← Тафсир

Тафсир · id 20855

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Полный текст (7 453 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْأَسْمَاءِ. الثَّالِثُ: ليفرق بينها وَبَيْنَ مَا قَدْ يَكُونُ مِنَ الْحُرُوفِ اسْمًا، نَحْوَ الْكَافِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ «١»: وَرُحْنَا بِكَابْنِ الْمَاءِ يُجْنَبُ وَسْطَنَا أَيْ بِمِثْلِ ابْنِ الْمَاءِ أو ما كان مثله. الخامسة عشر ايم، وَزْنُهُ افْعٌ، وَالذَّاهِبُ مِنْهُ الْوَاوُ لِأَنَّهُ مِنْ سَمَوْتُ، وَجَمْعُهُ أَسْمَاءٌ، وَتَصْغِيرُهُ سُمَيٌّ. وَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ أَصْلِهِ، فَقِيلَ: فِعْلٌ، وَقِيلَ: فُعْلٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَأَسْمَاءٌ يَكُونُ جَمْعًا لِهَذَا الْوَزْنِ، وَهُوَ مثل جذع وأجذع، وَقُفْلٍ وَأَقْفَالٍ، وَهَذَا لَا تُدْرَكُ صِيغَتُهُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ. وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: إِسْمٌ بِالْكَسْرِ، وَأُسْمٌ بِالضَّمِّ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: مَنْ ضَمَّ الْأَلِفَ أَخَذَهُ مِنْ سَمَوْتُ أَسْمُو، وَمَنْ كَسَرَ أخذ من سمت أَسْمَي. وَيُقَالُ: سِمٌ وَسُمٌ، وَيُنْشَدُ: وَاللَّهُ أَسْمَاكَ سُمًا مُبَارَكًا ... آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إِيثَارَكَا وَقَالَ آخَرُ: وَعَامُنَا أَعْجَبَنَا مَقْدِمُهُ ... يُدْعَى أَبَا السَّمْحِ وقرضاب سمه مبتركا «٢» لكل عظم يلحمه قرصب الرَّجُلُ: إِذَا أَكَلَ شَيْئًا يَابِسًا، فَهُوَ قِرْضَابٌ." سِمُهْ" بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ جَمِيعًا. وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ: بِاسْمِ الَّذِي فِي كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ وَسَكَنَتِ السِّينُ مِنْ" بِاسْمِ" اعْتِلَالًا «٣» عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ، وَرُبَّمَا جَعَلَهَا الشَّاعِرُ أَلِفَ قَطْعٍ لِلضَّرُورَةِ، كَقَوْلِ الْأَحْوَصِ: وَمَا أَنَا بِالْمَخْسُوسِ فِي جَذْمِ مَالِكٍ ... وَلَا مَنْ تَسَمَّى ثُمَّ يلتزم الاسما «٤»

стр. 107

السادسة عشر تَقُولُ الْعَرَبُ فِي النَّسَبِ إِلَى الِاسْمِ: سُمِوِيٌّ، وأنشئت اسْمِيٌّ، تَرَكْتَهُ عَلَى حَالِهِ، وَجَمْعُهُ أَسْمَاءٌ وَجَمْعُ الْأَسْمَاءِ أَسَامٍ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ: أُعِيذُكَ بِأَسْمَاوَاتِ اللَّهِ. السابعة عشر اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِ الِاسْمِ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ، فَقِيلَ: اسْمٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعِ به. وقيل لأن الاسم يسمو بِالْمُسَمَّى فَيَرْفَعُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَ الِاسْمُ اسْمًا لِأَنَّهُ عَلَا بِقُوَّتِهِ عَلَى قِسْمَيِ الْكَلَامِ: الْحَرْفِ وَالْفِعْلِ، وَالِاسْمُ أَقْوَى مِنْهُمَا بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلِعُلُوِّهِ عَلَيْهِمَا سُمِّيَ اسْمًا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ، لِأَنَّ الِاسْمَ عَلَامَةٌ لِمَنْ وُضِعَ لَهُ، فَأَصْلُ اسْمٍ عَلَى هَذَا" وَسَمَ". وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي التَّصْغِيرِ سُمَيٌّ وَفِي الْجَمْعِ أَسْمَاءٌ، وَالْجَمْعُ وَالتَّصْغِيرُ يَرُدَّانِ الْأَشْيَاءَ إِلَى أُصُولِهَا، فَلَا يُقَالُ: وَسِيمٌ وَلَا أَوَسَامٌّ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ أَيْضًا فَائِدَةُ الْخِلَافِ وَهِيَ: الثامنة عشر فَإِنَّ مَنْ قَالَ الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُلُوِّ يَقُولُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفًا قَبْلَ وُجُودِ الْخَلْقِ وَبَعْدَ وُجُودِهِمْ وَعِنْدَ فَنَائِهِمْ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهُمْ فِي أَسْمَائِهِ وَلَا صِفَاتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَمَنْ قَالَ الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ يَقُولُ: كَانَ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ بال اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ، فَلَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ جَعَلُوا له أسماء وصفات، فإذا أفناهم بقي بال اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْخَطَأِ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ! وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى وَهِيَ: التَّاسِعَةَ عشر فَذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ فِيمَا نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إِلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى، وَارْتَضَاهُ ابْنُ فَوْرَكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسِيبَوَيْهِ. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: اللَّهُ عَالِمٌ، فَقَوْلُهُ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِكَوْنِهِ عَالِمًا، فالاسم كونه عَالِمًا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِعَيْنِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: اللَّهُ خَالِقٌ، فَالْخَالِقُ هُوَ الرَّبُّ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ الِاسْمُ. فَالِاسْمُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمُسَمَّى بِعَيْنِهِ مِنْ غير تفصيل.

стр. 108

قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: مَنْ يَنْفِي الصِّفَاتِ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يَزْعُمُ أَنْ لَا مَدْلُولَ لِلتَّسْمِيَاتِ إِلَّا الذَّاتُ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَمَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ يُثْبِتُ لِلتَّسْمِيَاتِ مَدْلُولَاتٍ هِيَ أَوْصَافُ الذَّاتِ وَهِيَ غَيْرُ الْعِبَارَاتِ وَهِيَ الْأَسْمَاءُ عِنْدَهُمْ. وَسَيَأْتِي لِهَذِهِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي" الْبَقَرَةِ" وَ" الْأَعْرَافِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْلُهُ:" اللَّهُ" هَذَا الِاسْمُ أَكْبَرُ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَأَجْمَعُهَا، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ اسْمُ الله الأعظم ولم يتسم به غيره، لذلك لَمْ يُثَنَّ وَلَمْ يُجْمَعْ، وَهُوَ أَحَدُ تَأْوِيلَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى" هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" أَيْ مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِهِ الَّذِي هُوَ" اللَّهُ". فَاللَّهُ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ الْحَقِّ الْجَامِعِ لِصِفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، الْمَنْعُوتِ بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ، الْمُنْفَرِدِ بِالْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِاسْمِ هَلْ هُوَ مُشْتَقٌّ أَوْ مَوْضُوعٌ لِلذَّاتِ عَلَمٌ؟. فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ وَأَصْلِهِ، فَرَوَى سِيبَوَيْهِ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّ أَصْلَهُ إِلَاهُ، مِثْلَ فِعَالٍ، فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلًا مِنَ الْهَمْزَةِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: مِثْلُ النَّاسِ أَصْلُهُ أُنَاسٌ. وَقِيلَ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ" لَاهٌ" وَعَلَيْهِ دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْظِيمِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ سِيبَوَيْهِ. وَأَنْشَدَ: لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي كَذَا الرواية: فتخزوني، الخاء الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُ: تَسُوسُنِي. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: مَعْنَى" بسم الله" بسم الإله، فخذوا الْهَمْزَةَ وَأَدْغَمُوا اللَّامَ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ فَصَارَتَا لَامًا مُشَدَّدَةً، كَمَا قَالَ :" لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي" وَمَعْنَاهُ، لَكِنَّ أَنَا، كَذَلِكَ قَرَأَهَا الْحَسَنُ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ" وَلَهَ" إِذَا تَحَيَّرَ، وَالْوَلَهُ: ذَهَابُ الْعَقْلِ. يُقَالُ: رجل وله وَاِمْرَأَةٌ وَالِهَةٌ وَوَالِهٌ، وَمَاءٌ مُولَهٌ «١»: أُرْسِلَ فِي الصحاري. فالله سبحانه تتحير

стр. 109

الْأَلْبَابُ وَتَذْهَبُ فِي حَقَائِقِ صِفَاتِهِ وَالْفِكْرِ فِي مَعْرِفَتِهِ. فَعَلَى هَذَا أَصْلُ" إِلَاهٍ"" وَلَاهٌ" وَأَنَّ الْهَمْزَةَ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ كَمَا أُبْدِلَتْ فِي إِشَاحٍ وَوِشَاحٍ، وَإِسَادَةٍ وَوِسَادَةٍ، وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ. وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ" اللَّهُ" إِلَهًا لِأَنَّ الْخَلْقَ يَتَأَلَّهُونَ إِلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ شَدَائِدِهِمْ. وَذُكِرَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ الْخَلْقَ يَأْلَهُونَ إِلَيْهِ (بِنَصْبِ اللَّامِ) وَيَأْلِهُونَ أَيْضًا (بِكَسْرِهَا) وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الِارْتِفَاعِ، فكانت العرب تقول لكل شي مُرْتَفِعٍ: لَاهًا فَكَانُوا يَقُولُونَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ: لَاهَتْ. وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلِهَ الرَّجُلُ إِذَا تَنَسَّكَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ قَالُوا: وَعِبَادَتَكَ. قَالُوا: فَاسْمُ اللَّهِ مُشْتَقٌّ مِنْ هَذَا، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَعْنَاهُ الْمَقْصُودُ بِالْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُوَحِّدِينَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَعْنَاهُ لَا مَعْبُودَ غَيْرُ اللَّهِ. وَ" إِلَّا" فِي الْكَلِمَةِ بِمَعْنَى غَيْرِ، لَا بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ" الْهَاءُ" الَّتِي هِيَ الْكِنَايَةُ عَنِ الْغَائِبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوهُ موجدا فِي فِطَرِ عُقُولِهِمْ فَأَشَارُوا إِلَيْهِ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ ثُمَّ زِيدَتْ فِيهِ لَامُ الْمِلْكِ إِذْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَمَالِكُهَا فَصَارَ" لَهُ" ثُمَّ زِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا. الْقَوْلُ الثَّانِي: ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو الْمَعَالِي وَالْخَطَّابِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُفَضَّلُ وَغَيْرُهُمْ، وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ: أَنَّ الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفها مِنْهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ مِنْ بِنْيَةِ هَذَا الِاسْمِ، وَلَمْ يَدْخُلَا لِلتَّعْرِيفِ، أَلَّا تَرَى أَنَّكَ لَا تَقُولُ: يَا الرَّحْمَنُ وَلَا يَا الرَّحِيمُ، كَمَا تَقُولُ: يَا لله، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ بِنْيَةِ الِاسْمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي اشْتِقَاقِ اسمه الرحمن، فقال بعضهم: لااشتقاق لَهُ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحَانَهُ، ولأنه لو كان مشتقا من الرحمة لا تصل بذكر المرحوم، فحاز أن يقال: الله رحمان بِعِبَادِهِ، كَمَا يُقَالُ: رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنَ الرَّحْمَةِ

стр. 110

لَمْ تُنْكِرْهُ الْعَرَبُ حِينَ سَمِعُوهُ، إِذْ كَانُوا لَا يُنْكِرُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ :" وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ" الْآيَةَ. وَلَمَّا كَتَبَ عَلِيٌّ ﵁ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ :" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: أَمَّا" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَمَا نَدْرِي مَا" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"! وَلَكِنَ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا جَهِلُوا الصِّفَةَ دُونَ الْمَوْصُوفِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ وَلَمْ يَقُولُوا: وَمَنِ الرَّحْمَنُ؟ قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: وَكَأَنَّهُ ﵀ لَمْ يَقْرَأِ الْآيَةَ الْأُخْرَى:" وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ". وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ" الرَّحْمَنَ" مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُ ذُو الرَّحْمَةِ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِيهَا، فَلِذَلِكَ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ كَمَا يُثَنَّى" الرَّحِيمُ" وَيُجْمَعُ. قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِقَاقِ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عبد الرحمن ابن عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" قَالَ اللَّهُ أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ". وَهَذَا نَصٌّ فِي الِاشْتِقَاقِ، فَلَا مَعْنَى لِلْمُخَالَفَةِ وَالشِّقَاقِ، وَإِنْكَارُ الْعَرَبِ لَهُ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وَبِمَا وَجَبَ لَهُ. الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ زَعَمَ الْمُبَرِّدُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ" الزَّاهِرِ" لَهُ: أَنَّ" الرَّحْمَنَ" اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ فَجَاءَ مَعَهُ بِ" الرَّحِيمِ". وَأَنْشَدَ «١»: لَنْ تُدْرِكُوا الْمُجِدَّ أَوْ تَشْرُوا عَبَاءَكُمُ ... بِالْخَزِّ أَوْ تَجْعَلُوا الْيَنْبُوتَ ضَمْرَانَا أَوْ تَتْرُكُونَ «٢» إِلَى الْقَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ ... وَمَسْحَكُمْ صُلْبَهُمْ رَحْمَانَ قُرْبَانَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى:" الرَّحِيمُ" عربي و" الرحمن" عِبْرَانِيٌّ، فَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: النَّعْتُ قَدْ يَقَعُ لِلْمَدْحِ، كَمَا تَقُولُ: قَالَ جَرِيرٌ الشَّاعِرُ. وَرَوَى مطرف عن قتادة في قوله :" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالَ: مدح نفسه. قال أبو إسحاق:

стр. 111

وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّوْكِيدِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَفِي التَّوْكِيدِ أَعْظَمُ الْفَائِدَةِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَيُسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِشْهَادِ، وَالْفَائِدَةُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: إِنَّهُ تَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَإِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ، وَتَقْوِيَةٌ لِمَطَامِعِ الرَّاغِبِينَ، وَوَعْدٌ لَا يَخِيبُ آمِلُهُ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ بِمَعْنَيَيْنِ؟ فَقِيلَ: هَمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَنَدْمَانَ وَنَدِيمٍ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقِيلَ: لَيْسَ بِنَاءُ فَعْلَانَ كَفَعِيلٍ، فَإِنَّ فَعْلَانَ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى مُبَالَغَةِ الْفِعْلِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: رَجُلٌ غَضْبَانٌ، لِلْمُمْتَلِئِ غَضَبًا. وَفَعِيلٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ. قَالَ عَمَلَّسُ «١»: فَأَمَّا إِذَا عَضَّتْ بِكَ الْحَرْبُ عَضَّةً ... فَإِنَّكَ مَعْطُوفٌ عَلَيْكَ رَحِيمٌ فَ" الرَّحْمنِ" خَاصُّ الِاسْمِ عَامُّ الْفِعْلِ. وَ" الرَّحِيمِ" عَامُّ الِاسْمِ خَاصُّ الْفِعْلِ. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ:" الرَّحْمنِ" اسْمٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ، يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ." والرَّحِيمِ" إِنَّمَا هُوَ فِي جِهَةِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً". وقال العرزمي «٢»:" الرَّحْمنِ" بجميع خلقه في الأمصار وَنِعَمِ الْحَوَاسِّ وَالنِّعَمِ الْعَامَّةِ، وَ" الرَّحِيمِ" بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الْهِدَايَةِ لَهُمْ، وَاللُّطْفِ بِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ:" الرَّحْمنِ" إِذَا سُئِلَ أَعْطَى، وَ" الرَّحِيمِ" إِذَا لَمْ يُسْأَلْ غَضِبَ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ" لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ. وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ:" مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ غضب عليه". وقال: سألت أبا زراعة عَنْ أَبِي صَالِحٍ هَذَا، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الْفَارِسِيُّ وَهُوَ خُوزِيٌّ «٣» وَلَا أَعْرِفُ اسْمَهُ. وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ هَذَا الْمَعْنَى فقال:

стр. 112

الله يغضب إن تركت سؤله ... وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ، أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ، أَيْ أَكْثَرُ رَحْمَةً. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا مُشْكِلٌ، لِأَنَّ الرِّقَّةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي شي مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ: هَذَا وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي، لِأَنَّ الرِّقَّةَ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي شي، وَإِنَّمَا هُمَا اسْمَانِ رَفِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرْفَقُ مِنَ الْآخَرِ، وَالرِّفْقُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :" إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ". الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ" الرَّحْمنِ" مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ:" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ «١» " فَعَادَلَ الِاسْمَ الَّذِي لَا يشركه فيه غيره. وقال:" وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ «٢» " فَأَخْبَرَ أَنَّ" الرَّحْمَنَ" هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ جَلَّ وَعَزَّ. وَقَدْ تَجَاسَرَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَتَسَمَّى بِرَحْمَانِ الْيَمَامَةِ، وَلَمْ يَتَسَّمَ بِهِ حَتَّى قَرْعَ مَسَامِعَهُ نَعْتُ الْكَذَّابِ فَأَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَعْتَ الْكَذَّابِ لِذَلِكَ، وَإِنَّ كَانَ كُلُّ كَافِرٍ كَاذِبًا، فَقَدْ صَارَ هَذَا الْوَصْفُ لِمُسَيْلِمَةَ عَلَمًا يُعْرَفُ بِهِ، أَلْزَمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهِ الرَّحْمَنِ: إِنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، ذَكَرَهُ ابْنُ العربي. السادسة والعشرون" الرَّحِيمِ" صفة لِلْمَخْلُوقِينَ، وَلِمَا فِي" الرَّحْمنِ" مِنَ الْعُمُومِ" قُدِّمَ فِي كَلَامِنَا عَلَى" الرَّحِيمِ" مَعَ مُوَافَقَةِ التَّنْزِيلِ، قَالَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى" الرَّحِيمِ" أَيْ بالرحيم وصلتم إلى الله، فَ" الرَّحِيمِ" نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وقد نعته تعالى بذلك فقال:" لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ" فَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ وَبِالرَّحِيمِ، أَيْ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ وَصَلْتُمْ إِلَيَّ، أَيْ بِاتِّبَاعِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَصَلْتُمْ إِلَى ثَوَابِي وَكَرَامَتِي وَالنَّظَرِ إِلَى وجهي، والله أعلم.

стр. 113

السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ" بِسْمِ اللَّهِ" إِنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَعَوْنٌ عَلَى كُلِّ دَوَاءٍ. وَأَمَّا" الرَّحْمنِ" فَهُوَ عَوْنٌ لِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَهُوَ اسْمٌ لَمْ يُسَمِّ بِهِ غَيْرَهُ. وَأَمَّا" الرَّحِيمِ" فَهُوَ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا. وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْحُرُوفِ، فَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَقَالَ:" أَمَّا الْبَاءُ فَبَلَاءُ اللَّهِ وَرَوْحُهُ وَنَضْرَتُهُ وَبَهَاؤُهُ وَأَمَّا السِّينُ فَسَنَاءُ اللَّهِ وَأَمَّا الْمِيمُ فَمُلْكُ اللَّهِ وَأَمَّا اللَّهُ فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَأَمَّا الرَّحْمَنُ فَالْعَاطِفُ عَلَى الْبَرِّ والفاجر منخلقه وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَالرَّفِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً". وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: الْبَاءُ بَهَاؤُهُ وَالسِّينُ سناؤه فلا شي أَعْلَى مِنْهُ وَالْمِيمُ مُلْكُهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شي قدير فلا شي يُعَازُّهُ. وَقَدْ قِيلَ إِنْ كُلَّ حَرْفٍ هُوَ افْتِتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، فَالْبَاءُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ بَصِيرٍ، وَالسِّينُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ سَمِيعٍ، وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ مَلِيكٍ، وَالْأَلْفُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ، وَاللَّامُ مفتاح اسمه لطيف، والهاء مفتاح اسمه هادي، وَالرَّاءُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ رَازِقٍ، وَالْحَاءُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ حلم، وَالنُّونُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ نُورٍ، وَمَعْنَى هَذَا كُلِّهِ دعاء الله تعلى عند افتتاح كل شي. الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِ" الرَّحِيمِ" بِ" الْحَمْدُ لِلَّهِ"، فَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :" الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ" يُسَكِّنُ الْمِيمَ وَيَقِفُ عَلَيْهَا، وَيَبْتَدِئُ بِأَلْفِ مَقْطُوعَةٍ. وَقَرَأَ بِهِ قَوْمٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ. وَقَرَأَ جُمْهُورُ النَّاسِ:" الرَّحِيمِ الْحَمْدُ"، تُعْرِبُ" الرَّحِيمِ" بِالْخَفْضِ وَبِوَصْلِ الْأَلْفِ مِنَ" الْحَمْدُ". وَحَكَى الْكِسَائِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تُقْرَأُ" الرَّحِيمِ الْحَمْدُ" بِفَتْحِ الْمِيمِ وَصِلَةِ الْأَلْفِ، كَأَنَّهُ سَكَنْتَ الْمِيمَ وَقُطِعَتِ الْأَلْفُ ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى الْمِيمِ وَحُذِفَتْ. قَالَ ابن عطية: ولم ترو هذه القراءة عَنْ أَحَدٍ فِيمَا عَلِمْتُ. وَهَذَا نَظَرُ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" الم اللَّهُ".

стр. 114

تفسير سورة الفاتحة " بحول الله وكرمه" وَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ: الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي فَضَائِلِهَا وَأَسْمَائِهَا وَفِيهِ سَبْعُ مَسَائِلَ الْأُولَى: رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَهِيَ مَقْسُومَةٌ «١» بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (. أَخْرَجَ مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى [عَبْدِ اللَّهِ بْنِ] عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَبُو سَعِيدٍ لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى اسْمٍ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُهُ هَذَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا يُوقَفُ عَلَى اسْمِهِ أَيْضًا، رَوَاهُ عَنْهُ حَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ. قُلْتُ: كَذَا قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: (لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى اسْمٍ). وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهِ. وَالْحَدِيثُ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: (أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ" اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ «٢» ثُمَّ قال) إِنِّي لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ). قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: أَبُو سعيد بن المعلى

стр. 115

مِنْ جِلَّةِ الْأَنْصَارِ، وَسَادَاتِ الْأَنْصَارِ، تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَاسْمُهُ رَافِعٌ، وَيُقَالُ: الْحَارِثُ بْنُ نُفَيْعِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَيُقَالُ: أَوْسُ بْنُ الْمُعَلَّى، وَيُقَالُ: أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْمُعَلَّى، تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ «١» [سَنَةً]، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَةِ حين حولت، وسيأتي «٢». وقد أسند حديث بن أُبَيٍّ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على أُبَيٍّ وَهُوَ يُصَلِّي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ لَهُ: حَدَّثَنِي أبي حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَرَّاقُ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ رَنَّ أَرْبَعَ رَنَّاتٍ: حِينَ لُعِنَ، وَحِينَ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَحِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَحِينَ أُنْزِلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَأُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ. الثَّانِيَةُ: اختلف العلماء في تفصيل بَعْضِ السُّوَرِ وَالْآيِ عَلَى بَعْضٍ، وَتَفْضِيلِ بَعْضِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا فَضْلَ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ، لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ لَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَهَا. ذَهَبَ إِلَى هَذَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ، وَأَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ الْبَسْتِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ. قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: تَفْضِيلُ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ خَطَأٌ، وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ تُعَادَ سُورَةٌ أَوْ تُرَدَّدَ دُونَ غَيْرِهَا. وَقَالَ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها" [البقرة: ١٠٦] قَالَ: مُحْكَمَةٌ مَكَانَ مَنْسُوخَةٍ. وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ مَالِكٍ. وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنْ قَالُوا: إِنَّ الْأَفْضَلَ يُشْعِرُ بِنَقْصِ الْمَفْضُولِ، وَالذَّاتِيَّةُ فِي الْكُلِّ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ كَلَامُ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا نَقْصَ فِيهِ. قَالَ الْبَسْتِيُّ: وَمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ (مَا فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلُ أُمِّ الْقُرْآنِ): أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعْطِي لِقَارِئِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ من الثواب مثل

стр. 116

مَا يُعْطِي لِقَارِئِ أُمِّ الْقُرْآنِ، إِذِ اللَّهُ بِفَضْلِهِ فَضَّلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَأَعْطَاهَا مِنَ الْفَضْلِ عَلَى قِرَاءَةِ كَلَامِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى غَيْرَهَا مِنَ الْفَضْلِ عَلَى قِرَاءَةِ كَلَامِهِ، وَهُوَ فَضْلٌ مِنْهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (أَعْظَمُ سُورَةٍ) أَرَادَ بِهِ فِي الْأَجْرِ، لَا أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ. وَقَالَ قَوْمٌ بِالتَّفْضِيلِ، وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى" وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ" [البقرة: ١٦٣] وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَآخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ مِنَ الدَّلَالَاتِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَصِفَاتِهِ لَيْسَ مَوْجُودًا مثلا في" تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ" [المسد: ١] وَمَا كَانَ مِثْلَهَا. وَالتَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِي الْعَجِيبَةِ وَكَثْرَتِهَا، لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. وَمِمَّنْ قَالَ بِالتَّفْضِيلِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ «١» وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَابْنِ الْحَصَّارِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى وَحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا أُبَيُّ أَيُّ آيَةٍ مَعَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ) قال فقلت:" اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" [البقرة: ٢٥٥]. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: (لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: عَجَبِي مِمَّنْ يَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ مَعَ هَذِهِ النُّصُوصِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَوْلُهُ: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلَهَا) وَسَكَتَ عَنْ سَائِرِ الْكُتُبِ، كَالصُّحُفِ الْمُنَزَّلَةِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَةَ أَفْضَلَهَا، وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ أَفْضَلَ الْأَفْضَلِ، صَارَ أَفْضَلَ الْكُلِّ. كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ أَفْضَلُ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ أَفْضَلُ النَّاسِ. وَفِي الْفَاتِحَةِ مِنَ الصِّفَاتِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ جَمِيعَ الْقُرْآنِ فِيهَا. وَهِيَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ عُلُومِ الْقُرْآنِ. وَمِنْ شَرَفِهَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَسَّمَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ، وَلَا تَصِحُّ الْقُرْبَةُ إِلَّا بِهَا، وَلَا يَلْحَقُ عَمَلٌ بِثَوَابِهَا، وَبِهَذَا المعنى صارت أم القرآن العظيم،

стр. 117

كَمَا صَارَتْ" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، إِذِ الْقُرْآنُ تَوْحِيدٌ وَأَحْكَامٌ وَوَعْظٌ، وَ" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" فِيهَا التَّوْحِيدُ كُلُّهُ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ الْبَيَانُ فِي قَوْلِهِ ﵇ لِأُبَيٍّ. (أَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمُ) قَالَ:" اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" [البقرة: ٢٥٥]. وَإِنَّمَا كَانَتْ أَعْظَمَ آيَةٍ لِأَنَّهَا تَوْحِيدٌ كُلُّهَا كَمَا صَارَ قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) أَفْضَلَ الذِّكْرِ، لِأَنَّهَا كَلِمَاتٌ حَوَتْ جَمِيعَ الْعُلُومِ فِي التَّوْحِيدِ، وَالْفَاتِحَةُ تَضَمَّنَتِ التَّوْحِيدَ وَالْعِبَادَةَ وَالْوَعْظَ وَالتَّذْكِيرَ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. الثَّالِثَةُ: رَوَى علي بن أبي طالب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ، هَذِهِ الْآيَاتُ مُعَلَّقَاتٌ بِالْعَرْشِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ (. أَسْنَدَهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ لَهُ. الرَّابِعَةُ: فِي أَسْمَائِهَا، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ اسْمًا:) الْأَوَّلُ (: الصَّلَاةُ «١»، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «٢»: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ) الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. (الثَّانِي): [سورة] الْحَمْدُ، لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ الْحَمْدِ، كَمَا يُقَالُ: سُورَةُ الْأَعْرَافِ، وَالْأَنْفَالِ، وَالتَّوْبَةِ، وَنَحْوِهَا. (الثَّالِثُ): فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ تُفْتَتَحُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِهَا لَفْظًا، وَتُفْتَتَحُ بِهَا الْكِتَابَةُ فِي الْمُصْحَفِ خَطًّا، وَتُفْتَتَحُ بِهَا الصَّلَوَاتُ. (الرَّابِعُ): أُمُّ الْكِتَابِ، وَفِي هَذَا الِاسْمِ خِلَافٌ، جَوَّزَهُ الْجُمْهُورُ، وَكَرِهَهُ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ. قَالَ الْحَسَنُ: أُمُّ الْكِتَابِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ" [آل عمران: ٧]. وَقَالَ أَنَسٌ وَابْنُ سِيرِينَ: أُمُّ الْكِتَابِ اسْمُ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ". [الزخرف: ٤].

стр. 118

(الْخَامِسُ): أُمُّ الْقُرْآنِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا، فَجَوَّزَهُ الْجُمْهُورُ، وَكَرِهَهُ أَنَسٌ وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ تَرُدُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ: وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ: أُمُّ الْقُرَى: مَكَّةُ، وَأُمُّ خُرَاسَانَ: مَرْوٌ، وَأُمُّ الْقُرْآنِ: سُورَةُ الْحَمْدِ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا أَوَّلُهُ وَمُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ عُلُومِهِ، وَبِهِ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْضِ وَمِنْهَا دُحِيَتْ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْأُمُّ أُمًّا لِأَنَّهَا أَصْلُ النَّسْلِ، وَالْأَرْضُ أُمًّا، فِي قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ: فَالْأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أُمُّنَا ... فِيهَا مَقَابِرُنَا وَفِيهَا نُولَدُ وَيُقَالُ لِرَايَةِ الْحَرْبِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِهَا وَاتِّبَاعِ الْجَيْشِ لَهَا. وَأَصْلُ أُمٍّ أُمَّهَةٌ، وَلِذَلِكَ تُجْمَعُ عَلَى أُمَّهَاتٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَأُمَّهاتُكُمُ". وَيُقَالُ أُمَّاتٌ بِغَيْرِ هَاءٍ. قَالَ: فَرَجْتَ الظَّلَامَ بِأُمَّاتِكَا وَقِيلَ: إِنَّ أُمَّهَاتٍ فِي النَّاسِ، وَأُمَّاتٍ فِي الْبَهَائِمِ، حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ. (السَّادِسُ): الْمَثَانِي، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهَا ذُخْرًا لَهَا. (السَّابِعُ): الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَضَمُّنِهَا جَمِيعَ عُلُومِ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِأَوْصَافِ كَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْعِبَادَاتِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهَا، وَالِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِشَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا بِإِعَانَتِهِ تَعَالَى، وَعَلَى الِابْتِهَالِ إِلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَكِفَايَةِ أَحْوَالِ النَّاكِثِينَ، وَعَلَى بَيَانِهِ عَاقِبَةَ الْجَاحِدِينَ. (الثَّامِنُ): الشِّفَاءُ، رَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شفاء من كل سم) «١».

стр. 119

(التَّاسِعُ): الرُّقْيَةُ، ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلرَّجُلِ، الَّذِي رَقَى سَيِّدَ الْحَيِّ: (مَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ) فَقَالَ: يا رسول الله شي أُلْقِيَ فِي رَوْعِي، الْحَدِيثَ. خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ. (الْعَاشِرُ): الْأَسَاسُ، شَكَا رَجُلٌ إِلَى الشَّعْبِيِّ وَجَعَ الْخَاصِرَةِ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِأَسَاسِ الْقُرْآنِ فَاتِحَةِ الكتاب، سمعت ابن عباس يقول: لكل شي أَسَاسٌ، وَأَسَاسُ الدُّنْيَا مَكَّةُ، لِأَنَّهَا مِنْهَا دُحِيَتْ، وأساس السموات عَرِيبَا «١»، وَهِيَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ، وَأَسَاسُ الْأَرْضِ عَجِيبَا، وَهِيَ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ السُّفْلَى، وَأَسَاسُ الْجِنَانِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهِيَ سُرَّةُ الْجِنَانِ عَلَيْهَا أُسِّسَتِ الْجَنَّةُ، وَأَسَاسُ النَّارِ جَهَنَّمُ، وَهِيَ الدَّرْكَةُ السَّابِعَةُ السُّفْلَى عَلَيْهَا أُسِّسَتِ الدَّرْكَاتُ، وَأَسَاسُ الْخَلْقِ آدَمُ، وَأَسَاسُ الْأَنْبِيَاءِ نُوحٌ، وَأَسَاسُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبُ، وَأَسَاسُ الْكُتُبِ الْقُرْآنُ، وَأَسَاسُ الْقُرْآنِ الْفَاتِحَةُ، وَأَسَاسُ الْفَاتِحَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِذَا اعْتَلَلْتَ أَوِ اشْتَكَيْتَ فَعَلَيْكَ بِالْفَاتِحَةِ تُشْفَى «٢». (الْحَادِي عَشَرَ): الْوَافِيَةُ، قَالَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، لِأَنَّهَا لَا تَتَنَصَّفُ وَلَا تَحْتَمِلُ الِاخْتِزَالَ، وَلَوْ قَرَأَ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ نِصْفَهَا فِي رَكْعَةٍ، وَنِصْفَهَا الْآخَرُ فِي رَكْعَةٍ لَأَجْزَأَ، وَلَوْ نُصِّفَتِ الْفَاتِحَةُ فِي رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُجْزِ. (الثَّانِي عَشَرَ): الْكَافِيَةُ، قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: لِأَنَّهَا تَكْفِي عَنْ سِوَاهَا وَلَا يَكْفِي سِوَاهَا عَنْهَا. يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا مِنْهَا عِوَضًا). الْخَامِسَةُ: قَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّ مَوْضِعَ الرُّقْيَةِ مِنْهَا إنما هو" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة: الآية ٥]. وَقِيلَ: السُّورَةُ كُلُّهَا رُقْيَةٌ، لِقَوْلِهِ ﵇ لِلرَّجُلِ لَمَّا أَخْبَرَهُ: (وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ) وَلَمْ يَقُلْ: أَنَّ فِيهَا رُقْيَةً، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ السُّورَةَ بِأَجْمَعِهَا رُقْيَةٌ، لِأَنَّهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَمَبْدَؤُهُ، وَمُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ عُلُومِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ والله أعلم.

стр. 120

السَّادِسَةُ: لَيْسَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِالْمَثَانِي وَأُمِّ الْكِتَابِ مَا يَمْنَعُ مِنْ تَسْمِيَةِ غَيْرِهَا بِذَلِكَ، قَالَ الله :" كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ" [الزمر: ٢٣] فَأَطْلَقَ عَلَى كِتَابِهِ: مَثَانِيَ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ تُثَنَّى فِيهِ. وَقَدْ سُمِّيَتِ السَّبْعَ الطُّوَلَ أَيْضًا مَثَانِيَ، لِأَنَّ الْفَرَائِضَ وَالْقَصَصَ تُثَنَّى فِيهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي، قَالَ: السَّبْعُ الطُّوَلُ. ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ، وَهِيَ مِنَ" الْبَقَرَةِ" إِلَى" الْأَعْرَافِ" سِتٌّ، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّابِعَةِ، فَقِيلَ: يُونُسُ، وَقِيلَ: الْأَنْفَالُ وَالتَّوْبَةُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ: فَلِجُوا الْمَسْجِدَ وَادْعُوا رَبَّكُمْ ... وَادْرُسُوا هَذِي الْمَثَانِيَ وَالطُّوَلَ وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي سُورَةِ" الْحِجْرِ" «١» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّابِعَةُ: الْمَثَانِي جَمْعُ مَثْنَى، وَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ بَعْدَ الْأُولَى، وَالطُّوَلُ جَمْعُ أَطْوَلَ. وَقَدْ سُمِّيَتِ الْأَنْفَالُ مِنَ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا تَتْلُو الطُّوَلَ فِي الْقَدْرِ. وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تَزِيدُ آيَاتُهَا عَلَى الْمُفَصَّلِ وَتَنْقُصُ عَنِ الْمِئِينَ. وَالْمِئُونَ: هِيَ السُّوَرُ الَّتِي تَزِيدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا على مائة آية. الباب الثاني في نزولها وأحكامها، وَفِيهِ عِشْرُونَ مَسْأَلَةً الْأُولَى: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سَبْعُ آيَاتٍ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ حُسَيْنٍ الْجُعْفِيِّ: أَنَّهَا سِتٌّ، وَهَذَا شَاذٌّ. وَإِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ جَعَلَ" إِيَّاكَ نَعْبُدُ" آيَةً، وَهِيَ على عدة ثماني آيات، وهذا شاذ. وقول تعالى:" وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي" [الحجر: ٨٧]، وَقَوْلُهُ: (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ) الْحَدِيثَ، يَرُدُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ قُرْآنًا لَأَثْبَتَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي مُصْحَفِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُثْبِتْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، كَالْمُعَوِّذَتَيْنِ عِنْدَهُ. فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي قُدَامَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ إبراهيم قال:

стр. 121

قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: لِمَ لَمْ تَكْتُبْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي مُصْحَفِكَ؟ قَالَ: لَوْ كَتَبْتُهَا لَكَتَبْتُهَا مَعَ كُلِّ سُورَةٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ سَبِيلُهَا أَنْ تُفْتَتَحَ بِأُمِ الْقُرْآنِ قَبْلَ السُّورَةِ الْمَتْلُوَّةِ بَعْدَهَا، فَقَالَ: اخْتَصَرْتُ بِإِسْقَاطِهَا، وَوَثِقْتُ بِحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا، وَلَمْ أُثْبِتْهَا فِي مَوْضِعٍ فَيَلْزَمُنِي أَنْ أَكْتُبَهَا مَعَ كُلِّ سُورَةٍ، إِذْ كَانَتْ تَتَقَدَّمُهَا فِي الصَّلَاةِ. الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا أَهِيَ مَكِّيَّةٌ أَمْ مَدَنِيَّةٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ وَغَيْرُهُمْ: هِيَ مَكِّيَّةٌ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ: هِيَ مَدَنِيَّةٌ. وَيُقَالُ: نَزَلَ نِصْفُهَا بِمَكَّةَ، وَنِصْفُهَا بِالْمَدِينَةِ. حَكَاهُ أَبُو اللَّيْثِ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" [الحجر: ٨٧] وَالْحِجْرُ مَكِّيَّةٌ بِإِجْمَاعٍ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ. وَمَا حُفِظَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قَطُّ صَلَاةٌ بِغَيْرِ" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ"، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ ﵇: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ). وَهَذَا خَبَرٌ عَنِ الْحُكْمِ، لَا عَنْ الِابْتِدَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ الطَّيِّبِ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقِيلَ: الْمُدَّثِّرُ، وَقِيلَ: اقْرَأْ، وَقِيلَ: الْفَاتِحَةُ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِخَدِيجَةَ: (إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً وَقَدْ وَاللَّهِ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَمْرًا) قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ! مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْعَلَ بِكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ. فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَلَيْسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَّ ذَكَرَتْ خَدِيجَةُ حَدِيثَهُ لَهُ، قَالَتْ: يَا عَتِيقُ، اذْهَبْ مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ. فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى وَرَقَةَ، فَقَالَ: (وَمَنْ أَخْبَرَكَ). قَالَ: خَدِيجَةُ، فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ فَقَصَّا عَلَيْهِ، فَقَالَ: (إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً خَلْفِي يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فَأَنْطَلِقُ هَارِبًا فِي الْأَرْضِ) فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، إِذَا أَتَاكَ فَاثْبُتْ حَتَّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ ثُمَّ ائْتِنِي فَأَخْبِرْنِي. فَلَمَّا خَلَا نَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ

стр. 122

حَتَّى بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ"، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَأَتَى وَرَقَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: أَبْشِرْ ثُمَّ أَبْشِرْ، فَأَنَا أشهد أنك الذي بشر به عيسى بن مَرْيَمَ، وَأَنَّكَ عَلَى مِثْلِ نَامُوسِ مُوسَى، وَأَنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّكَ سَوْفَ تُؤْمَرُ بِالْجِهَادِ بَعْدَ يَوْمِكَ هَذَا، وَإِنْ يُدْرِكْنِي ذَلِكَ لَأُجَاهِدَنَّ مَعَكَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَرَقَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَقَدْ رَأَيْتُ الْقَسَّ فِي الْجَنَّةِ عَلَيْهِ ثِيَابُ الْحَرِيرِ لِأَنَّهُ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي) يَعْنِي وَرَقَةَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵁: هَذَا مُنْقَطِعٌ. يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ نزولها بعد ما نزل عليه" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" [العلق: ١] و" يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ" [الْمُدَّثِّرُ: ١]. الثَّالِثَةُ: قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ظَنَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ لَمْ يَنْزِلْ بِسُورَةِ الْحَمْدِ، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا «١» مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمُ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَيْسَ كَمَا ظُنَّ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ تَقَدَّمَ الْمَلَكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُعْلِمًا بِهِ وَبِمَا يَنْزِلُ مَعَهُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ جِبْرِيلُ شَارَكَ فِي نُزُولِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ لَمْ يُعْلِمِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ بِمَكَّةَ، نَزَلَ بِهَا جِبْرِيلُ ﵇، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ" [الشعراء: ١٩٣] وَهَذَا يَقْتَضِي جَمِيعَ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ جِبْرِيلُ ﵇ نَزَلَ بِتِلَاوَتِهَا بِمَكَّةَ، وَنَزَلَ الْمَلَكُ بِثَوَابِهَا بِالْمَدِينَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا مَكِّيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَ بِهَا جِبْرِيلُ مَرَّتَيْنِ، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى. فَإِنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْقُرْآنِ والسنة، ولله الحمد والمنة.

стр. 123

الرَّابِعَةُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْهَا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَحُكْمُ الْمُصَلِّي إِذَا كَبَّرَ أَنْ يَصِلَهُ بِالْفَاتِحَةِ وَلَا يَسْكُتَ، وَلَا يَذْكُرَ تَوْجِيهًا وَلَا تَسْبِيحًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ بِالتَّوْجِيهِ وَالتَّسْبِيحِ وَالسُّكُوتِ، قَالَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ إِذَا افْتَتَحَا الصَّلَاةِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِالَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) الْحَدِيثَ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهُنَاكَ يَأْتِي الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ «١». قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) وَاسْتَعْمَلَ ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لِلْإِمَامِ سَكْتَتَانِ فَاغْتَنِمُوا فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ. وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَمِيلُونَ إِلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ. الْخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: هِيَ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادُ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْ نَسِيَهَا فِي صَلَاةِ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَلَا تُجْزِيهِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا فِي رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ، فَقَالَ مَرَّةً: يُعِيدُ الصَّلَاةَ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: يَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادُ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُعِيدُ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ إِلْغَاءُ تِلْكَ الركعة ويأتي بركعة بدلا منها، كمن

стр. 124

أَسْقَطَ سَجْدَةً سَهْوًا. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ الْمَدَنِيُّ: إِذَا قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ قَدْ قَرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ تَامَّةٌ لِقَوْلِهِ ﵇: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ) وَهَذَا قَدْ قَرَأَ بِهَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا يَأْتِي. وَيُحْتَمَلُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا فِي أَكْثَرِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ الْخِلَافِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا وَقَرَأَ غَيْرَهَا أَجْزَأَهُ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَقَلُّهُ ثَلَاثُ، آيَاتٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ كَآيَةِ الدَّيْنِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَيْضًا قَالَ: أُسَوِّغُ الِاجْتِهَادَ فِي مِقْدَارِ آيَةٍ وَمِقْدَارِ كَلِمَةٍ مَفْهُومَةٍ، نَحْوَ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ" وَلَا أُسَوِّغُهُ فِي حَرْفٍ لَا يَكُونُ كَلَامًا. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: يَقْرَأُ الْمُصَلِّي بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا مِثْلُهَا مِنَ الْقُرْآنِ عَدَدَ آيِهَا وَحُرُوفِهَا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَهَا وَالنَّصَّ عَلَيْهَا قَدْ خَصَّهَا بِهَذَا الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهَا، وَمُحَالٌ أَنْ يجئ بِالْبَدَلِ مِنْهَا مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَتَرَكَهَا وَهُوَ قادر عليها، وإنما عليه أن يجئ بِهَا وَيَعُودَ إِلَيْهَا، كَسَائِرِ الْمَفْرُوضَاتِ الْمُتَعَيِّنَاتِ فِي الْعِبَادَاتِ. السَّادِسَةُ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَالْإِمَامُ يَحْمِلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ، لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَنَّهُ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا وَإِنْ أَدْرَكَهُ قَائِمًا فَإِنَّهُ يَقْرَأُ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ: السَّابِعَةُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ إِمَامِهِ فِي صَلَاةِ السر، فإن فعل فقد أساء، ولا شي عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَأَمَّا إِذَا جَهَرَ الْإِمَامُ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ: الثَّامِنَةُ فَلَا قِرَاءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهَا فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا" [الأعراف: ٢٠٤]، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ)، وَقَوْلِهِ فِي الْإِمَامِ: (إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)، وَقَوْلِهِ: (مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ).

стр. 125

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَى عَنْهُ الْبُوَيْطِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا تُجْزِئُ أَحَدًا صَلَاةٌ حَتَّى يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، جَهَرَ إِمَامُهُ أَوْ أَسَرَّ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ يَقُولُ فِي الْمَأْمُومِ: يَقْرَأُ إِذَا أَسَرَّ وَلَا يَقْرَأُ إِذَا جَهَرَ، كَمَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقَالَ بِمِصْرَ: فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقْرَأَ وَالْآخَرُ يُجْزِئُهُ أَلَّا يَقْرَأَ وَيَكْتَفِيَ بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ. حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَالْكُوفِيُّونَ: لَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ شَيْئًا، جَهَرَ إِمَامُهُ أَوْ أَسَرَّ، لِقَوْلِهِ ﵇: (فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ) وَهَذَا عَامٌّ، وَلِقَوْلِ جَابِرٍ: مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ. التَّاسِعَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَأَنَّ الْفَاتِحَةَ مُتَعَيِّنَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِكُلِ أَحَدٍ عَلَى الْعُمُومِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)، وَقَوْلِهِ: (مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ) ثَلَاثًا. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُنَادِيَ أَنَّهُ: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. كَمَا لَا يَنُوبُ سُجُودُ رَكْعَةٍ وَلَا رُكُوعُهَا عَنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى، فَكَذَلِكَ لَا تَنُوبُ قِرَاءَةُ رَكْعَةٍ عَنْ غَيْرِهَا، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَخَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ بِهِمُ الْقُدْوَةُ، وَفِيهِمُ الْأُسْوَةُ، كُلُّهُمْ يُوجِبُونَ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِ مَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيُزِيلُ كُلَّ احْتِمَالٍ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن فضيل، وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ

стр. 126

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي سُفْيَانَ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِلَّذِي عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ: (وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) وَسَيَأْتِي. وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَبْطَأَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَقَامَ أَبُو نُعَيْمٍ الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ فَصَلَّى أَبُو نُعَيْمٍ بِالنَّاسِ، وَأَقْبَلَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى صَفَفْنَا خَلْفَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، فَجَعَلَ عُبَادَةُ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ لِعُبَادَةَ: سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ؟ قَالَ: أَجَلْ! صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: (هَلْ تَقْرَءُونَ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ) فَقَالَ بَعْضُنَا: إِنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ، قَالَ: (فَلَا. وَأَنَا أَقُولُ مَا لِي يُنَازَعُنِي الْقُرْآنُ فَلَا تَقْرَءُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ). وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْمَأْمُومِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ في القراءة خلق الْإِمَامِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَذَكَرَ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ كَانَ يَسْكُنُ إِيلِيَاءَ «١»، وَأَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ أَوَّلُ مِنْ أَذَّنَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ: وَنَافِعُ بْنُ مَحْمُودٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَلَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ شَيْئًا. وَقَالَ فِيهِ أَبُو عُمَرَ: مَجْهُولٌ. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ، قُلْتُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُ أَنَا، قُلْتُ: وَإِنْ جَهَرْتَ؟ قَالَ: وَإِنْ جَهَرْتُ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ جابر بن عبد الله

стр. 127

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْإِمَامُ ضَامِنٌ فَمَا صَنَعَ فَاصْنَعُوا). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذَا يَصِحُّ لِمَنْ قَالَ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَبِهَذَا أَفْتَى أَبُو هُرَيْرَةَ الْفَارِسِيُّ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا فِي نَفْسِهِ حِينَ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ، ثُمَّ استدل بقول تَعَالَى: «١» (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :) اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) الْحَدِيثَ. الْعَاشِرَةُ أَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِهِ ﵇: (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَقَالَ: وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ يُتَابَعْ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِيهَا عَنْ قَتَادَةَ، وَخَالَفَهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ فَلَمْ يَذْكُرُوهَا، مِنْهُمْ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَهَمَّامٌ وَأَبُو عَوَانَةَ وَمَعْمَرٌ وَعَدِيُّ بْنُ أَبِي عُمَارَةَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَإِجْمَاعُهُمْ يَدُلُّ عَلَى وَهَمِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ قَتَادَةَ مُتَابَعَةُ التَّيْمِيِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ، تَرَكَهُ الْقَطَّانُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا هذه الزيادة أبو داود من حديت أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ (إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ. وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ: أَنَّ مُسْلِمًا صَحَّحَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ. قُلْتُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا عِنْدَهُ إِدْخَالُهَا فِي كِتَابِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهَا. وَقَدْ صَحَّحَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حنبل وابن المنذر. وأما قول تَعَالَى:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا" [الأعراف: ٢٠٤] فَإِنَّهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ، وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ كَانَ الْمُشْرِكِينَ، عَلَى مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصلاة. وَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: (مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ) فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، وَاسْمُهُ فِيمَا قَالَ مَالِكٌ: عَمْرٌو،

стр. 128

وَغَيْرُهُ يَقُولُ عَامِرٌ، وَقِيلَ يَزِيدُ، وَقِيلَ عُمَارَةُ، وَقِيلَ عَبَّادٌ، يُكْنَى أَبَا الْوَلِيدِ تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو وَغَيْرُهُ. وَالْمَعْنَى فِي حَدِيثِهِ: لَا تَجْهَرُوا إِذَا جَهَرْتُ فَإِنَّ ذَلِكَ تَنَازُعٌ وَتَجَاذُبٌ وَتَخَالُجٌ، اقْرَءُوا فِي أَنْفُسِكُمْ. يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَادَةَ وَفُتْيَا الْفَارُوقِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثَيْنِ. فَلَوْ فُهِمَ الْمَنْعُ جُمْلَةً مِنْ قَوْلِهِ: (مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ) لَمَا أَفْتَى بِخِلَافِهِ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ أُكَيْمَةَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ، حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُرِيدُ بِالْحَمْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : (مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ) فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَسْنَدَهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ «١» وَهُوَ ضَعِيفٌ، كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ جَابِرٍ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: رَوَاهُ سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل ابن يُونُسَ وَشَرِيكٌ وَأَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ وَأَبُو الْأَحْوَصِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَمَّا قَوْلُ جَابِرٍ: مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ، فَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ قَوْلَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ورواه يحيى ابن سَلَّامٍ صَاحِبَ التَّفْسِيرِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَوَابُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ. وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ إِبْطَالُ الرَّكْعَةِ الَّتِي لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِلْغَاءِ الرَّكْعَةِ وَالْبِنَاءِ عَلَى غَيْرِهَا وَلَا يَعْتَدُّ الْمُصَلِّي بِرَكْعَةٍ لَا يَقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْإِمَامَ قِرَاءَتُهُ لِمَنْ خَلْفُهُ قِرَاءَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ جَابِرٍ وَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غيره.

стр. 129

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَمَّا قَالَ ﷺ : (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْأَصْلِ هَلْ يُحْمَلُ هَذَا النَّفْيُ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، أَوْ عَلَى الْإِجْزَاءِ؟ اخْتَلَفَتِ الْفَتْوَى بِحَسْبِ اخْتِلَافِ حَالِ النَّاظِرِ، وَلَمَّا كَانَ الْأَشْهَرُ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَالْأَقْوَى أَنَّ النَّفْيَ عَلَى الْعُمُومِ، كَانَ الْأَقْوَى مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْرَأِ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي تَكْرَارِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَمَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : (افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَ الْقِرَاءَةَ كَمَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْمَعَانِي فِي تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ يَرُدُّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ قَوْلَهُمْ فِي أَنَّ الْفَاتِحَةَ لَا تَتَعَيَّنُ، وَأَنَّهَا وَغَيْرَهَا مِنْ آيِ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ. وَقَدْ عَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادَهُ فِي قَوْلِهِ:" وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ". وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ. فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ لِلْأَعْرَابِيِّ: (اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ، وهو تفسير قوله تعالى:" فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ" [المزمل: ٢٠] وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ زَادَ فِي رِوَايَةٍ فَصَاعِدًا". وَقَوْلُهُ ﵇: (هِيَ خِدَاجٌ ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ) أَيْ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ بِالْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَالْخِدَاجُ: النَّقْصُ وَالْفَسَادُ. قَالَ الْأَخْفَشُ: خَدَجَتِ النَّاقَةُ، إِذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا لِغَيْرِ تَمَامٍ، وَأَخْدَجَتْ إِذَا قَذَفَتْ بِهِ قَبْلَ وَقْتِ الْوِلَادَةِ وَإِنْ كَانَ تَامَّ الْخَلْقِ. وَالنَّظَرُ يُوجِبُ فِي النُّقْصَانِ أَلَّا تَجُوزَ مَعَهُ الصَّلَاةُ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَمْ تَتِمْ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ وَهِيَ لَمْ تَتِمْ فَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا كَمَا أُمِرَ، عَلَى حَسَبِ حُكْمِهَا. وَمَنَ ادَّعَى أَنَّهَا تَجُوزُ مَعَ إِقْرَارِهِ بِنَقْصِهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ يَلْزَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقِرَاءَةَ لا تجب في شي من الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ فِيمَنْ نَسِيَهَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ هَذَا بِمِصْرَ فَقَالَ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ يُحْسِنُ

стр. 130

فَاتِحَةَ الْكِتَابِ إِلَّا بِهَا، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُنْقِصَ حَرْفًا مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا أَوْ نَقَصَ مِنْهَا حَرْفًا أَعَادَ صَلَاتَهُ وَإِنْ قَرَأَ بِغَيْرِهَا. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵀ أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ قَالُوا: حَسَنٌ، قَالَ: لَا بَأْسَ إِذًا، فَحَدِيثٌ مُنْكَرُ اللَّفْظِ مُنْقَطِعُ الْإِسْنَادِ، لِأَنَّهُ يَرْوِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ عَنْ عُمَرَ، وَمَرَّةً يَرْوِيهِ إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُمَرَ، وَكِلَاهُمَا مُنْقَطِعٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَلَيْسَ عِنْدَ يَحْيَى وَطَائِفَةٍ مَعَهُ، لِأَنَّهُ رَمَاهُ مَالِكٌ مِنْ كِتَابِهِ بِأَخَرَةٍ «١»، وَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ. رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عُمَرَ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ فَأَعَادَ بِهِمُ الصَّلَاةَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ شَهِدَهُ هَمَّامٌ مِنْ عُمَرَ، رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الَّذِي نَسِيَ الْقِرَاءَةَ، أَيُعْجِبُكَ مَا قَالَ عُمَرُ؟ فَقَالَ: أَنَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ فَعَلَهُ وَأَنْكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: يَرَى النَّاسُ عُمَرَ يَصْنَعُ هَذَا فِي الْمَغْرِبِ وَلَا يُسَبِّحُونَ بِهِ! أَرَى أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ مَنْ فَعَلَ هَذَا. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أُصُولِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَلَّا يَقْرَأَ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِلَّا سُورَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ مَالِكٌ: وَسُنَّةُ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقَرَأَ بِغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ، وَقَالَ: وَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَقْرَأَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَعَادَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةِ، وَيُسَبِّحُ فِي الأخريين إن شاء، وإن شاء قرأ، وإن لم يقرأ ولم يسبح جازت

стр. 131

صَلَاتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَائِرِ الْكُوفِيِّينَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: اقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَسَبِّحْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ. قَالَ سُفْيَانُ: فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ قِرَاءَةُ رَكْعَةٍ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إِنْ نسي أن يقرأ في ركعة من صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْمِصْرِيِّ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادُ الْمَالِكِيُّ، قَالَ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ. وَفِي رِوَايَةِ: وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَحَدِيثٌ صَحِيحٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ، وَنَصٌّ فِي تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةِ، خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ، وَالْحُجَّةُ فِي السُّنَّةِ لَا فِيمَا خَالَفَهَا. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ، فَمَا أَسْمَعَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَا مِنْكُمْ، فَمَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَمَنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَفِي الْبُخَارِيِّ: وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ. وَقَدْ أَبَى كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَرْكَ السُّورَةِ لِضَرُورَةٍ أَوْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، مِنْهُمْ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو وَائِلٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا: لَا صَلَاةَ لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشئ مَعَهَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّ آيَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّ آيَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يحد، وقال: شي مِنَ الْقُرْآنِ مَعَهَا، وَكُلُّ هَذَا مُوجِبٌ لِتَعَلُّمِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، لِحَدِيثِ عُبَادَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشئ مَعَهَا. وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: سُنَّةٌ، فَضِيلَةٌ، وَاجِبَةٌ.

стр. 132

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: مَنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِ مَجْهُودِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ أو شي مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا عَلِقَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي مَوْضِعِ الْقِرَاءَةِ بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ تَكْبِيرٍ أَوْ تَهْلِيلٍ أَوْ تَحْمِيدٍ أَوْ تَسْبِيحٍ أَوْ تَمْجِيدٍ أَوْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ مَعَ إِمَامٍ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئْنِي مِنْهُ، قَالَ: (قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلَّهِ، فَمَا لِي؟ قَالَ: (قُلِ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي). السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: فَإِنْ عَجَزَ عن إصابة شي مِنْ هَذَا اللَّفْظِ فَلَا يَدَعُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ جُهْدَهُ، فَالْإِمَامُ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَعَلَيْهِ أَبَدًا أَنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي تَعَلُّمِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ، إِلَى أَنْ يَحُولَ الْمَوْتُ دُونَ ذَلِكَ وَهُوَ بِحَالِ الِاجْتِهَادِ فَيَعْذُرَهُ اللَّهُ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مَنْ لَمْ يواته لسانه إلى التكلم بالعربية من الأعجمين وَغَيْرِهِمْ تُرْجِمَ لَهُ الدُّعَاءُ الْعَرَبِيُّ بِلِسَانِهِ الَّذِي يَفْقَهُ لِإِقَامَةِ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُجْزِئُهُ الْقِرَاءَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِصَابَةُ الْمَعْنَى. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَخِلَافُ مَا عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَخِلَافُ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَهُ عَلَى مَا قَالَ. الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ: مَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَمَا أُمِرَ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِالْقِرَاءَةِ، فَطَرَأَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ سَمِعَ مَنْ قَرَأَهَا فَعَلِقَتْ بِحِفْظِهِ مِنْ مُجَرَّدِ السَّمَاعِ فَلَا يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهُ أَدَّى مَا مَضَى عَلَى حَسَبٍ مَا أُمِرَ بِهِ، فَلَا وَجْهَ لِإِبْطَالِهِ. قاله في كتاب ابن سحنون.

стр. 133

الباب الثالث في التأمين، وفيه ثَمَانِ مَسَائِلَ الْأُولَى: وَيُسَنُّ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ أَنْ يَقُولُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ سَكْتَةٍ عَلَى نُونِ" وَلَا الضَّالِّينَ": آمِينَ، لِيَتَمَيَّزَ مَا هُوَ قُرْآنٌ مِمَّا لَيْسَ بِقُرْآنٍ. الثَّانِيَةُ: ثَبَتَ فِي الْأُمَّهَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (. قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: فَتَرَتَّبَتِ الْمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ أَرْبَعٍ تَضَمَّنَهَا هَذَا الْحَدِيثُ، الْأُولَى: تَأْمِينُ الْإِمَامِ، الثَّانِيَةُ: تَأْمِينُ مَنْ خَلْفَهُ، الثَّالِثَةُ: تَأْمِينُ الْمَلَائِكَةِ، الرَّابِعَةُ: مُوَافَقَةُ التَّأْمِينِ، قِيلَ فِي الْإِجَابَةِ، وَقِيلَ فِي الزَّمَنِ، وَقِيلَ فِي الصِّفَةِ مِنْ إِخْلَاصِ الدُّعَاءِ، لِقَوْلِهِ ﵇: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبِ غَافِلٍ لَاهٍ). الثَّالِثَةُ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي مُصَبِّحٍ الْمُقْرَائِيِّ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيُحَدِّثُ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ، فَإِذَا دَعَا الرَّجُلُ مِنَّا بِدُعَاءٍ قَالَ: اخْتِمْهُ بِآمِينَ، فَإِنَّ آمِينَ مِثْلَ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ. قَالَ أَبُو زُهَيْرٍ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ) فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: بأي شي يختم؟ قال: (بآمين فإنه خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ) فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَتَى الرَّجُلَ فَقَالَ لَهُ: اخْتِمْ يَا فُلَانُ وَأَبْشِرْ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَبُو زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيُّ اسْمُهُ يَحْيَى بْنُ نُفَيْرٍ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لَا تَقْتُلُوا الْجَرَادَ فَإِنَّهُ جُنْدُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ). وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: آمِينَ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كل حرف ملكا يقول: اللهم اغفر مَنْ قَالَ آمِينَ. وَفِي الْخَبَرِ (لَقَّنَنِي جِبْرِيلُ آمين عند

стр. 134

فَرَاغِي مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ إِنَّهُ كَالْخَاتَمِ عَلَى الْكِتَابِ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: (آمِينَ خَاتَمُ رَبِّ الْعَالَمِينَ). قَالَ الْهَرَوِيُّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ طَابَعُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، لِأَنَّهُ يَدْفَعُ [بِهِ عَنْهُمُ] «١» الْآفَاتِ وَالْبَلَايَا، فَكَانَ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ الَّذِي يَصُونُهُ، وَيَمْنَعُ مِنْ إِفْسَادِهِ وَإِظْهَارِ مَا فِيهِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ (آمِينَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ). قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ حَرْفٌ يَكْتَسِبُ بِهِ قَائِلُهُ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ. الرَّابِعَةُ: مَعْنَى آمِينَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنَا، وُضِعَ مَوْضِعَ الدُّعَاءِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمُجَاهِدٍ وَهِلَالِ بْنِ يَسَافٍ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَصِحَّ، قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقِيلَ مَعْنَى آمِينَ: كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا مَعْنَى آمِينَ؟ قَالَ: (رَبِّ افْعَلْ). وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ قُوَّةٌ لِلدُّعَاءِ، وَاسْتِنْزَالٌ لِلْبَرَكَةِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَعْنَاهُ لَا تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا. الْخَامِسَةُ: وَفِي آمِينَ لُغَتَانِ: الْمَدُّ عَلَى وَزْنِ فَاعِيلَ كَيَاسِينَ. وَالْقَصْرُ عَلَى وَزْنِ يَمِينَ. قَالَ الشَّاعِرُ فِي الْمَدِّ: يَا رَبِّ لَا تَسْلُبْنِي حُبَّهَا أَبَدًا ... وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ آمِينَا وَقَالَ آخَرُ: آمِينَ آمِينَ لَا أَرْضَى بِوَاحِدَةٍ ... حَتَّى أُبَلِّغَهَا أَلْفَيْنِ آمِينَا وَقَالَ آخَرُ فِي الْقَصْرِ: تَبَاعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ إِذْ سَأَلْتُهُ ... أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدًا وَتَشْدِيدُ الْمِيمِ خَطَأٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ التَّشْدِيدُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ، مِنْ أَمَّ إِذَا قَصَدَ، أَيْ نحن قاصدون نحوك، ومنه قوله:

стр. 135

" وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ" [المائدة: ٢]. حَكَاهُ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ مِثْلُ أَيْنَ وَكَيْفَ، لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ. وَتَقُولُ مِنْهُ: أَمَّنَ فُلَانٌ تَأْمِينًا. السَّادِسَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَقُولُهَا الْإِمَامُ وَهَلْ يَجْهَرُ بِهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ إِلَى ذَلِكَ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَبَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ: لَا يَجْهَرُ بِهَا. وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيُّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ: هُوَ مُخَيَّرٌ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُ آمِينَ وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ خَلْفَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَنَا فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا فَقَالَ: (إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَالَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمُ اللَّهُ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَمِثْلُهُ حَدِيثُ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَرَأَ" وَلَا الضَّالِّينَ" قَالَ:" آمِينَ" يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَزَادَ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ، هَذَا صَحِيحٌ وَالَّذِي بَعْدَهُ". وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ" بَابُ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ". وَقَالَ عَطَاءٌ:" آمِينَ" دُعَاءٌ، أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً «١». قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَبِهِ يَقُولُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، يَرَوْنَ أن يرفع الرجل صوته بالتأمين لا يُخْفِيهَا. وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَفِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ" آمِينَ". وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: تَرَكَ النَّاسُ آمِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ:" غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" قَالَ:" آمِينَ" حَتَّى يَسْمَعَهَا أَهْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَيَرْتَجُّ بِهَا الْمَسْجِدُ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَسُمَيٍّ فَمَعْنَاهُمَا التَّعْرِيفُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ آمِينَ، وَهُوَ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ:" وَلَا الضَّالِّينَ" لِيَكُونَ قَوْلُهُمَا مَعًا، ولا يتقدموه بقول: آمين،

стр. 136

لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِقَوْلِهِ ﵇: (إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا). وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْحَارِثِ: لَا يَقُولُهَا الْمَأْمُومُ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَ الْإِمَامَ يَقُولُ:" وَلَا الضَّالِّينَ". وَإِذَا كَانَ بِبُعْدٍ لَا يَسْمَعُهُ فَلَا يَقُلْ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: يَتَحَرَّى قَدْرَ الْقِرَاءَةِ وَيَقُولُ: آمِينَ. السَّابِعَةُ قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: الْإِخْفَاءُ بِآمِينَ أَوْلَى مِنَ الْجَهْرِ بِهَا لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً" [الأعراف: ٥]. قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ قول تعالى:" قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما" [يونس: ٨٩]. قَالَ: كَانَ مُوسَى يَدْعُو وَهَارُونَ يُؤَمِّنُ، فَسَمَّاهُمَا اللَّهُ دَاعِيَيْنِ. الْجَوَابُ: أَنَّ إِخْفَاءَ الدُّعَاءِ إِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ لِمَا يَدْخُلُهُ مِنَ الرِّيَاءِ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَشُهُودُهَا إِشْهَارُ شِعَارٍ ظَاهِرٍ، وَإِظْهَارُ حَقٍّ يُنْدَبُ الْعِبَادُ إِلَى إِظْهَارِهِ، وَقَدْ نُدِبَ الْإِمَامُ إِلَى إِشْهَارِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالتَّأْمِينِ فِي آخِرِهَا، فَإِذَا كَانَ الدُّعَاءُ مِمَّا يُسَنُّ الْجَهْرُ فِيهِ فَالتَّأْمِينُ عَلَى الدُّعَاءِ تَابِعٌ لَهُ وَجَارٍ مُجْرَاهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ. الثَّامِنَةُ كَلِمَةُ آمِينَ لَمْ تَكُنْ قَبْلَنَا إِلَّا لِمُوسَى وَهَارُونَ ﵉. ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي (نَوَادِرِ الْأُصُولِ): حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا رَزِينٌ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى أُمَّتِي ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَ أَحَدًا قَبْلَهُمُ السَّلَامُ وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَصُفُوفُ الْمَلَائِكَةِ وَآمِينَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مُوسَى وَهَارُونَ) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَعْنَاهُ أَنَّ مُوسَى دَعَا عَلَى فِرْعَوْنَ، وَأَمَّنَ هَارُونُ، فَقَالَ الله تبارك اسمه عند ما ذَكَرَ دُعَاءَ مُوسَى فِي تَنْزِيلِهِ:" قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما" [يونس: ٨٩] وَلَمْ يَذْكُرْ مَقَالَةَ هَارُونَ، وَقَالَ مُوسَى: رَبَّنَا، فَكَانَ مِنْ هَارُونَ التَّأْمِينُ، فَسَمَّاهُ دَاعِيًا فِي تَنْزِيلِهِ، إِذْ صَيَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ دَعْوَةً. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَمِينَ خَاصٌّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: (ما حسدتكم اليهود على شي مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ .... ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ

стр. 137

حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شي مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى آمِينَ فَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ آمِينَ). قَالَ عُلَمَاؤُنَا «١» رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إِنَّمَا حَسَدَنَا أَهْلُ الْكِتَابِ لِأَنَّ أَوَّلَهَا حَمْدٌ لِلَّهِ وَثَنَاءٌ عَلَيْهِ ثُمَّ خُضُوعٌ لَهُ وَاسْتِكَانَةٌ، ثُمَّ دُعَاءٌ لَنَا بِالْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ثُمَّ الدعاء عليهم مع قولنا آمين. الباب الرابع فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والاعراب وفضل الحامدين، وفيه ست وثلاثون مسألة [سورة الفاتحة (١): آية ٢] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الْأُولَى قَوْلُهُ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ) رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ صَدَقَ عَبْدِي الْحَمْدُ لِي). وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا). وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلُ مِنْهَا. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ). وَفِي (نَوَادِرِ الْأُصُولِ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا بِحَذَافِيرِهَا بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَكَانَتِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ (. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَعْنَاهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِي عَلَى أَثَرِهَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ حَتَّى نَطَقَ بِهَا، فَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَفْضَلَ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا، لِأَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ وَالْكَلِمَةَ بَاقِيَةٌ، هِيَ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، قَالَ [اللَّهُ تَعَالَى:" وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ «٢»] خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا" [مريم: ٧٦]. وَقِيلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: لَكَانَ مَا أَعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ. فَصَيَّرَ الْكَلِمَةَ إِعْطَاءً مِنَ العبد، والدنيا أخذا من الله، فهذا

стр. 138

فِي التَّدْبِيرِ «١». كَذَاكَ يَجْرِي فِي الْكَلَامِ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنَ الْعَبْدِ، وَالدُّنْيَا مِنَ اللَّهِ، وَكِلَاهُمَا مِنَ اللَّهِ فِي الْأَصْلِ، الدُّنْيَا مِنْهُ وَالْكَلِمَةُ مِنْهُ، أَعْطَاهُ الدُّنْيَا فَأَغْنَاهُ، وَأَعْطَاهُ الْكَلِمَةَ فَشَرَّفَهُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ: (أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَالَ يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ فَعَضَلَتْ بِالْمَلَكَيْنِ فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَكْتُبَانِهَا فَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَا يَا رَبَّنَا إِنَّ عَبْدَكَ قَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُهَا قَالَ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ عَبْدُهُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي قَالَا يَا رَبِّ إِنَّهُ قَدْ قَالَ يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ فَقَالَ اللَّهُ لَهُمَا اكْتُبَاهَا كَمَا قَالَ عَبْدِي حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزَيهُ بِهَا (. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَعْضَلَ الْأَمْرُ: اشْتَدَّ وَاسْتَغْلَقَ، وَالْمُعَضِّلَاتُ (بِتَشْدِيدِ الضَّادِ): الشَّدَائِدُ. وَعَضَّلَتِ الْمَرْأَةُ وَالشَّاةُ: إِذَا نَشِبَ وَلَدُهَا فَلَمْ يَسْهُلْ مَخْرَجُهُ، بِتَشْدِيدِ الضَّادِ أَيْضًا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: أَعْضَلَتِ الْمَلَكَيْنِ أَوْ عَضَّلَتِ الْمُلْكَيْنِ بِغَيْرِ بَاءٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرُوِيَ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّمَا أَفْضَلُ، قَوْلُ الْعَبْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَوْ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفْضَلُ، لِأَنَّ فِي ضِمْنِهِ التَّوْحِيدَ الَّذِي هُوَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَفِي قَوْلِهِ تَوْحِيدٌ وَحَمْدٌ، وَفِي قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَوْحِيدٌ فَقَطْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ، لِأَنَّهَا تَدْفَعُ الْكُفْرَ وَالْإِشْرَاكَ، وَعَلَيْهَا يُقَاتَلُ الْخَلْقُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَالَ: وَالْحَاكِمُ بِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : (أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له).

стр. 139

الثَّالِثَةُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مَحْمُودٌ عَلَى سَائِرِ نِعَمِهِ، وَأَنَّ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ الْإِيمَانَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ فِعْلُهُ وَخَلْقُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ:" رَبِّ الْعالَمِينَ". وَالْعَالَمُونَ جُمْلَةُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْإِيمَانُ، لَا كَمَا قَالَ الْقَدَرِيَّةُ: إِنَّهُ خَلْقٌ لَهُمْ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. الرَّابِعَةُ الْحَمْدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ الْكَامِلُ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ مِنَ الْمَحَامِدِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ بِأَجْمَعِهِ إِذْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَا، وَقَدْ جُمِعَ لَفْظُ الْحَمْدِ جَمْعَ الْقِلَّةِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: وَأَبْلَجُ مَحْمُودِ الثَّنَاءِ خَصَصْتُهُ ... بِأَفْضَلِ أَقْوَالِي وَأَفْضَلِ أَحْمُدِي فَالْحَمْدُ نَقِيضُ الذَّمِّ، تَقُولُ: حَمِدْتُ الرَّجُلَ أَحْمَدُهُ حَمْدًا فَهُوَ حَمِيدٌ وَمَحْمُودٌ، وَالتَّحْمِيدُ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمْدِ. وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشكر، والمحمد: الذي كثرت خصال الْمَحْمُودَةِ. قَالَ الشَّاعِرُ: إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ وَبِذَلِكَ سُمِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ الشاعر: «١» فَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ وَالْمَحْمَدَةُ: خِلَافُ الْمَذَمَّةِ. وَأَحْمَدَ الرَّجُلُ: صَارَ أَمْرُهُ إِلَى الْحَمْدِ. وَأَحْمَدْتُهُ: وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا، تَقُولُ: أَتَيْتُ مَوْضِعَ كَذَا فَأَحْمَدْتُهُ، أَيْ صَادَفْتُهُ مَحْمُودًا مُوَافِقًا، وَذَلِكَ إِذَا رَضِيتَ سُكْنَاهُ أَوْ مَرْعَاهُ. وَرَجُلٌ حُمَدَةٌ مِثْلَ هُمَزَةٍ يُكْثِرُ حَمْدَ الْأَشْيَاءِ وَيَقُولُ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا فِيهَا. وَحَمَدَةُ النَّارَ بِالتَّحْرِيكِ: صَوْتُ الْتِهَابِهَا. الْخَامِسَةُ ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ إِلَى أَنَّ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ سَوَاءً، وَلَيْسَ بِمَرْضِيٍّ. وَحَكَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي كِتَابِ" الْحَقَائِقِ" لَهُ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَابْنِ عَطَاءٍ. قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: مَعْنَاهُ الشُّكْرُ لِلَّهِ، إِذْ كَانَ مِنْهُ الِامْتِنَانُ عَلَى تَعْلِيمِنَا إِيَّاهُ حَتَّى حَمِدْنَاهُ. وَاسْتَدَلَّ الطَّبَرِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنًى بِصِحَّةِ قَوْلِكَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، لِأَنَّ قَوْلَكَ شُكْرًا، إِنَّمَا خَصَصْتَ بِهِ الْحَمْدَ، لِأَنَّهُ عَلَى نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الشُّكْرَ أَعَمُّ من الحمد، لأنه باللسان وبالجوارح

стр. 140

وَالْقَلْبِ، وَالْحَمْدُ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ خَاصَّةً. وَقِيلَ: الْحَمْدُ أَعَمُّ، لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الشُّكْرِ وَمَعْنَى الْمَدْحِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، لِأَنَّ الْحَمْدَ يُوضَعُ مَوْضِعَ الشُّكْرِ وَلَا يُوضَعُ الشُّكْرُ مَوْضِعَ الْحَمْدِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ، وَإِنَّ آدَمَ ﵇ قَالَ حِينَ عَطَسَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَالَ اللَّهُ لِنُوحٍ ﵇:" فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" «١» وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵇:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ" «٢». وَقَالَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ:" وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ" «٣». وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ :" وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً" «٤». وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ" «٥»." وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" «٦». فَهِيَ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْحَمْدَ ثَنَاءٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ بِصِفَاتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ إِحْسَانِ، وَالشُّكْرِ ثَنَاءٌ عَلَى الْمَشْكُورِ بِمَا أَوْلَى مِنَ الْإِحْسَانِ «٧». وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، لِأَنَّ الْحَمْدَ يَقَعُ عَلَى الثَّنَاءِ وَعَلَى التَّحْمِيدِ وَعَلَى الشُّكْرِ، وَالْجَزَاءُ مَخْصُوصٌ إِنَّمَا يَكُونُ مُكَافَأَةً لِمَنْ أَوْلَاكَ مَعْرُوفًا، فَصَارَ الْحَمْدُ أَعَمَّ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى الشُّكْرِ. وَيُذْكَرُ الْحَمْدُ بِمَعْنَى الرِّضَا، يقال: بلوته فحمدته، أي رضيته. ومنه قول تَعَالَى:" مَقاماً مَحْمُوداً" «٨». وَقَالَ ﵇: (أَحْمَدُ إِلَيْكُمْ غَسْلَ الْإِحْلِيلِ) أَيْ أَرْضَاهُ لَكُمْ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ فِي قَوْلِهِ" الْحَمْدُ لِلَّهِ": مَنْ حَمِدَهُ بِصِفَاتِهِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ حمد، لان الحمد جاء وَمِيمٌ وَدَالٌ، فَالْحَاءُ مِنَ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَالْمِيمُ مِنَ الْمُلْكِ، وَالدَّالُ مِنَ الدَّيْمُومِيَّةِ، فَمَنْ عَرَفَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالدَّيْمُومِيَّةِ وَالْمُلْكِ فَقَدْ عَرَفَهُ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَالَ شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي تَفْسِيرِ" الْحَمْدُ لِلَّهِ" قَالَ: هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَوَّلُهَا إِذَا أَعْطَاكَ اللَّهُ شَيْئًا تَعْرِفُ مَنْ أَعْطَاكَ. وَالثَّانِي أَنْ تَرْضَى بِمَا أَعْطَاكَ. وَالثَّالِثُ مَا دَامَتْ قُوَّتُهُ فِي جَسَدِكَ أَلَّا تعصيه، فهذه شرائط الحمد.

стр. 141

السَّادِسَةُ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَمْدِ عَلَى نَفْسِهِ، وَافْتَتَحَ كِتَابَهُ بِحَمْدِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، بَلْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﵇ فَقَالَ:" فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى " «١». وَقَالَ ﵇: (احْثُوَا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ) رَوَاهُ الْمِقْدَادُ. وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي" النِّسَاءِ" «٢» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَمَعْنَى" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" أَيْ سَبَقَ الْحَمْدُ مِنِّي لِنَفْسِي أَنْ يَحْمَدَنِي أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَحَمْدِي نَفْسِي لِنَفْسِي فِي الْأَزَلِ لَمْ يَكُنْ بِعِلَّةٍ، وَحَمْدِي الْخَلْقَ مَشُوبٌ بِالْعِلَلِ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَيُسْتَقْبَحُ مِنَ الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَمْ يُعْطَ الْكَمَالَ أَنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ لِيَسْتَجْلِبَ لَهَا الْمَنَافِعَ وَيَدْفَعَ عَنْهَا الْمَضَارَّ. وَقِيلَ: لَمَّا عَلِمَ سُبْحَانَهُ عَجْزَ عِبَادِهِ عَنْ حَمْدِهِ، حَمِدَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ فِي الْأَزَلِ، فَاسْتِفْرَاغُ طَوْقِ عِبَادِهِ هُوَ مَحَلُّ الْعَجْزِ عِنْ حَمْدِهِ. أَلَا تَرَى سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ كَيْفَ أَظْهَرَ الْعَجْزَ بِقَوْلِهِ: (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ). وَأَنْشَدُوا: إِذَا نَحْنُ أَثْنَيْنَا عَلَيْكَ بِصَالِحٍ ... فَأَنْتَ كَمَا نُثْنِي وَفَوْقَ الَّذِي نُثْنِي وَقِيلَ: حَمِدَ نَفْسَهُ فِي الْأَزَلِ لِمَا عَلِمَ مِنْ كَثْرَةِ نِعَمِهِ على عباده وعجزهم عن الْقِيَامِ بِوَاجِبِ حَمْدِهِ فَحَمِدَ نَفْسَهُ عَنْهُمْ، لِتَكُونَ النعمة أهنأ لديهم، حيث أسقط عنهم بِهِ ثِقَلَ الْمِنَّةِ. السَّابِعَةُ وَأَجْمَعَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ وَجُمْهُورُ النَّاسِ عَلَى رَفْعِ الدَّالِ مِنَ" الْحَمْدُ لِلَّهِ". وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَرُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ" بِنَصَبِ الدَّالِ، وَهَذَا عَلَى إِضْمَارِ فَعِلَ. وَيُقَالُ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ" بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَسَبِيلُ الْخَبَرِ أَنْ يُفِيدَ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي هَذَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِالرَّفْعِ فَفِيهِ مِنَ الْمَعْنَى مِثْلُ مَا فِي قَوْلِكَ: حَمِدْتُ اللَّهَ حَمْدًا، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَمْدَ يُخْبِرُ أَنَّ الْحَمْدَ مِنْهُ وَمِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ لِلَّهِ، وَالَّذِي يَنْصِبُ الْحَمْدَ يُخْبِرُ أَنَّ الْحَمْدَ مِنْهُ وَحْدَهُ لِلَّهِ. وَقَالَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ. إِنَّمَا يُتَكَلَّمُ بِهَذَا تَعَرُّضًا لِعَفْوِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ وَتَمْجِيدًا، فَهُوَ خِلَافُ مَعْنَى الْخَبَرُ وَفِيهِ مَعْنَى السُّؤَالِ. وَفِي الْحَدِيثِ: (مَنْ شُغِلَ بِذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ). وَقِيلَ: إِنَّ مَدْحَهُ لِنَفْسِهِ وَثَنَاءَهُ عَلَيْهَا لِيُعَلِّمَ ذَلِكَ عِبَادَهُ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ"

стр. 142

ثَنَاءٌ أَثْنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي ضِمْنِهِ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قولوا الحمد لله، وعلى هذا يجئ قُولُوا إِيَّاكَ. وَهَذَا مِنْ حَذْفِ الْعَرَبِ مَا يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَأَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَكُونُ رَمْسًا ... إِذَا سَارَ النَّوَاعِجُ «١» لَا يَسِيرُ فَقَالَ السَّائِلُونَ لِمَنْ حَفَرْتُمْ ... فَقَالَ الْقَائِلُونَ لَهُمْ وَزِيرُ الْمَعْنَى: الْمَحْفُورُ لَهُ وَزِيرٌ، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ" بِضَمِّ الدَّالِ وَاللَّامِ عَلَى إِتْبَاعِ الثَّانِي الْأَوَّلَ، وَلِيَتَجَانَسَ اللَّفْظُ، وَطَلَبُ التَّجَانُسِ فِي اللَّفْظِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ، نَحْوَ: أَجُوءُكَ، وَهُوَ مُنْحَدُرٌ مِنَ الْجَبَلِ، بِضَمِّ الدَّالِ وَالْجِيمِ. قَالَ: اضْرِبِ السَّاقَيْنُ أُمُّكَ هَابِلُ بِضَمِّ النُّونِ لِأَجْلِ ضَمِّ الْهَمْزَةِ. وَفِي قِرَاءَةٍ لِأَهْلِ مَكَّةَ" مُرُدِفِينَ" بِضَمِّ الرَّاءِ إِتْبَاعًا لِلْمِيمِ، وَعَلَى ذَلِكَ" مُقُتِّلِينَ" بِضَمِّ الْقَافِ. وَقَالُوا: لِإِمِّكَ، فَكَسَرُوا الْهَمْزَةَ إِتْبَاعًا لِلَّامِ، وَأُنْشِدَ لِلنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: وَيَلِ امِّهَا فِي هَوَاءِ الْجَوِّ طَالِبَةً ... وَلَا كَهَذَا الَّذِي فِي الْأَرْضِ مَطْلُوبُ «٢» الْأَصْلُ: وَيْلٌ لِأُمِّهَا، فَحُذِفَتِ اللَّامُ الْأُولَى وَاسْتُثْقِلَ ضَمُّ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ فَنَقَلَهَا لِلَّامِ ثُمَّ أَتْبَعَ اللَّامَ الْمِيمَ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ" بِكَسْرِ الدَّالِّ عَلَى اتْبَاعِ الْأَوَّلِ الثَّانِيَ. الثَّامِنَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَيْ مَالِكُهُمْ، وَكُلِّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا فَهُوَ رَبُّهُ، فَالرَّبُّ: الْمَالِكُ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالرَّبُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُقَالُ فِي غَيْرِهِ إِلَّا بِالْإِضَافَةِ، وَقَدْ قَالُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِلْمَلِكِ، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: وَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يو ... م الحيارين «٣» والبلاء بلاء

стр. 143

وَالرَّبُّ: السَّيِّدُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ" «١». وَفِي الْحَدِيثِ: (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) أَيْ سَيِّدَتَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ (التَّذْكِرَةِ). وَالرَّبُّ: الْمُصْلِحُ وَالْمُدَبِّرُ وَالْجَابِرُ وَالْقَائِمُ. قَالَ الْهَرَوِيُّ وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شي وَإِتْمَامِهِ: قَدْ رَبَّهُ يَرُبُّهُ فَهُوَ رَبٌّ لَهُ وَرَابٌّ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّبَّانِيُّونَ لِقِيَامِهِمْ بِالْكُتُبِ. وَفِي الْحَدِيثِ: (هَلْ لَكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا عَلَيْهِ) أَيْ تَقُومُ بِهَا وَتُصْلِحُهَا. وَالرَّبُّ: الْمَعْبُودُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانِ بِرَأْسِهِ ... لَقَدْ ذُلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ وَيُقَالُ عَلَى التَّكْثِيرِ «٢»: رَبَّاهُ وَرَبَّبَهُ وَرَبَّتَهُ، حَكَاهُ النَّحَّاسُ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَرَبَّ فُلَانٌ وَلَدَهُ يَرُبُّهُ رَبًّا وَرَبَّبَهُ وَتَرَبَّبَهُ بِمَعْنًى أَيْ رَبَّاهُ. وَالْمَرْبُوبُ: الْمُرَبَّى. التَّاسِعَةُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا الِاسْمَ هُوَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، لِكَثْرَةِ دَعْوَةِ الدَّاعِينَ بِهِ، وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، كَمَا فِي آخِرِ" آلِ عِمْرَانَ" «٣» وَسُورَةِ" إِبْرَاهِيمَ" «٤» وَغَيْرِهِمَا، وَلِمَا يُشْعِرُ به هذا الوصف من الصلاة بَيْنَ الرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْعَطْفِ وَالرَّحْمَةِ وَالِافْتِقَارِ فِي كُلِّ حَالٍ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّرْبِيَةِ، فَاللَّهُ مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ وَمُرَبِّيِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ" «٥». فَسَمَّى بِنْتَ الزَّوْجَةِ رَبِيبَةً لِتَرْبِيَةِ الزَّوْجِ لَهَا. فَعَلَى أَنَّهُ مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ وَمُرَبِّيِهِمْ يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ، وَعَلَى أَنَّ الرَّبَّ بِمَعْنَى الْمَالِكِ وَالسَّيِّدِ يَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ. الْعَاشِرَةُ مَتَى أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى" رَبِّ" اخْتُصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، لِأَنَّهَا لِلْعَهْدِ، وَإِنْ حَذَفْنَا مِنْهُ صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، فَيُقَالُ: اللَّهُ رَبُّ الْعِبَادِ، وَزَيْدٌ رَبُّ الدَّارِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ رَبُّ الْأَرْبَابِ، يملك المالك والمملوك، وهو خالق ذلك ورزقه، وَكُلُّ رَبٍّ سِوَاهُ غَيْرُ خَالِقٍ وَلَا رَازِقٍ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ فَمُمَلَّكٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، ومنتزع ذلك من يده، وإنما

стр. 144

يملك شيئا دون شي، وَصِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى مُخَالِفَةٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، فَهَذَا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين. الحادية عشرة قَوْلُهُ تَعَالَى (الْعالَمِينَ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي" الْعالَمِينَ" اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَقَالَ قَتَادَةُ: الْعَالَمُونَ جَمْعُ عَالَمٍ، وَهُوَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ مِثْلَ رَهْطٍ وَقَوْمٍ. وَقِيلَ: أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ عَالَمٌ، قَالَهُ الحسين بن الفضل، لقول تَعَالَى:" أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ" «١» أَيْ مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ الْعَجَّاجُ: فَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا الْعَألَمِ «٢» وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفَى: تَنَصَّفُهُ الْبَرِيَّةُ وَهُوَ سَامٍ ... وَيُضَحِي الْعَالَمُونَ لَهُ عِيَالًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعَالَمُونَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً" «٣» وَلَمْ يَكُنْ نَذِيرًا لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أُمَمٍ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ. وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ: عَالَمٌ، لِأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ مَنْ يَعْقِلُ خَاصَّةً. قَالَ الْأَعْشَى: مَا إِنْ سَمِعْتُ بِمِثْلِهِمْ فِي الْعَالَمِينَا وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُمُ الْمُرْتَزِقُونَ، وَنَحْوَهُ قَوْلُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: هُمُ الرُّوحَانِيُّونَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: كُلُّ ذِي رُوحٍ دَبَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ، الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: إِنَّ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ عَالَمٍ، الدُّنْيَا مِنْ شَرْقِهَا إِلَى غَرْبِهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْعَالَمُونَ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ، أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ فِي الْبَرِّ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ فِي الْبَحْرِ. وَرَوَى الرَّبِيعُ ابن أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْجِنُّ عَالَمٌ، وَالْإِنْسُ عَالَمٌ، وَسِوَى ذَلِكَ لِلْأَرْضِ أَرْبَعُ زَوَايَا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ عَالَمٍ، خَلَقَهُمْ لعبادته.

стр. 145

قُلْتُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ وَمَوْجُودٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا «١» " ثُمَّ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مُوجِدِهِ. كَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ قَالَ: الْعَالَمُ كُلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْعِلْمُ وَالْعَلَامَةُ وَالْمَعْلَمُ: مَا دَلَّ عَلَى الشَّيْءِ، فَالْعَالَمُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا، وَهَذَا وَاضِحٌ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْجُنَيْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتِمَّهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، قُلْ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَمَنِ الْعَالَمِينَ حَتَّى تُذْكَرَ مَعَ الْحَقِّ؟ قَالَ: قُلْ يَا أَخِي؟ فَإِنَّ الْمُحْدَثَ إِذَا قُرِنَ مَعَ الْقَدِيمِ لَا يَبْقَى لَهُ أثر. الثانية عشرة يَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ فِي" رَبِّ" فَالنَّصَبُ عَلَى الْمَدْحِ، وَالرَّفْعُ عَلَى الْقَطْعِ، أَيْ هُوَ رَبُّ العالمين. [سورة الفاتحة (١): آية ٣] الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) الثالثة عشرة قَوْلُهُ تَعَالَى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) وَصَفَ نَفْسَهُ تَعَالَى بَعْدَ" رَبِّ الْعالَمِينَ"، بِأَنَّهُ" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي اتِّصَافِهِ بِ" رَبِّ الْعالَمِينَ" تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِ" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لِمَا تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ، لِيَجْمَعَ فِي صِفَاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنْهُ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ أَعْوَنَ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَمْنَعَ، كَمَا قَالَ:" نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ «٢» ". وَقَالَ:" غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ" «٣». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ). وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مِنَ الْمَعَانِي، فلا معنى لإعادته. [سورة الفاتحة (١): آية ٤] مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) الرابعة عشرة قَوْلُهُ تَعَالَى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) قَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْقَعِ بِنَصْبِ مَالِكِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: مَالِكُ وَمَلِكُ وَمَلْكُ مُخَفَّفَةٌ مِنْ مَلِكَ وَمَلِيكُ. قَالَ الشَّاعِرُ: «٤» وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ ... عَصَيْنَا الملك فيها أن ندينا
следующие страницы →