رؤوس المسائل "، وغيرها من المصنفات الكثيرة النافعة، توفي ﵀ -سنة ٥١٠ هـ (١).
٧ - قاضي القضاة أبو الوفاء علي بن محمد بن عقيل، الفقيه البغدادي، المقرئ الفقيه، الأصولي، الواعظ المتكلم، أحد الأئمة الأعلام، وشيخ الإسلام، كان يقول: (شيخي في الفقه: القاضي أَبُو يعلى المملوء عقلا وزهدا وورعا) (٢)، وله تصانيف كثيرة في أنواع العلم، وأكبر تصانيفه: كتاب " الفنون " وهو كتاب كبير جدا، فيه فوائد كثيرة جليلة، في الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصلين، والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، له في الفقه كتاب الفصول، ويُسمى " كفاية المفتي " في عشر مجلدات، و الإشارة مجلد لطيف، وهو مختصر كتاب الروايتين والوجهين والواضح في أصول الفقه، غيرها من المصنفات في فنون متعددة، توفي ﵀ -سنة ٥١٣ هـ (٣).
٨ - أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحرث بن أسد التميمي، البغدادي المقرئ، المحدث الفقيه الواعظ، شيخ أهل العراق في زمانه و أحد الحنابلة المشهورين، له مصنفات منها: شرح الإرشاد، والخصال والأقسام، توفي ﵀ -سنة ٤٨٨ هـ (٤).
٩ - ابنه العالم الورع الصالح أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن الحسين الفراء، سمع من أبيه، ورحل في طلب العلم والحديث إلى البلاد: واسط والبصرة والكوفة وعكبرا والموصل والجزيرة وآمد وغير ذلك، وعلق قبل سفرته عن تلميذ والده الشريف أبي جعفر، ولما ظهرت البدع في سنة تسع وستين وأربعمائة هاجر من بلدته إلى حرم الله، وكانت وفاته في مضيه إلى مكة بموضع يعرف بمعدن النقرة في أواخر ذي القعدة من السنة التي سافر فيها وله من العمر ست وعشرون سنة ﵀ (٥). وغيرهم كثير ﵏ جميعاً- (٦).
стр. 26
٤ - مكانته العلمية ومكانته الاجتماعية .
مكانته العلمية:
كان إمام وقته وفريد دهره وقريع عصره لا يعرف في شرق الأرض وغربها شخص يتقدم في علم مذهبه عليه أو يضاف في ذلك إليه، حتى قال تلميذه أبو الوفاء بن عقيل ﵀: (لم أدرك فيمن رأيت وحاضرت من العلماء على اختلاف مذاهبهم من كملت له شرائط الاجتهاد المطلق إلا ثلاثة) (١) وذكر أولهم القاضي أبا يعلى بن الفراء.
هذا مع تقدمه على فقهاء زمانه بقراءته للقرآن بالقراءات العشر وكثرة سماعه للحديث وعلو إسناده في المرويات، ومما يدلل على مكانته العلمية وكثرة قاصديه للتعلم منه أنه حضر الناس مجلسه وهو يملي حديث رسول الله ﷺ بعد صلاة الجمعة بجامع المنصورحتى امتلأ المسجد من كثرة الحضور حتى سجدوا في حلقة الإملاء على ظهور الناس لكثرة الزحام، وما رأى الناس في زمانهم مجلساً للحديث اجتمع فيه ذلك الجم الغفير والعدد الكثير غير مجلس القاضي أبي يعلى ﵀ -وأنه حزر العدد بالألوف وذلك مع نباهة من حضر من الأعيان وأماثل هذا الزمان من النقباء وقاضي القضاة والشهود والفقهاء وكان يوما مشهودا (٢).
مكانته الاجتماعية:
أما مكانته الاجتماعية فقد حاز رضى الناس، بما كان عليه من مكانةٍ علميةٍ وما يتصف به من جميل الخلال، وتواضع جم وخلق رفيع، أكسبه احترام أهل زمانه وتقديرهم له وتوقيره ولا أدل على هذه المكانة السامية له في قلوب الناس من يوم وفاته حيث تعطلت الأسواق وأغلقت المتاجر، لشهود جنازته، وحضرها أرباب الدولة وأعيان الناس من الفقهاء والقضاة، ونقباء الهاشميين وغيرهم من أهل المكانة والفضل (٣).
стр. 27
٥ - ثناء العلماء عليه .
إن الثروة العلمية التي تركها القاضي أبو يعلى ﵀، دليل على سعة اطلاعه، وكثرة علمه، فلذلك أثنى عليه العلماء وذكروه بالجميل، وعرفوا له فضله وحقه.
فقال عنه ابنه أبو الحسين ﵀: (كان عالم زمانه ... وكان له في الأصول والفروع القدم العالي ... وأصحاب الإمام أحمد ﵁ له يتبعون ولتصانيفه يَدْرسون ويُدَرِّسون وبقوله يفتنون وعليه يعولون والفقهاء على اختلاف مذهبهم وأصولهم كانوا عنده يجتمعون ولمقاله يسمعون ويطيعون وبه ينتفعون وبالاهتمام به يقتدون وقد شوهد له من الحال ما يغني عن المقال لا سيما مذهب إمامنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل واختلاف الروايات عنه ومما صح لديه منه) (١).
وقال ابن الجوزي (٢) ﵀: (انتهى إليه علم المذهب، وكانت له التصانيف الكثيرة في الفروع والأصول) (٣).
وقال الذهبي (٤) ﵀: (أبو يعلى بن الفرّاء، شيخ الحنابلة، القاضي الحبر .. صاحب التصانيف، وفقيه العصر، كان إماماً لا يدرك ... ، وجميع الطائفة معترفون بفضله، ومغترفون من بحره) (٥).
وقال: (أفتى ودرس، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، وكان عالم العراق في زمانه، مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره، والنظر والأصول) (٦).
حتى قال عنه: (وأما في الفقه ومعرفة مذاهب الناس، ومعرفة نصوص أحمد ﵀،واختلافها، فإمام لا يدرك قراره، -رحمه الله تعالى-) (٧).
وقال ابن كثير (٨) ﵀: (شيخ الحنابلة، وممهد مذهبهم في الفروع) (٩).
стр. 28
٦ - وفاته .
بعد حياة حافلة بالعلم والعمل، ونشر العلم بالتدريس والفتوى والكتابة والتأليف، توفي القاضي أبو يعلى ﵀ -بمدينة بغداد، وذلك ليلة ا التاسع عشر من شهر رمضان المبارك بين العشاءين سنة ٤٥٨ هـ ثمان وخمسين وأربعمائة هجرية، وصلى عليه ابنه أبو القاسم يوم الإثنين بجامع المنصور، وقبر بمقبرة حرب، وتعطلت الأسواق واجتمع في جنازته جمع لم ير مثله، وحضره القضاة، والأعيان، وأرباب الدولة، والفقهاء، وكان أوصى أن يغسله الشريف أبو جعفر، وأن يكفن في ثلاثة أثواب، وأن لا يدفن معه إلا ماغزله لنفسه من الأكفان، وألا يخرق عليه ثوب ولا يقعد لعزاء (١).
стр. 29
المطلب الثاني:
التعريف بمؤلفاته، وطريقته في الاختيار .
١ - مؤلفات القاضي أبي يعلى المطبوعة.
٢ - مؤلفات القاضي أبي يعلى المخطوطة.
٣ - طريقة أبي يعلى في الاختيار.
стр. 30
١ - مؤلفات القاضي أبي يعلى المطبوعة .
١ - لقد خلّف القاضي أبو يعلى ﵀ -ثروة علمية هائلة، وتمتاز تآليفه- ﵀، أنها لم تقتصر على جانب معين من العلوم، بل تناول جوانب متعددة من المعارف والعلوم، لذا كانت مؤلفاته كثيرة العدد، جمة المنافع، عظيمة الفائدة، حتى ذكروا أن له من المصنفات ما يزيد على خمسة وخمسين مؤلفا (١)، أثرى فيها المذهب الحنبلي إثراءً واسعاً ولا أدل على ذلك من كثرة الناقلين عنه ممن جاء بعده ممن أئمة الحنابلة وأعيانهم. وسأذكر هنا ما طبع من مؤلفاته ﵀:
٢ - إبطال التأويلات لآيات الصفات (٢).
٣ - الأحكام السلطانية (٣).
٤ - الأمالي في الحديث (٤).
٥ - إيجاب الصيام ليلة الإغماء (٥).
٦ - الجامع الصغير (٦).
٧ - الروايتين والوجهين (٧).
٨ - العدة في أصول الفقه (٨).
٩ - مسائل الإيمان (٩).
١٠ - المعتمد في أصول الدين (١٠).
١١ - كتاب الصلاة من التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة (١١).
١٢ - كتاب الاعتكاف من التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة (١٢).
١٣ - التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف لبعض كتاب الاعتكاف، وكتاب الحج، وبعض كتاب البيوع (١٣).
стр. 31
٢ - مؤلفات القاضي أبي يعلى المخطوطة .
سأذكر هنا كل ما وقفت عليه من المؤلفات المنسوبة للقاضي أبي يعلى ﵀، وسأصدرها بالمخطوطات التي عثر عليها، ثم أتبعها بمؤلفاته التي ذكر أنها لم توجد.
أما مؤلفاته التي عثر عليها فهي:
١ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١).
٢ - تبرئة معاوية ﵁ (٢).
٣ - التحذير من الغيبة (٣).
٤ - التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة، ويسمى الخلاف الكبير (٤).
٥ - التوكل (٥).
٦ - شرح الخرقي (٦).
٧ - رؤوس المسائل (٧).
٨ - العمدة في أصول الفقه (٨).
٩ - الفوائد الصحاح العوالي والأفراد والحكايات (٩).
١٠ - الكفاية في أصول الفقه (١٠).
١١ - مختصر إبطال التأويلات (١١).
١٢ - مختصر المعتمد في أصول الدين (١٢).
стр. 32
- أما مؤلفاته التي ذكر أنها لم توجد فهي (١):
١ - إبطال الحيل.
٢ - إثبات إمامة الخلفاء الأربعة.
٣ - أحكام القرآن.
٤ - الاختلاف في الذبيح.
٥ - أربع مقدمات في أصول الديانات.
٦ - الانتصار لشيخنا أبي بكر.
٧ - إيضاح البيان.
٨ - تكذيب الخيابرة فيما يدعونه من إسقاط الجزية.
٩ - تفضيل الفقر على الغنى.
١٠ - قطعة من الجامع الكبير فيها الطهارة وبعض الصلاة والنكاح والصداق والخلع والوليمة والطلاق.
١١ - جوابات مسائل وردت من بعض البلدان كالحرم وأصفهان، و تِنِّيس (٢) وغيرها.
١٢ - الخصال والأقسام.
١٣ - ذم الغناء.
١٤ - الرد على الأشعرية.
١٥ - الرد على الباطنية.
стр. 33
١٦ - الرد على الكرامية.
١٧ - الرد على ابن بلبان.
١٨ - الرد على المجسمة.
١٩ - الرسالة إلى إمام الوقت.
٢٠ - الروح.
٢١ - شرح المذهب.
٢٢ - شروط أهل الذمة.
٢٣ - الطب.
٢٤ - عيون المسائل.
٢٥ - الفرق بين الآل والأهل.
٢٦ - فضائل أحمد.
٢٧ - فضل ليلة الجمعة على ليلة القدر.
٢٨ - مختصر الكفاية.
٢٩ - كتاب المقبري.
٣٠ - الكلام في الاستواء.
стр. 34
٣١ - الكلام في حروف المعجم و القطع على خلود الكفار في النار.
٣٢ - اللباس.
٣٣ - المجرد في المذهب.
٣٤ - مختصر الصيام.
٣٥ - مختصر العدة.
٣٦ - المقتبس.
٣٧ - مختصر المقتبس.
٣٨ - المعتمد.
٣٩ - مقدمة في الأدب.
٤٠ - نقل القرآن (١).
стр. 35
طريقة القاضي أبي يعلى في الاختيار.
تعرف الاختيارات:
الاختيارات لغةً: جمع اختيار، وهو الانتقاء والاصطفاء، والتفضيل، يقال خار الشيء خيراً وخِيَراً، وخِيرةً، أي انتقاه، واصطفاه، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ (١)
وخار الشيء على غيره إذا فضله عليه (٢).
الاختيار في الاصطلاح الشرعي: هو ترجيح الشيء وتخصيصه، وتقديمه على غيره (٣).
وبهذا التعريف يتبين أن اختيار العالم هو مارجحه واختاره على غيره من الأقوال سواء وافق فيها مذهبه أو خالفه، وهذا ماسرت عليه في هذه الرسالة.
طريقة القاضي أبي يعلى في الاختيارات.
القاضي أبو يعلى ﵀ -من المكثرين في التأليف، إلا أنه لم يصلنا من تآليفه إلا الشيء القليل، كما تقدم في سرد آثاره العلمية، لذا فمن الصعب التعرف على طريقته في التصحيح والترجيح على وجه الدقة، لكن من خلال قراءة مصنفاته التي توفرت لدي تبين لي أنه ﵀ -يسلك في اختياره وترجيحه طرق منها:
أنه أحياناً ينص على مايراه راجحاً صراحةً دون ذكر الخلاف في المسألة.
فمن ذلك قوله ﵀: (ولا يكره الوضوء بالماء المشمس) (٤).
وقوله ﵀: (لا يجزئ المسح على الرجلين) (٥).
وقوله ﵀: (لا يجوز التيمم لصلاة الجنازة إذا خاف فوتها مع وجود الماء) (٦).
وقوله ﵀: (جلود الميتة لا تطهر بالدباغ) (٧).
وقوله ﵀: (إذا انقطع حيض المرأة لم يجز وطئها قبل الغسل) (٨).
ونحوها كثير (٩).
стр. 36
وأحياناً يذكر الخلاف في المسألة و يذكر الروايات عن الإمام أحمد ﵀ -ثم ينص على اختياره منهما بتمييز الصحيح من غيره بقوله وهو أصح.
كما في قوله ﵀ (اختلفت الرواية عن أحمد في الماء إذا خالطه مائع طاهر فغير أحد صفاته، فنقل جعفر .. جواز الوضوء به ... ونقل الصاغاني كلاماً يدل على أنه لا يجوز الوضوء به، وهو اختيار الحرقي وهو أصح) (١).
وكقوله: (واختلفت في الماء إذا كان يمكن نزحه فوقع فيه بول الآدميين أو عذرتهم المائعة.
فنقل الجماعة منهم أبو طالب (٢) أنه ينجس، وهو اختيار الخرقي وهو أصح) (٣).
وقوله: (مسألة: واختلفت في مسح جميع الرأس، فنقل حرب وجوب مسح جميعه، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح) (٤).
وقوله: (واختلفت هل يجوز للمحدث أن يتصفح ورق المصحف بكمه؟ فنقل الحسن بن ثواب، وإبراهيم بن هانئ جواز ذلك، ... ونقل أبو طالب منع ذلك، والأولى أصح) (٥).
وقوله: (واختلفت إذا توضأ بالماء قبل الاستنجار هل تصح طهارته؟ فنقل بكر بن محمد أن طهارته باطلة، ... ونقل حرب أنها طهارة صحيحة وهو أصح) (٦).
وغيرها (٧).
стр. 37
ومن طريقته أيضاً ﵀ -في الترجيح أنه يعلل أحياناً لاختياره.
فمنها قوله: (واختلفت في جواز الاستجمار بغير الأحجار، فنقل الميموني جواز ذلك وهو اختيار الخرقي وهو أصح، لأنه جامد طاهر منقى غير مطعوم لا حرمة له أشبه الحجر) (١).
وقوله: (واختلفت في الحجر الكبير الذي له ثلاث شعب، إذا مسح بكل شعبة منه مسحة هل يجزئه؟ فنقل المروذي وأحمد بن أبي عبده، جواز ذلك وهو اختيار الخرقي، وهو أصح لأنه بمنزل ثلاثة أحجار صغار شدها بخيط واستجمر بها) (٢).
وقوله: (واختلفت إذا مس ذكره بظهر كفه، فنقل صالح أنه ينتقض الوضوء كما لو مسه ببطن كفه، وهو أصح، لأنه مس ينقض ببطن الكف فنقض بظهره كما لو مس النساء) (٣).
وقوله: (واختلفت فيمن عدم الماء في الحضر بحبس أو غيره وتيمم وصلى هل يعيد؟ فنقل إسماعيل بن سعيد لا يعيد وهو أصح، لأنه صلى بطهارة مثله فهو كما لو تيمم في السفر) (٤).
هذا ما تبين لي من طريقته في الاختيار والترجيح.
والله أعلم.
стр. 38
الفصل الأول
اختيارات القاضي أبي يعلى في أبواب المياه، والآنية، الاستنجاء .
اختياراته في باب المياه .
وفيه اثنتا عشرة مسألة.
المسألة الأولى: ملاقاة الماء الجاري للنجاسة.
المسألة الثانية: حكم الوضوء من الماء المشمس.
المسألة الثالثة: حكم الماء المسخن بالنجاسة.
المسألة الرابعة: الماءالمنفصل عن غسل اليد من نوم الليل.
المسألة الخامسة: حكم طهارة الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به.
المسألة السادسة: المراد بخلوة المرأة بالماء.
المسألة السابعة: حكم الماء الذي خلت به المرأة لإزالة نجاسة.
المسألة الثامنة: هل مقدار القلتين على وجه التقريب أو التحديد؟.
المسألة التاسعة: الوضوء بالماء المتغير بمائع طاهر.
المسألة العاشرة::حكم الماء الذي يمكن نزحه إذا وقع فيه بول الآدمي أو عذرته ولم يتغير.
المسألة الحادية عشرة حكم الباقي من الماء الكثير إذا تغير بعضه بنجاسة.
المسألة الثانية عشرة: حكم اشتباه الطاهر بالنجس.
стр. 39
المسألة الأولى: ملاقاة الماء الجاري للنجاسة .
المقصود بالمسألة:
أي أن الماء الجاري إذا وقعت فيه النجاسة، فهل كل جرية (١) كالماء المنفرد، إن بلغت قلتين، فهي طاهرة وإن كانت أقل فهي نجسة؟ أم أن للماء حكم مجموعه من حين خروجه من مصدره حتى نهايته؟
اختيار القاضي:
اختار ﵀ أن الماء القليل الجاري ينجس بمجرد ملاقاته للنجاسة، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
قال ابن تيمية (٢) ﵀: (وأما الماء الجاري فعن أحمد ما يدل على روايتين إحداهما أنه كالدائم ... وهذه الرواية اختيار القاضي وجمهور أصحابنا) (٣).
تحرير محل النزاع:
أجمع أهل العلم على أن الجرية المتغيرة بالنجاسة نجسة (٤)، واختلفوا في ملاقاة النجاسة للماء القليل الجاري إذا لم تغيره على قولين:
стр. 40
الأقوال في المسألة:
القول الأول: أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير قليلاً كان أو كثيراً.
وبه قال: الحنفية (١)،و المالكية (٢)، والشافعي في القديم (٣)، وأحمد في رواية منصوصة عنه (٤)، اختارها الموفق ابن قدامة (٥)، وابن تيمية (٦).
القول الثاني: أنه ينجس بمجرد الملاقاة للنجاسة.
وبه قال: الشافعي في الجديد (٧)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٨)، وهو اختيار القاضي كما تقدم.