← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 208

اختيارات القاضي أبي يعلى الحنبلي الفقهية من أول كتاب الطهارة إلى آخر باب التيمم

عدنان الرشيدي

Полный текст (366 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأحياناً يذكر الخلاف في المسألة و يذكر الروايات عن الإمام أحمد ﵀ -ثم ينص على اختياره منهما بتمييز الصحيح من غيره بقوله وهو أصح. كما في قوله ﵀ (اختلفت الرواية عن أحمد في الماء إذا خالطه مائع طاهر فغير أحد صفاته، فنقل جعفر .. جواز الوضوء به ... ونقل الصاغاني كلاماً يدل على أنه لا يجوز الوضوء به، وهو اختيار الحرقي وهو أصح) (١). وكقوله: (واختلفت في الماء إذا كان يمكن نزحه فوقع فيه بول الآدميين أو عذرتهم المائعة. فنقل الجماعة منهم أبو طالب (٢) أنه ينجس، وهو اختيار الخرقي وهو أصح) (٣). وقوله: (مسألة: واختلفت في مسح جميع الرأس، فنقل حرب وجوب مسح جميعه، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح) (٤). وقوله: (واختلفت هل يجوز للمحدث أن يتصفح ورق المصحف بكمه؟ فنقل الحسن بن ثواب، وإبراهيم بن هانئ جواز ذلك، ... ونقل أبو طالب منع ذلك، والأولى أصح) (٥). وقوله: (واختلفت إذا توضأ بالماء قبل الاستنجار هل تصح طهارته؟ فنقل بكر بن محمد أن طهارته باطلة، ... ونقل حرب أنها طهارة صحيحة وهو أصح) (٦). وغيرها (٧).

стр. 37

ومن طريقته أيضاً ﵀ -في الترجيح أنه يعلل أحياناً لاختياره. فمنها قوله: (واختلفت في جواز الاستجمار بغير الأحجار، فنقل الميموني جواز ذلك وهو اختيار الخرقي وهو أصح، لأنه جامد طاهر منقى غير مطعوم لا حرمة له أشبه الحجر) (١). وقوله: (واختلفت في الحجر الكبير الذي له ثلاث شعب، إذا مسح بكل شعبة منه مسحة هل يجزئه؟ فنقل المروذي وأحمد بن أبي عبده، جواز ذلك وهو اختيار الخرقي، وهو أصح لأنه بمنزل ثلاثة أحجار صغار شدها بخيط واستجمر بها) (٢). وقوله: (واختلفت إذا مس ذكره بظهر كفه، فنقل صالح أنه ينتقض الوضوء كما لو مسه ببطن كفه، وهو أصح، لأنه مس ينقض ببطن الكف فنقض بظهره كما لو مس النساء) (٣). وقوله: (واختلفت فيمن عدم الماء في الحضر بحبس أو غيره وتيمم وصلى هل يعيد؟ فنقل إسماعيل بن سعيد لا يعيد وهو أصح، لأنه صلى بطهارة مثله فهو كما لو تيمم في السفر) (٤). هذا ما تبين لي من طريقته في الاختيار والترجيح. والله أعلم.

стр. 38

الفصل الأول اختيارات القاضي أبي يعلى في أبواب المياه، والآنية، الاستنجاء . اختياراته في باب المياه . وفيه اثنتا عشرة مسألة. المسألة الأولى: ملاقاة الماء الجاري للنجاسة. المسألة الثانية: حكم الوضوء من الماء المشمس. المسألة الثالثة: حكم الماء المسخن بالنجاسة. المسألة الرابعة: الماءالمنفصل عن غسل اليد من نوم الليل. المسألة الخامسة: حكم طهارة الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به. المسألة السادسة: المراد بخلوة المرأة بالماء. المسألة السابعة: حكم الماء الذي خلت به المرأة لإزالة نجاسة. المسألة الثامنة: هل مقدار القلتين على وجه التقريب أو التحديد؟. المسألة التاسعة: الوضوء بالماء المتغير بمائع طاهر. المسألة العاشرة::حكم الماء الذي يمكن نزحه إذا وقع فيه بول الآدمي أو عذرته ولم يتغير. المسألة الحادية عشرة حكم الباقي من الماء الكثير إذا تغير بعضه بنجاسة. المسألة الثانية عشرة: حكم اشتباه الطاهر بالنجس.

стр. 39

المسألة الأولى: ملاقاة الماء الجاري للنجاسة . المقصود بالمسألة: أي أن الماء الجاري إذا وقعت فيه النجاسة، فهل كل جرية (١) كالماء المنفرد، إن بلغت قلتين، فهي طاهرة وإن كانت أقل فهي نجسة؟ أم أن للماء حكم مجموعه من حين خروجه من مصدره حتى نهايته؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ أن الماء القليل الجاري ينجس بمجرد ملاقاته للنجاسة، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال ابن تيمية (٢) ﵀: (وأما الماء الجاري فعن أحمد ما يدل على روايتين إحداهما أنه كالدائم ... وهذه الرواية اختيار القاضي وجمهور أصحابنا) (٣). تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على أن الجرية المتغيرة بالنجاسة نجسة (٤)، واختلفوا في ملاقاة النجاسة للماء القليل الجاري إذا لم تغيره على قولين:

стр. 40

الأقوال في المسألة: القول الأول: أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير قليلاً كان أو كثيراً. وبه قال: الحنفية (١)،و المالكية (٢)، والشافعي في القديم (٣)، وأحمد في رواية منصوصة عنه (٤)، اختارها الموفق ابن قدامة (٥)، وابن تيمية (٦). القول الثاني: أنه ينجس بمجرد الملاقاة للنجاسة. وبه قال: الشافعي في الجديد (٧)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٨)، وهو اختيار القاضي كما تقدم.

стр. 41

الأدلة: أدلة أصحاب القول الاول: الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) (٢). وجه الدلالة: أنه نص صحيح صريح في أن الماء لا ينجس بجرد ملاقاة النجاسة، وهو لفظ عام في القليل والكثير (٣). الدليل الثاني: عن أبي هريرة (٤) ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) (٥). وجه الدلالة: مفهومه الإذن في البول في الماء الجاري ولو ينجسه لم يأذن فيه (٦). الدليل الثالث: أن الماء الجاري-لقوة جريانه- يحيل النجاسة ويدفعها إذا ورد عليها فهو كالكثير، بخلاف الراكد (٧).

стр. 42

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن عبد الله بن عمر (١) ﵄ عن النبي ﷺ : (إذا كان الماء قلتين لم ينجس) وفي رواية: (لم يحمل الخبث) (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن الماء إذا بلغ قلتين، لا ينجس، ولا يحمل الخبث، وهذا عام فلم يفرق بين الماء الراكد، والجاري، ويفهم منه أن ما كان أقل من قلتين فإنه يحمل الخبث ولو لم يتغير، جارياً كان أو راكداً (٣). ونوقش: أن دلالة المفهوم ضعيفة تسقط بأدنى قرينة، بخلاف اللفظ العام (٤)، كما أن سبب الحديث هو السؤال عن الماء الراكد (٥). الدليل الثاني: قياس الماء الجاري على الدائم، فكما أن قليل الدائم ينجس بمجرد الملاقاة فكذلك قليل الجاري (٦). نوقش: أن هذا استدلال في محل النقاش، بالإضافة إلى أن هذا القياس قياس مع الفارق حيث إن الراكد على فرض نجاسته بهذا- فإنه إنما ينجس- والله أعلم- لضعفه عن استهلاك النجاسة، بخلاف الجاري فهو لقوة جريانه يحيلها ويدفعها إذا ورد عليها فكان كالكثير (٧). الترجيح: مما سبق من الأدلة والمناقشة، يبدو والله أعلم أن القول الأول القائل بأن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير، هو الراجح لقوة ما استدلوا به، ولمناقشة القول الآخر، ولأنه يترتب على القول باعتبار كل جرية مستقلة بنفسها تنجس نهر كبير بنجاسة قليلة وهذا ظاهر الفساد (٨).

стр. 43

المسألة الثانية: حكم الوضوء من الماء المشمس (١). اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -عدم الكراهة بالوضوء منه، موافقاً في ذلك المشهور من المذهب عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال ﵀: (ولا يكره الماء المشمس) (٢). تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على عدم كراهة استعمال الماء المسخن بطاهر (٣)، واختلفوا في حكم استعمال الماء المسخن بالشمس على قولين: القول الأول: جواز استعماله مطلقا من غير كراهة، سواء أكان هذا الاستعمال في البدن أم في الثوب. وبه قال: الحنفية (٤)، والحنابلة (٥)، وهو قول لبعض المالكية (٦)،وبعض الشافعية (٧). القول الثاني: كراهة استعماله. وبه قال: المالكية (٨)،والشافعية (٩)،وبعض الحنفية (١٠)، على شروط اشترطوها فيه. أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: أن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل، ولا دليل ثابت في المسألة (١١). الدليل الثاني: أنه سخن بطاهر أشبه ما في البرك والأنهار ولم يقل أحد بكراهة ذلك (١٢).

стр. 44

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: أسخنت ماء في الشمس فقال النبي ﷺ : (لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص) (١). ونوقش: بأن هذا الحديث ضعيف. (٢)، والضعيف لا تقوم به حجة. الدليل الثاني: أن عمر ﵁، كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، وقال: إنه يورث البرص (٣). ونوقش: بأن هذا الأثر أيضاً لا يثبت. (٤) الدليل الثالث: قالوا: إنه مضر من الناحية الطبية. (٥) ونوقش: بأنه لم يثبت عن الأطباء فيه شيء. (٦) الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بجواز الوضوء من الماء المشمس من غير كراهة، لسلامته من المناقشة، ومناقشة القول الآخر وضعف ما استدلوا به.

стр. 45

المسألة الثالثة: حكم الماء المسخن بالنجاسة . اختيار القاضي: اختار ﵀ -كراهة استعمال الماء اليسير المسخن بالنجاسة، حتى لو غلب على الظن عدم وصولها إليه، موافقاً في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي (١) ﵀: (المسخن بها-أي بالنجاسة- قسمان. أحدها: إن غلب على الظن عدم وصولها إليه، فوجهان: الكراهة اختيار القاضي، وهو أشبه بكلام أحمد). (٢) تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على أن المسخن بالنجاسة ليس بنجس إذا لم يتغير بها (٣)، واختلفوا في حكم استعماله إذا لم يحتج إليه على قولين: القول الأول: أنه طهور غير مكروه. وهو مذهب الحنفية (٤)، والشافعية (٥). القول الثاني: أنه طهور مكروه. وهو مذهب الحنابلة (٦)، ومذهب المالكية (٧). أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: أن الأصل طهورية الماء (٨). الدليل الثاني: أن هذه العين النجسة الخبيثة التي استخدمت وقوداً إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة، فإنها تطهر، فلا أثر لدخانها على الماء؛ لأنها بالاستحالة صارت طاهرة (٩).

стр. 46

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن الحسن بن علي (١) ﵄ أن النبي ﷺ قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (٢). وجه الدلالة: خشية أن يكون قد وصل إلى الماء شيء من النجاسة فيكره لاحتمال تنجسه فيبقى مشكوكاً فيه (٣). ويناقش: أن الأصل طهارة الماء، ولا يُنتقل عن هذا الأصل بمجرد الشك. الدليل الثاني: أن سبب الكراهة كونه سخن بإيقاد النجاسة؛ فحصلت السخونة بفعل مكروه؛ والحاصل بالمكروه مكروه (٤). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الروث النجس، إذا تحول إلى دخان، صار له حكم الدخان، والدخان من مسائل الاستحالة؛ فيكون طاهراً. الوجه الثاني: بأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل، ولا دليل على الكراهة (٥). الترجيح: الراجح والله أعلم القول الأول القائل أنه طهور غير مكروه؛ لقوة أدلتهم، ولسلامتها من المناقشة، ومناقشة أدلة القول الثاني.

стр. 47

المسألة الرابعة: الماء المنفصل عن غسل اليد من نوم الليل . المقصود بالمسألة: حكم الماء القليل الذي انفصل من يد القائم من نوم ليل ناقض للوضوء من غير غمس، بأن صب على جميع يده من الكوع إلى أطراف الأصابع، هل يسلبه طهوريته أم لا (١)؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ -أنه يسلبه طهوريته، موافقاً في اختياره المشهور عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي ﵀: (ظاهر قوله " أو غمس يده " أنه لو حصل في يده من غير غمس: أنه لا يؤثر، ... والرواية الثانية: أنه كغمس يده: وهو الصحيح، اختاره القاضي) (٢). تحرير محل النزاع: اتفق الأئمة الأربعة على مشروعية غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، قبل غمسهما في الإناء، واختلفوا في النهي عن غمسهما هل هو للتحريم أو للتنزيه؟ وهل إذا غمسهما قبل غسلهما أو صب الماء عليهما يسلب الماء طهوريته فيصيره مستعملاً أو لا يسلبه طهوريته؟ (٣) سبب الخلاف: سبب الخلاف مبني على اختلافهم هل هذا الماء لا يزال على إطلاقه أم خرج عن إطلاقه، فأصبح مقيداً بالاستعمال؟ وهل الأمر بغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ فبعض من قال: إنه للوجوب قالوا: سلبه الطهورية إذا خالف الأمر، ومن قال: للاستحباب لم يسلبه طهوريته بذلك (٤)؟

стр. 48

الأقوال في المسألة: اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يسلبه الطهورية ويكون نجساً. وبه قال: الإمام أحمد في رواية اختارها الخلال (١)، وهي من المفردات (٢). القول الثاني: أنه يسلبه طهوريته، ويكون الماء طاهراً غير مطهر. وبه قال: الإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه، وهي المذهب وهي أيضاً من المفردات (٣)، وهي اختيار القاضي أبي يعلى كما تقدم. القول الثالث: أنه لا يسلبه الطهورية، بل هو طاهر مطهر. وبه قال: الحنيفة (٤)، والمالكية (٥)،والشافعية (٦)، وأحمد في رواية (٧)، اختارها ابن تيمية (٨).

стр. 49

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثم ليتوضأ فإن غمس يده في الإناء من قبل أن يغسلها فليهريق ذلك الماء) (١). وجه الدلالة: أن الأمر بإراقته دليل على نجاسته (٢). نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف، فلا حجة فيه (٣). أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده) (٤). وجه الدلالة: أن الأصل في النهي التحريم، وهو يقتضي فساد المنهي عنه (٥). نوقش: أن الأمر في الحديث للاستحباب، والنهي للتنزيه لا للتحريم، جمعًا بينه وبين آية الوضوء، ولتعليله بما يقتضي الشك في النجاسة، فلا يكون واجباً (٦). وأجيب: بأنه لا تعارض بين الآية والحديث، فالآية عامة في كل قيام خص منها الحديث من كان قائماً من نوم الليل، والأصل في أمر النبي ﷺ الإيجاب، لا سيمما غسل اليدين مستحب مطلقاً، فلما خص هذه الحال دل على وجوبه (٧). الدليل الثاني: أنه ماء خرج عن إطلاقه بغمس اليد فيه أو بصب الماء عليهما فأشبه المستعمل في رفع الحدث بجامع استعمالهما في طهارة تعبد (٨). نوقش: بأنه لا يصح قياسه على رفع الحدث، لأن هذا ليس بحدث (٩).

стр. 50

أدلة أصحاب القول الثالث: (القائلين بطهوريته): الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... ... ﴾ (١) الآية. وجه الدلالة: أن الله سبحانه أمر في الآية بالوضوء، ولم يذكر قبل غسل الوجه واجباً، فلا يؤثر غمسهما في الماء على طهوريته (٢). نوقش: بأنه قد ثبت عن ﷺ الأمر بغسل الكفين قبل غمسهما عند القيام من النوم، كما في حديث أبي هريرة السابق. الدليل الثاني: أنه ماء لاقى أعضاء طاهرة فبقى على أصله (٣). الدليل الثالث: أن هذا الماء قبل انفصاله عن اليدين طهور بيقين، فلا تزول طهوريته بالشك والوهم (٤). الدليل الرابع: أنه لم يرفع حدثاً أشبه التبرد به (٥). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأخير القائل بعدم بطلان طهورية الماء بذلك مطلقاً، لقوة ما استدلوا به، ولأن ما ثبت بقين لا يرفع إلا بقين مثله، فلا تسلب طهورية الماء بالشك؛ ذلك لأن الاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه ليس مستحباً ولا مشروعاً (٦).

стр. 51

المسألة الخامسة: حكم طهارة الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به . المقصود بذلك: يقصد به ما تبقى في الإناء من الماء القليل (١)، الذي توضأت به المرأة، بعد أن خلت به (٢)، لطهارة كاملة عن حدث. اختيار القاضي: اختار ﵀ أنه لا يجوز رفع حدث الرجل بفضل طهور المرأة موافقاً في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتاي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (واختلفت في فصل وضوء المرأة إذا خلت بالماء هل يجوز للرجل أن يتوضأ منه؟ فنقل جماعة منهم عبد الله وحنبل وأبو الحارث أنه لا يجوز، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح). (٣) تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على جواز وضوء الرجل والمرأة معاً، وعلى جواز اغتسالهما من إناء واحد مشترك بينهما (٤)، لعدم الخلوة، وإنما اختلفوا في وضوء الرجل بما خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث (٥). سبب الخلاف: سببه تعارض الأحاديث والآثار في ذلك (٦).

стр. 52

الأقوال في هذه المسألة: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال: القول الأول: لا تصح طهارة الرجل بفضل طهور المرأة، إن خلت به. وهو مروي عن عمر (١)، وجويرية (٢)، وأم سلمة (٣)، وإسحاق (٤)، وأهل الظاهر (٥)، وبه قال: الإمام أحمد (٦)، في الرواية المشهورة عنه، اختارها الخرقي (٧) والقاضي كما تقدم. القول الثاني: صحة طهارة الرجل بفضل طهور المرأة مطلقاً بلا كراهة. وبه قال: أبو حنيفة (٨)، ومالك (٩)، والشافعي (١٠)، وهو رواية عن الإمام أحمد (١١) -اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. (١٢).

стр. 53

القول الثالث: لا تصح طهارة الرجل بفضل طهور المرأة، ولا المرأة بفضل طهور الرجل. وبه قال: بعض الحنابلة (١). القول الرابع: صحة طهارة الرجل بفضل طهور المرأة مع الكراهة. وهو مروي عن الحسن البصري (٢)، وسعيد بن المسيب (٣)، وبه قال بعض الحنفية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥). أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: حديث الحكم بن عمرو الغفاري (٦) ﵁ (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) (٧). وجه الدلالة: أنه صريح في منع الرجل فقط من فضل طهورها. نوقش: بأن هذا الحديث لا يصح (٨)، لاضطرابه فقد روي مرفوعاً وموقوفاً. وأجيب: بأنه لا تعارض بين الروايتين ولا اضطراب؛ لأن المرفوع زيادة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، والموقوف فتوى من الصحابي الراوي، ولا تعارض بين روايته وفتواه (٩).

стр. 54

الدليل الثاني: حديث عبد الله بن سرجس (١) ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن فضل وضوء المرأة) (٦). وجه الدلالة: أنه صريح في المنع، ولم يخبر النبي ﷺ فيه بنجاسة الماء، ولا أمر غير الرجال باجتنابه (٢). الدليل الثالث: أثر الصحابي عبد الله بن سرجس ﵁ قال: (لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، فإذا خلت به فلا تقربه) (٣). وجه الدلالة: أنه دليل على أن النهي خاص بالخلوة. الدليل الرابع: قالوا: الجمع بين الأحاديث بحمل أحاديث المنع على ما خلت به، وحمل أحاديث الجواز على ما لم تخل به، فتتفق الأحاديث ولا تتعارض، ولو تعارضت فأحاديث المنع أولى؛ لأنه حاظر وناقل عن الأصل، فيكون أولى من المبقي على الأصل، لأن الأصل الحل فالحظر بعده (٤).

стр. 55

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: حديث ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة) (١). وجه الدلالة: أنه صريح في جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة. نوقش: بأنه محمول على أنها لم تخل به جمعاً بين الأدلة (٢). وأجيب: بأنه قد روي ما يدل على أنها قد خلت به كما في حديث ميمونة التالي: الدليل الثاني: حديث ميمونة (٣) ﵂ قالت: أجنبت فاغتسلت من جفنة (٤)، ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي ﷺ يغتسل منه، فقلت: إني قد اغتسلت منه، فقال: (الماء ليس عليه جنابة، فاغتسل منه) (٥). وجه الدلالة: أن ظاهره يدل على أنها خلت به لطهارة كاملة عن حدث، وأجابها النبي ﷺ جاواباً عاماً بأن الماء لا يصير بهذا الفعل إلى حالة يجتنب فيها فلا يستعمل (٦). نوقش: بأن هذا الحديث لا يصح (٧)، ولو صح لحمل على أنها لم تخل به، بل كان النبي ﷺ يشاهدها (٨)، وقد قال ابن حزم (٩) ﵀: لو صح الخبران لم يكن فيهما حجة لأن حكم هذين الخبرين منسوخ (١٠).

стр. 56

الدليل الثالث: ولأنه ماء طهور، جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل كفضل الرجل. (١). أدلة أصحاب القول الثالث: الدليل الأول: حديث عبد الله بن سرجس ﵁: (أن الرسول ﷺ نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعاً) (٢). الدليل الثاني: عن حميد بن عبد الرحمن الحميري قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة، قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة -زاد مسدد (٣) - وليغترفا جميعاً) (٤). وجه الشاهد من الحديثين: أنهما صريحان في منع كل من الرجل والمرأة من الوضوء بفضل طهور الآخر. أدلة أصحاب القول الرابع: أخذوا بالأحاديث والآثار كلها وجمعوا بينها، ووجه الجمع الذي تجتمع به الأدلة كلها هو حمل أحاديث المنع على الكراهة (كراهة التنزيه)، جمعاً بينها وبين أحاديث الجواز (٥).

стр. 57

الترجيح: والراجح -والله أعلم- هو القول الرابع، وأنه يجوز الوضوء بفضل طهور المرأة مع الكراهة، وهو القول الذي تجتمع به الأدلة، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة وجب المصير إليه، وقد صحت أحاديث النهي، وعارضتها أحاديث الجواز، وهي صحيحة أيضاً، ولا يمكن التعارض في شرع الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. قال الحافظ ابن حجر (١): (تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، أو يحمل على التنزيه جمعاً بين الأدلة) (٢). قلت: حمله على التنزيه أولى، لما سبق مناقشته لهذا التأويل، وهذا هو الذي رجحه: الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣)، والشيخ محمد بن إبراهيم-رحمهما الله-، ولكن الذي يظهر لي-والله أعلم- أن الكراهة ليست خاصة بالرجل بل أيضاً يكره للمرأة أن تتطهر بفضل طهور الرجل، كما دل عليه الحديث الصحيح السابق .. ثمرة الخلاف: ثمرته أن من قال: بالمنع قال: إذا لم يجد غيره توضأ به للضرورة ثم تيمم (٤)، ومن قال: بالجواز فلا إشكال في وضوئه بذلك الماء كسائر المياه الطاهرة، ومن قال: بالكراهة قال: بجواز الوضوء به إن لم يحتج إليه مع الكراهة، فإن احتاج إليه -ولم يجد غيره- زالت الكراهة، ولا يجوز له التيمم مع وجوده.

стр. 58

المسألة السادسة: المراد بخلوة المرأة بالماء . المقصود بالمسألة: يقصد به ما الخلوة المعتبرة في استعمال المرأة الماء ليُمنع بعدها الرجل من استعمال ما فضل من طهورها؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ أن الخلوة لا تزول إلا بمشاهدة مكلف مسلم، فإن شاهدها صبي أو امرأة أو رجل كافر، لم تخرج بحضورهم عن الخلوة مخالفاً في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي: ( ... وقيل: لا تزول الخلوة إلا بمشاهدة مكلف مسلم، اختاره القاضي) (١). تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على جواز وضوء الرجل والمرأة معاً، وعلى جواز اغتسالهما من إناء واحد مشترك بينهما (٢)، لعدم الخلوة، وإنما اختلفوا في وضوء الرجل بما خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث (٣)، كما اختلفوا في المراد بالخلوة، على ثلاثة أقوال.

стр. 59

الأقوال في المسألة: القول الأول: أن المراد بالخلوة هو انفرادها بالاستعمال فقط، ولو شاهدها أحد. وبه قال: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤). القول الثاني: أن المراد بالخلوة مع انفرادها بالاستعمال هو عدم مشاهدة المميز لها، ويزول حكم الخلوة بمشاهدة مميز وبكافر وامرأة كخلوة النكاح. وبه قال: الحنابلة (٥). القول الثالث: أن المراد بالخلوة هو عدم مشاهدة المكلف المسلم لها، وما عداه لا يزيل اسم الخلوة عنها. وهو وجه عند الحنابلة (٦)، اختاره القاضي كما تقدم. أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن رجل صحب النبي ﷺ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعا) (٧). وجه الدلالة: قوله ﷺ : (جميعا) ظاهره معا لا واحد بعد واحد (٨). الدليل الثاني: عن رجل، من بني غفار، قال: (نهى رسول الله ﷺ عن فضل طهور المرأة) (٩). وجه الدلالة: قوله: (عن فضل طهور المرأة) أي عما فضل من الماء بعد ما توضأت المرأة منه (١٠)،و ظاهره العموم، إذ لم يشترط النبي ﷺ أن تخلو به (١١).

стр. 60

أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: توضأ أنت ها هنا وهي ها هنا، فأما إذا خلت به، فلا تقربنه (١). الدليل الثاني: عن غنيم بن قيس (٢) قال: (إذا خلت المرأة بالوضوء دونك فلا توضأ بفضلها) (٣). وجه الدلالة: أنهما دليلان على أن النهي خاص بالخلوة. الدليل الثالث: القياس على خلوة النكاح لأنها إحدى الخلوتين، فنافاها حضور أحد سواء كان رجلا، أو امرأة، أو صبيا عاقلاً كالأخرى (٤). الدليل الرابع: الجمع بين أحاديث الجواز (٥) وأحاديث المنع فتحمل أحاديث الجواز على مالم تخل به، وأحاديث المنع على ما خلت به (٦). أدلة القول الثالث: القول الثالث هو وجه عند الحنابلة، ويقضي بأن الخلوة لا تزول إلا بمشاهدة مكلف مسلم وهو اختيار القاضي كما تقدم، لكن لم أقف على دليل لأصحاب هذا القول حسب بحثي، ولعله يستدل لهذا القول بتعليلين: الأول: لعل ماحدا بالقاضي أن يخص انتفاء الخلوة بمشاهدة المكلف المسلم، لأنه هو الذي توجه إليه المنع من هذا الماء فمشاهدة غيره لا أثر لها؛ لأن الماء في حق غير المكلف المسلم طهور مطهر، فلما اختص بالمنع منه اختص انتفاء الخلوة بحضوره. الثاني: اشترط أن يكون المكلف مسلماً لأن الخطاب الشرعي إنما يوجه للمسلم، لا الكافر. الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بأن المراد بالخلوة انفرادها بالاستعمال، ذلك لأن الحديث نهى عن استعمال فضلها وأطلق ولم يقيده بخلوتها عن مشاهدة أحد.

стр. 61

ئالمسألة السابعة: حكم الماء الذي خلت به المرأة لإزالة نجاسة. المقصود بالمسألة: يقصد به ما تبقى في الإناء من الماء القليل (١)، الذي استعملته المرأة، بعد أن خلت به، لإزالة نجاسة. اختيار القاضي: اختار ﵀ -أنه لا يجوز التطهر بماء خلت به المرأة لإزالة نجاسة، كما لو خلت به لرفع حدث، وهو وجه عند الحنابلة (٢)،وهو بذلك مخالف للمشهور عند الحنابلة كما سيأتي. قال المرداوي ﵀: (وأما خلوتها به لإزالة نجاسة، فالصحيح من المذهب: أنه ليس كالحدث. فلا تؤثر خلوتها فيه ... وقيل: حكمه حكم الحدث، اختاره القاضي) (٣). أصل المسألة متفرع عن مسألة خلوة المرأة بماء قليل لطهارة كاملة عن حدث فالمذهب عند الحنابلة لا يجوز للرجل التطهر بفضل طهورها، وهو من مفردات المذهب (٤)، وعليه فالخلاف في المسألة، إنما هو في دائرة مذهب الحنابلة فقط.

стр. 62

الأقوال في المسألة: القول الأول: أن ما خلت به المرأة لإزالة نجاسة طهور يجوز للرجل استعماله. وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: أنه لا يجوز التطهر به. وهو وجه عند الحنابلة (٢). أدلة أصحاب القول الأول: وأدلتهم في هذا: الدليل الأول: أن الأصل جواز الطهارة به. (٣) الدليل الثاني: أن الطهارة المطلقة تنصرف إلى طهارة الحدث الكاملة. (٤) أدلة أصحاب القول الثاني: أدلة هذا القول: القياس على النهي عن وضوء الرجل بفضل طهور المرأة، والجامع بينهما أن الكل طهارة شرعية (٥). ويجاب عنه: أن النهي محمول على ترك الأولى، لحديث ميمونة-﵂ (أن النبي ﷺ توضأ بفضل غسلها من الجنابة) (٦). الترجيح: الذي يظهر رجحانه- والله أعلم- هو القول الاول القائل بجواز الوضوء بما خلت به المرأة لإزالة نجاسة؛ لأن الأصل الذي قاسوا عليه النهي مختلف فيه، والصحيح فيه الجواز أيضاً، والنهي فيه محمول على التنزيه لا التحريم (٧)، والله تعالى أعلم.

стр. 63

المسألة الثامنة: هل مقدار القلتين (١) على وجه التقريب أو التحديد ؟ هذه المسألة يدور الخلاف فيها بين من يعتبر القلتين ضابطاً للقليل والكثير من الماء وهم الشافعية والحنابلة-كما سيأتي- وغير واردة على مذهب الذين لا يرون القلتين ضابطاً في تحديد الماء قلة أو كثرة، وهم الحنفية (٢) والمالكية (٣). اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -أن مقدار القلتين على سبيل التحديد لا التقريب مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقد ذكر المرداوي ﵀ -مقدار القلتين والخلاف فيه ثم قال: (وهل ذلك تقريب، أو تحديد؟ على وجهين ... الوجه الثاني: أنه تحديد ... وهو اختيار القاضي) (٤). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن تحديد مقدار القلتين وقع على وجه التقريب لا التحديد. وهو مذهب الشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦). القول الثاني: أن مقدار القلتين محدد ومعلوم على وجه التحديد لا التقريب. وهو وجه عند الشافعية (٧)، ووجه عند الحنابلة، اختاره القاضي كما تقدم.

стр. 64

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) (١). قال ابن جريج (٢): وقد رأيت قلال هجر (٣) فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً (٤). وجه الدلالة: أن الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوهما بحد، إنما قال ابن جريج: القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا، وهذا لا تحديد فيه؛ فإن قوله (قربتين وشيئاً) يدل على أنه قرب الأمر، والشيء الزائد عن القربتين مشكوك فيه، لذا قالوا: الاحتياط أن تكون القلة قربتين ونصفا (٥). أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) (٦). وجه الدلالة: أن لفظة (قلتان) خرج مخرج التحديد، فهو عدد صادر من الشارع فيكون تحديدا وتقييدا, كالخمسة الأوسق, والأربعين من الغنم, والخمس من الإبل, والثلاثين من البقر, وغير ذلك, إذ لا بد للعدد من فائدة, ولا فائدة له إلا التحديد (٧). ونوقش: أن هذا التحديد لم يقل به ابن عمر، ولا أحد من أصحابه؛ فعلم أنه لم يكن عنده فيه سنة من النبي (٨) ﷺ .

стр. 65

الدليل الثاني: عن مالك بن صعصعة (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال في سدرة المنتهى: (فإذا نبقها مثل قلال هجر) (٢). وجه الدلالة: أن التعبير بقلال هجر والتشبيه بها يدل على أنها معلومة عندهم. ونوقش: أن ذكرها في حديث المعراج لبيان الواقع، وإنما مثل النبي ﷺ بقلال هجر, لأنه هو الواقع في نفس الأمر لا لكونها أعرف القلال عندهم (٣). الدليل الثالث: قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً (٤). وجه الدلالة: أن قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار, لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصيعان (٥). ونوقش بأمرين: الأول: أن تقدير القلتين بقلال هجر, لم يصح عن رسول الله ﷺ فيه شيء أصلا، فقوله: (بقلال هجر) ليس من كلام النبي ﷺ , ولا إضافة الراوي إليه (٦). ثانياً: أن الواقع بخلافه فإن القلال فيها الكبار والصغار في العرف العام أو الغالب, ولا تعمل بقالب واحد (٧).

стр. 66

ثمرة الخلاف: وفائدة هذا، أن من اعتبر التحديد، فنقص عن الحد شيئا يسيرا، لم يعف عنه، ونجس بورود النجاسة عليه، ومن قال بالتقريب عفي عن النقص اليسير عنده، وتعلق الحكم بما يقارب القلتين لا بمجرد النقص (١). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بأن حد القلتين على وجه التقريب لا التحديد لقوة ما استدلوا به، ولمناقشة القول الثاني.

стр. 67

المسألة التاسعة: الوضوء بالماء المتغير بمائع طاهر . المقصود بالمسالة: هو الوضوء بالماء المتغير بالطاهرات وهو: الماء الباقي على اسمه، ولم يتحول إلى اسم آخر غير اسم الماء، ولكنه أضيف إليه طاهر فغير لونه أو طعمه أو ريحه مع بقاء اسم الماء عليه كماء الباقلاء ونحو ذلك. اختيار القاضي: اختار ﵀ أن الماء المتغير بمائع طاهر لا يجوز الوضوء به، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال-﵀: (مسألة اختلفت الرواية عن أحمد في الماء إذا خالطه مائع طاهر فغير أحد صفاته، ... نقل الصاغاني كلاماً يدل على أنه لا يجوز الوضوء به، وهو اختيار الحرقي وهو أصح). (١) تحرير محل النزاع: اتفق الأئمة الأربعة (٢): على أن المياه التي لا تحصل بها الطهارة من الحدث تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: [١] ما اعتصر من الطاهرات كماء الشجر ونحوه. [٢] ما خالطه طاهر فغير اسمه، كالحبر، واللبن ونحوه. [٣] ما طبخ فيه طاهر فتغير به كماء الباقلاء المغلي. واختلفوا ﵏ في الماء إذا خالطه طاهر يمكن التحرز منه - كالزعفران، والورد والحمص، والعصفر، ونحو ذلك - فغير أحد صفاته، مع اتفاقهم أنه ماء طاهر في نفسه (٣)، ولكن اختلفوا في رفع الحدث به.

стр. 68

سبب الخلاف: وسبب خلافهم هو خفاء تناول اسم الماء المطلق للماء الذي خالطه مثل هذه الأشياء هل بقى على إطلاقه أو تقيد بهذه الإضافة ولم يتناوله اسم الماء المطلق؟ (١) الأقوال في المسألة: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا تحصل الطهارة بالماء المتغير بالطاهرات. وبه قال: المالكية (٢) والشافعية (٣) وأحمد في رواية عنه، وهي المشهورة المعتمدة عند الحنابلة (٤). القول الثاني: تحصل الطهارة به. وبه قال: الحنيفة (٥)، وهو قول الظاهرية (٦)،وأحمد في الرواية الأخرى عنه (٧) اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٨).

стр. 69

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: أنه ماء تغير بمخالطة ما ليس بطهور وينفك عنه غالباً، ويمكن الاحتراز منه، أشبه إذا تغير بالباقلاء المغلي فلم يجز الوضوء به. (١) نوقش: أن ماء الباقلاء أصبح أدماً فلم يجز التطهر به، ولا القياس عليه. (٢) وأجيب: بأنه لا تأثير لكونه أدماً، لأن الماء لو طبخ فيه حنظل وغيره لم يجز التطهر به بالاتفاق، وإن لم يصر أدماً، فدل على أنه لا تأثير للأدمية، وإنما الاعتبار بزوال إطلاق اسم الماء. (٣) ورد: بأنه خالطه طاهر لم يسلبه اسم الماء و لا رقته و لا جريانه. (٤) الدليل الثاني: أنه ماء مقيد زال عن إطلاقه فأشبه المغلي (٥)، فلم يتناوله قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٦)، والنصوص إنما وردت في الماء المطلق العاري عن القيود بدليل صحة النفي (٧)، فلو وكله أن يشتري له ماءً، فاشترى له هذا الماء المتغير لم يكن ممتثلاً، ولا يلزمه قبوله. (٨) ونوقش: أنه لم يخرج عن اسم الماء وإن خرج عن إطلاقه، فهو ماء، والطاهر الذي خالطه مغلوب، فأشبه ماء النيل، وماء البئر، فالمخالط المغلوب لا يسلب الإطلاق. (٩) وأيضاً فإنه لو استقى ماء أو وكله في شراء ماء لم يتناول ذلك ماء البحر ومع هذا فهو داخل في عموم الآية فكذلك ما كان مثله في الصفة، فلا يلزم من عدم قبوله خروجه عن صفة الطهارة والتطهير. (١٠)

стр. 70

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية (١). وجه الدلالة: أن هذا عام في كل ماء لأن (ماء) نكرة في سياق النفي والنكرة في سياق النفي تفيد العموم فلا يجوز التيمم مع وجوده. (٢) الدليل الثاني: عن أبي ذر (٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء؛ فأمسه جلدك؛ فإن ذلك خير) (٤). وجه الدلالة: أن هذا واجد للماء. (٥) الدليل الثالث: عن أم عطية (٦) ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفت ابنته فقال: (اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك أن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور) (٧). وجه الدلالة: أن الماء سوف يتغير بالسدر والكافور، فلو كان هذا التغير يفسده لما أمر به. (٨) نوقش: أن التغير في محل الإزالة لا يمنع أشبه ما لو تغير الماء على عضوه بعجين عليه، فلا يؤثر. (٩) وأجيب عنه: أن هذا تفريق بوصف غير مؤثر لا في اللغة ولا في الشرع؛ فإن المتغير إن كان يسمى ماء مطلقا وهو على البدن فيسمى ماء مطلقا وهو في الإناء. وإن لم يسم ماء مطلقا في أحدهما لم يسم مطلقا في الموضع الآخر؛ فإنه من المعلوم أن أهل اللغة لا يفرقون في التسمية بين محل ومحل. وأما الشرع: فإن هذا فرق لم يدل عليه دليل شرعي فلا يلتفت إليه. (١٠)

стр. 71

الدليل الرابع: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون وغالب أسقيتم الأدم والغالب أنها تغير الماء فلم ينقل عنهم تيمم مع وجود شيء من تلك المياه. (١) الترجيح: والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، القائل بأن هذا الماء المتغير بالطاهر يجوز الوضوء به، لقوة أدلتهم ووضوحها، ولأن اسم الماء باق على الإطلاق، يدل لذلك أنه لم يتجدد له اسم على حده. (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀: (لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره ولا بما يشق الاحتراز عنه؛ ولا بما لا يشق الاحتراز عنه فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه وهي التي نص عليها في أكثر أجوبته. وهذا القول هو الصواب؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا﴾ (٣) وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٤) نكرة في سياق النفي فيعم كل ما هو ماء لا فرق في ذلك بين نوع ونوع. فإن قيل: إن المتغير لا يدخل في اسم الماء؟. قيل: تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين التغير الأصلي والطارئ ولا بين التغير الذي يمكن الاحتراز منه والذي لا يمكن الاحتراز منه فإن الفرق بين هذا وهذا إنما هو من جهة القياس لحاجة الناس إلى استعمال هذا المتغير دون هذا فأما من جهة اللغة وعموم الاسم وخصوصه فلا فرق بين هذا وهذا) (٥). ثمرة الخلاف: من قال: لا تحصل الطهارة به وأنه طاهر غير مطهر، منهم من قال: إذا لم يجد غيره استعمله وتيمم (٦)، ومن قال: تحصل الطهارة به، قال: يتوضأ به ولا يحتاج إلى تيمم.

стр. 72

المسألة العاشرة: حكم الماء الذي يمكن نزحه إذا وقع فيه بول الآدمي أو عذرته ولم يتغير . المقصود بالمسألة: أن يخالط الماء الكثير، نجاسة آدمي -بوله، أو عذرته- ولم يتغير الماء بها، ولا يشق نزحها فما حكم هذا الماء؟ اختار القاضي-﵀: أن الماء في هذه الحالة نجس، مخالفاً في اختياره المذهب عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال- ﵀: (مسألة: واختلفت في الماء إذا كان يمكن نزحه فوقع فيه بول الآدميين أو عذرتهم المائعة، فنقل الجماعة منهم أبو طالب أنه ينجس، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح). (١) تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على أن الماء الكثير إذا خالطته نجاسة الآدمي، فلم تغيره، ويشق نزحه أنه طهور (٢) واختلفوا في الماء الكثير إذا خالطته نجاسة الآدمي، فلم تغيره، ولا يشق نزحه على قولين: القول الأول: أن الماء لا ينجس في تلك الحالة. وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها أكثر المتأخرين وهي المذهب (٦). القول الثاني: أن الماء ينجس في هذه الحالة. وهي رواية عن الإمام أحمد (٧)، اختارها أكثر المتقدمين (٨) ونص المرداوي ﵀ -أنها من مفردات المذهب (٩).

стр. 73

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا كان الماء قلتين لم ينجس) وفي رواية: (لم يحمل الخبث) (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن الماء إذا بلغ قلتين، لا ينجس، ولا يحمل الخبث، وهذا عام في جميع الأنجاس، فيشمل بول الآدمي، وعذرته، ولا دليل على استثنائها من عموم الحديث (٢). نوقش: أن بول الآدمي مستثنى، بما سيأتي من حديث النهي عن البول في الماء، وحينئذ يجمع بين الحديثين، بحمل حديث القلتين على سائر النجاسات، عدا بول الآدمي وعذرته، لأنه حديث خاص، والخاص مقدم على العام، فيكون المعنى لم يحمل الخبث إلا بول الآدميين (٣). ويجاب عنه: أن حديث النهي عن البول في الماء، ليس فيه دلالة قطعية على نجاسة الماء (٤)، بخلاف حديث القلتين، فإن دلالته على نفي النجاسة قطعية، بدليل ما سبق من الإجماع على نفي نجاسة الماء الكثير ما لم يتغير، وما كانت دلالته قطعية، يقدم على مالم تكن دلالته كذلك. الدليل الثاني: أن بول الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب، وهو لا ينجس القلتين، فبول الآدمي وعذرته أولى، أن لا ينجس الماء الكثير بهما ما دام لم يتغير (٥).

стр. 74

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه) (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن البول في الماء الدائم، والنهي هنا خاص ببول الآدمي دون غيره من النجاسات وألحق به الغائط لأنه أفحش منه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وذلك لأن النجاسة تفسد الماء، وهذا عام؛ لكن عفي عما يشق نزحه من أجل المشقة. (٢) ونوقش: لا يسلم بأن النهي للتحريم أو لتنجيس الماء؛ إذ ليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل هو للكراهة التنزيهية (٣). الدليل الثاني: ماروي أن علياً ﵁ سئل عن (صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها) (٤). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الأثر لا تعرف صحته، ومن ذكره لم يعزه إلى شيء من كتب التخريج المعتمده. الوجه الثاني: على فرض ثبوته يحتمل أنه ﵁ أمر بنزحها لأجل الاستقذار وتطيباً للنفوس، لا لأنها تنجست بسب البول فيها (٥). الترجيح: بالتأمل في أدلة القولين، يظهر والله أعلم أن القول الأول القائل بأن الماء لا ينجس أرجح، لقوة ما استدلوا به، ولمناقشة القول الثاني، وعدم نهوضها لمعارضة أدلة القول الأول، والله أعلم.

стр. 75

المسألة الحادية عشرة: حكم الباقي من الماء الكثير إذا تغير بعضه بنجاسة . المقصود بالمسألة: لو كان عند الإنسان إناء فيه ماء بلغ أكثر من قلتين فوقع في جانب منه نجاسة فتغير بها، وبعض الماء لم يتغير، فما حكم هذا الذي لم يتغير؟ اختيار القاضي: اختار القاضي- ﵀، أن الباقي الذي لم يتغير طهور ولو كان قليلاً، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي ﵀: (لو تغير بعض الكثير بنجاسة: فباقيه طهور إن كان كثيرا على الصحيح من المذهب ... وقيل: الباقي طهور وإن قل، ذكره في الرعاية، قلت: اختاره القاضي) (١). تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أن الماء المتغير بالنجاسة نجس قل أو كثر، واختلفوا في القليل يلاقي النجاسة ولم يتغير بها (٢).
следующие страницы →