ـ[كتاب الرؤيا]ـ
المؤلف: حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري (المتوفى: ١٤١٣هـ)
الناشر: دار اللواء
الطبعة: الأولى، ١٤١٢هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن نزغات الشيطان وتضليله، ومن تحزينه في النوم وتهويله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي جعل البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لأوليائه المؤمنين المتقين فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين، أرسله الله رحمة للعالمين، فبلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة ودلهَّم على كل خير، وحذَّرهم من كل شر، وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وكان مما أخبرهم به أنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فقد جاء في الرؤيا أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، بعضها في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وبعضها في بيان أنواع الرؤيا وما ينبغي أن يفعله
стр. 3
من رأى شيئًا منها، وبعضها في الآداب التي تتعلق بتأويل الرؤيا، وبعضها في ذكر الرؤيا الظاهرة التي لا تحتاج إلى تأويل، وبعضها في تأويل الرؤيا التي تحتاج إلى التأويل، وسأذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى، وأذكر ما جاء عن بعض الصحابة والتابعين في تأويل الرؤيا وما جاء عمن بعدهم ممن اشتهر بتأويل الرؤيا.
والذي دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو ما رأيته من تهاون الأكثرين بشأن الرؤيا سواء كانت صالحة أو غير صالحة، وما رأيته أيضًا من جهلهم بالآداب التي تتعلق بالرؤيا وتأويلها وما ينبغي ذكره من الرؤيا وما لا ينبغي ذكره، وقد رأيت كثيرًا من الناس يسارعون إلى السؤال عما يرونه في المنام من الرؤيا المكروهة وذلك لعدم علمهم بأنه لا يجوز ذكرها ولا السّؤال عنها لأنها من تهويل الشيطان وتحزينه وربما حملهم حب الاطلاع على ذكرها لبعض المتخرصين الذين لا علم لهم بآداب الرؤيا وتأويلها فيعبَّرونها لهم من الوجه المكروه فيحصل لهم الغم والحزن من تعبيرهم. وربما وقع بهم المكروه من الرؤيا لما سيأتي في حديث أبي رزين العقيلي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت». فليحذر العاقل من ذكر الرؤيا لكل أحد، وليحذر أيضًا أن يقص رؤياه على غير ذي رأي عالم بالتأويل. والأولى بالعاقل أن يكتم ما يراه في منامه من المكروه ولا يذكره لأحد من الناس ولو كان أقرب قريب إليه. وأما ما يراه من الحسن الذي يعجبه فإنه يذكره لمن يحبه كما سيأتي بيان ذلك في بعض الأحاديث الصحيحة. والله المسئول المرجو الإجابة أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم إنه خير مأمول وأكرم مسئول.
فصل
في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة
وقد جاء في تعظيمها أحاديث كثيرة تزيد على الثلاثين:
الأول منها عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ -
стр. 4
يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» رواه البخاري. وقد رواه مالك في الموطأ مختصرًا ولفظه: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» ورواه أحمد وأبو داود وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه" كلهم من طريق مالك وصححه الحاكم والذهبي.
الحديث الثاني: روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: «لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات» فقالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له» «جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» وهذا مرسل صحيح الإسناد، ويشهد له حديث أبي هريرة المذكور قبله وما سيأتي بعده من الأحاديث الصحيحة.
الحديث الثالث: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أيها الناس إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" والبيهقي في "سننه".
الحديث الرابع: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي»، قال: فشق ذلك على الناس فقال: «ولكن المبشرات»، قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة» رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم؛ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وحذيفة بن أسيد وابن عباس وأم كرز وأبي أسيد.
الحديث الخامس: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات»، قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له» رواه الإمام أحمد
стр. 5
وابنه عبد الله بإسناد على شرط مسلم، وقد رواه البزار وقال فيه: قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له».
الحديث السادس: عن أبي الطفيل – عامر بن واثلة – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نبوة بعدي إلا المبشرات»، قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة»، أو قال: «الرؤيا الصالحة» رواه الإمام أحمد والطبراني. قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
الحديث السابع: عن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ذهبت النبوة فلا نبوة بعدي إلا المبشرات»، قيل: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له» رواه الطبراني والبزار. قال الهيثمي: ورجال الطبراني ثقات.
الحديث الثامن: عن أم كرز الكعبية ﵂ أن النبي ﷺ قال: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» رواه الدارمي وابن ماجه وابن جرير وابن حبان في "صحيحه".
الحديث التاسع: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﵎: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» رواه الإمام أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجه وابن جرير والحاكم. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي رواية لأحمد وابن جرير عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله ﵎: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾، فقال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي أو أحد قبلك»، قال: «تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له».
стр. 6
الحديث العاشر: عن أبي الدرداء ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾، فقال النبي ﷺ : «الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له» رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وابن جرير والحاكم، وهذا لفظ ابن جرير في إحدى الروايات عنده ولأحمد نحوه في إحدى الروايات عنده. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. زاد أحمد وابن جرير في إحدى الروايات عندهما أن رسول الله ﷺ قال: «وبشراه في الآخرة الجنة» وقد جاءت هذه الزيادة في رواية ابن أبي شيبة مختصرة.
الحديث الحادي عشر: عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة فمن رأى ذلك فليخبر بها ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر بها أحدًا» رواه الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة عن دراج ابن أبي السمح. قال الهيثمي: وحديثهما حسن وفيهما ضعف وبقية رجاله ثقات. وقد رواه ابن جرير بنحوه مختصرًا ولفظه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ «الرؤيا الصالحة يبشر بها العبد جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة» وفي رواية قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ «الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
الحديث الثاني عشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو تُرى له» رواه ابن جرير وإسناده صحيح. وفي رواية له عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ «الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو تُرى له وهي في الآخرة الجنة». وفي رواية له قال أبو هريرة ﵁: «الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي المبشرات».
الحديث الثالث عشر: عن هشام – وهو ابن حسان – عن محمد – وهو ابن سيرين – عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا ورؤيا
стр. 7
المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»، قال: وقال: «الرؤيا ثلاث فالرؤيا الصالحة بشرى من الله والرؤيا تحزين من الشيطان والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل»، قال: «وأحب القيد في النوم وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين» رواه الإمام أحمد عن يزيد – وهو ابن هارون – عن هشام وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه إلا أنه قد جاء في رواية مسلم: «ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة» وليست هذه الجملة في رواية أبي داود. وجاء في رواية مسلم بعد قوله قال: «وأحب القيد وأكره الغُلّ والقيد ثبات في الدين» فلا أدري هو في الحديث أم قاله ابن سيرين، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الترمذي أيضًا من طريق قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا ثلاث فرؤيا حق ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان فمن رأى ما يكره فليقم فليصلَّ»، وكان يقول: «يعجبني القيد وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين»، وكان يقول: «من رآني فإني أنا هو فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي»، وكان يقول: «لا تقصّ الرؤيا إلا على عالم أو ناصح». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: ويستفاد منه أن ذكر القيد والغُلّ مرفوع إلى النبي ﷺ .
ورواه ابن ماجه من طريق الأوزاعي عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» هكذا رواه مختصرًا وإسناده صحيح.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، والرؤيا ثلاث، الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزين من الشيطان
стр. 8
فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فلا يحدث بها أحدًا وليقم فليصل». قال أبو هريرة: يعجبني القيد وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين، وقال النبي ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» وقد رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق عبد الرزاق. وساق مسلم إسناده من طريق عبد الرزاق وذكر منه قول أبي هريرة: «يعجبني القيد وأكره الغُلّ والقيد ثبات في الدين»، وقال النبي ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة». وأما أول الحديث فقد اكتفى عن ذكره بما ذكره قبله من رواية عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁.
وقد رواه البخاري في «باب القيد في المنام» من طريق عوف -وهو الأعرابي- قال: حدثنا محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة وما كان من النبوة فإنه لا يكذب». قال محمد: وأنا أقول هذه. قال: وكان يقال الرؤيا ثلاث: حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله؛ فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصلَّ، قال: وكان يُكره الغُلّ في النوم، وكان يعجبهم القيد، ويقال القيد ثبات في الدين. وروى قتادة ويونس وهشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وأدرجه بعضهم كله في الحديث. وحديث عوف أبين. وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي ﷺ في القيد.
قلت: قد جاء ذكر الغُلّ والقيد مرفوعًا وموقوفًا في أحاديث صحيحة، فأما الرفع فإنه ظاهر من رواية هشام بن حسان عن ابن سيرين، وصريح في رواية قتادة عن ابن سيرين، وصريح أيضًا فيما رواه الدارمي عن محمد بن عبد الله الرقاشي عن يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «أكره الغُلّ وأحب القيد، القيد ثبات في الدين» إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأما الوقف فإنه صريح في رواية أيوب عن ابن سيرين، وصريح أيضًا فيما رواه ابن أبي شيبة عن أبي أسامة عن هشام – وهو ابن حسان – عن محمد – وهو ابن
стр. 9
سيرين – عن أبي هريرة ﵁ قال: «أحب القيد في المنام وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين» إسناده صحيح على شرط الشيخين. وعلى هذا فإنه يحتمل أن أبا هريرة ﵁ كان يحدث به تارة مرفوعًا وتارة يحدث به ولا يرفعه، وكذلك كان يفعل ابن سيرين يحدث به تارة مرفوعًا وتارة موقوفًا. وأما الرواة عن ابن سيرين فإن كلا منهم يحدث بما سمعه منه من الرفع أو الوقف، وبهذا يحصل الجمع بين الروايتين والله أعلم.
الحديث الرابع عشر: عن عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن الرؤيا ثلاث، منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي عبيد الله مسلم بن مِشْكَم عن عوف بن مالك. وزاد ابن ماجه قال: قلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، أنا سمعته من رسول الله ﷺ ، أنا سمعته من رسول الله ﷺ . وقد ذكر ابن حبان هذه الزيادة إلا أنه لم يكرر قوله، أنا سمعته من رسول الله ﷺ .
الحديث الخامس عشر: عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا قتادة بن ربعي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة من الله والحُلْم من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوَّذ بالله من شرها فإنها لن تضره إن شاء الله». قال أبو سلمة: «إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل عليّ من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها». رواه مالك والبخاري ومسلم وهذا لفظ مالك. ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه مختصرًا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وزاد مسلم في رواية له: «وليتحول عن جنبه الذي كان عليه». وفي رواية ابن ماجه قال: «الرؤيا من الله والحُلْم من الشيطان فإن رأى أحدكم شيئًا يكرهه فليبصق عن يساره ثلاثًا وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» إسناده صحيح وهو أحد الأسانيد عند مسلم.
стр. 10
ورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا من طريق الزهري عن أبي سلمة قال: كنت أرى الرؤيا أُعْرَى منها (١) غير أني لا أزمّل (٢) حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا من الله والحُلْم من الشيطان فإذا حَلَم أحدُكم حُلْمًا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليتعوَّذ بالله من شرها فإنها لن تضره» هذا لفظ مسلم. وفي رواية أحمد قال: «فمن رأى رؤيا يكرهها فلا يخبر بها وليتفل عن يساره ثلاثًا وليستعذ بالله من شرها فإنها لا تضره». قال سفيان مرة أخرى: «فإنه لن يرى شيئًا يكرهه»؛ سفيان هو ابن عيينة رواه عن الزهري ورواه عنه أحمد. ورواية البخاري مختصرة.
ورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا من طريق عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني قال: فلقيت أبا قتادة فقال: وأنا فكنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثًا وليتعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم وشرها ولا يحدث بها أحدًا فإنها لا تضره» ورواه الدارمي بنحوه وزاد: «فإذا رأى أحدكم ما يحب فليحمد الله».
وفي رواية لمسلم قال: «الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان لا تضره ولا يخبر بها أحدًا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب».
стр. 11
ورواه الإمام أحمد والبخاري أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها فإنها بشرى من الله ومن رأى رؤيا يكرهها فلا يحدث بها وليتفل عن يساره ويتعوذ بالله من شرها» هذا لفظ أحمد، ولفظ البخاري قال: «الرؤيا الصالحة من الله والحُلْم من الشيطان فإذا حلم أحدكم فليعوذ منه وليبصق عن شماله فإنها لا تضره» ورواه البخاري أيضًا من طريق عبيد الله بن جعفر عن أبي سلمة عن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة من الله والحُلْم من الشيطان فمن رأى شيئًا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثًا وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره».
ورواه الإمام أحمد والبخاري أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الرؤيا الصالحة من الله والحُلْم من الشيطان فإذا حَلَم أحدكم حُلْمًا يخافه فليبصق عن شماله ثلاث مرات وليتعوذ بالله من الشيطان فإنه لا يضره» هذا لفظ أحمد. وعند البخاري قال: «فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره» ورواه الدارمي بنحو رواية أحمد.
الحديث السادس عشر: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» رواه الإمام أحمد والبخاري.
الحديث السابع عشر: عن جابر بن عبد الله ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» رواه ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن ماجه وابن حبان.
الحديث الثامن عشر: عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة فمن رأى خيرًا فليحمد الله
стр. 12
عليه وليذكره ومن رأى غير ذلك فليستعذ بالله من شر رؤياه ولا يذكرها فإنها لا تضره» رواه الإمام أحمد والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير سليمان بن داود الهاشمي وهو ثقة. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على المسند: إسناده صحيح.
الحديث التاسع عشر: عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فلينفث عن يساره ثلاثًا وليستعذ مما رأى» رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
الحديث العشرون: عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أرى الرؤيا تمرضني، فقال رسول الله ﷺ : «الرؤيا الحسنة من الله والسيئة من الشيطان فإذا رأى أحدكم ذلك فلينفث عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره» رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: وفيه كثير بن سليم وهو ضعيف وقد وثقه ابن حبان وذكره في الضعفاء.
قلت: يشهد لحديثه كثير من الأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها.
الحديث الحادي والعشرون: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا الصالحة بشرى وهي جزء من سبعين جزءًا من النبوة» رواه البزار والطبراني في "الكبير والصغير". قال الهيثمي: ورجال الصغير رجال الصحيح.
الحديث الثاني والعشرون: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه.
الحديث الثالث والعشرون: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» رواه الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
الحديث الرابع والعشرون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال
стр. 13
رسول الله ﷺ : «رؤيا العبد المؤمن الصادقة الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: وفيه كليب بن شهاب وهو ثقة وفيه كلام لا يضر. وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" مختصرًا ولفظه: «الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة».
الحديث الخامس والعشرون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «رؤيا الرجل المسلم الصالح جزء من سبعين جزءًا من النبوة» رواه ابن أبي شيبة وابن ماجه.
الحديث السادس والعشرون: عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه مالك وأحمد والبخاري وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه".
الحديث السابع والعشرون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه البخاري.
الحديث الثامن والعشرون: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه. وفي رواية لأحمد ومسلم: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»، ورواه مسلم ولفظه: «رؤيا المسلم يراها أو تُرى له». وفي حديث ابن مسهر: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة». وساق مالك في "الموطأ" إسناده إلى أبي هريرة وأحال بلفظه على حديث أنس الذي تقدم ذكره.
الحديث التاسع والعشرون: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه
стр. 14
الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والدارمي. وقال الترمذي: حديث صحيح.
الحديث الثلاثون: عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه البخاري.
الحديث الحادي والثلاثون: عن أبي رزين – واسمه لقيط بن عامر العقيلي – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم والذهبي. وفي رواية لأحمد والترمذي وابن حبان: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا من النبوة». وفي رواية لأحمد: «الرؤيا الصالحة جزء من أربعين جزءًا من النبوة». وفي رواية لابن حبان: «الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة».
الحديث الثاني والثلاثون: عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه البزار.
الحديث الثالث والثلاثون: عن جابر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «رؤيا الرجل المؤمن جزء من النبوة» رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف.
فصل
في ذكر الآثار عن الصحابة والتابعين
في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة
وقد جاءت عنهم في ذلك آثار كثيرة. منها ما رواه ابن جرير عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات»، قيل: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له».
стр. 15
ومنها ما رواه ابن جرير أيضًا عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] قال: «هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو تُرى له». وفي رواية قال: «هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه» ورواه ابن أبي شيبة بنحو هذه الرواية.
ومنها ما رواه ابن جرير أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: «الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي المبشرات» ورواه ابن أبي شيبة ولفظه قال: «الرؤيا من المبشرات وهي جزء من سبعين جزءًا من النبوة».
ومنها ما رواه ابن جرير أيضًا عن نافع بن جبير عن رجل من أصحاب النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «هي الرؤيا الحسنة يراها الإنسان أو ترى له».
ومنها ما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «الرؤيا الصالحة الصادقة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» هذا لفظ ابن أبي شيبة، ولفظ عبد الرزاق: «رؤيا المؤمن جزء من سبعين جزءًا من النبوة».
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن أنس ﵁ أنه قال: «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
ومنها ما رواه مالك في "الموطأ" عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له» ورواه ابن أبي شيبة وابن جرير بنحوه.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن مجاهد: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» ورواه ابن جرير بنحوه.
стр. 16
ومنها ما رواه ابن جرير عن عطاء في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «هي رؤيا الرجل المسلم يبشر بها في حياته».
ومنها ما رواه ابن جرير أيضًا عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: «الرؤيا من المبشرات».
ومنها ما رواه ابن جرير أيضًا عن يحيى بن أبي كثير في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له». وهذه الآثار لها حكم الرفع وقد تقدمت بألفاظها في الأحاديث المرفوعة.
فصل
في ذكر فوائد الأحاديث التي تقدم ذكرها
وقد اشتملت الأحاديث التي تقدم ذكرها على فوائد كثيرة وأمور مهمة من آداب الرؤيا وما يتعلق بها من الأحكام.
الأولى: تعظيم شأن الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، وبيان أنها من المبشرات التي يبشر بها المؤمن في حياته كما أخبر الله بذلك في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾. قال ابن العربي المالكي: معنى صلاحها استقامتها وانتظامها. انتهى.
الثانية: أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، وقد اختلفت الروايات في تحديد هذا الجزء كما تقدم، وكثرت أقوال العلماء في توجيه الروايات بما لا طائل تحته ولا فائدة في ذكره. وقد قال ابن العربي المالكي في "عارضة الأحوذي": القدر الذي أراده النبي ﷺ أن يبيّن أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا لأنه اطلاع على الغيب، وذلك قوله: «لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات» وتفصيل النسبة تختص به درجة النبوة. وقال أيضًا وأنا موعز إليكم أن لا تتعرضوا لأعداد الشريعة فإنها ممتنعة عن إدراكها في متعلقاتها. انتهى.
وقال الخطابي في الكلام على قوله ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من ستة
стр. 17
وأربعين جزءًا من النبوة» معنى هذا الكلام تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده. ونقل العيني في "عمدة القاري" عن الزجاج أنه قال تأويل قوله: «جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أن الأنبياء ﵈ يخبرون بما سيكون والرؤيا تدل على ما يكون. انتهى. وذكر الخطابي عن بعض العلماء أنه قال: معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة. وقال آخر: معناه أنها جزء من أجزاء علم النبوة باقٍ، والنبوة غير باقية بعد رسول الله ﷺ وهو معنى قوله ﷺ : «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له». انتهى.
الثالثة: أن الرؤيا من الله والحُلْم من الشيطان. قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث": الرؤيا والحُلْم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحُلْم على ما يراه من الشر والقبيح. ومنه "أضغاث أحلام" ويستعمل كل منهما موضع الآخر، وتضم لام الحُلم وتسكن. ومنه الحديث: «من تَحلَّم كلّف أن يعقد بين شعيرتين» أي قال: إنه رأى في النوم ما لم يره. يُقال: حَلَم بالفتح إذا رأى، وتَحَلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا. انتهى.
وقال الجوهري: الحُلْم بالضم ما يراه النائم تقول منه حَلَم بالفتح واحتلم، والحِلْم بالكسر الأناة تقول منه حَلُم الرجل بالضم وتَحَلَّم تكلف الحِلْم، وتحالم أرى من نفسه ذلك وليس به. انتهى. وقال النووي: أما الحُلْم فبضم الحاء وإسكان اللام، والفعل منه حَلَم بفتح اللام. انتهى.
الرابعة: أنه إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب. وقد ذكر الخطابي وغيره من العلماء في معنى اقتراب الزمان قولين، أحدهما: أنه قرب زمان الساعة ودنو وقتها. والثاني: أن معنى اقترب الزمان اعتداله واستواء الليل والنهار. قال الخطابي والمعبرون: يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان في أيام الربيع ووقت اعتدال الليل والنهار.
قلت: والقول الأول هو الصحيح وقد جاء النص على ذلك في رواية أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن
стр. 18
النبي ﷺ أنه قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب» وهو حديث صحيح وقد تقدم ذكره في الحديث الثالث عشر. وأما القول الثاني فباطل مردود لأنه لا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ ، وقد قال ابن العربي المالكي في "عارضة الأحوذي" قوله: "اقترب الزمان" هو افتعل من القرب، واختلف في معناه فقيل: أراد به اقترب من الاعتدال، والثاني إذا اقترب من الانتهاء بإقبال الساعة. فأما الأول فلا يصح من وجهين. أحدهما: أن اعتدال الليل والنهار ليس له في ذلك أثر ولا يتعلق به معنى إلا ما قالته الفلاسفة من أن اعتدال الزمان تعتدل به الأخلاط. وهذا مبني على تعليقها بالطبائع وهو باطل. الثاني: أنه يعارضه أن الزمان يعتدل إذا شارفت الشمس الميزان وهو معارض لصناعتهم لأن في ذلك الزمان وإن كان في مقابلة مشارفة الحمل تسقط الأوراق ويسقط الماء عن الثمار عكس المقارن الأول. والرؤيا عندهم فيه قاصرة وقد اغتّر بعض الناس بهذا التأويل فقال به، والأصح أنه اقتراب يوم القيامة فإنها الحاقة التي تحق فيها الحقائق فكلما قرب منها فهو أخص بها. انتهى.
ونقل ابن حجر في "فتح الباري" عن ابن أبي جمرة أنه قال: معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزمان لا تكاد تكذب أنها تقع غالبًا على الوجه الذي لا يحتاج إلى تعبير فلا يدخلها الكذب. قال: والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا فيقل أنيس المؤمن ومُعينه في ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصادقة. انتهى.
الخامسة: أن أصدق المؤمنين حديثًا أصدقهم رؤيا. قال النووي: ظاهره أنه على إطلاقه لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته إياها. وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي قوله: «أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» وذلك لأن الأمثال إنما تضرب له على مقتضى أحواله من تخليط وتحقيق وكذب وصدق وهزل وجدّ ومعصية وطاعة. قال ابن سيرين: ما احتلمت في حرام قط، فقال بعضهم: ليت عقل ابن سيرين في المنام يكون لي في اليقظة. انتهى. ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن المهلب أنه قال: الناس على ثلاث درجات، الأنبياء ورؤياهم كلها صدق وقد
стр. 19
يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث وهم على ثلاثة أقسام. مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدًا، ويشير إلى ذلك قوله ﷺ : «وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحبي السجن مع يوسف ﵇ ورؤيا ملكهما وغير ذلك. انتهى.
وقال القرطبي: المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء وهو الاطلاع على الغيب، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤياهم أحيانًا فذلك كما قد يصدق الكذوب، وليس كل من حدًّث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة كالكاهن والمنجم. انتهى. وقال ابن حجر: إن الرؤيا الصحيحة وإن اختصت غالبًا بأهل الصلاح فقد تقع لغيرهم. انتهى.
السادسة: تقسيم الرؤيا إلى ثلاث. الأولى: رؤيا حق وهي الرؤيا الصالحة التي هي بشرى من الله لمن رآها أو رؤيت له. الثانية: رؤيا مما يحدث به الرجل نفسه. الثالثة: رؤيا أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم. قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي: أما تقسيم الرؤيا على ثلاثة أقسام فهي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع، وقد بيّنا في كل كتاب ونادينا على كل باب وصرخنا على الوهاد والأنقاب بأنه لا تأثير للأخلاط ولا فعل، وإنما الصحيح ما قاله النبي ﷺ وهي الرؤيا البشرى إما بمحبوب وإما بمكروه وإما تحزين من الشيطان يضرب به الأمثال المكروهة الكاذبة ليحزنه، وإما خطرات الوساوس وحديث النفوس فتجري على غير قصد ولا عقد في المنام جريانها في اليقظة. انتهى.
السابعة: الإخبار عن الرؤيا التي تعجب من رآها بأنها بشرى من الله.
الثامنة: أنه ينبغي للمؤمن أن يستبشر بالرؤيا الحسنة لقوله في بعض
стр. 20
الروايات عن أبي قتادة ﵁: «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر». قال الإمام أحمد: الرؤيا تسرّ المؤمن ولا تغرّه.
التاسعة: الأمر لمن رأى رؤيا يحبها أن يحمد الله عليها ويحدث بها.
العاشرة: نهي من رأى رؤيا حسنة أن يخبر بها إلا من يحب. وهذا مما يتساهل فيه كثير من المنسوبين إلى العلم فضلاً عن العامة فتجد كثيرًا منهم يخبر بالرؤيا الحسنة من يحب ومن لا يحب.
الحادية عشرة: نهي من رأى رؤيا يكرهها أن يحدث بها أحدًا. وهذا أيضًا مما يتساهل فيه كثير من الناس.
الثانية عشرة: الأمر لمن رأى رؤيا يكرهها أن يبصق عن يساره ثلاثًا إذا استيقظ وأن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه.
الثالثة عشرة: أمره أيضًا أن يستعيذ من شر رؤياه.
الرابعة عشرة: الإخبار بأن من فعل ما أمر به إذا رأى الرؤيا المكروهة واجتنب ما نهي عنه من التحديث بها فإنها لا تضره. وقد قال ابن سيرين: اتق الله في اليقظة ولا تبال ما رأيت في النوم.
الخامسة عشرة: أمر من رأى رؤيا يكرهها أن يقوم فيصلي. قال ابن العربي المالكي: لأن التحرم بها عصمة من الأسواء ونهي عن المنكر والفحشاء. انتهى.
السادسة عشرة: أن رؤية القيد في المنام حسن محمود وقد تقدم النص على أن القيد ثبات في الدين. قال أبو بكر ابن العربي المالكي: إنما جعل القيد ثباتًا في الدين لأن المقيد لا يستطيع المشي وقد ضربه النبي ﷺ مثلاً للإيمان الذي يمنع عن المشي إلى الباطل فجعله ثباتًا في الدين كذلك. انتهى.
السابعة عشرة: أن رؤية الغُلّ في المنام مكروه لأنه من صفات أهل النار. والغُلُّ بضم المعجمة وتشديد اللام واحد الأغلال. قال الفيومي في
стр. 21
"المصباح المنير": الغُلُّ بالضم طوق من حديث يجعل في العنق والجمع أغلال مثل قفل وأقفال. وقال ابن منظور في "لسان العرب": الغُلُّ جامعة توضع في العنق أو اليد، والجمع أغلال، ويقال: في رقبته غُلُّ من حديد. وقوله تعالى وتقدس: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا أغلالاً﴾ [يس: ٨] هي الجوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم، وقولهم في المرأة السيئة الخلق: «غُلُّ قَمِلٌ» أصله أن العرب كانوا إذا أسروا أسيرًا غلوه بغل من قِدًّ وعليه شعر فربما قمل في عنقه إذا قَبَّ ويبس فتجتمع عليه محنتان الغُلُّ والقمل. ضربه مثلاً للمرأة السيئة الخلق الكثيرة المهر لا يجد بعلها منها مخلصًا، والعرب تكني عن المرأة بالغُلّ. وفي الحديث: «وإن من النساء غُلاُّ قَمِلاً يقذفه الله في عنق من يشاء ثم لا يخرجه إلا هو». انتهى.
قال المهلب: الغُلّ يعبّر بالمكروه لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى: ﴿إذ الأغلال في أعناقهم﴾ [غافر: ٧١] الآية. وقد يدل على الكفر وقد يعبّر بامرأة تؤذي. انتهى.
وقال ابن العربي المالكي قوله: «وأحب القيد وأكره الغُلّ» أما حبه القيد فلذكر النبي ﷺ له في قسم المحمود فقال: «قَيَّد الإيمان الفتك» وأما الغُلّ فذكره شرعًا في المذموم كقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠]، ﴿إذ الأغلال في أعناقهم﴾ [الإسراء: ٢٩]، ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] و ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]. انتهى.
وقال النووي: قال العلماء: إنما أحب القيد لأنه في الرجلين وهو كفّ عن المعاصي والشرور وأنواع الباطل. وأما الغُلّ فموضعه العنق وهو صفة أهل النار. وأما أهل التعبير فقالوا: إن القيد ثبات في الأمر الذي يراه الرائي بحسب من يرى له ذلك. وقالوا: إذا انضم الغل إلى القيد دل على زيادة
стр. 22
المكروه، وإذا جعل الغل في اليدين حُمِد لأنه كفّ لهما عن الشر. وقد يدل على البخل بحسب الحال، وقالوا أيضًا: إن رأى أن يديه مغلولتان فهو بخيل. وإن رأى أنه قيّد وغلّ فإنه يقع في سجن وشدة. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعد ذكره لكلام النووي، قلت: وقد يكون الغُلّ في بعض المرائي محمودًا كما وقع لأبي بكر الصديق ﵁، فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح عن مسروق قال: «مر صهيب بأبي بكر فأعرض عنه فسأله فقال: رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من الأنصار، فقال أبو بكر: جمع لي ديني إلى يوم الحشر».
الثامنة عشرة: الأمر بأن لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح.
وسيأتي ذكر الأحاديث الواردة في هذا وكلام العلماء فيما يتعلق بهذه الفائدة في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.
فصل
في النهي عن الإخبار بما يراه في نومه من المكروه وتلعّب الشيطان به
فأما النهي عن الإخبار بالرؤيا المكروهة فقد تقدم في خمسة أحاديث عن النبي ﷺ . أولها: الحديث الحادي عشر عن عبد الله بن عمرو ﵄. وثانيها: الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁ وقد جاء ذلك فيه من عدة طرق. وثالثها: الحديث الخامس عشر عن أبي قتادة ﵁ وقد جاء ذلك فيه من عدة طرق. ورابعها: الحديث السادس عشر عن أبي سعيد الخدري ﵁. وخامسها: الحديث الثامن عشر عن ابن عمر ﵄.
وأما النهي عن إخبار الرجل بتلعب الشيطان به في النوم فقد جاء فيه حديثان صحيحان؛ أحدهما: عن أبي الزبير عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا حَلَم أحدكم فلا يخبر أحدًا بتلعب الشيطان به في
стр. 23
المنام» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية لمسلم وابن حبان عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال لأعرابي جاءه فقال: إني حلمت أن رأسي قطع فأنا أتبعه، فزجره النبي ﷺ وقال: «لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام» وقد رواه ابن أبي شيبة مختصرًا ولفظه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت كأن عنقي ضربت، قال: «لِمَ يخبر أحدكم بلعب الشيطان به».
ورواه الإمام أحمد ومسلم أيضًا من حديث أبي سفيان – واسمه طلحة بن نافع – عن جابر ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله رأيت البارحة فيما يرى النائم كأنّ عنقي ضربت فسقط رأسي فاتبعته فأخذته فأعدته مكانه، فقال رسول الله ﷺ : «إذا لعب الشيطان بأحدكم فلا يحدثن به الناس» هذا لفظ أحمد، ورواه ابن ماجه بنحوه. وفي رواية مسلم قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي قطع، قال: فضحك النبي ﷺ وقال: «إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس» ورواه ابن أبي شيبة بنحوه. وفي رواية لمسلم قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره فقال رسول الله ﷺ للأعرابي: «لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك»، وقال – أي جابر -: سمعت النبي ﷺ يخطب فقال: «لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه».
الحديث الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت رأسي ضرب فرأيته يتدهده، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «يطرق أحدكم الشيطان فيتهول له ثم يغدو يخبر الناس» رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه وأسانيدهم صحيحة على شرط الشيخين. وقد جاء أيضًا حديثان في ضحك النبي ﷺ من قول الرجل الذي أخبره أنه رأى في منامه أن رأسه قد قطع فذهب يتبعه، ولكن ليس في الحديثين نهي عن تحديث الرجل بتلعب الشيطان به في المنام فلذلك لم أذكرهما ههنا. وسيأتي ذكرهما في الفصل الذي تذكر فيه الأشياء التي يستدل بها على التأويل إن شاء الله تعالى.
стр. 24
فصل
في ما يقوله من رأى في منامه ما يكرهه
عن إبراهيم النخعي أنه قال: «إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي التي رأيت الليلة أن تضرني في ديني ودنياي يا رحمن» رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وإسناد كل منهما صحيح. وقد تقدم في الفصل الأول عدة أحاديث أمر فيها رسول الله ﷺ بالاستعاذة من شر الرؤيا المكروهة ومن شر الشيطان وأخبر أن من فعل هذا فإن الرؤيا لا تضره.
فصل
في ما يقوله من يروّع في منامه أو يجد وحشة
روى مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله ﷺ : إني أروّع في منامي، فقال له رسول الله ﷺ : «قل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشرّ عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن الوليد بن الوليد ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة، قال: «فإذا أخذت مضجعك فقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون فإنه لا يضرك وبالحري أن لا يقربك». وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: «بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون فإنها لن تضره» ثم قال: هذا حديث حسن غريب، ورواه الحاكم وصححه.
стр. 25
فصل
في النهي عن قص الرؤيا على غير عالم أو ناصح
قد تقدم في الحديث الثالث عشر ما رواه الترمذي من طريق قتادة عن محمد ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد رواه الدارمي بإسناد صحيح ولفظه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم أو ناصح».
وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي رزين – واسمه لقيط بن عامر العقيلي – ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها فإذا حدث بها وقعت ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» هذا لفظ إحدى روايات أحمد. وفي رواية له قال: وأحسبه قال: «لا يحدث بها إلا حبيبًا أو لبيبًا»، ورواه الترمذي بنحوه وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الإمام أحمد أيضًا وابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجه وابن حبان بنحوه وقالوا فيه: وأحسبه قال: «ولا تقصها إلا على وادًّ أو ذي رأي» وقد رواه الدارمي وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه" مختصرًا وصححه الحاكم والذهبي.
وروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا تقع على ما تعبّر، ومَثَلُ ذلك مثل رجلٍ رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحًا أو عالمًا» هكذا رواه مرسلاً ورجاله رجال الصحيح. وقد رواه الحاكم موصولاً من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ فذكره بمثله وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه.
قال الخطابي في "معالم السنن" في الكلام على حديث أبي رزين ﵁، معنى هذا الكلام حُسن الارتياد لموضع الرؤيا واستعبارها العالم بها الموثوق برأيه وأمانته، وقوله: «على رجل طائر» مَثَلُ ومعناه أنها لا
стр. 26
يستقر قرارها ما لم تعبر. وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله: «لا يقصها إلا على وادًّ أو ذي رأي» الوادّ لا يحب أن يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب وإن لم يكن عالمًا بالتعبير لم يعجل لك بما يغمك. لا أن تعبيره يزيلها عما جعلها الله عليه، وأما ذو الرأي فمعناه ذو العلم بتعبيرها فهو يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منها، ولعله أن يكون في تفسيره موعظة تردعك عن قبيح أنت عليه أو تكون فيها بشرى فتشكر الله على النعمة فيها. انتهى.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي إن كانت – أي الرؤيا – بشرى أو شككت فيها فلا تحدث بها إلا عالمًا ناصحًا. العالم يعبرها له على الخير إذا أمكنه والناصح يرشده إلى ما ينفعه ويعينه عليه. وروي في آخر: «ولا تحدث بها إلا حبيبًا أو لبيبًا». أما الحبيب فإذا عرف قال وإن جهل سكت، وأما اللبيب وهو العاقل العارف بتأويلها فإنه ينبئك بما تُعَوَّل عليه فيها وإن ساءته سكت عنك وتركها. انتهى.
وذكر البغوي في "شرح السنة" عن الإمام – وهو شيخه القاضي حسين بن محمد – أنه قال في قوله: «إذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث به»، وفي حديث أبي قتادة: «فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب» فيه إرشاد المستعبر لموضع رؤياه فإن رأى ما يكره فلا يحدث به حتى لا يستقبله في تفسيرها ما يزاد به همًّا، وإن رأى ما يحبه فلا يحدث به إلا من يحبه لأنه لا يأمن ممن لا يحبه أن يعبره حسدًا على غير وجهه فيغمه أو يكيده بأمركما أخبر الله عن يعقوب ﵇ حين قص عليه يوسف ﵇ رؤياه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]. انتهى.
وذكر ابن حجر في "فتح الباري" في الكلام على قوله: «فلا يحدث بها إلا من يحب» أن الحكمة فيه أنه إذا حدث بالرؤيا الحسنة من لا يحب قد يفسرها له بما لا يحب إما بغضًا وإما حسدًا فقد تقع على تلك الصفة أو يتعجل
стр. 27
لنفسه من ذلك حزنًا ونكدًا فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك. انتهى.
فصل
في ذكر أصدق الرؤيا
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أصدق الرؤيا بالأسحار» رواه الإمام أحمد والترمذي والدارمي وابن حبان في "صحيحه" والحاكم وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه. قال القاضي أبو بكر بن العربي في الكلام على هذا الحديث، وذلك لوجهين. أحدهما: فضل الوقت بانتشار الرحمة فيه. الثاني: لراحة القلب والبدن بالنوم وخروجهما عن تعب الخواطر وتواتر الشعوب والتصرفات. ومتى كان القلب أفرغ كان الوعي لما يلقى إليه. انتهى.
فصل
في ذكر أقصى المدة التي ينتهي إليها تأويل الرؤيا
عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي ﵁ قال: «كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة» رواه ابن أبي شيبة وابن جرير والحاكم في "المستدرك"، وقال الذهبي في "تلخيصه": على شرط البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن شداد أنه قال: «كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة» رواه ابن أبي شيبة وابن جرير. وفي رواية لابن جرير عن عبد الله بن شداد قال: «وقعت رؤيا يوسف بعد أربعين سنة وإليها ينتهي أقصى الرؤيا». وقال سعيد بن المسيب: آخر الرؤيا أربعون سنة، يعني في تأويلها. رواها ابن سعد في "الطبقات".
وقال ابن عبد البر في كتابه "بهجة المجالس" قال الزبير – يعني ابن بكار – حدثني أبو ضمرة أنس بن عياض قال: قيل لجعفر بن محمد: كم
стр. 28
تتأخر الرؤيا؟ فقال: «رأى رسول الله ﷺ كأن كلبًا أبقع يلغ في دمه» فكان شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين ﵁ وكان أبرص فكان تأويل الرؤيا بعد خمسين سنة.
فصل
في تحريم التحلم بما لم يره في منامه
وذكر الوعيد الشديد على ذلك
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من أفرى الفرى أن يُري عينه ما لم تَرَ» رواه الإمام أحمد والبخاري، وفي رواية لأحمد قال: «أفرى الفرى من ادعى إلى غير أبيه وأفرى الفرى من أرى عينيه في النوم ما لم تريا ومن غير تخوم الأرض».
وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : «إن من أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه أو يري عينيه في المنام ما لم تريا أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل» رواه الإمام أحمد والبخاري وهذا لفظ أحمد وإسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه أحمد أيضًا بإسنادين كل منهما على شرط مسلم ولفظه في إحدى الروايتين: «إن أعظم الفرية ثلاث أن يفتري الرجل على عينيه يقول رأيت ولم ير وأن يفتري على والديه فيدعى إلى غير أبيه أو يقول سمعت ولم يسمع» ورواه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث»: الفرى جمع فرية وهي الكذبة. وأفرى أفعل منه للتفضيل، أي من أكذب الكذبات أن يقول رأيت في النوم كذا وكذا ولم يكن رأي شيئًا لأنه كذب على الله فإنه هو الذي يرسل مَلَك الرؤيا ليريه المنام. انتهى.
وعن أبي شريح الخزاعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله أو طلب بدم الجاهلية من أهل
стр. 29
الإسلام أو بَصَّرَ عينيه في النوم ما لم تبصر» رواه أحمد والطبراني، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من تَحلَّم بحلْم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل» رواه الإمام أحمد والبخاري وهذا لفظه. ولفظ أحمد: «ومن تحلم عذب يوم القيامة حتى يعقد شعيرتين وليس عاقدًا». وفي رواية له: «ومن تحلم كلف يوم القيامة أن يعقد شعيرتين – أو قال – بين شعيرتين وعذب ولن يعقد بينهما». وفي رواية له أيضًا: «ومن تحلم عذب حتى يعقد شعيرة وليس بعاقد»، ورواه أبو داود ولفظه: «ومن تحلم كلف أن يعقد شعيرة» ورواه الترمذي ولفظه: «من تحلم كاذبًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين ولن يعقد بينهما» ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه ولفظه: «من تحلم حلمًا كاذبًا كلف أن يعقد بين شعيرتين ويعذب على ذلك» ورواه ابن حبان في "صحيحه" ولفظه قال رسول الله ﷺ : «الذي يُري عينيه في المنام ما لم يَرَ يكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين».
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ومن تَحلَّم كاذبًا دفع إليه شعيرة وعذب حتى يعقد بين طرفيها وليس بعاقد» رواه الإمام أحمد.
وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كذب في حُلْمِهِ كلف يوم القيامة عقد شعيرة» رواه الإمام أحمد والترمذي والدارمي والحاكم، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. قال: وفي الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي شريح وواثلة.
وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كذب في الرؤيا متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند".
قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث» ومنه الحديث: «من تَحلَّم كُلَّف أن يعقد بين شعيرتين» أي قال: إنه رأى في النوم ما لم يَرَه. يقال: حَلَم بالفتح إذا رأى. وتَحلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا. فإن قيل: إن كذب الكاذب في منامه لا يزيد على كذبه في يقظته فلِمَ زادت عقوبته ووعيده
стр. 30
وتكليفه عقد الشعيرتين ... قيل: قد صح الخبر أن الرؤيا الصادقة جزء من النبوة. والنبوة لا تكون إلا وحيًا. والكاذب في رؤياه يدعي أن الله تعالى أراه ما لم يره وأعطاه جزءًا من النبوة لم يعطه إياه، والكاذب على الله تعالى أعظم فرية ممن كذب على الخلق أو على نفسه. انتهى. وقال الخطابي: معنى عقد الشعيرة أنه يكلف ما لا يكون ليطول عذابه في النار، وذلك أن عقد ما بين طرفي الشعيرة غير ممكن. انتهى.
ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن الطبري أنه قال: إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه إذ قد تكون شهادة في قتل أو حد أو أخذ مال، لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره. والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] الآية. وإنما كان الكذب في المنام كذبًا على الله لحديث: «الرؤيا جزء من النبوة» وما كان من أجزاء النبوة فهو من قِبَل الله تعالى. انتهى ملخصًا.
فصل
في ما جاء في رؤية الرب ﵎ في المنام
قال ابن سيرين: من رأى ربه في المنام دخل الجنة ، رواه الدارمي وأبو نعيم في "الحلية".
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس فخرج سريعًا فثوب بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ وتجوّز في صلاته فلما سلّم دعا بصوته فقال لنا: «على مصافكم كما أنتم» ثم انفتل إلينا فقال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قُدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة فقال:
стр. 31
يا محمد، قلت: لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثًا، قال: فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثدييّ فتجلى لي كل شيء وعرفت. فقال: يا محمد، قلت: لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: ما هنّ؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء في المكروهات، قال: ثم فيم؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة بالليل والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك»، قال رسول الله ﷺ : «إنها حق فادرسوها ثم تعلموها» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة في "كتاب التوحيد". وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. سألت محمد بن إسماعيل – يعني البخاري – عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. وذكر ابن عدي عن أحمد أنه صححه، وقد رواه الحاكم في "المستدرك" مختصرًا ولم يتكلم عليه.
وعن أبي قلابة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أتاني ربي الليلة في أحسن صورة – أحسبه يعني في النوم – فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا، قال النبي ﷺ : فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثدييّ، أو قال: في نحري، فعلمت ما في السموات وما في الأرض، ثم قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: نعم يختصمون في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات والدرجات؟ قال: المكث في المساجد والمشي على الأقدام إلى الجمعات وإبلاغ الوضوء في المكاره. ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وقل يا محمد إذا صليت اللهم أسألك الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون، قال: والدرجات بذل الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام» رواه الإمام أحمد والترمذي
стр. 32
وهذا لفظ أحمد. ورواه الترمذي أيضًا من طريق أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فذكره بنحوه مختصرًا. ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال: وفي الباب عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عائش عن النبي ﷺ .
وعن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ خرج عليهم ذات غداة وهو طيب النفس مسفر الوجه أو مشرق الوجه فقلنا: يا رسول الله إنا نراك طيب النفس مسفر الوجه أو مشرق الوجه، فقال: «وما يمنعني وأتاني ربي الليلة في أحسن صورة، قال: يا محمد، قلت: لبيك ربي وسعديك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري أي رب، قال ذلك مرتين أو ثلاثًا قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي حتى تجلى لي ما في السموات وما في الأرض، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: في الكفارات، قال: وما الكفارات؟ قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد خلاف الصلوات وإبلاغ الوضوء في المكاره، قال: من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، ومن الدرجات طيب الكلام وبذل السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، فقال: يا محمد إذا صليت فقل اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب عليّ وإذا أردت فتنة في الناس فتوفني غير مفتون» رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
وعن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رأيت ربي في أحسن صورة، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: أنت أعلم يا رب، قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السموات والأرض وتلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]» رواه الدارمي هكذا مختصرًا. وقد رواه الطبراني
стр. 33
مطولاً ولفظه عن عبد الرحمن بن عائش قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: أنت أعلم أي رب، فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثدييّ فعلمت ما في السموات وما في الأرض ثم تلا: ﴿* وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ فقلت: في الكفارات، قال: وما هنّ؟ قلت: المشي على الأقدام إلى الجمعات والجلوس في المساجد خلاف الصلوات وإسباغ الوضوء أماكنه في المكاره، قال: قال الله من يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكون من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ومن الدرجات إطعام الطعام وبذل السلام وأن تقوم بالليل والناس نيام، ثم قال: يا محمد قل اللهم إني أسألك فعل الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وتتوب عليّ وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون، فقال النبي ﷺ : تعلموهن فو الذي نفسي بيده إنهن لحق». وفي رواية أن رسول الله ﷺ غدا مستبشرًا على أصحابه يعرفون السرور في وجهه، فذكر نحوه وقال فيه: «وإذا صليت يا محمد فقل»، وقال فيه: «والدرجات الصوم وطيب الكلام». وفي رواية عن خالد بن اللجلاج قال: سمعت عبد الرحمن بن عائش يقول خرج علينا رسول الله ﷺ ذات غداة، قال فذكر نحو الذي قبل هذه الرواية. قال الهيثمي: رواه كله الطبراني ورجال الحديث الذي فيه خرج علينا رسول الله ﷺ ثقات. وكذلك الرواية الأولى، وفي الرواية الوسطي معاوية بن عمران الجرمي ولم أعرفه، وقد سئل الإمام أحمد عن حديث عبد الرحمن بن عائش عن النبي ﷺ بهذا الحديث فذكر أنه صواب هذا معناه، انتهى كلام الهيثمي. وقد روى الحاكم في "المستدرك" من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا خالد بن اللجلاج حدثنا عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وذكر الرب ﵎ فقال: «قل اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب عليّ وتغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون»، فقال رسول الله ﷺ : «تعلموهن فو الذي نفسي بيده إنهن لحق». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي على تصحيحه.
стр. 34
وعن ثوبان ﵁ قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ بعد صلاة الصبح فقال: «إن ربي أتاني الليلة في أحسن صورة فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا، قال: ثم ذكر شيئًا، قال: فخيل لي ما بين السماء والأرض، قال: قلت: نعم يختصمون في الكفارات والدرجات. فأما الدرجات فإطعام الطعام وبذل السلام وقيام الليل والناس نيام. وأما الكفارات فمشي على الأقدام إلى الجماعات. وإسباغ الوضوء في المكروهات، وجلوس في المساجد خلف الصلوات، ثم قال: يا محمد قل يسمع وسل تعطه، قال: قلت: فعلمني، قال: قل اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني إليك وأنا غير مفتون، اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحبًا يبلغني حبك». رواه البزار من طريق أبي يحيى عن أبي أسماء الرحبي، قال الهيثمي وأبو يحيى: لم أعرفه وبقية رجاله ثقات، قلت: قد روى ابن أبي عاصم في "كتاب السنة" طرفًا من أوله.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ تلبث عن أصحابه في صلاة الصبح حتى قالوا: طلعت الشمس أو تطلع، ثم خرج فصلى بهم صلاة الصبح فقال: «اثبتوا على مصافكم»، ثم أقبل عليهم فقال لهم: «هل تدرون ما حبسني عنكم»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «إني صليت في مصلاي فضرب على أذني فجاءني ربي ﵎ في أحسن صورة فقال: يا محمد، فقلت: لبيك رب وسعديك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثدييّ فعلمت ما سألني عنه، ثم قال: يا محمد، قلت: لبيك رب وسعديك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات والدرجات؟ قلت: الكفارات إسباغ الوضوء عند الكريهات، ومشي على الأقدام إلى الجماعات وجلوس في المساجد خلف الصلوات، وأما الدرجات فإطعام الطعام وطيب الكلام والسجود بالليل والناس نيام، فقال لي ربي ﵎: سلني يا محمد، قلت: أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأسألك أن تغفر لي وترحمني وإذا أردت بقوم فتنة
стр. 35
فتوفني غير مفتون، اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي حتى أعلم أن لن يصيبني إلا ما كتبت لي ورضني بما قضيت لي» رواه البزار.
وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، قلت: لبيت وسعديك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فوضع يده بين ثدييّ فعلمت في مقامي ذلك ما سألني عنه من أمر الدنيا والآخرة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الدرجات والكفارات، فأما الدرجات فإسباغ الوضوء من السبرات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، قال: صدقت، من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وأما الكفارات فإطعام الطعام وإفشاء السلام وطيب الكلام والصلاة بالليل والناس نيام، ثم قال: اللهم إني أسألك عمل الحسنات وترك السيئات وحب المساكين ومغفرة وأن تتوب عليّ وإذا أدرت بقوم فتنة فنجني غير مفتون» رواه الطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: وفيه ليث بن أبي سليم وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجاله ثقات، قلت: قد روى ابن أبي عاصم في كتاب "السنة" طرفًا من أوله.
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى تجلى لي في أحسن صورة فسألني فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: ربي لا أعلم به، قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثدييّ -أو وضعها بين ثدييّ حتى وجدت بردها بين كتفي- فما سألني عن شيء إلا علمته» رواه ابن أبي عاصم في "كتاب السنة" ورجاله رجال الصحيح.
فصل
في بيان أن رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحقّ
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «رؤيا الأنبياء في المنام وحي» رواه ابن أبي حاتم وذكره الترمذي في مناقب عمر بن الخطاب تعليقًا.
وعنه ﵁ أنه قال: «كانت رؤيا الأنبياء وحيًا» رواه ابن جرير
стр. 36
وابن أبي عاصم في "كتاب السنة" والحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي في تلخيصه.
وعن عبيد بن عمير قال: «إن رؤيا الأنبياء وحي» ثم قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] رواه البخاري.
وعن معاذ بن جبل ﵁ موقوفًا: «أن رسول الله ﷺ كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حق» رواه الإمام أحمد وابن أبي عاصم في "كتاب السنة" بأسانيد صحيحة. وفي رواية لأحمد: «رؤيا النبي ﷺ حق».
وإذا علم أن رؤيا النبي ﷺ في المنام وحي وحق فليعلم أيضًا أنه يجب الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ من رؤيته لربه ﵎ في المنام في أحسن صورة وأنه وضع كفه. وفي رواية يده بين كتفي رسول الله ﷺ حتى وجد بردها بين ثدييه. ويجب أيضًا إمرار ما جاء في ذلك الأحاديث التي تقدم ذكرها كما جاء من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وقد تلقاها الصحابة عن النبي ﷺ وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت، ثم تلقاها من رواها عنهم من التابعين وكذلك أتباع التابعين من بعدهم وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت ثم خرجها من جاء بعدهم من أكابر المحدثين الذين تقدم ذكرهم وقابلوها بالقبول والتسليم وأمروها كما جاءت. وهذه الطريقة هي طريقة السلف في آيات الصفات وأحاديث الصفات، وهي أسلم وأحكم من طريقة الخَلَف الذين خاضوا في تأويل آيات الصفات وأحاديثها وصرفوها عن ظاهرها بما سنح لهم من الاحتمالات والتأويلات الباطلة حتى آل بهم ذلك إلى التعطيل. وقد قال ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله": إن السلف رووا أحاديث الصفات وسكتوا عنها وهم كانوا أعمق الناس علمًا وأوسعهم فهمًا وأقلهم تكلفًا، ولم يكن سكوتهم على عيّ، فمن لم يسعه ما وسعهم فقد خاب وخسر. انتهى. وذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن القاضي عياض أنه قال: لم يختلف العلماء في
стр. 37
جواز رؤية الله تعالى في المنام. انتهى. وذكر النووي في "شرح مسلم" عن القاضي أنه قال: اتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام وصحتها. انتهى المقصود من كلامه.
وذكر البغوي في كتابه "شرح السنة" عن الإمام -وهو شيخه القاضي حسين بن محمد بن أحمد أبو علي المروروذي شيخ الشافعية في زمانه- أنه قال: رؤية الله في المنام جائزة، فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة أو نجاة من النار فقوله حق ووعده صدق. وإن رآه ينظر إليه فهو رحمته، وإن رآه معرضًا عنه فهو تحذير من الذنوب لقوله : ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وإن أعطاه شيئًا من متاع الدنيا فأخذه فهو بلاء ومحن وأسقام تصيب بدنه يعظم بها أجره لا يزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة وحسن العاقبة. انتهى.
فصل
في ما جاء في رؤية النبي ﷺ في المنام
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه بهذا اللفظ. وفي لفظ لأحمد: «من رآني في المنام فقد رآني إن الشيطان لا يتشبه بي»، ورواه البخاري ولفظه: «ومن رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي»، ورواه ابن أبي شيبة بهذا اللفظ، ورواه الإمام أحمد بنحوه ولفظه: «من رآني في المنام فقد رآني إن الشيطان لا يتصور بي». قال شعبة أو قال: «لا يتشبه بي»، ورواه الترمذي ولفظه: «من رآني فإني أنا هو فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية لأحمد وابن حبان: «من رآني في المنام فقد رأى الحق إن الشيطان لا يتشبه بي». وفي رواية لأحمد: «من رآني في
стр. 38
المنام فقد رآني الحق إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي». وفي رواية لأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي»، هذا لفظ البخاري، ولفظ أحمد ومسلم وأبي داود «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو فكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي» زاد البخاري: قال ابن سيرين: إذا رآه في صورته.
وفي رواية لأحمد عن عاصم بن كليب حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي». قال عاصم: فحدثنيه ابن عباس ﵄ فأخبرته أني قد رأيته، قال: رأيته؟ قلت: إي والله لقد رأيته. قال: فذكرت الحسن بن علي، قال: إني والله قد ذكرته ونعته في مشيته، قال فقال ابن عباس ﵄: إنه كان يشبهه، وقد رواه الترمذي في الشمائل والحاكم بنحوه مختصرًا وصححه الحاكم والذهبي. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": سنده جيد.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» رواه الإمام أحمد والبخاري. ورواه ابن أبي شيبة مختصرًا، ولفظه: «إن الشيطان لا يتمثل بي»، ورواه الترمذي في "الشمائل" بنحو رواية أحمد والبخاري.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من رآني في النوم فقد رآني إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن أبي شيبة وابن ماجه. وفي رواية لمسلم: «من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي».
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا ينبغي له أن يتمثل بمثلي» رواه الإمام أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني فقد
стр. 39
رأى الحق» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والدارمي وهذا لفظ البخاري ومسلم. ولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق»، ولفظ الدارمي: «من رآني في المنام فقد رأى الحق». وفي رواية للبخاري: «وإن الشيطان لا يتراءى بي».
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني» رواه الإمام أحمد والبخاري وابن أبي شيبة وابن ماجه وهذا لفظ البخاري. ولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق فإن الشيطان لا يتكون بي». ولفظ ابن أبي شيبة وابن ماجه: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي».
قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث» فيه: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتكونني». وفي رواية: «لا يتكون في صورتي» أي يتشبه بي ويتصور بصورتي وحقيقته يصير كائنًا في صورتي. انتهى.
وقد روى الطبراني في "الصغير والأوسط" حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ولفظه: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي ولا بالكعبة». قال الهيثمي: فيه محمد بن أبي السري وثقه ابن معين وغيره وفيه لين وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن أبي جحيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي» رواه ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" وهذا لفظ ابن ماجه، وفي رواية ابن حبان: «فإن الشيطان لا يتشبه بي».
وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني» رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار والطبراني. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقد رواه الترمذي في "الشمائل" ورجاله رجال الصحيح.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من
стр. 40
رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتمثل بي» رواه الطبراني في "الأوسط والكبير" وهذا لفظه في "الكبير"، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فإياي رأى فإن الشيطان لا يتخيل بي» رواه الإمام أحمد وابن ماجه وهذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجه: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي». وفي إسناد كل منهما جابر الجعفي وهو ضعيف ولكن لحديثه هذا شواهد كثيرة مما ذكر قبله من الصحاح.
وعن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم زمن ابن عباس ﵄ وكان يزيد يكتب المصاحف، قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله ﷺ في النوم، قال ابن عباس: فإن رسول الله ﷺ كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني» فهل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: قلت: نعم، رأيت رجلاً بين الرجلين جسمه ولحمه أسمر إلى البياض حسن المضحك أُكحل العينين جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحره، قال: فقال ابن عباس ﵄: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا. رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: ورجاله ثقات. وقد رواه الترمذي في "الشمائل" بنحوه، ورواه ابن أبي شيبة مختصرًا، ويشهد للمرفوع منه ما تقدم من الأحاديث الصحيحة.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخيل على من رآه» رواه الطبراني، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
وعن المثنى – يعني ابن سعيد – قال: «سمعت أنسًا ﵁ يقول: قَلَّ ليلة تأتي عليّ إلا وأنا أرى فيها خليلي ﷺ ، وأنس يقول ذلك وتدمع عيناه» رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.