وابن أبي عاصم في "كتاب السنة" والحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي في تلخيصه.
وعن عبيد بن عمير قال: «إن رؤيا الأنبياء وحي» ثم قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] رواه البخاري.
وعن معاذ بن جبل ﵁ موقوفًا: «أن رسول الله ﷺ كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حق» رواه الإمام أحمد وابن أبي عاصم في "كتاب السنة" بأسانيد صحيحة. وفي رواية لأحمد: «رؤيا النبي ﷺ حق».
وإذا علم أن رؤيا النبي ﷺ في المنام وحي وحق فليعلم أيضًا أنه يجب الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ من رؤيته لربه ﵎ في المنام في أحسن صورة وأنه وضع كفه. وفي رواية يده بين كتفي رسول الله ﷺ حتى وجد بردها بين ثدييه. ويجب أيضًا إمرار ما جاء في ذلك الأحاديث التي تقدم ذكرها كما جاء من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وقد تلقاها الصحابة عن النبي ﷺ وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت، ثم تلقاها من رواها عنهم من التابعين وكذلك أتباع التابعين من بعدهم وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت ثم خرجها من جاء بعدهم من أكابر المحدثين الذين تقدم ذكرهم وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت. وهذه الطريقة هي طريقة السلف في آيات الصفات وأحاديث الصفات، وهي أسلم وأحكم من طريقة الخَلَف الذين خاضوا في تأويل آيات الصفات وأحاديثها وصرفوها عن ظاهرها بما سنح لهم من الاحتمالات والتأويلات الباطلة حتى آل بهم ذلك إلى التعطيل. وقد قال ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله": إن السلف رووا أحاديث الصفات وسكتوا عنها وهم كانوا أعمق الناس علمًا وأوسعهم فهمًا وأقلهم تكلفًا، ولم يكن سكوتهم على عيّ، فمن لم يسعه ما وسعهم فقد خاب وخسر. انتهى. وذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن القاضي عياض أنه قال: لم يختلف العلماء في
стр. 37
جواز رؤية الله تعالى في المنام. انتهى. وذكر النووي في "شرح مسلم" عن القاضي أنه قال: اتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام وصحتها. انتهى المقصود من كلامه.
وذكر البغوي في كتابه "شرح السنة" عن الإمام -وهو شيخه القاضي حسين بن محمد بن أحمد أبو علي المروروذي شيخ الشافعية في زمانه- أنه قال: رؤية الله في المنام جائزة، فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة أو نجاة من النار فقوله حق ووعده صدق. وإن رآه ينظر إليه فهو رحمته، وإن رآه معرضًا عنه فهو تحذير من الذنوب لقوله : ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وإن أعطاه شيئًا من متاع الدنيا فأخذه فهو بلاء ومحن وأسقام تصيب بدنه يعظم بها أجره لا يزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة وحسن العاقبة. انتهى.
فصل
في ما جاء في رؤية النبي ﷺ في المنام
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه بهذا اللفظ. وفي لفظ لأحمد: «من رآني في المنام فقد رآني إن الشيطان لا يتشبه بي»، ورواه البخاري ولفظه: «ومن رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي»، ورواه ابن أبي شيبة بهذا اللفظ، ورواه الإمام أحمد بنحوه ولفظه: «من رآني في المنام فقد رآني إن الشيطان لا يتصور بي». قال شعبة أو قال: «لا يتشبه بي»، ورواه الترمذي ولفظه: «من رآني فإني أنا هو فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية لأحمد وابن حبان: «من رآني في المنام فقد رأى الحق إن الشيطان لا يتشبه بي». وفي رواية لأحمد: «من رآني في
стр. 38
المنام فقد رآني الحق إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي». وفي رواية لأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي»، هذا لفظ البخاري، ولفظ أحمد ومسلم وأبي داود «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو فكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي» زاد البخاري: قال ابن سيرين: إذا رآه في صورته.
وفي رواية لأحمد عن عاصم بن كليب حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي». قال عاصم: فحدثنيه ابن عباس ﵄ فأخبرته أني قد رأيته، قال: رأيته؟ قلت: إي والله لقد رأيته. قال: فذكرت الحسن بن علي، قال: إني والله قد ذكرته ونعته في مشيته، قال فقال ابن عباس ﵄: إنه كان يشبهه، وقد رواه الترمذي في الشمائل والحاكم بنحوه مختصرًا وصححه الحاكم والذهبي. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": سنده جيد.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» رواه الإمام أحمد والبخاري. ورواه ابن أبي شيبة مختصرًا، ولفظه: «إن الشيطان لا يتمثل بي»، ورواه الترمذي في "الشمائل" بنحو رواية أحمد والبخاري.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من رآني في النوم فقد رآني إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن أبي شيبة وابن ماجه. وفي رواية لمسلم: «من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي».
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا ينبغي له أن يتمثل بمثلي» رواه الإمام أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني فقد
стр. 39
رأى الحق» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والدارمي وهذا لفظ البخاري ومسلم. ولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق»، ولفظ الدارمي: «من رآني في المنام فقد رأى الحق». وفي رواية للبخاري: «وإن الشيطان لا يتراءى بي».
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني» رواه الإمام أحمد والبخاري وابن أبي شيبة وابن ماجه وهذا لفظ البخاري. ولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق فإن الشيطان لا يتكون بي». ولفظ ابن أبي شيبة وابن ماجه: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي».
قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث» فيه: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتكونني». وفي رواية: «لا يتكون في صورتي» أي يتشبه بي ويتصور بصورتي وحقيقته يصير كائنًا في صورتي. انتهى.
وقد روى الطبراني في "الصغير والأوسط" حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ولفظه: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي ولا بالكعبة». قال الهيثمي: فيه محمد بن أبي السري وثقه ابن معين وغيره وفيه لين وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن أبي جحيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي» رواه ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" وهذا لفظ ابن ماجه، وفي رواية ابن حبان: «فإن الشيطان لا يتشبه بي».
وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني» رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار والطبراني. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقد رواه الترمذي في "الشمائل" ورجاله رجال الصحيح.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من
стр. 40
رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتمثل بي» رواه الطبراني في "الأوسط والكبير" وهذا لفظه في "الكبير"، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فإياي رأى فإن الشيطان لا يتخيل بي» رواه الإمام أحمد وابن ماجه وهذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجه: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي». وفي إسناد كل منهما جابر الجعفي وهو ضعيف ولكن لحديثه هذا شواهد كثيرة مما ذكر قبله من الصحاح.
وعن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم زمن ابن عباس ﵄ وكان يزيد يكتب المصاحف، قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله ﷺ في النوم، قال ابن عباس: فإن رسول الله ﷺ كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني» فهل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: قلت: نعم، رأيت رجلاً بين الرجلين جسمه ولحمه أسمر إلى البياض حسن المضحك أُكحل العينين جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحره، قال: فقال ابن عباس ﵄: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا. رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: ورجاله ثقات. وقد رواه الترمذي في "الشمائل" بنحوه، ورواه ابن أبي شيبة مختصرًا، ويشهد للمرفوع منه ما تقدم من الأحاديث الصحيحة.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخيل على من رآه» رواه الطبراني، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
وعن المثنى – يعني ابن سعيد – قال: «سمعت أنسًا ﵁ يقول: قَلَّ ليلة تأتي عليّ إلا وأنا أرى فيها خليلي ﷺ ، وأنس يقول ذلك وتدمع عيناه» رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
стр. 41
فصل
في ذكر أقوال العلماء في رؤية النبي ﷺ في المنام
قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه "عارضة الأحوذي" حديث رؤية النبي ﷺ في المنام، قد قيل: إن الرؤيا لا حقيقة لها وهم القدرية، تعسًا لهم. وغلا صالح فيه فقال: كل الرؤيا والرؤية بعين الرأس حقيقة، وهذا حماق، وقيل: مدركة بعينين في قلبه، وهذه عبارة مجازية. قال: والصحيح عندي أنها إدراك. فأما رؤية النبي ﷺ فمن رآه في المنام بصفة معلومة فهو إدراك الحقيقة، وإن رآه على غير صفته فهو إدراك المثال، وقد جاء الحديث على أربعة ألفاظ صحاح:
الأول: «من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي».
الثاني: قوله: «من رآني فقد رأى الحق».
الثالث: «فسيراني في اليقظة».
الرابع: «فكأنما رآني في اليقظة».
فأما قوله: «من رآني فقد رآني» فقد بيناه في وجه إدراكه. وأما قوله: «فقد رأى الحق» فتفسيره قوله: «إن الشيطان لا يتمثل بي»، وأما قوله: «فسيراني في اليقظة» فيحتمل أن يكون معناه فسيرى تفسير ما رأى لأنه حق وغيب ألقاه إليه الملك، وقيل معناه: فسيراني في القيامة، وهذا لا معنى له ولا فائدة في هذا التخصيص، وأما قوله: «فكأنما رآني» فتشبيه ووجهه أنه لو رآه في اليقظة لرآه حقًا فكذلك هذا يكون حقًا وكان الأول حقًا وحقيقة ويكون الثاني حقًا تمثيلاً ومجازًا، فإن قيل: فإن رآه على خلاف صفة ما هو، قلنا: هي أمثال. فإن رآه حسن الهيئة حسن الأقوال والأفعال مقبلاً على الرائي كان خيرًا له وفيه. وإن رأى خلاف ذلك كان شرًا له وفيه لا يلحق النبي من ذلك شيء. انتهى.
وقال النووي في "شرح مسلم": اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ : «فقد رآني»، فقال ابن الباقلاني: معناه أن رؤياه صحيحة ليست بأضغاث
стр. 42
ولا من تشبيهات الشيطان، ويؤيد قوله رواية: «فقد رأى الحق» أي الرؤية الصحيحة، قال: وقد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة كمن رآه أبيض اللحية وقد يراه شخصان في زمن واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب ويراه كل منهما في مكانه.
ثم ذكر النووي عن القاضي أنه قال: يحتمل أن يكون قوله ﷺ : «فقد رآني» أو: «فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» المراد به إذا رآه على صفته المعروفة له في حياته، فإن رأى على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة.
قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها.
وقد تعقب الحافظ ابن حجر كلام النووي فقال: لم يظهر لي من كلام القاضي ما ينافي ذلك، بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالين. لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية مما يحتاج إلى التعبير.
ثم ذكر ابن حجر عن القرطبي أنه قال: من المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به وتقع تلك الرؤيا حقًا، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي»؛ فالأولى أن تنزه رؤياه وكذا رؤيا شيء منه أو مما ينسب إليه عن ذلك فهو أبلغ في الحرمة وأليق بالعصمة كما عصم من الشيطان في يقظته. قال: والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثًا، بل هي حق في نفسها ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قِبَل الله. قال: وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره. ويؤيده قوله: «فقد رأى الحق» أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي به فإن كانت على ظاهرها وإلا سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير أو إنذار من شر، إما ليخيف الرائي وإما لينزجر عنه وإما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه. انتهى باختصار.
وذكر النووي عن القاضي أنه قال: قال بعض العلماء: خص الله النبي ﷺ بأن رؤية الناس إياه صحيحة وكلها صدق ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم كما خرق الله تعالى العادة للأنبياء عليهم
стр. 43
السّلام بالمعجزة وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصور فحماها الله من الشيطان ونزغه ووسوسته وإلقائه وكيده، قال: وكذا حمى رؤيتهم أنفسهم. انتهى.
وذكر الحافظ ابن حجر عن أبي سعد أحمد بن محمد بن نصر أنه قال: من رأى نبيًا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح الرائي وكمال جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابسًا مثلاً فذاك دال على سوء حال الرائي. وذكر ابن حجر أيضًا عن أبي محمد بن أبي جمرة أنه قال: منهم من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلاً فمن رآه في صورة حسنة فذاك حسن في دين الرائي وإن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص فذاك خلل في الرائي من جهة الدين. قال: وهذا هو الحق وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أو لا؟ وكذلك يقال في كلامه ﷺ في النوم أنه يعرض على سنته فما وافقها فهو حق وما خالفها فالخلل في سمع الرائي، فرؤيا الذات الكريمة حق والخلل إنما هو في سمع الرائي أو بصره، قال: وهذا خير ما سمعته في ذلك. انتهى.
وأما قوله ﷺ : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» فقد تقدم قوله: ابن العربي المالكي أنه يحتمل أن يكون معناه فسيرى تفسير ما رأى لأنه حق وغيب ألقاه إليه الملك. وذكر الحافظ ابن حجر عن ابن بطال أنه قال: يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق، وليس المراد أنه يراه في الآخرة لأنه سيراه يوم القيامة جميع أمته من رآه في النوم ومن لم يره منهم.
وقال المازري: إن كان المحفوظ «فكأنما رآني في اليقظة» فمعناه ظاهر، وإن كان المحفوظ «فسيراني في اليقظة» احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن يهاجر إليه فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه سيراه بعد ذلك في اليقظة. وقال القاضي: وقيل معناه: سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها، انتهى المقصود مما ذكره ابن حجر عن بعض العلماء في معنى الحديث.
стр. 44
فصل
في رؤية الأنبياء والملائكة في المنام
ذكر البغوي في "شرح السنة" عن الإمام – وهو شيخه القاضي حسين بن محمد المروروذي – أنه قال: رؤية النبي ﷺ في المنام حق ولا يتمثل الشيطان به، وكذلك جميع الأنبياء والملائكة، وكذلك الشمس والقمر والنجوم المضيئة والسحاب الذي فيه الغيث لا يتمثل الشيطان بشيء منها. ومن رأى نزول الملائكة بمكان فهو نصرة لأهل ذلك المكان وفرج إن كانوا في كرب، وخصب إن كانوا في ضيق وقحط، وكذلك رؤية الأنبياء صلوات الله عليهم، ومن رأى ملكًا يكلمه ببر أو بعظة أو يبشره فهو شرف في الدنيا وشهادة في العاقبة. ورؤية الأنبياء مثل رؤية الملائكة إلا في الشهادة لأن الأنبياء كانوا يخالطون الناس، والملائكة عند الله لا يراهم الناس.
ورؤية النبي ﷺ في مكان سعةُ لأهل ذلك المكان إن كانوا في ضيق وفرجٌ إن كانوا في كرب ونصرةٌ إن كانوا في ظلم، وكذلك رؤية الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ورؤية أهل الدين بركة وخير على قدر منازلهم في الدين، ومن رأى النبي ﷺ كثيرًا في المنام لم يزل خفيف الحال مُقِلاًّ في دنياه من غير حاجة فادحة ولا خذلان من الله ، قال النبي ﷺ : «إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه»، ورؤية الإمام إصابة خير وشرف. انتهى.
فصل
في بيان حقيقة الرؤيا
قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه "عارضة الأحوذي": قد بينا حقيقة الرؤيا وأنها إدراكات يخلقها الله في قلب العبد على يدي الملك أو الشيطان، إما بأمثالها، وإما أمثالاً بكناها، وإما تخليطًا. ونظير ذلك في اليقظة الخواطر فإنها تأتي على نسق في قصد، وتأتي مسترسلة غير محصلة، فإذا خلق الله من ذلك في المنام على يدي الملك شيئًا كان وحيًا منظومًا
стр. 45
وبرهانًا مفهومًا. انتهى.
وقد تقدم في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الرؤيا ثلاث، فرؤيا حق ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان». وتقدم أيضًا في حديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الرؤيا من الله والحُلْم من الشيطان». وفي رواية: «الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان».
قال البغوي في "شرح السنة": قوله: «الرؤيا ثلاثة» فيه بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها.
وهي على أنواع قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان أو يريه ما يحزنه، وله مكايد يحزن بها بني آدم، ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل فلا يكون له تأويل. وقد يكون ذلك من حديث النفس كمن يكون في أمر أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر. والعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك. وقد يكون ذلك من مزاج الطبيعة كمن غلب عليه الدم يرى الفصد والحجامة والرعاف والحمرة والرياحين والمزامير والنشاط ونحوها، ومن غلب عليه طبيعة الصفراء يرى النار والشمع والسراج والأشياء الصفر والطيران في الهواء وغيرها، ومن غلب عليه السوداء يرى الظلمة والسواد والأشياء السود وصيد الوحوش والأهوال والأموات والقبور والمواضع الخربة وكونه في مضيق لا منفذ له أو تحت ثقل ونحو ذلك، ومن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والأنداء والثلج والجمد والوحل ونحوها فلا تأويل لشيء منها. انتهى.
إذا علم هذا فالكلام في هذا الفصل فيما يجوز تعبيره من الرؤيا وهي الرؤيا الصحيحة التي جاء وصفها في حديث أبي هريرة ﵁ بأنها رؤيا حق، وجاء وصفها في حديث أبي قتادة ﵁ بأنها الرؤيا الصالحة وأنها من الله، وهذه الرؤيا نوعان. أحدهما: ما هو ظاهر لا يحتاج إلى تأويل. والثاني: ما هو من ضرب الأمثال للنائم، وهذا النوع هو الأكثر
стр. 46
والغالب على الرؤيا وهو الذي يحتاج فيه إلى التأويل.
ومن النوع الأول رؤيا إبراهيم ﵊ في المنام أنه يذبح ابنه. وقد ذكر الله هذه القصة في قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٧].
وقد جاء في هذا النوع أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، وسأذكر منها ما تيسر إن شاء الله تعالى، وأذكر بعدها جملة مما جاء في غير الأحاديث المرفوعة وهو مما يستحسن ذكره.
فمن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه رأى ربه في المنام في أحسن صورة وأن الله تعالى سأله عما يختصم فيه الملأ الأعلى، وأنه تعالى وضع كفه، -وفي رواية يده- بين كتفي النبي ﷺ حتى وجد بردها بين ثدييه. وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك قريبًا فلتراجع.
ومن ذلك رؤيا النبي ﷺ في المنام أنه أتي بعائشة ﵂ فعرضت عليه وقيل له هذه زوجتك. وقد روى الحديث الوارد في ذلك أحمد والبخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «رأيتك في المنام مرتين أرى رجلاً يحملك في سَرَقَة حرير فيقول هذه امرأتك فأكشفها فإذا هي أنت فأقول إن يكن هذا من عند الله يمضه»، وفي رواية للبخاري قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «أُريتكِ في المنام يجيء بك الملَك في سَرَقَة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي فقلت إن يك هذا من عند الله يمضه»، وفي رواية له أخرى: قالت: قال رسول الله ﷺ : «أُريتك قبل أن أتزوجك مرتين رأيت
стр. 47
الملك يحملك في سَرَقَة من حرير فقلت له اكشف فكشف فإذا هي أنت فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه، ثم أريتك يحملك في سَرَقَة من حرير فقلت: اكشف فكشفت فإذا هي أنت، فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه» ورواه مسلم بنحو الرواية الثانية عند البخاري إلا أنه قال في أوله: «أُريتك في المنام ثلاث ليال» ورواه ابن حبان في "صحيحه" بمثل الرواية الأولى عند أحمد والبخاري ورواه البيهقي بمثل رواية مسلم.
ورواه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂: «أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي ﷺ فقال: إن هذه زوجتك في الدنيا والآخرة». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه.
قوله: «سَرَقة من حرير» هي بفتح السين والراء. قال الجوهري: السَّرَق شقق الحرير، قال أبو عبيد: إلا أنها البيض منها الواحدة منها سَرَقة. قال: وأصلها بالفارسية "سَرَهْ" أي: جيد فعربوه. انتهى.
ومن ذلك رؤيا النبي ﷺ دار الهجرة. وقد جاء ذلك في حديثين عن النبي ﷺ ، أحدهما: عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب» رواه البخاري ومسلم وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه".
قوله: «فذهب وَهَلي» قال النووي في "شرح مسلم": الوَهَل بفتح الهاء ومعناه وهمي واعتقادي. قال: وهجر مدينة معروفة وهي قاعدة البحرين، وأما يثرب فهو اسمها في الجاهلية فسماها الله تعالى المدينة وسماها رسول الله ﷺ طيبة وطابة. انتهى.
وقال ابن حجر في "فتح الباري": يقال وَهَل بالفتح إذا ظن شيئًا فتبين الأمر بخلافه. قال: وهجر بفتح الهاء والجيم بلد معروف من البحرين وهي من مساكن عبد القيس.
стр. 48
قلت: وهو الذي يسمى في زماننا الأحساء. ولا يزال اسم هجر باقيًا على هذه البلاد زماننا.
الحديث الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ للمسلمين: «قد رأيت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما حرتان» فخرج من كان مهاجرًا قِبَل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ﷺ ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين. رواه الإمام أحمد والبخاري وابن حبان في أثناء حديث طويل في الهجرة، وهذا لفظ أحمد، ونحوه عند ابن حبان ورواه البيهقي بمثل رواية أحمد.
ومن ذلك رؤيا الأذان، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث. منها ما رواه أبو داود والبيهقي عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قال: اهتم النبي ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا فلم يعجبه ذلك. قال: فذكر له القُنْع -يعني الشَّبُّور- شَبُّور اليهود فلم يعجبه ذلك وقال: «هو من أمر اليهود» قال: فذكر له الناقوس فقال: «هو من أمر النصارى» فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لِهَمّ رسول الله ﷺ فأري الأذان في منامه قال: فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره فقال: يا رسول الله، إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا ثم أخبر النبي ﷺ فقال له: «ما منعك أن تخبرني؟» فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ : «يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله»، قال: فأذن بلال.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب رسول الله ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رجلاً قام وعليه بردان أخضران على جذمة حائط فأذن مثنى وأقام مثنى وقعد قعدة. قال فسمع ذلك بلال فقام فأذن مثنى وأقام مثنى وقعد قعدة.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والدارمي وأبو داود وابن ماجه وابن حبان
стр. 49
والبيهقي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: حدثني عبد الله بن زيد قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول: إذا أقيمت الصلاة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتًا منك»، قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي أُري، قال: فقال رسول الله ﷺ : «فلله الحمد». هذا لفظ أحمد ورواه أبو داود والبيهقي بنحوه. وقد جاء في رواية الدارمي وابن ماجه وابن حبان ورواية عند أحمد: أن الرجل الذي طاف بعبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو نائم كان عليه ثوبان أخضران. وجاء في رواية الدارمي أن عمر ﵁ لما أخبر النبي ﷺ أنه رأى مثل ما رأى عبد الله بن زيد قال رسول الله ﷺ : «فلله الحمد فذاك أَثْبَتُ»، وقد جاء مثل ذلك في رواية الترمذي فإنه قد روى حديث عبد الله بن زيد مختصرًا جدًا، ولفظه عن محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه قال: لما أصبحنا أتينا رسول الله ﷺ فأخبرته بالرؤيا فقال: «إن هذه لرؤيا حق فقم مع بلال فإنه أندى وأَمدُّ صوتًا منك فألقِ عليه ما قيل لك وليناد بذلك»، قال: فلما سمع عمر بن الخطاب نداء بلال بالصلاة خرج إلى رسول الله ﷺ وهو يجر إزاره وهو يقول: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي قال، فقال رسول الله ﷺ : «فلله الحمد فذلك أَثْبَتُ». قال الترمذي: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح. وذكر في كتاب
стр. 50
"العلل" أنه سأل محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو عندي حديث صحيح. قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر ﵄.
قلت: هذا الحديث رواه ابن ماجه بإسناد فيه مقال عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ استشار الناس لما يُهِمُّهم إلى الصلاة فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود ثم ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب فطرق الأنصاري رسول الله ﷺ ليلاً فأمر رسول الله ﷺ بلالاً به فأذن. قال الزهري: «وزاد بلال في نداء صلاة الغداء الصلاة خير من النوم فأقرها رسول الله ﷺ . قال عمر: يا رسول الله قد رأيت مثل الذي رأى ولكنه سبقني». وقد رواه ابن سعد في الطبقات وقال فيه: «حتى أُري رجل من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد الأذان وأُريه عمر بن الخطاب تلك الليلة، فأما عمر فقال: إذا أصبحت أخبرت رسول الله ﷺ ، وأما الأنصاري فطرق رسول الله ﷺ من الليل فأخبره وأمر رسول الله ﷺ بلالاً فأذن بالصلاة. قال: فزاد بلال في الصبح، الصلاة خير من النوم، فأقرها رسول الله ﷺ وليست فيما أري الأنصاري».
ومن الأحاديث في رؤيا الأذان ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن معاذ بن جبل ﵁ قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت في النوم كأني مستيقظ أرى رجلاً نزل من السماء عليه بردان أخضران نزل على جذم حائط من المدينة فأذن مثنى مثنى ثم جلس ثم أقام فقال مثنى مثنى قال: «نِعْمَ ما رأيت علمها بلالاً»، قال: قال عمر: قد رأيت مثل ذلك ولكنه سبقني.
ومن الرؤيا الظاهرة أيضًا رؤيا النبي ﷺ أنه سيأتي البيت هو وأصحابه ويطوفون به، وكان ذلك قبل عمرة الحديبية، فلما صدهم المشركون عن دخول مكة عام الحديبية وصالحهم رسول الله ﷺ على أن يرجعوا عامهم ذلك وأن يعتمروا في العام القابل قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى فأخبرتك أنا نأتيه العام»،
стр. 51
قال: قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوّف به» رواه البخاري في حديث طويل في «باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط»، وقد وقع تصديق رؤيا النبي ﷺ في عمرة القضاء حيث جاء هو وأصحابه إلى البيت وطافوا به وهم آمنون لا يخافون، وقد ذكر الله هذه الرؤيا الصادقة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] وهذا الفتح هو الصلح الذي جرى بين رسول الله ﷺ وبين مشركي قريش. قال الزهري قوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يعني صلح الحديبية، وما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة وضعت الحرب وأمن الناس كلهم بعضهم بعضًا فالتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر. رواه ابن جرير.
ومن الرؤيا الظاهرة أيضًا رؤيا الأمر بدفع السواك إلى الأكبر. والحديث بذلك في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أراني في المنام أتسوك بسواك فجذبني رجلان أحدهما أكبر من الآخر فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي: كبّر فدفعته إلى الأكبر».
ومن ذلك رؤيا عيسى ابن مريم يطوف بالبيت ورؤيا الدجال وراءه، والحديث بذلك رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر بين رجلين ينطف رأسه ماء فقلت من هذا قالوا ابن مريم فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية قلت من هذا قالوا هذا الدجال أقرب بها شبهًا ابن قطن» زاد
стр. 52
البخاري، وابن قطن رجل من بني المصطلق من خزاعة، وفي رواية قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، وقد جاءت هذه الزيادة في إحدى الروايات عند أحمد.
ومن ذلك رؤيا النبي ﷺ أن بني الحكم ينزون على منبره. والحديث بذلك رواه أبو يعلى والحاكم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى في منامه كأن بني الحكم ينزون على منبره وينزلون فأصبح كالمتغيظ فقال: «ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة؟» قال: فما رُئِي رسول الله ﷺ مستجمعًا ضاحكًا بعد ذلك حتى مات ﷺ . قال الهيثمي: رجال أبي يعلى رجال الصحيح غير مصعب بن عبد الله بن الزبير وهو ثقة. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي: على شرط مسلم. وقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" بنحوه.
ومن الرؤيا الظاهرة ما جاء في حديث سمرة بن جندب الطويل وقد رواه الإمام أحمد والبخاري من طريقين، أحدهما عن عوف – وهو الأعرابي – عن أبي رجاء العطاردي حدثنا سمرة بن جندب الفزاري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقصّ وإنه قال لنا ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ههنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال: وأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط
стр. 53
وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرًا، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء رجلاً مرآة وإذا عنده نارٌ يحشها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أَرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال: قالا لي: ارق؛ فارتقيت فيها قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففُتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأنَّ ماءه المحض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عَدْنٍ وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صُعُدًا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله، قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا فما هذا الذي رأيتُ؟ قال: قالا لي: أما إنّا سنخبرك؛ أما الرجل الأول الذي أَتيتَ عليه يُثْلَغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء
стр. 54
العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ ، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة»، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسنًا وشطر قبيحًا فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم» هذا لفظ البخاري. وقد رواه ابن شيبة وابن حبان في "صحيحه" بنحوه.
قوله: "ضوضوا" قال أبو عبيدة: يعني ضجوا وصاحوا. وقال الجوهري: الضوضاة أصوات الناس وجلبتهم يقال ضوضوا بلا همز، وضوضيت أبدلوا من الواو ياء، وقوله: «فأتينا على روضة مُعْتَمَّة فيها من كل لون الربيع» كذا جاء في رواية البخاري، وجاء في رواية أحمد وابن أبي شيبة: «فأتينا على روضة معشبة فيها من كل نور الربيع». قال ابن حجر في "فتح الباري" قوله: «فأتينا على روضة معتمة» بضم الميم وسكون المهملة وكسر المثناة وتخفيف الميم بعدها هاء تأنيث. ولبعضهم بفتح المثناة وتشديد الميم. قال الداودي: اعتمَّت الأرض: غطاها الخصب. انتهى المقصود من كلامه، وقوله: «فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أَرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن» هكذا جاء في رواية البخاري، وجاء في رواية أحمد وابن أبي شيبة وابن حبان: «فانتهينا إلى دوحة عظيمة لم أَرَ دوحة قط أعظم منها ولا أحسن». قال الجوهري: الدوحة الشجرة العظيمة من أي الشجر كان، انتهى. وسيأتي في رواية جرير بن حازم ما يؤيد رواية أحمد وابن أبي شيبة وابن حبان.
الطريق الثاني: عن جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يحدث عن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة الغداة أقبل علينا بوجهه فقال: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا» فإن كان أحد رأى تلك الليلة رؤيا قصَّها عليه فيقول فيها ما شاء الله أن يقول،
стр. 55
فسألنا يومًا فقال: «هل رأى منكم الليلة رؤيا»، قال: فقلنا: لا، قال: «لكن أنا رأيت رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى أرض فضاء أو أرض مستوية فمرا بي على رجل ورجل قائم على رأسه بيده كلوب من حديد فيدخله في شدقه فيشقه حتى يبلغ قفاه ثم يخرجه فيدخله في شقه الآخر ويلتئم هذا الشق فهو يفعل ذلك به، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقت معهما فإذا رجل مستلق على قفاه ورجل قائم بيده فهر أو صخرة يشدخ بها رأسه فيتدهدى الحجر فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان فيصنع مثل ذلك فقلت: ما هذا؟ قالا لي: انطلق، فانطلقت معهما فإذا بيت مبني على بناء التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار فإذا فيه رجال ونساء عراة فإذا أوقدت ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا فإذا خمدت رجعوا فيها فقلت: ما هذا؟ قالا لي: انطلق، فانطلقت فإذا نهر من دم فيه رجل وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة فيقبل الرجل الذي في النهر فإذا دنا ليخرج رمى في فيه حجرًا فرجع إلى مكانه فهو يفعل ذلك به، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق، فانطلقت فإذا روضة خضراء فإذا فيها شجرة عظيمة وإذا شيخ في أصلها حوله صبيان وإذا رجل قريب منه بين يديه نار فهو يحششها ويوقدها فصعدا بي في الشجرة فأدخلاني دارًا لم أر دارًا قط أحسن منها فإذا فيها رجال شيوخ وشباب وفيها نساء وصبيان فأخرجاني منها فصعدا بي في الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل منها فيها شيوخ وشباب، فقلت لهما: إنكما قد طوفتماني منذ الليلة فأخبراني عما رأيت؟ فقالا: نعم. أما الرجل الأول الذي رأيت فإنه رجل كذاب يكذب الكذبة فتحمل عنه في الآفاق فهو يصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة ثم يصنع الله ﵎ به ما شاء، وأما الرجل الذي رأيت مستلقيًا فرجل آتاه الله ﵎ القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل بما فيه بالنهار فهو يفعل به ما رأيت إلى يوم القيامة، وأما الذي رأيت في التنور فهم الزناة، وأما الذي رأيت في النهر فذاك آكل الربا، وأما الشيخ الذي في أصل الشجرة فذاك إبراهيم ﵇، وأما الصبيان الذي رأيت فأولاد الناس، وأما الرجل الذي رأيت يوقد النار ويحششها فذاك مالك خازن النار وتلك النار، وأما الدار التي دخلت أولاً فدار عامة المؤمنين، وأما الدار الأخرى فدار
стр. 56
الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل. ثم قالا لي: ارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا هي كهيئة السحاب فقالا لي: وتلك دارك، فقلت لهما: دعاني أدخل داري، فقالا: إنه قد بقي لك عمل لم تستكمله فلو استكملته دخلت دارك» هذا لفظ أحمد، وفي رواية البخاري: «قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك».
وقد روى مسلم والترمذي طرفًا من أوله وهو قوله: كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا»؟ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ويروى هذا الحديث عن عوف وجرير ابن حازم عن أبي رجاء عن سمرة عن النبي ﷺ في قصة طويلة. انتهى.
ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ بعد صلاة الصبح فقال: «إني رأيت رؤيا هي حق فاعقلوها، أتاني رجل فأخذ بيدي فاستتبعني حتى أتى بي جبلاً وعرًا طويلاً فقال لي: إرقه، فقلت: إني لا أستطيع، فقال: إني سأسهله لك، فجعلت كلما رقيت قدمي وضعتها على درجة حتى استوينا على سواء الجبل فانطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يقولون ما لا يعلمون. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مسمرة أعينهم وآذانهم فقلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذي يُرُوْنَ أعينهم ما لا يَرَوْن ويسمعون آذانهم ما لا يسمعون. ثم انطلقنا فإذا نحن بنساء معلقات بعراقيبهن مصوبة رءوسهن تنهش ثديانهن الحيات، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يمنعون أولادهن من ألبانهن. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء معلقات بعراقيبهن مصوبة رءوسهن يلحسن من ماء قليل وحمأ، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يصومون ويفطرون قبل تحلة صومهم، ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء أقبح شيء منظرًا وأقبحه لبوسًا وأنتنه ريحًا كأنما ريحهم المراحيض، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزناة. ثم انطلقنا فإذا نحن بموتى أشد شيء انتفاخًا وأنتنه ريحًا، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى الكفار. ثم انطلقنا وإذا نحن نرى دخانًا ونسمع عواء، قلت: ما هذا؟ قال: هذه جهنم فدعه. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال نيام
стр. 57
تحت ظلال الشجر، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى المسلمين. ثم انطلقنا فإذا نحن بغلمان وجوار يعلبون بين نهرين، قلت: ما هؤلاء؟ قال: ذرية المؤمنين. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال أحسن شيء وجهًا وأحسنه لبوسًا وأطيبه ريحًا كأن وجوههم القراطيس، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون. ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة نفر يشربون خمرًا لهم ويتغنون، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: ذلك زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة فملت قبلهم فقالوا: قدنا لك قدنا لك، قال: ثم رفعت رأسي فإذا ثلاثة نفر تحت العرش قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون. ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة نفر يشربون خمرًا لهم ويتغنون، فقلت: ما هؤلاء قال: ذلك زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة فلمت قبلهم فقالوا: قدنا لك قدنا لك، قال: ثم رفعت رأسي فإذا ثلاثة نفر تحت العرش قلت: ما هؤلاء؟ قال: ذاك أبوك إبراهيم وموسى وعيسى وهم ينتظرونك صلى الله عليهم أجمعين».
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ ابن حجر: سنده جيد، ورواه الطبراني أيضًا بنحوه مختصرًا وقال فيه: «ثم انطلق بي حتى أشرفت على غلمان يلعبون بين نهرين، قلت: من هؤلاء؟ قال: ذراري المؤمنين يحضنهم إبراهيم». ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في "مستدركه" مختصرًا ولا سيما رواية الحاكم فإنها مختصرة جدًا، وأوله عندهم: «بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتي بي جبلاً وعرًا فقالا لي: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهله لك» الحديث. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد نقله ابن كثير في "البداية والنهاية" في ذكر فضيلة أمراء مؤتة من كتاب "دلائل النبوة" لأبي زرعة الرازي وفيه اختصار عما جاء في رواية الطبراني.
ومن الرؤيا الظاهرة ما جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا وكنا في صُفَّة المدينة فقام علينا فقال: «إني رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فطرد الشيطان عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشًا كلما دنا من حوض منع وطرد
стр. 58
فجاءه صيام شهر رمضان فسقاه وأرواه، ورأيت رجلاً من أمتي ورأيت النبيين جلوسًا حلقًا حلقًا كلما دنا إلى حلقة طُرد فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها فجاءه حجّه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلاً من أمتي يتقي بيده وهج النار وشررها فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النار وظللت على رأسه، ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المسلمين إنه كان وصولاً لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة، ورأيت رجلاً من أمتي جاثيًا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله ، ورأيت رجلاً من أمتي قد ذهبت صحيفته من قِبَل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلاً من أمتي خَفَّ ميزانه فجاءه أَفْراطه فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلاً من أمتي قائمًا على شفير جهنم فجاءه رجاؤه من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي قد هوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله فاستنقذته من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي قائمًا على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله فسكَّن رعدته ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أيحانًا ويتعلق أحيانًا فجاءته صلاته عليّ فأقامته على قدميه وأنقذته، ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة» رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب «الترغيب في الخصال المنجية، والترهيب من الخلال المردية» وقال: هذا حديث حسن جدًا. ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الوابل الصيب في الكلم الطيب» ووصف هذا الحدث قبل سياقه له بأنه حديث عظيم شريف القدر ينبغي لكل مسلم أن يحفظه. ثم قال فنذكره بطوله لعموم فائدته وحاجة الخلق إليه، وبعد
стр. 59
أن انتهى من سياقه قال: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأن هذا الحديث وبلغني عنه أنه كان يقول شواهد الصحة عليه. انتهى. وقد رواه الطبراني في الأحاديث الطوال وإسناده ضعيف.
ومن الرؤيا الظاهرة ما رآه النبي ﷺ لأم سليم وبلال وعمر بن الخطاب ﵃ وقد جاء ذلك في عدة أحاديث. منها ما ذكروا فيه جميعًا. ومنها ما ذكر فيه اثنان منهم. ومنها ما ذكر فيه كل واحد منهم على انفراده.
فمن الأحاديث التي ذكروا فيها جميعًا حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «أريتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة أمامي قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا بلال، قال: ورأيت قصرًا أبيض بفنائه جارية فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من المسلمين من أمة محمد قلت: فأنا محمد لمن هذا القصر؟ قال: هذا لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فأنظر إليه قال فذكرت غيرتك»، فقال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أو عليك أغار. رواه الإمام أحمد والبخاري وهذا لفظ أحمد في إحدى الروايتين عنده. ورواه مسلم مختصرًا ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: «أُريت الجنة فرأيت امرأة أبي طلحة ثم سمعت خشخشة أمامي فإذا بلال».
ومن الأحاديث التي ذكر فيها عمر وبلال ﵄ حديث بريدة ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالاً فقال: «يا بلال بم سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب». فقال رسول الله ﷺ : «لولا غيرتك يا عمر لدخلتُ القصر»، فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال: «بمَ سبقتني إلى الجنة»، قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : «بهذا» رواه الإمام أحمد والترمذي وهذا لفظ أحمد في إحدى الروايتين عنده.
стр. 60
وفي رواية الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: «فأتيت على قصر مربَّع مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل من العرب، فقلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، قلت: أنا قرشي لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد، قلت: أنا محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب». فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله عليَّ ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : «بهما». قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. قال: وفي الباب عن جابر ومعاذ وأنس وأبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «رأيت في الجنة قصرًا من ذهب فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لعمر بن الخطاب»، قال: ومعنى هذا الحديث أني دخلت البارحة الجنة، يعني رأيت في المنام كأني دخلت الجنة. هكذا روي في بعض الحديث، ويروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «رؤيا الأنبياء وحي» انتهى كلام الترمذي.
قلت: وقد جاء التصريح في حديث أبي هريرة ﵁ الذي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى أن النبي ﷺ رأى ذلك في المنام.
وقد جاء في ذكر عمر وحده ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة توضأ إلى جنب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا» وعمر حين يقول ذلك رسول الله ﷺ جالس عنده مع القوم فبكى عمر حين سمع ذلك من رسول الله ﷺ وقال: أعليك بأبي أنت وأمي أغار يا رسول الله، رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه".
الثاني: حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: «دخلت الجنة، أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرًا فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك». قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله بأبي أنت وأمي يا نبي الله أوعليك
стр. 61
أغار. رواه الإمام أحمد والبخاري وابن حبان في "صحيحه" وهذا لفظ البخاري في "باب الغيرة" من "كتاب النكاح" ورواه في "كتاب التعبير" ولفظه قال: قال رسول الله ﷺ : «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب إلا ما أعلمه من غيرتك»، قال: وعليك أغار يا رسول الله. وفي رواية ابن حبان: قال رسول الله ﷺ : «أدخلت الجنة فرأيت فيها قصرًا من ذهب أو لؤلؤ فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» وذكر بقيته بنحوه. وقد بوّب البخاري على هذا الحديث وحديث أبي هريرة المذكور قبله بقوله «باب القصر في المنام».
الثالث: حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش، قلت: لمن؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، قال: فلولا ما علمت من غيرتك لدخلته»، فقال عمر ﵁: عليك يا رسول الله أغار، رواه الإمام أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن يحيى – وهو ابن سعيد القطان – عن حميد عن أنس. ورواه أيضًا عن عبد الله بن بكر – وهو السهمي – عن حميد عن أنسٍ، وكل واحد من هذه الأسانيد الثلاثة ثلاثي على شرط الشيخين، ورواه أيضًا بإسنادين صحيحين سوى هذه الأسانيد الثلاثة، ورواه الترمذي وابن حبان في "صحيحه" وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ومما جاء في ذكر بلال وحده حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ لبلال عند صلاة الغداة: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة قال بلال: ما عطلت عملاً في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" قوله: «عند صلاة الفجر» فيه إشِارة إلى أن ذلك وقع في
стр. 62
المنام لأن عادته ﷺ أنه كان يقص ما رآه ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر. انتهى.
ومما جاء في ذكر الرميصاء وحدها حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يديّ فقلت: ما هذا؟ قالوا: الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك» رواه الإمام أحمد عن هشيم عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن يحيى عن حميد عن أنس ﵁، وكل واحد من هذه الأسانيد الثلاثة ثلاثي على شرط الشيخين، ورواه أيضًا بإسنادين صحيحين من طريق ثابت عن أنس ﵁، ورواه مسلم وابن حبان في "صحيحه" والطبراني في "الكبير".
ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان»، فقال رسول الله ﷺ : «كذلك البر كذلك البر» وكان أبر الناس بأمه، وقد رواه عبد الرزاق وابن حبان في "صحيحه" والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا النبي ﷺ في غزاة البحر الذين غزوا قبرص في زمان عثمان ﵁ والذين غزوا الروم في زمان معاوية ﵁، وقد جاء في ذلك حديثان. أحدهما عن أنس بن مالك ﵁. وقد روي عنه من ثلاثة طرق:
أحدها: ما رواه مالك في "الموطأ" عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله ﷺ يومًا فأطعمته وجلست تفلي رأسه فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج
стр. 63
هذا البحر ملوكًا على الأسرة، أو قال مثل الملوك على الأسرة» يشك إسحاق – فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك فقلت: ما يضحك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله ملوكًا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة» كما قال في الأولى، قالت: فقلت: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت من الأولين»، قال: فركبت البحر في زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت، وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق مالك ومن غير طريقه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأم حرام بنت ملحان هي أخت أم سليم وهي خالة أنس بن مالك. انتهى. وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: «باب رؤيا النهار» قال: وقال ابن عون عن ابن سيرين: رؤيا النهار مثل رؤيا الليل. وذكر الحافظ ابن حجر عن علي بن أبي طالب القيرواني أنه قال: لا فرق في حكم العبارة بين رؤيا الليل والنهار وكذا رؤيا النساء والرجال. وقال المهلب نحوه. انتهى.
الطريق الثاني: عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن أنس بن مالك ﵁ عن خالته أم حرام بنت ملحان ﵂، رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي بنحو ما تقدم في حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس ﵁.
الطريق الثالث: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن أنس بن مالك ﵁، رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم بنحو ما تقدم في حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس ﵁.
الحديث الثاني: عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن امرأة حدثته قالت: نام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك فقلت: تضحك مني يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكن من قوم من أمتي
стр. 64
يخرجون غزاة في البحر مثلهم مثل الملوك على الأسرة»، قالت: ثم نام ثم استيقظ أيضًا يضحك فقلت: تضحك يا رسول الله مني؟ قال: «لا، ولكن من قوم من أمتي يخرجون غزاة في البحر فيرجعون قليلة غنائمهم مغفورًا لهم»، قلت: ادعُ الله أن يجعلني منهم فدعا لها، قال: فأخبرني عطاء بن يسار قال: فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم وهي معنا فماتت بأرض الروم، رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه، وقال: فيه عطاء بن يسار: أن امرأة حذيفة قالت. والظاهر أن قوله امرأة حذيفة تصحيف من بعض النسّاخ أو الطابعين، والصواب أن امرأة حدثته كما جاء ذلك في رواية الإمام أحمد عن عبد الرزاق. ويدل لهذا ما رواه أبو داود عن يحيى بن معين عن هشام بن يوسف عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أخت أم سليم الرميصاء قالت: نام النبي ﷺ فاستيقظ وكانت تغسل رأسها فاستيقظ وهو يضحك فقالت: يا رسول الله أتضحك من رأسي؟ قال: «لا»، قال أبو داود وساق هذا الخبر يزيد وينقص. انتهى. وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط البخاري. وفيها بيان أن المرأة التي لم تسم في رواية الإمام أحمد هي الرميصاء أخت أم سليم.
ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا النبي ﷺ في مرضه أن الوجع الذي أصابه كان بسبب السحر، وقد جاء في ذلك حديثان عن عائشة وابن عباس ﵃، فأما حديث عائشة ﵂ فقد روي عنها من طريقين: أحدهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: سَحَرَ رسول الله ﷺ يهوديُّ من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله ﷺ ثم دعا ثم دعا ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طّبه قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجبّ طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان»، قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه ثم قال: «يا عائشة والله لكأن ماءها نقاعة
стр. 65
الحناء ولكأن نخلها رءوس الشياطين»، قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرًا فأمرت بها فدفنت» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه وابن سعد وهذا لفظ مسلم ونحوه عند أحمد وابن ماجه، وليس في هذه الرواية ولا في غيرها من الروايات عند البخاري تصريح بأن مجيء الرجلين إلى النبي ﷺ كان في المنام. وقد جاء التصريح بذلك وبأن الرجلين كانا من الملائكة في حديث صحيح عند الإمام أحمد. وجاء أيضًا في حديث عمرة عن عائشة ﵂ كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فأما الحديث الذي عند أحمد فهو ما رواه عن إبراهيم بن خالد عن رباح عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: لبث رسول الله ﷺ ستة أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي فأتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: ما باله؟ قال: مطبوب، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فِيْمَ؟ قال: في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذروان تحت رعوفة، فاستيقظ النبي ﷺ من نومه فقال: «أي عائشة ألم ترين أن الله أفتاني فيما استفتيته» فأتى البئر فأمر به فأخرج فقال: «هذه البئر التي أريتها والله كأنّ ماءها نقاعة الحناء وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين»، فقالت عائشة: لو أنك كأنها تعني أن يتنشر، قال: «أما والله قد عافاني الله وأنا أكره أن أثير على الناس منه شرًا». في إسناده إبراهيم بن خالد وهو القرشي الصنعاني المؤذن، ورباح وهو ابن زيد القرشي مولاهم الصنعاني وكل منهما ثقة وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأما حديث عمرة عن عائشة ﵂ وهو الطريق الثاني من الروايتين عنها فقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" قالت: كان لرسول الله ﷺ غلام يهودي يخدمه يقال له لبيد بن أعصم، وكان تعجبه خدمته، فلم تزل به يهود حتى سحر النبي ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يذوب ولا يدري ما وجعه، فبينما رسول الله ﷺ ذات ليلة نائم إذ أتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما وجعه؟ قال الذي عند رأسه: مطبوب، قال الذي عند رجليه: مَنْ طبَّه؟ قال الذي عند
стр. 66
رأسه: لبيت بن أعصم، قال الذي عند رجليه: بِمَ طبَّه؟ قال الذي عند رأسه: بمشط ومشاطة وجفّ طلعة ذكر بذي أروان وهي تحت راعوفة البئر. فاستيقظ رسول الله ﷺ فدعا عائشة فقال: «يا عائشة أشعرت أن الله قد أنبأني بوجعي»، فلما أصبح غدا رسول الله ﷺ وغدا معه أصحابه إلى البئر فإذا ماؤها كأنه نقوع الحناء وإذا نخلها الذي يشرب من مائها قد التوى سعفه كأنه رءوس الشياطين، قال: فنزل رجل فاستخرج جفَّ طلعة من تحت الراعوفة فإذا فيها مشط رسول الله ﷺ ومن مراطة رأسه وإذا تمثال من شمع تمثال رسول الله ﷺ وإذا فيها إبر مغروزة، وإذا وَتَر فيه إحدى عشرة عقدة فأتاه جبريل ﵇ بالمعوذتين فقال: يا محمد: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وحل عقدة ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢] وحل عقدة، حتى فرغ منها، ثم قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، وحل عقدة حتى فرغ منها وحل العُقد كلها؛ وجعل لا ينزع إبرة إلا وجد لها ألمًا ثم يجد بعد ذلك راحة، فقيل: يا رسول الله لو قتلت اليهودي، فقال رسول الله ﷺ : «قد عافاني الله وما وراءه من عذاب الله أشد» قال: فأخرجه. قال البيهقي: قد روينا في هذا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ببعض معناه، ورويناه في الحديث الصحيح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ في أبواب دعواته دون ذكر المعوذتين. انتهى.
وأما حديث ابن عباس ﵄ فرواه ابن سعد في "الطبقات" من طريق جويبر – وهو ضعيف – عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: مرض رسول الله ﷺ وأُخِذ عن النساء وعن الطعام والشراب فهبط عليه ملكان وهو بين النائم واليقظان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما شَكْوُه؟ قال: طُبَّ، يعني سُحر؛ قال: ومن فعله؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، قال: ففي أي شيء جعله؟ قال: في طلعة، قال: فأين وضعها؟ قال: في بئر ذروان تحت صخرة، قال: فما
стр. 67
شفاؤه؟ قال: تنزح البئر وترفع الصخرة وتستخرج الطلعة، وارتفع الملكان. فبعث نبي الله ﷺ إلى علي وعمار ﵄ فأمرهما أن يأتيا الركي فيفعلا الذي سمع فأتياها وماؤها كأن قد خضب بالحناء فنزحاها ثم رفعا الصخرة فأخرجا طلعة فإذا فيها إحدى عشرة عُقْدة ونزلت هاتان السورتان: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فجعل رسول الله ﷺ كلما قرأ آية انحلت عُقدة حتى انحلت العقد وانتشر نبي الله ﷺ للنساء والطعام والشراب، وهذا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد فلبعضه شاهد مما تقدم في حديث عائشة ﵂.
وليعلم أن السحر الذي أصيب به رسول الله ﷺ ومرض منه ستة أشهر إنما كان تأثيره في جسده لا في قلبه وعقله فإن الله حمى قلبه وعقله وصانهما من وصول السحر إليهما، وما كان الله ليسلط السحرة والشياطين على قلب رسوله ومقر وحيه وتنزيله، هذا لا يكون أبدًا. وأما بدنه فإنه عرضة للأقسام والآلام كسائر البشر، وذلك لا يحط من قدره، بل يزيده أجرًا وثوابًا في الدار الآخرة. قال القاضي عياض في كتابه "الشفا": السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته. وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله فليس في هذا ما يُدْخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته أو يقدح في صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طُروّه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فضّل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان – إلى أن قال -: إن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه واعتقاده وعقله وأنه إنما أثر في بصره وحبسه عن وطء نسائه وطعامه وأضعف جسمه وأمرضه، ويكون معنى قوله يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على النساء فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن كما يعتري من أُخذ واعترض. وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يُدخل لَبْسًا ولا يجد به الملحد المعترض أُنْسًا. انتهى.
стр. 68
ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" والبيهقي في "دلائل النبوة" عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن رجلين من بليّ قدما على رسول الله ﷺ وكان إسلامهما جميعًا فكان أحدهما أشد اجتهادًا من الآخر فغزا المجتهد منهما فاستشهد ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي. قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما ثم خرج فأذن للذي استشهد ثم رجع إليّ فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس فعجبوا لذلك فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وحدثوه الحديث فقال: «من أي ذلك تعجبون؟» فقالوا: يا رسول الله هذا كان أشد الرجلين اجتهادًا ثم استشهد ودخل هذا الآخر الجنة قبله، فقال رسول الله ﷺ : «أليس قد مكث هذا بعده سنة؟» قالوا: بلى، قال: «وأدرك رمضان فصامه وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟» قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ : «فلما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض» وروى الإمام أحمد عن طلحة ﵁ قريبًا منه في المعنى وفي آخره أن رسول الله ﷺ قال: «ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمّر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله» ورجال هذه الرواية والرواية التي قبلها كلهم ثقات.
ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا ابن عمر ﵄ أنه كان بيده قطعة استبرق يطير بها في الجنة، والحديث بذلك رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت في المنام كأن بيدي قطعة استبرق ولا أشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارت بي إليه فقصتها حفصة على النبي ﷺ فقال: «إن أخاك رجل صالح» أو: «إن عبد الله رجل صالح». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا ابن عمر ﵂ أنه ذُهب به إلى النار ثم صرف عنها. والحديث في ذلك رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه عن سالم عن ابن عمر ﵄ قال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على النبي ﷺ قال: فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على النبي ﷺ ، قال: وكنت غلامًا شابًا عزبًا فكنت أنام في المسجد
стр. 69
على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فرأيت في النوم كأنّ ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان وإذا فيها ناس قد عرفتهم فجعلت أقول أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار فلقيهما ملك آخر فقال لي: لن تراع فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل». قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً. وفي رواية للبخاري: فرأيت ملكين أتياني فانطلقا بي فلقيهما ملك آخر فقال لن تراع إنك رجل صالح.
وقد رواه البخاري أيضًا من حديث نافع أن ابن عمر ﵄ قال: إن رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله ﷺ فيقصونها على رسول الله ﷺ فيقول فيها رسول الله ﷺ ما شاء الله، وأنا غلام حديث السن وبيتي المسجد قبل أن أنكح فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء. فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم في خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم وأنا بينهما أدعو الله، اللهم إني أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد فقال: لن تراع نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم فإذا هي مطوية كطي البئر له قرون كقرون البئر بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد وأرى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل رءوسهم أسفلهم عرفت فيها رجالاً من قريش فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «إن عبد الله رجل صالح» فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة، وقد رواه ابن أبي شيبة مختصرًا.
ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه الإمام أحمد بإسنادين صحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا الحسنة فربما قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» فإذا رأى الرجل رؤيا سأل عنه فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه، قال: فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني
стр. 70
دخلت الجنة فسمعت بها وجبة ارتجت لها الجنة فنظرت فإذا قد جيء بفلان ابن فلان وفلان ابن فلان حتى عدت اثني عشر رجلاً، وقد بعث رسول الله ﷺ سرية قبل ذلك، قالت: فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم، قال: فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر السدخ، أو قال: إلى نهر البيدج؛ قال: فغمسوا فيه فخرجوا منه وجوههم كالقمر ليلة البدر، قال: ثم أتوا بكراسي من ذهب فقعدوا عليها وأُتي بصحفة -أو كلمة نحوها- فيها بسرة فأكلوا منها فما يقلبونها لشق إلا أكلوا من فاكهة ما أرادوا وأكلت معهم، قال: فجاء البشير من تلك السرية فقال: يا رسول الله كان من أمرنا كذا وكذا وأصيب فلان وفلان حتى عدّ الاثنى عشر الذين عدتهم المرأة فقال رسول الله ﷺ : «علي بالمرأة»، فجاءت قال: «قص على هذا رؤياك» فقصت، قال: هو كما قالت لرسول الله ﷺ ، ورواه ابن حبان في "صحيحه" والبيهقي في "دلائل النبوة" بنحوه.
ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا خزيمة بن ثابت ﵁ أنه يقبل النبي ﷺ ويسجد على جبهته. وقد جاء ذلك من طرق. أحدها: عن أبي جعفر المديني الخطمي قال: سمعت عمارة بن عثمان بن حنيف يحدَّثُ عن خزيمة بن ثابت أنه رأى في منامه أنه يقبّل النبي ﷺ فأتى النبي ﷺ فأخبره بذلك فناوله النبي ﷺ فقبّل جبهته. رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: فيه عمارة بن عثمان ولم يرو عنه غير أبي جعفر الخطمي وبقية رجاله ثقات، قلت: قال ابن حجر في "تقريب التهذيب": عمارة بن عثمان بن حنيف الأنصاري المدني مقبول. انتهى. ويؤيد حديث عمارة ما سيأتي في الطريقين بعده.
الطريق الثاني: عن أبي جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة بن ثابت أن أباه قال: رأيت في المنام أني أسجد على جبهة رسول الله ﷺ فأخبرت بذلك رسول الله ﷺ فقال: «إن الروح لتلقى الروح» وأقنع النبي ﷺ رأسه هكذا فوضع جبهته على جبهة النبي ﷺ ، رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والطبراني في "الكبير" مختصرًا. قال الهيثمي: رواه أحمد بأسانيد أحدها هذا وهو متصل ورواه الطبراني وقال: فقال له النبي ﷺ : «اجلس واسجد واصنع كما رأيت» ورجالهما ثقات.
стр. 71
الطريق الثالث: عن الزهري عن ابن خزيمة بن ثابت الأنصاري صاحب الشهادتين عن عمه أن خزيمة بن ثابت الأنصاري رأى في المنام أنه سجد على جبهة رسول الله ﷺ فأخبر النبي ﷺ بذلك فاضطجع له رسول الله ﷺ وقال: «صدق بذلك رؤياك» فسجد على جبهة رسول الله ﷺ ، رواه الإمام أحمد عن عثمان بن عمر بن فارس عن يونس عن الزهري عن ابن خزيمة بن ثابت عن عمه. ورجال هذا الإسناد كلهم ثقات، وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه.
ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم – وهو ابن صبيح أبو الضحى – قال: أتى رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله رأيت رجلاً يخرج من الأرض وعلى رأسه رجل في يده مرزبة من حديد كلما أخرج رأسه ضرب رأسه فيدخل في الأرض ثم يخرج من مكان آخر فيأتيه فيضرب رأسه، قال: «ذاك أبو جهل بن هشام لا يزال يصنع به ذلك إلى يوم القيامة» رجاله رجال الصحيح وهو مرسل وقد أورده ابن أبي شيبة فيما أخبر به النبي ﷺ من الرؤيا.
ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قتلت جانًا فأتيت فيما يرى النائم فقيل لها: أَمَ والله لقد قتلت مسلمًا، قالت: فلم يدخل على أزواج النبي ﷺ ؟ فقيل لها: ما يدخل عليك إلا وعليك ثيابك، فأصبحت فزعة وأمرت باثني عشر ألفًا في سبيل الله.
ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا عثمان بن عفان ﵁ أنه سيقتل. وقد جاء ذلك في عدة أحاديث. منها ما رواه ابن أبي شيبة وابن سعد في "الطبقات" عن أم هلال بنت وكيع عن امرأة عثمان قالت: أغفى عثمان فلما استيقظ قال: إن القوم يقتلونني، قلت: كلا يا أمير المؤمنين، قال: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر قال: قالوا: «أفطر عندنا الليلة»، أو قالوا: «إنك تفطر عندنا الليلة».
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة والحاكم عن نافع عن ابن عمر رضي الله
стр. 72
عنهما أن عثمان ﵁ أصبح يحدث الناس قال: رأيت رسول الله ﷺ الليلة في المنام فقال: «يا عثمان أفطر عندنا» فأصبح صائمًا وقُتل من يومه، صححه الحاكم والذهبي. وقد رواه ابن سعد في "الطبقات" عن نافع قال: أصبح عثمان بن عفان يوم قتل يقصّ رؤيا على أصحابه رآها فقال: رأيت رسول الله ﷺ البارحة فقال لي: «يا عثمان أفطر عندنا»، قال: فأصبح صائمًا وقُتل في ذلك اليوم، وقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" مختصرًا.
ومنها ما رواه أبو يعلى الموصلي وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان أن عثمان بن عفان ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر وإنهم قالوا لي: «اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة» ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقُتل وهو بين يديه. قال الهيثمي: رجالهما ثقات. وصحح الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد إسناد هذا الحديث.
ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا النبي ﷺ وابن عباس وأم سلمة ﵃ في قتل الحسين بن علي ﵄، فأما رؤيا النبي ﷺ لذلك فهي في حديث رواه الحاكم عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ اضطجع ذات ليلة للنوم فاستيقظ وهو حائر ثم اضطجع فرقد ثم استيقظ وفي يده تربة حمراء يقبلها فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟ قال: «أخبرني جبريل أن هذا يُقتل بأرض العراق» للحسين «فقلت لجبريل: أرني تربة الأرض التي يقتل بها فهذه تربتها». قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد رواه الطبراني في "الكبير" مختصرًا ولفظه: أن رسول الله ﷺ اضطجع ذات يوم فاستيقظ وهو خاثر النفس وفي يده تربة حمراء يقلبها فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟ فقال: «أخبرني جبريل ﵇ أن هذا يُقتل بأرض العراق» للحسين «فقلت لجبريل: أرني تربة الأرض التي يُقتل بها فهذه تربتها». قال ابن الأثير: خاثر النفس أي ثقيل النفس غير طيب ولا نشيط. انتهى.
стр. 73
وأما رؤيا ابن عباس ﵄ فقد رواها الإمام أحمد والطبراني في "الكبير" والحاكم من طريق عمار بن أبي عمار عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام بنصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه، أو يتتبع فيها شيئًا، قال: قلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال: «دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبعه منذ اليوم». قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قتل ذلك اليوم، هذا لفظ أحمد في إحدى الروايتين وإسناده في كل منهما صحيح على شرط مسلم. وقد رواه البيهقي في «دلائل النبوة» بنحوه, وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تخليصه.
وأما رؤيا أم سلمة ﵂ فقد رواها الترمذي والحاكم من طريق رزين -وهو الجهني- قال: حدثتني سلمى -وهي البكرية- قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ﷺ ، تعني في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: «شهدت قتل الحسين آنفًا». قال الترمذي: هذا حديث غريب. وفي رواية الحاكم قالت: رأيت رسول الله ﷺ في المنام يبكي وعلى رأسه ولحيته التراب، الحديث. وقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق الحاكم.
وقد انتقم الله ﵎ من قتلة الحسين ﵁ على يد المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب فتتبعهم وقتلهم، وقد رأى الشعبي في ذلك رؤيا رواها الطبراني في "الكبير" عن مجالد عن الشعبي قال: رأيت في النوم كأن رجالاً نزلوا من السماء معهم حراب يتتبعون قتلة الحسين ﵁، فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم. قال الهيثمي: إسناده حسن.
ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ أن رسول الله ﷺ سيتزوجها، وقد جاء ذلك في قصة طويلة ذكرها الحاكم في المستدرك في «ذكر أم حبيبة بنت أبي سفيان» من كتاب «معرفة الصحابة» ففيه أن أم حبيبة ﵂ قالت: أرى في النوم كأن آتيًا يقول لي يا أم المؤمنين ففزعب وأوّلتها أن رسول الله ﷺ يتزوجني، قالت: فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له
стр. 74
يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول الله ﷺ كتب إليّ أن أزوَّجك، فقلت: بشرك الله بخير، وقالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك، وذكرت القصة. ورواه ابن سعد في "الطبقات" بنحوه.
ومن الرؤيا الظاهر رؤيا المرأة التي حلفت أن الله لا يعذبها وقد ذكرها الحاكم في المستدرك بإسناده عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: اجتمع نساء من نساء المؤمنين عند عائشة أم المؤمنين ﵂ فقالت امرأة منهن: والله لا يعذبني الله أبدًا إنما بايعت رسول الله ﷺ على أن لا أشرك بالله شيئًا ولا أسرق ولا أزني ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتان أفتريه بين يدي ورجلي ولا أعصيه في معروف وقد وفيت. قال: فرجعت إلى بيتها فأتيت في منامها فقيل لها: أنت المتألية على الله تعالى أن لا يعذبك فكيف بقولك فيما لا يعنيك ومنعك ما لا يغنيك، قال: فرجعت إلى عائشة ﵂ فقالت لها: إني أُتيت في منامي فقيل لي كذا وكذا وإني أستغفر الله وأتوب إليه، ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" مختصرًا.
ومن الرؤيا الظاهرة قصة ثابت بن قيس بن شماس ﵁ بعد موته وقد روى قصته الطبراني في "الكبير" عن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فسألت فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس فأرشدوني إلى ابنته فسألتها -فذكر الحديث عنها وفيه- فلما استنفر أبو بكر ﵁ المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسلمة الكذاب سار ثابت بن قيس فيمن سار فلما لقوا مسيلمة وبني حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قُتِلا، قالت: وأُري رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال: إني لما قتلت بالأمس مَرَّ بي رجل من المسلمين فانتزع مني درعًا نفيسة ومنزله في أقصى العسكر وعند منزله فرس يستنّ في طِوَله وقد أكفأ على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رَحْلاً وائت خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها فإذا قدمت على خليفة رسول الله ﷺ فأعلمه أن علي من الدين كذا، ولي من المال كذا، وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول هذا حُلْم.
стр. 75
فتضيعه، قال: فأتى خالد بن الوليد فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، وقدم على أبي بكر ﵁ فأخبره فأنفذ أبو بكر ﵁ وصيته بعد موته، فلا نعلم أن أحدًا جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس ﵁. قال الهيثمي: وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها وبقية رجاله رجال الصحيح والظاهر أن بنت ثابت بن قيس صحابية فإنها قالت سمعت أبي والله أعلم.
وروى الطبراني أيضًا من طريق ثابت عن أنس ﵁ أن ثابت بن قيس ﵁ جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء وأعتذر مما صنع هؤلاء فقتل وكانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: إن درعي في قدر تحت الكانون في مكان كذا وكذا وأوصاه بوصايا فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
ومن الرؤيا الظاهرة ما أُمِر به عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ من حفر زمزم بعدما اندرس موضعها وعفى أثرها. قال ابن إسحاق: حدثني يزيد ابن أبي حبيب المصري عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الله بن زرير الغافقي أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها، قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آتٍ فقال: احفر طيبة، قال: قلت وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر برّة (١)، قال: فقلت: وما برّة، قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة، قال: فقلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر زمزم، قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل.