Полный текст (7 453 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وأما المدني الأخير فهو قَوْلِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ: سِتَّةُ آلَافِ آيَةٍ ومائتان آيَةٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً. وَقَالَ الْفَضْلُ: عَدَدُ آيِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِ الْمَكِّيِّينَ سِتَّةُ آلَافِ وَمِائَتَا آيَةٍ وَتِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: وَجَمِيعُ عَدَدِ آيِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ سِتَّةُ آلَافِ آيَةٍ وَمِائَتَا آيَةٍ وَثَلَاثُونَ وَسِتُّ آيَاتٍ، وَهُوَ الْعَدَدُ الَّذِي رَوَاهُ سُلَيْمٌ «١» وَالْكِسَائِيُّ عَنْ حَمْزَةَ، وَأَسْنَدَهُ الْكِسَائِيُّ إِلَى عَلِيٍّ ﵁. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَجَمِيعُ عَدَدِ آيِ الْقُرْآنِ فِي عَدَدِ الْبَصْرِيِّينَ سِتَّةُ آلَافٍ وَمِائَتَانِ وَأَرْبَعُ آيَاتٍ، وَهُوَ الْعَدَدُ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ سَلَفُهُمْ حَتَّى الْآنَ. وَأَمَّا عَدَدُ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ الذِّمَارِيُّ: سِتَّةُ آلَافٍ وَمِائَتَانِ وَسِتٌّ وَعِشْرُونَ. فِي رِوَايَةٍ ستة آلاف ومائتان وَمِائَتَانِ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ، نَقَصَ آيَةً. قَالَ ابْنُ ذكوان: فظنت أَنَّ يَحْيَى لَمْ يَعُدَّ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". قَالَ أَبُو عَمْرٍو: فَهَذِهِ الْأَعْدَادُ الَّتِي يَتَدَاوَلُهَا النَّاسُ تَأْلِيفًا، وَيَعُدُّونَ بِهَا فِي سَائِرِ الْآفَاقِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَأَمَّا كَلِمَاتُهُ فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ: جَمِيعُ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَثَلَاثُونَ كَلِمَةً، وَحُرُوفُهُ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ حَرْفًا. قُلْتُ: هَذَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْحِمَّانِيِّ قَبْلَ هَذَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هَذَا مَا أَحْصَيْنَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ حَرْفٍ وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ حَرْفٍ وَمِائَةٌ وَثَمَانُونَ حَرْفًا، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ قبل هذا الحماني من عد حروفه.
باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف
مَعْنَى السُّورَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْإِبَانَةُ لَهَا مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى وَانْفِصَالِهَا عَنْهَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأنه يرتفع فيها من مَنْزِلَةٍ. قَالَ النَّابِغَةُ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ
أي منزلة شرف ارتفعت إليها عن منزل الملوك. وقيل سميت لِشَرَفِهَا وَارْتِفَاعِهَا كَمَا يُقَالُ لِمَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ سُورٌ. وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ قَارِئَهَا يشرف على ما لم يكن
стр. 72
عنده كسور البناء بغير همزة. وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا قُطِعَتْ مِنَ الْقُرْآنِ على حد، من قول العرب للبقية: سؤر، وجاء أَسَآرِ النَّاسِ أَيْ بَقَايَاهُمْ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْأَصْلُ سُؤْرَةً بِالْهَمْزَةِ ثُمَّ خُفِّفَتْ فَأُبْدِلَتْ وَاوًا لانظمام مَا قَبْلَهَا. وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَمَامِهَا وَكَمَالِهَا مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ لِلنَّاقَةِ التَّامَّةِ: سُورَةٌ، وَجَمْعُ سُورَةٍ سُوَرٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ «١»:
سُودُ الْمَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
وَيَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ عَلَى سُورَاتٍ وَسُوَرَاتٍ. وَأَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ الْعَلَامَةُ: بمعنى أنها علامة لانقطاع الكلام قَبِلَهَا مِنَ الَّذِي بَعْدَهَا وَانْفِصَالِهِ، أَيْ هِيَ بَائِنَةٌ مِنْ أُخْتِهَا وَمُنْفَرِدَةٌ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ آيَةٌ، أَيْ عَلَامَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى" إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ «٢» ". وَقَالَ النَّابِغَةُ:
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ آيَةٌ لِأَنَّهَا جَمَاعَةُ حُرُوفٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَطَائِفَةٌ مِنْهُ، كَمَا يُقَالُ: خَرَجَ الْقَوْمُ بِآيَاتِهِمْ أَيْ بِجَمَاعَتِهِمْ. قَالَ بُرْجُ بْنُ مُسْهِرٍ الطَّائِيُّ:
خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مِثْلُنَا ... بِآيَاتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ الْمَطَافِلَا
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ آيَةً لِأَنَّهَا عَجَبٌ يَعْجَزُ الْبَشَرُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِمِثْلِهَا. وَاخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي أَصْلِ آيَةٍ، فَقَالَ سِيبَوَيْهِ: أَيَيَةٌ عَلَى فَعَلَةٍ مِثْلَ أَكَمَةٍ وَشَجَرَةٍ، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا انْقَلَبَتْ أَلِفًا فَصَارَتْ آيَةً بِهَمْزَةٍ بَعْدَهَا مَدَّةٌ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَصْلُهَا آيِيَةٌ عَلَى وَزْنِ فَاعِلَةٍ مِثْلَ آمِنَةٍ فَقُلِبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِبَاسِهَا بِالْجَمْعِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهَا أَيَّيْةٌ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأُولَى فَقُلِبَتْ ألفا كراهة التشديد فَصَارَتْ آيَةً وَجَمْعُهَا آيٌ وَآيَاتٌ وَآيَاءٌ «٣». وَأَنْشَدَ أبو زيد: لم يبق الدهر من آيائه غير أثافيه وأرمدائه
стр. 73
وَأَمَّا الْكَلِمَةُ فَهِيَ الصُّورَةُ الْقَائِمَةُ بِجَمِيعِ مَا يَخْتَلِطُ بِهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ «١» أَيِ الْحُرُوفِ، وَأَطْوَلُ الْكَلِمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَحْرُفٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ «٢» ". و" أَنُلْزِمُكُمُوها «٣» " وشبههما، فأما قوله" فَأَسْقَيْناكُمُوهُ «٤» " فَهُوَ عَشَرَةُ أَحْرُفٍ «٥» فِي الرَّسْمِ وَأَحَدَ عَشَرَ فِي اللَّفْظِ. وَأَقْصَرُهُنَّ مَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْنِ نحو ما ولا وَلَهُ، وَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ. وَمِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي مَا هُوَ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، مِثْلُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَوَاوِ الْعَطْفِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِهِ مُفْرَدًا. وَقَدْ تَكُونُ الْكَلِمَةُ وَحْدَهَا آيَةً تَامَّةً نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَالْفَجْرِ"." وَالضُّحى "." وَالْعَصْرِ". وكذلك" الم". و" المص". وَ" طَهَ". وَ" يس". وَ" حم" فِي قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ، وَذَلِكَ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ، فأما ما في حشوهن فال. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ وَحْدَهَا آيَةٌ إِلَّا قَوْلَهُ فِي الرَّحْمَنِ" مُدْهامَّتانِ «٦» " لأغير. وَقَدْ أَتَتْ كَلِمَتَانِ مُتَّصِلَتَانِ وَهُمَا آيَتَانِ، وَذَلِكَ في قوله تعالى" حم عسق" على قول الكوفيين لأغير. وَقَدْ تَكُونُ الْكَلِمَةُ فِي غَيْرِ هَذَا: الْآيَةَ التَّامَّةَ، وَالْكَلَامُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، قَالَ اللَّهُ :" وَتَمَّتْ «٧» كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا" قِيلَ: إِنَّمَا يَعْنِي بِالْكَلِمَةِ هَاهُنَا قَوْلَهُ ﵎:" وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا «٨» فِي الْأَرْضِ" إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ، وَقَالَ " وَأَلْزَمَهُمْ «٩» كَلِمَةَ التَّقْوى ". قال مجاهد لا إله إلا اللَّهِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :" كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ الْقَصِيدَةَ بِأَسْرِهَا، وَالْقِصَّةَ كُلَّهَا، كَلِمَةً فَيَقُولُونَ: قَالَ قُسٌّ فِي كَلِمَتِهِ كَذَا، أَيْ فِي خُطْبَتِهِ، وَقَالَ زُهَيْرٌ فِي كَلِمَتِهِ كَذَا، أَيْ فِي قَصِيدَتِهِ، وَقَالَ فَلَانٌ فِي كَلِمَتِهِ يَعْنِي فِي رِسَالَتِهِ، فَتُسَمَّى جُمْلَةَ الْكَلَامِ كَلِمَةً إِذْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ مِنْهَا، على عادتهم في تسميتهم الشَّيْءُ بِاسْمِ مَا هُوَ مِنْهُ وَمَا قَارَبَهُ وجاوره، وكان بسبب منه، مجازا أو اتساعا. وَأَمَّا الْحَرْفُ فَهُوَ الشُّبْهَةُ الْقَائِمَةُ وَحْدَهَا مِنَ الْكَلِمَةِ، وَقَدْ يُسَمَّى الْحَرْفُ كَلِمَةَ وَالْكَلِمَةُ حَرْفًا عَلَى مَا بَيَّنَاهُ مِنَ الِاتِّسَاعِ وَالْمَجَازِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يُسَمِّى ما جاء من
стр. 74
حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي الْفَوَاتِحِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ نحو" ص" وَ" ن" حَرْفًا أَوْ كَلِمَةً؟ قُلْتُ: كَلِمَةٌ لا حرفا، ولذلك مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَرْفَ لَا يُسْكَتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْفَرِدُ وَحْدَهُ فِي الصُّورَةِ وَلَا يَنْفَصِلُ مِمَّا يَخْتَلِطُ بِهِ، وَهَذِهِ الْحُرُوفُ مَسْكُوتٌ عَلَيْهَا مُنْفَرِدَةٌ مُنْفَصِلَةٌ كَانْفِرَادِ الْكَلِمِ وَانْفِصَالِهَا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ كَلِمَاتٌ لَا حُرُوفًا. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَقَدْ يَكُونُ الْحَرْفُ فِي غَيْرِ هَذَا: الْمَذْهَبَ وَالْوَجْهَ، قَالَ اللَّهُ " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ" أَيْ عَلَى وَجْهٍ وَمَذْهَبٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ :" أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" أَيْ سَبْعَةِ أَوْجَهٍ مِنَ اللغات، والله أعلم.
باب هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب أو لا
لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ كَلَامٌ مُرَكَّبٌ عَلَى أَسَالِيبَ غَيْرِ الْعَرَبِ، وَأَنَّ فِيهِ أَسْمَاءٌ أَعْلَامًا لِمَنْ لِسَانُهُ غَيْرُ الْعَرَبِ، كَإِسْرَائِيلَ وَجِبْرِيلَ وَعِمْرَانَ وَنُوحٍ وَلُوطٍ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ وَقَعَ فِيهِ أَلْفَاظٌ غَيْرُ أَعْلَامٍ مُفْرَدَةٍ من كلام غير الْعَرَبِ، فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَالطَّبَرَيُّ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِيهِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ صَرِيحٌ، وَمَا وُجِدَ فِيهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى سَائِرِ اللُّغَاتِ إِنَّمَا اتُّفِقَ فِيهَا أَنْ تَوَارَدَتِ اللُّغَاتُ عَلَيْهَا فَتَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ وَالْفُرْسُ وَالْحَبَشَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُودِهَا فِيهِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ لِقِلَّتِهَا لَا تُخْرِجُ الْقُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا مُبَيِنًا، وَلَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ كَوْنِهِ متكلما بلسان قومه، فالمشكاة: الكوة وو نشأ: قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، وَمِنْهُ" إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ" و" يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ" أي ضعفين. و" فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ" أَيِ الْأَسَدِ، كُلُّهُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ. وَالْغَسَّاقُ: الْبَارِدُ الْمُنْتِنُ بِلِسَانِ التُّرْكِ. وَالْقِسْطَاسُ: الْمِيزَانُ، بِلُغَةِ الرُّومِ. وَالسِّجِّيلُ: الْحِجَارَةُ وَالطِّينُ بِلِسَانِ الْفُرْسِ. وَالطُّورُ الْجَبَلُ. وَالْيَمُّ الْبَحْرُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. وَالتَّنُّورُ: وَجْهُ الْأَرْضِ بِالْعَجَمِيَّةِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:" فَحَقِيقَةُ الْعِبَارَةِ عَنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّهَا فِي الْأَصْلِ أَعْجَمِيَّةٌ لَكِنِ اسْتَعْمَلَتْهَا الْعَرَبُ وَعَرَّبَتْهَا فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ بِهَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ كان العرب الْعَارِبَةِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهَا بَعْضُ مُخَالَطَةٍ لسائر الألسنة تحارت، وَبِرِحْلَتِي قُرَيْشٍ، وَكَسَفَرِ مُسَافِرِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو إلى الشام،
стр. 75
وكفر عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَكَسَفَرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعِمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَسَفَرِ الْأَعْشَى إِلَى الْحِيرَةِ وَصُحْبَتِهِ لِنَصَارَاهَا مَعَ كَوْنِهِ حُجَّةً فِي اللُّغَةِ فَعَلِقَتِ الْعَرَبُ بِهَذَا كُلِّهِ أَلْفَاظًا أَعْجَمِيَّةً غَيَّرَتْ بَعْضَهَا بِالنَّقْصِ مِنْ حُرُوفِهَا، وَجَرَّتْ إِلَى تَخْفِيفِ ثِقَلِ الْعُجْمَةِ، وَاسْتَعْمَلَتْهَا فِي أَشْعَارِهَا وَمُحَاوَرَاتِهَا، حَتَّى جَرَتْ مَجْرَى الْعَرَبِيِّ الصَّحِيحِ، وَوَقَعَ بِهَا الْبَيَانُ، وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ. فَإِنَّ جَهِلَهَا عَرَبِيٌّ مَا فَكَجَهْلِهِ الصَّرِيحَ بِمَا فِي لُغَةِ غَيْرِهِ، كَمَا لَمْ يَعْرِفِ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَى" فَاطِرَ" إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:" وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّبَرَيُّ ﵀ مِنْ أَنَّ اللُّغَتَيْنِ اتَّفَقَتَا في لَفْظَةٍ فَذَلِكَ بَعِيدٌ، بَلْ إِحْدَاهُمَا أَصِلٌ وَالْأُخْرَى فرع في الأكثر «١»، لأنا لاندفع أَيْضًا جَوَازَ الِاتِّفَاقِ قَلِيلًا شَاذًّا". قَالَ غَيْرُهُ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَوْلُهُ: هِيَ أَصْلٌ فِي كَلَامِ غَيْرِهِمْ دَخِيلَةٌ فِي كَلَامِهِمْ، لَيْسَ بِأُولَى مِنَ الْعَكْسِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ تخاطب بها أولا، فإن كان الأول فهي من كلامهم، إذا لَا مَعْنَى لِلُغَتِهِمْ وَكَلَامِهِمْ إِلَّا مَا كَانَ كَذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ قَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى بَعْضِ كَلِمَاتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ الْكَبِيرُ أَبُو عُبَيْدَةَ. فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ عَلَى أَوْزَانِ كَلَامِ الْعَرَبِ فَلَا تَكُونُ مِنْهُ. قُلْنَا: وَمَنْ سَلَّمَ لَكُمْ أَنَّكُمْ حَصَرْتُمْ أَوْزَانَهُمْ حَتَّى تُخْرِجُوا هَذِهِ مِنْهَا، فَقَدْ بَحَثَ الْقَاضِي عَنْ أُصُولِ أَوْزَانِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَرَدَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ إِلَيْهَا عَلَى الطَّرِيقَةِ النَّحْوِيَّةِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَخَاطَبَتْ بِهَا وَلَا عَرِفَتْهَا اسْتَحَالَ أَنْ يُخَاطِبَهُمُ اللَّهُ بِمَا لَا يَعْرِفُونَ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْقُرْآنُ عربيا نبينا، وَلَا يَكُونُ الرَّسُولُ مُخَاطِبًا لِقَوْمِهِ بِلِسَانِهِمْ، وَاللَّهُ أعلم.
باب ذكر في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها
الْمُعْجِزَةُ وَاحِدَةُ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَسُمِّيَتْ مُعْجِزَةً لِأَنَّ الْبَشَرَ يَعْجِزُونَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا، وَشَرَائِطُهَا خَمْسَةٌ فَإِنَ اختل منها شرط لا تكون معجزة.
стр. 76
فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ مِنْ شُرُوطِهَا أَنْ تَكُونَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ. وَإِنَّمَا وجب حصول هذا الشرط للمعجزة لأنه أَتَى آتٍ فِي زَمَانٍ يَصِحُّ فِيهِ مَجِيءُ الرسل وادعى الرسالة وجعل معجزته أت يَتَحَرَّكَ وَيَسْكُنَ وَيَقُومَ وَيَقْعُدَ لَمْ يَكُنْ هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ مُعْجِزَةً لَهُ، وَلَا دَالًّا عَلَى صِدْقِهِ لِقُدْرَةِ الْخَلْقِ عَلَى مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمُعْجِزَاتُ كَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَمَا شَاكَلَهَا مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ. وَالشَّرْطُ الثَّانِي هُوَ أَنْ تَخْرِقَ الْعَادَةَ. وَإِنَّمَا وَجَبَ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي لِلرِّسَالَةِ: آيَتِي مَجِيءُ اللَّيْلِ بَعْدَ النَّهَارِ وَطُلُوعُ الشمس من مشرقها، لم يكن فيما ادعا مُعْجِزَةٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ، فَلَمْ تُفْعَلْ مِنْ أَجْلِهِ، وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ دَعْوَاهُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي حِينِ دَعَوَاهُ، وَدَعَوَاهُ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى نُبُوَّتِهِ كَدَعْوَى غَيْرِهِ، فَبَانَ أَنَّهُ لأوجه لَهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَالَّذِي يَسْتَشْهِدُ بِهِ الرَّسُولُ ﵇ لَهُ وَجْهٌ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: الدَّلِيلُ عَلَى صِدْقِي أَنْ يَخْرِقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ مِنْ أَجْلِ دَعْوَايَ عَلَيْهِ الرِّسَالَةَ، فَيَقْلِبُ هَذِهِ الْعَصَا ثُعْبَانًا، وَيَشُقُّ الْحَجَرَ وَيُخْرِجُ مِنْ وَسَطِهِ نَاقَةٌ، أَوْ يَنْبُعُ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِي كَمَا يُنْبِعُهُ مِنَ الْعَيْنِ، أَوْ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَاتِ، الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا جَبَّارُ الأرض والسموات، فَتَقُومُ لَهُ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ مَقَامَ قَوْلِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، لَوْ أَسْمَعَنَا كَلَامَهُ الْعَزِيزَ وَقَالَ: صَدَقَ، أنا بعثته و. مثال هذا الْمَسْأَلَةِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى مَا لَوْ كَانَتْ جَمَاعَةٌ بِحَضْرَةِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ، وَقَالَ أَحَدُ رِجَالِهِ وَهُوَ بِمَرْأًى مِنْهُ وَالْمَلِكُ يَسْمَعُهُ: الْمَلِكُ يَأْمُرُكُمْ أَيُّهَا الْجَمَاعَةُ بِكَذَا وَكَذَا، ودليل ذلك أن الملك يصدقني بفعل م أَفْعَالِهِ، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ خَاتَمَهُ مِنْ يَدِهِ قَاصِدًا بِذَلِكَ تَصْدِيقِي، فَإِذَا سَمِعَ الْمَلِكُ كَلَامَهُ لَهُمْ وَدَعْوَاهُ فِيهِمْ، ثُمَّ عَمِلَ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ عَلَى صِدْقِهِ، قَامَ ذَلِكَ مَقَامَ قَوْلِهِ لَوْ قَالَ: صَدَقَ فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَيَّ. فَكَذَلِكَ إذا عمل عَمَلًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ، وَخَرَقَ بِهِ الْعَادَةَ عَلَى يَدِ الرَّسُولِ، قَامَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مَقَامَ كَلَامِهِ تَعَالَى لَوْ أُسْمِعْنَاهُ وَقَالَ: صدق عبدي في دعواي الرِّسَالَةِ، وَأَنَا أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا.
стр. 77
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ هُوَ أَنْ يَسْتَشْهِدَ بِهَا مُدَّعِي الرِّسَالَةِ عَلَى اللَّهِ ، فَيَقُولُ: آيَتِي أَنْ يَقْلِبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذَا الْمَاءَ زَيْتًا أَوْ يُحَرِّكَ الْأَرْضَ عِنْدَ قَوْلِي لَهَا، تَزَلْزَلِي، فَإِذَا فَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ حَصَلَ الْمُتَحَدَّى بِهِ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ هُوَ أَنْ تَقَعَ عَلَى وَفْقِ دَعْوَى الْمُتَحَدِّي بِهَا الْمُسْتَشْهَدِ بِكَوْنِهَا مُعْجِزَةً لَهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ اشْتِرَاطُ هَذَا الشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي لِلرِّسَالَةِ: آيَةُ نُبُوَّتِي وَدَلِيلُ حُجَّتِي أَنْ تَنْطِقَ يَدِي أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةُ فَنَطَقَتْ يَدُهُ أَوِ الدَّابَّةُ بِأَنْ قَالَتْ: كَذَبَ وَلَيْسَ هُوَ نَبِيٌّ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي خلقه الله تعالى دال كذب الْمُدَّعِي لِلرِّسَالَةِ، لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ اللَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُ. وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَفَلَ فِي بِئْرٍ لِيَكْثُرَ مَاؤُهَا فَغَارَتِ الْبِئْرُ وَذَهَبَ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ، فَمَا فَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ هَذَا، كَانَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُكَذِّبَةِ لِمَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَهُ الْمُتَنَبِّئُ الْكَذَّابُ. وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ مِنْ شُرُوطِ الْمُعْجِزَةِ أَلَّا يَأْتِيَ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ الْمُتَحَدَّى عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ، فَإِنْ تَمَّ الْأَمْرُ الْمُتَحَدَّى بِهِ الْمُسْتَشْهَدُ بِهِ عَلَى النُّبُوَّةِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهِيَ مُعْجِزَةٌ دَالَّةٌ عَلَى نُبُوَّةِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ، فَإِنْ أَقَامَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يُعَارِضُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ وَيَعْمَلَ مِثْلَ مَا عَمِلَ بَطَلَ كَوْنِهِ نَبِيًّا، وَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا وَلَمْ يَدُلْ عَلَى صِدْقِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ:" فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ" وَقَالَ:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ". كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنِ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ نَظْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَمَلِهِ فَاعْمَلُوا عَشْرَ سُورٍ مِنْ جِنْسِ نَظْمِهِ، فَإِذَا عَجَزْتُمْ بِأَسْرِكُمْ عَنْ ذَلِكَ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَظْمِهِ وَلَا مِنْ عَمَلِهِ. لَا يقال، إن المعجزات الْمُقَيَّدَةَ بِالشُّرُوطِ الْخَمْسَةِ لَا تَظْهَرُ إِلَّا عَلَى أيدي الصادقين، وهذا المسيخ الدَّجَّالُ فِيمَا رَوَيْتُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ يَظْهَرُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ الْعِظَامِ، وَالْأُمُورِ الْجِسَامِ، مَا هُوَ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ، فَإِنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ يَدَّعِي الرِّسَالَةَ، وَهَذَا يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ وَبَيْنَهُمَا مِنَ الْفُرْقَانِ مَا بَيْنَ الْبُصَرَاءِ وَالْعُمْيَانِ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى أَنَّ بِعْثَةَ بَعْضِ
الْخَلْقِ
стр. 78
إِلَى بَعْضٍ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ وَلَا مُسْتَحِيلَةٍ، فَلَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُقِيمَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَدِلَّةَ عَلَى صِدْقِ مَخْلُوقٍ أَتَى عَنْهُ بِالشَّرْعِ وَالْمِلَّةِ. وَدَلَّتِ الأدلة العقلية أيضا على أن المسيخ الدَّجَّالَ فِيهِ التَّصْوِيرُ وَالتَّغْيِيرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِالْمُحْدَثَاتِ، تَعَالَى رَبُّ الْبَرِيَّاتِ عَنْ أَنْ يشبه شيئا أو يشبهه شي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
فصل [في أن المعجزات على ضربين]
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: الْأَوَّلُ مَا اشْتَهَرَ نَقْلُهُ وَانْقَرَضَ عَصْرُهُ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّانِي مَا تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِصِحَّتِهِ وَحُصُولِهِ، وَاسْتَفَاضَتْ بِثُبُوتِهِ وَوُجُودِهِ، وَوَقَعَ لِسَامِعِهَا الْعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورَةً، وَمِنْ شروطه أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُونَ لَهُ: خَلْقًا كَثِيرًا وَجَمًّا غَفِيرًا، وَأَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَا نَقَلُوهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، وَأَنْ يَسْتَوِيَ فِي النَّقْلِ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ وَوَسَطُهُمْ فِي كَثْرَةِ الْعَدَدِ، حَتَّى يَسْتَحِيلَ عَلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ، وَهَذِهِ صِفَةُ نَقْلِ الْقُرْآنِ، وَنَقْلِ وُجُودِ النَّبِيِّ ﵊، لِأَنَّ الْأُمَّةَ ﵂ لَمْ تَزَلْ تَنْقِلُ الْقُرْآنَ خَلَفًا عَنْ سَلَفِ وَالسَّلَفُ عَنْ سَلَفِهِ إِلَى أَنْ يَتَّصِلَ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ ﵇ الْمَعْلُومِ وَجُودُهُ بِالضَّرُورَةِ، وَصِدْقُهُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُعْجِزَاتِ، وَالرَّسُولُ أَخَذَهُ عَنْ جِبْرِيلَ ﵇ عَنْ رَبِّهِ ، فَنَقَلَ الْقُرْآنَ فِي الْأَصْلِ رَسُولَانِ مَعْصُومَانِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَنَقَلَهُ إِلَيْنَا بَعْدَهُمْ أَهْلُ التَّوَاتُرِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ وَيَسْمَعُونَهُ، لِكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَلِذَلِكَ وَقَعَ لَنَا الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِصِدْقِهِمْ فِيمَا نَقَلُوهُ مِنْ وُجُودِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَمِنْ ظُهُورِ الْقُرْآنِ عَلَى يَدَيْهِ وَتَحَدِّيهِ بِهِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الدُّنْيَا عِلْمُ الْإِنْسَانِ بِمَا نُقِلَ إِلَيْهِ مِنْ وُجُودِ الْبُلْدَانِ، كَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْكَثِيرَةِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَالْقُرْآنُ مُعْجِزَةُ نَبِيِّنَا ﷺ الْبَاقِيَةُ بَعْدَهُ إِلَى يوم القيامة، ومعجزة كلى نبي انقرضت بانقراضه، أو دخلها التبديل والتغير، كالتوراة والإنجيل.
стр. 79
ووجوه إعجاز القرآن عَشْرَةٌ: مِنْهَا النَّظْمُ الْبَدِيعُ الْمُخَالِفُ لِكُلِّ نَظْمٍ مَعْهُودٍ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَفِي غَيْرِهَا، لِأَنَّ نظمه ليس من نظم الشعر في شي، وَكَذَلِكَ قَالَ رَبُّ الْعِزَّةِ الَّذِي تَوَلَّى نَظْمَهُ:" وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ أُنَيْسًا أَخَا أَبِي ذَرٍ قَالَ لِأَبِي ذَرٍ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ «١» الشِّعْرِ فَلَمْ يَلْتَئِمْ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. وَكَذَلِكَ أَقَرَّ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَحَرٍ وَلَا بشعر لَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" حم" فُصِّلَتْ، عَلَى مَا يَأْتِي بيانه هناك «٢»، فَإِذَا اعْتَرَفَ عُتْبَةُ عَلَى مَوْضِعِهِ مِنَ اللِّسَانِ وموشعه مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، بِأَنَّهُ مَا سَمِعَ مِثْلَ الْقُرْآنِ قَطُّ كَانَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مُقِرًّا بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ لَهُ وَلِضُرَبَائِهِ مِنَ الْمُتَحَقِّقِينَ بِالْفَصَاحَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّكَلُّمِ بِجَمِيعِ أَجْنَاسِ الْقَوْلِ وَأَنْوَاعِهِ. وَمِنْهَا: الْأُسْلُوبُ الْمُخَالِفُ لِجَمِيعِ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ. وَمِنْهَا: الْجَزَالَةُ الَّتِي لَا تَصِحُّ مِنْ مَخْلُوقٍ بِحَالٍ، وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فِي سُورَةِ" ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ «٣» " إِلَى آخِرِهَا، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ «٤» " إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:" وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ «٥» " إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، عَلِمَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجَزَالَةِ لَا تَصِحُّ في خطاب غيره،. لا يَصْحُّ مِنْ أَعْظَمِ مُلُوكِ الدُّنْيَا أَنْ يَقُولَ:" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ «٦» " وَلَا أَنْ يَقُولَ:" وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ «٧» ". قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنَ النَّظْمِ، وَالْأُسْلُوبِ، وَالْجَزَالَةِ، لَازِمَةُ كُلِّ سُورَةٍ، بَلْ هِيَ لَازِمَةُ كُلِّ آيَةٍ، وَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَتَمَيَّزُ مَسْمُوعُ كُلِّ آيَةٍ وَكُلِّ سُورَةٍ عَنْ سَائِرِ كَلَامِ الْبَشَرِ، وَبِهَا وَقْعُ التَّحَدِّي وَالتَّعْجِيزُ، وَمَعَ هَذَا فَكُلُّ سُورَةٍ تَنْفَرِدُ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، مِنْ غير أن
стр. 80
ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشر: فَهَذِهِ سُورَةُ" الْكَوْثَرِ" ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ، وَهِيَ أَقْصَرُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْإِخْبَارَ عَنْ مُغَيَّبَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْإِخْبَارُ عَنِ الْكَوْثَرِ وَعِظَمِهِ وَسِعَتِهِ وَكَثْرَةِ أَوَانِيهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُصَدِّقِينَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَتْبَاعِ سَائِرِ الرُّسُلِ. وَالثَّانِي الْإِخْبَارُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ ذَا مَالٍ وَوَلَدٍ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ الْحَقُّ:" ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً. وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُوداً. وَبَنِينَ شُهُوداً. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً «١» " ثُمَّ أهلك الله سبحان مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَانْقَطَعَ نَسْلُهُ. وَمِنْهَا التَّصَرُّفُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ عَرَبِيٌّ، حَتَّى يَقَعَ مِنْهُمُ الِاتِّفَاقُ مِنْ جَمِيعِهِمْ عَلَى إِصَابَتِهِ فِي وَضْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ وَحَرْفٍ مَوْضِعَهُ. وَمِنْهَا: الْإِخْبَارُ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في أول الدنيا إلى وقت تزوله مِنْ أُمِّيٍّ مَا كَانَ يَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ، وَلَا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، فَأَخْبَرَ بِمَا كَانَ مِنْ قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ أُمَمِهَا، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ فِي دَهْرِهَا، وَذَكَرَ مَا سَأَلَهُ أَهْلُ الكتاب عنه، وتحدوه به من قصص أَهْلِ الْكَهْفِ، وَشَأْنِ مُوسَى وَالْخَضِرِ ﵉، وَحَالِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَجَاءَهُمْ وَهُوَ أُمِّيٌّ مِنْ أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، لَيْسَ لَهَا بِذَلِكَ عِلْمٌ بِمَا عَرَفُوا مِنَ الْكُتُبِ السَّالِفَةِ صِحَّتَهُ، فَتَحَقَّقُوا صِدْقَهُ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الطَّيِّبِ: وَنَحْنُ نَعْلَمُ ضَرُورَةَ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا عن تعلم، وإذا كَانَ مَعْرُوفًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُلَابِسًا لِأَهْلِ الآثار، وحملة، الأخبار، والا مترددا إلى المتعلم منهم، ولا كان منن يَقْرَأُ فَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إِلَيْهِ كِتَابٌ فَيَأْخُذُ منه، علم أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ إِلَّا بِتَأْيِيدٍ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ. وَمِنْهَا: الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، المدرك بالحسن فِي الْعَيَانِ، فِي كُلِّ مَا وَعَدَ اللَّهُ سبحان، وَيَنْقَسِمُ: إِلَى أَخْبَارِهِ الْمُطْلَقَةِ، كَوَعْدِهِ بِنَصْرِ رَسُولِهِ ﵇، وَإِخْرَاجِ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُ مَنْ وَطَنِهِ. وإلى مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ، كَقَوْلِهِ:" وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ «٢» " ... " وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ «٣» " ... " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً «٤» " وَ" إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ «٥»، وَشِبْهُ ذَلِكَ وَمِنْهَا: الْإِخْبَارُ عَنِ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْوَحْيِ، فمن ذلك:
стр. 81
مَا وَعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﵇ أَنَّهُ سَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى" هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ «١» " الْآيَةَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِذَا أَغْزَى جُيُوشَهُ عَرَّفَهُمْ مَا وعدهم الله في إظهار دينه، ولثقوا بِالنَّصْرِ، وَلِيَسْتَيْقِنُوا بِالنُّجْحِ، وَكَانَ عُمَرُ يَفْعَلُ ذَلِكَ: فَلَمْ يَزَلِ الْفَتْحُ يَتَوَالَى شَرْقًا وَغَرْبًا، بَرًّا وَبَحْرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ «٢» " وَقَالَ:" لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «٣» ". وَقَالَ" وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ «٤» " وَقَالَ:" الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ «٥» ". فَهَذِهِ كُلُّهَا أَخْبَارٌ عَنِ الْغُيُوبِ الَّتِي لَا يَقِفُ عَلَيْهَا إِلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ، أَوْ مَنْ أَوْقَفَهُ عَلَيْهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْقَفَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ لِتَكُونَ دَلَالَةً عَلَى صِدْقِهِ. وَمِنْهَا: مَا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ قِوَامُ جَمِيعِ الْأَنَامِ، فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَفِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ. وَمِنْهَا الْحِكَمُ الْبَالِغَةُ الَّتِي لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنْ تَصْدُرَ فِي كَثْرَتِهَا وَشَرَفِهَا مِنْ آدَمِيٍّ. وَمِنْهَا: التَّنَاسُبُ فِي جَمِيعِ مَا تَضَمَّنَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «٦» ". قلت: فهذه عشرة أوجه ذكرها عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَوَجْهٌ حَادِي عَشْرَ قَالَهُ النَّظَّامُ وَبَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ: أَنَّ وَجْهَ الْإِعْجَازِ هو المنع من معارته، والصرفة عند التحدي بمثله. وأن المنة وَالصَّرْفَةَ هُوَ الْمُعْجِزَةُ دُونَ ذَاتِ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أن الله تعال صَرَفَ هِمَمَهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ مَعَ تَحَدِّيهِمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ الْمُخَالِفِ أَنَّ الْقُرْآنَ هو المعجز، فلوا قُلْنَا إِنَّ الْمَنْعَ وَالصَّرْفَةَ هُوَ الْمُعْجِزُ لَخَرَجَ القرآن عن أن كونه معجزا، وذلك خلاف الإجماع، وإذ كَانَ كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ نَفْسَ الْقُرْآنِ هُوَ الْمُعْجِزُ، لِأَنَّ فَصَاحَتَهُ وَبَلَاغَتَهُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، إِذْ لَمْ يُوجَدُ قَطُّ كَلَامٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْكَلَامُ مَأْلُوفًا مُعْتَادًا مِنْهُمْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ وَالصَّرْفَةَ لم يكن معجزا. واختلف من قال بهذا الصرفة
стр. 82
على قولين: أحدهما: أنهم صرفوا على الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَعَرَّضُوا لَهُ لَعَجَزُوا عَنْهُ. الثَّانِي أَنَّهُمْ صُرِفُوا عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ مَعَ كَوْنِهِ فِي مَقْدُورِهِمْ، وَلَوْ تَعَرَّضُوا لَهُ لَجَازَ أَنْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:" وَجْهُ التَّحَدِّي فِي الْقُرْآنِ إِنَّمَا هُوَ بِنَظْمِهِ وَصِحَّةِ مَعَانِيهِ، وَتَوَالِي فَصَاحَةِ أَلْفَاظِهِ. وَوَجْهُ إِعْجَازِهِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً، وَأَحَاطَ بِالْكَلَامِ كُلِّهِ عِلْمًا، فَعَلِمَ بِإِحَاطَتِهِ أَيَّ لَفْظَةٍ تَصْلُحُ أَنْ تَلِيَ الْأُولَى، وَتُبَيِّنَ الْمَعْنَى بَعْدَ الْمَعْنَى، ثُمَّ كَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ، وَالْبَشَرُ مَعَهُمُ الْجَهْلُ وَالنِّسْيَانُ وَالذُّهُولُ، وَمَعْلُومٌ ضَرُورَةً أَنَّ بَشَرًا لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا قط، بهذا جَاءَ نَظْمُ الْقُرْآنِ فِي الْغَايَةِ الْقُصْوَى مِنَ الفصاحة. وبهذا النظر يبطل قوال مَنْ قَالَ: إِنَّ الْعَرَبَ كَانَ فِي قُدْرَتِهَا أَنْ تَأْتِيَ بِمِثْلِ الْقُرْآنِ فِي الْغَايَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْفَصَاحَةِ، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ صُرِفُوا عَنْ ذَلِكَ، وَعَجَزُوا عَنْهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِ الْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ فِي قُدْرَةِ أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَيَظْهَرُ لَكَ قُصُورُ الْبَشَرِ فِي أَنَّ الْفَصِيحَ مِنْهُمْ يَضَعُ خُطْبَةً أَوْ قَصِيدَةً يَسْتَفْرِغُ فِيهَا جُهْدَهُ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يُنَقِّحُهَا حَوْلًا كَامِلًا، ثُمَّ تُعْطَى لِآخَرَ بَعْدَهُ فَيَأْخُذُهَا بِقَرِيحَةٍ جَامَّةٍ فَيُبَدِّلُ فِيهَا وَيُنَقِّحُ، ثُمَّ لَا تَزَالُ بَعْدَ ذَلِكَ فيها مواضيع لِلنَّظَرِ وَالْبَدَلِ، وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى لَوْ نُزِعَتْ مِنْهُ لَفْظَةٌ، ثُمَّ أُدِيرَ لِسَانُ الْعَرَبِ أَنْ يُوجَدَ أَحْسَنَ مِنْهَا لَمْ يُوجِدْ". وَمِنْ فَصَاحَةِ القرآن أن اله تَعَالَى جَلَّ ذِكْرِهِ، ذَكَرَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْرَيْنِ، وَنَهْيَيْنِ، وَخَبَرَيْنِ، وَبِشَارَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ «١» الْآيَةَ. وَكَذَلِكَ فَاتِحَةِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: أَمْرٌ بِالْوَفَاءِ وَنَهْيٌ عَنِ النَّكْثِ، وَحَلَّلَ تَحْلِيلًا عَامًا، ثُمَّ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً بَعْدَ اسْتِثْنَاءٍ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حِكْمَتِهِ وَقَدْرَتِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَأَنْبَأَ سُبْحَانَهُ عَنِ الْمَوْتِ، وَحَسْرَةِ الْفَوْتِ، وَالدَّارِ الْآخِرَةِ وَثَوَابِهَا وَعِقَابِهَا، وَفَوْزِ الْفَائِزِينَ، وَتَرَدِّي الْمُجْرِمِينَ، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا، وَوَصْفِهَا بِالْقِلَّةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «٢» " الْآيَةَ. وَأَنْبَأَ أَيْضًا عَنْ قَصَصِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَمَآلِ الْمُتْرَفِينَ، وَعَوَاقِبِ الْمُهْلِكِينَ، فِي شَطْرِ آيَةٍ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا
стр. 83
«١» ". وَأَنْبَأَ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ أَمْرِ السَّفِينَةِ وَإِجْرَائِهَا وَإِهْلَاكِ الْكَفَرَةِ، وَاسْتِقْرَارِ السَّفِينَةِ وَاسْتِوَائِهَا، وَتَوْجِيهِ أَوَامِرِ التَّسْخِيرِ إِلَى الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِقَوْلِهِ " وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها" الى قوله:" وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَلَمَّا عَجَزَتْ قُرَيْشٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ وَقَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَقَوَّلَهُ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:" أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ «٢» ". ثُمَّ أَنْزَلَ تَعْجِيزًا أَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ «٣» ". فَلَمَّا عَجَزُوا حَطَّهُمْ عَنْ هَذَا الْمِقْدَارِ، إِلَى مِثْلِ سُورَةٍ مِنَ السُّورِ الْقِصَارِ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ:" وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «٤» ". فَأُفْحِمُوا عَنِ الْجَوَابِ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَعَدَلُوا إِلَى الْحُرُوبِ وَالْعِنَادِ، وَآثَرُوا سَبْيَ الْحَرِيمِ وَالْأَوْلَادِ، وَلَوْ قَدَرُوا عَلَى الْمُعَارَضَةِ لَكَانَ أَهْوَنَ كَثِيرًا، وَأَبْلَغَ فِي الْحُجَّةِ وَأَشَدَّ تَأْثِيرًا. هَذَا مَعَ كَوْنِهِمْ أَرْبَابَ الْبَلَاغَةِ وَاللَّحْنِ «٥»، وَعَنْهُمْ تُؤْخَذُ الْفَصَاحَةُ وَاللَّسَنُ «٦». فَبَلَاغَةُ الْقُرْآنِ فِي أَعْلَى طَبَقَاتِ الْإِحْسَانِ، وَأَرْفَعِ دَرَجَاتِ الْإِيجَازِ وَالْبَيَانِ، بَلْ تَجَاوَزَتْ حَدَّ الْإِحْسَانِ وَالْإِجَادَةِ إِلَى حَيِّزِ الْإِرْبَاءِ وَالزِّيَادَةِ. هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ مَا أُوتِيَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَاخْتُصَّ بِهِ مِنْ غَرَائِبِ الْحِكَمِ، إِذَا تَأَمَّلْتَ قَوْلَهُ ﷺ فِي صِفَةِ الْجِنَانِ، وَإِنْ كَانَ فِي نِهَايَةِ الْإِحْسَانِ، وَجَدْتَهُ مُنْحَطًّا عَنْ رُتْبَةِ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﵇:" فيها مالا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَأَيْنَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ " وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ". وَقَوْلُهُ" فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ". هَذَا أَعْدَلُ وَزْنًا، وَأَحْسَنُ تَرْكِيبًا، وَأَعْذَبُ لَفَظًا، وَأَقَلُّ حُرُوفًا، عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا فِي مِقْدَارِ سُورَةٍ أَوْ أَطْوَلِ آيَةٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلَّمَا طَالَ اتَّسَعَ فِيهِ مَجَالُ الْمُتَصَرِّفِ، وَضَاقَ الْمَقَالُ عَلَى الْقَاصِرِ الْمُتَكَلِّفِ، وَبِهَذَا قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى الْعَرَبِ، إِذْ كَانُوا أَرْبَابَ الْفَصَاحَةِ، وَمَظِنَّةَ الْمُعَارَضَةِ، كَمَا قَامَتِ الْحُجَّةُ فِي مُعْجِزَةِ عِيسَى ﵇ عَلَى الْأَطِبَّاءِ، وَمُعْجِزَةِ مُوسَى
стр. 84
عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى السَّحَرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا جَعَلَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ بِالْوَجْهِ الشَّهِيرِ أَبْرَعَ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ الذي أراد إظهاره، فكان السحرة فِي زَمَانِ مُوسَى ﵇ قَدِ انْتَهَى إِلَى غَايَتِهِ، وَكَذَلِكَ الطِّبُّ فِي زَمَنِ عِيسَى ﵇، وَالْفَصَاحَةُ فِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
باب التنبيه على أحاديث وضعت في فضل سور القرآن وغيره
لا التفات لما وضعه الواضعون، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، قَدِ ارْتَكَبَهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ اخْتَلَفَتْ أَغْرَاضُهُمْ وَمَقَاصِدُهُمْ فِي ارْتِكَابِهَا، فَمِنْ قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ مِثْلِ: الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُوفِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الشَّامِيِّ الْمَصْلُوبِ فِي الزَّنْدَقَةِ، وَغَيْرِهِمَا، وَضَعُوا أَحَادِيثَ وَحَدَّثُوا بِهَا لِيُوقِعُوا بِذَلِكَ الشَّكَّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، فَمِمَّا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ ﷺ :" أَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ لَا نَبِيَّ بَعْدِي إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ" فَزَادَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لِمَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ. قُلْتُ: وقد ذكر ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ (التَّمْهِيدِ) وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، بَلْ تَأَوَّلَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الرُّؤْيَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُمْ قَوْمٌ وَضَعُوا الْحَدِيثَ لِهَوًى يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَيْهِ، قَالَ شَيْخٌ مِنْ شُيُوخِ الْخَوَارِجِ بَعْدَ أَنْ تَابَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ دِينٌ، فَانْظُرُوا مِمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا إِذَا هَوِينَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا. وَمِنْهُمْ جَمَاعَةٌ وَضَعُوا الْحَدِيثَ حِسْبَةً كَمَا زَعَمُوا، يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عِصْمَةَ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْمَرْوَزِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عُكَاشَةَ الْكِرْمَانِيِّ، وَأَحْمَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْبَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. قِيلَ لِأَبِي عِصْمَةَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي فَضْلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ أَعْرَضُوا عَنِ الْقُرْآنِ وَاشْتَغَلُوا بِفِقْهِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَغَازِي مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، فَوَضَعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ حِسْبَةً. قَالَ أَبُو عَمْرٍو عثمان بن
стр. 85
الصَّلَاحِ فِي كِتَابِ (عِلُومِ الْحَدِيثِ) لَهُ: وَهَكَذَا الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَضْلِ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً، وَقَدْ بَحَثَ بَاحِثٌ عَنْ مُخْرِجِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَنَ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ وَجَمَاعَةٌ وَضَعُوهُ، وَأَنَّ أَثَرَ الْوَضْعِ عَلَيْهِ لَبَيِّنٌ. وَقَدْ أَخْطَأَ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ وَمَنْ ذَكَرَهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي إِيدَاعِهِ تَفَاسِيرَهُمْ. وَمِنْهُمْ قَوْمٌ مِنَ السُّؤَّالِ وَالْمُكْدِينَ يَقِفُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ، فَيَضَعُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ قَدْ حَفِظُوهَا، فَيَذْكُرُونَ الْمَوْضُوعَاتِ بِتِلْكَ الْأَسَانِيدِ، قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّيَالِسِيُّ: صَلَّى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ، فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا قَاصٌّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ويحيى بن معين قلا أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يُخْلَقُ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا طَائِرٌ مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَرِيشُهُ مَرْجَانٌ. واخذ في قصته نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ وَرَقَةً، فَجَعَلَ أَحْمَدُ يَنْظُرُ إِلَى يَحْيَى وَيَحْيَى يَنْظُرُ إِلَى أَحْمَدَ، فَقَالَ: أَنْتَ حَدَّثْتَهُ بِهَذَا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِهِ إِلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ، قَالَ فَسَكَتَا جَمِيعًا حَتَّى فَرَغَ مِنْ قَصَصِهِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، فَقَالَ أَنَا ابْنُ مَعِينٍ، وَهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مِنَ الْكَذِبِ فَعَلَى غَيْرِنَا، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَحْمَقٌ، وَمَا عَلِمْتُهُ إِلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: وَكَيْفَ عَلِمْتَ أَنِّي أَحْمَقٌ؟ قَالَ: كَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ غَيْرَكُمَا، كَتَبْتُ عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ غَيْرِ هَذَا. قَالَ فَوَضَعَ أَحْمَدُ كُمَّهُ عَلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: دَعْهُ يَقُومُ، فَقَامَ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِمَا. فَهَؤُلَاءِ الطَّوَائِفُ كَذَبَةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ومن يَجْرِي مُجْرَاهُمْ. يُذْكَرُ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَمَامُ وَاللَّهْوُ بِهِ، فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ حَمَامٌ وَعِنْدَهُ أبو البختري «١»
стр. 86
الْقَاضِي فَقَالَ: رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ" فَزَادَ: أَوْ جَنَاحٍ، وَهِيَ لَفْظَةٌ وَضَعَهَا لِلرَّشِيدِ، فَأَعْطَاهُ جَائِزَةً سَنِيَّةً، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ الرَّشِيدُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ كَذَّابٌ، وَأَمَرَ بِالْحَمَامِ أَنْ يُذْبَحَ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا ذَنْبُ الْحَمَامِ؟ قَالَ: مِنْ أَجْلِهِ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَرَكَ الْعُلَمَاءُ حَدِيثَهُ لِذَلِكَ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ مَوْضُوعَاتِهِ، فَلَا يَكْتُبُ الْعُلَمَاءُ حَدِيثَهُ بِحَالٍ. قُلْتُ: فَلَوِ اقْتَصَرَ النَّاسُ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الَّتِي تَدَاوَلَهَا الْعُلَمَاءُ، وَرَوَاهَا الْأَئِمَّةُ الْفُقَهَاءُ، لَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ غُنْيَةٌ، وَخَرَجُوا عَنْ تَحْذِيرِهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ:" اتَّقَوْا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ فممن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" الْحَدِيثَ. فَتَخْوِيفُهُ ﷺ أُمَّتَهُ بِالنَّارِ عَلَى الْكَذِبِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُكْذَبُ عَلَيْهِ. فَحَذَارِ مِمَّا وَضَعَهُ أَعْدَاءُ الدِّينِ، وَزَنَادِقَةُ الْمُسْلِمِينَ، فِي بَابِ التَّرْغِيبِ والترهيب وغير ذلك، وأعظمهم ضررا أقوم مِنَ الْمَنْسُوبَيْنِ إِلَى الزُّهْدِ، وَضَعُوا الْحَدِيثَ حِسْبَةً فِيمَا زَعَمُوا، فَتَقَبَّلَ النَّاسُ مَوْضُوعَاتِهِمْ، ثِقَةً مِنْهُمْ بهم، وركونا إليهم فضلوا وأضلوا.
باب ما جاء من الحجة في الرد على من طعن في القرآن وخالف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان
لا خلاف بين الأمة ولأبين الْأَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مُعْجِزَةً لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّهُ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ، مَقْرُوءٌ بِالْأَلْسِنَةِ، مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ، مَعْلُومَةٌ عَلَى الِاضْطِرَارِ سوره وآياته، مبرأة من الزيادة عَلَيْهِ أَوْ نُقْصَانًا مِنْهُ، فَقَدْ أَبْطَلَ الْإِجْمَاعَ، وَبَهَتَ النَّاسَ، وَرَدَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وَرَدَّ قَوْلُهُ تَعَالَى:" قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «١» " وأبطل آية رسوله
стр. 87
عليه السلام، لأنه إذ ذاك يصير مقدورا عليه ٧ حين شيب الباطل، وَلَمَّا قُدِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً وَلَا آية، وخرج عن أن كون مُعْجِزًا. فَالْقَائِلُ: بِأَنَّ الْقُرْآنَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ رَادٌّ لِكِتَابِ اللَّهِ وَلِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَكَانَ كَمَنْ قَالَ: الصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خَمْسُونَ صَلَاةً، وتزويج تِسْعٍ مِنَ النِّسَاءِ حَلَالٌ، وَفَرَضَ اللَّهُ أَيَّامًا مع ظهر رَمَضَانَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ فِي الدِّينِ، فَإِذَا رُدَّ هَذَا بِالْإِجْمَاعِ، كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقُرْآنِ أَثْبَتَ وَآكَدَ وَأَلْزَمَ وَأَوْجَبَ. قال الإمام أبو بكر محمد بن إلقام بْنِ بَشَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَارِيُّ: وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْعَقْلِ يَعْرِفُونَ مِنْ شَرَفِ الْقُرْآنِ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ، مَا يُوجِبُهُ الْحَقُّ وَالْإِنْصَافُ وَالدِّيَانَةُ، وَيَنْفُونَ عَنْهُ قَوْلَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَمْوِيهَ الْمُلْحِدِينَ وَتَحْرِيفَ الزَّائِغِينِ، حَتَّى نَبَعَ فِي زَمَانِنَا هَذَا زَائِغٌ زاغ عن الملة وهجم على الأئمة بِمَا يُحَاوِلُ بِهِ إِبْطَالَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَا يزال الله يؤيدها، ويثبت أسها، وينمي فروعها، وَيَحْرُسُهَا مِنْ مَعَايِبِ أُولِي الْجَنَفِ وَالْجَوْرِ، وَمَكَايِدِ أَهْلِ الْعَدَاوَةِ وَالْكُفْرِ. فَزَعَمَ أَنَّ الْمُصْحَفَ الَّذِي جمعة عثمان رضى اله عَنْهُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى تَصْوِيبِهِ فِيمَا فَعَلَ لَا يشتمل على جمع الْقُرْآنِ، إِذْ كَانَ قَدْ سَقَطَ مِنْهُ خَمْسُمِائَةِ حَرْفٍ، قَدْ قَرَأْتُ بِبَعْضِهَا وَسَأَقْرَأُ بِبَقِيَّتِهَا، فَمِنْهَا:" وَالْعَصْرِ وَنَوَائِبِ الدَّهْرِ" فَقَدْ سَقَطَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ" وَنَوَائِبِ الدَّهْرِ". وَمِنْهَا:" حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهَا إِلَّا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا". فَادَّعَى هَذَا الْإِنْسَانُ أَنَّهُ سَقَطَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْقُرْآنِ:" وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهَا إِلَّا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا"، وَذَكَرَ مِمَّا يَدَّعِي حُرُوفًا كَثِيرَةً. وَادَّعَى أَنَّ عُثْمَانَ وَالصَّحَابَةَ ﵃ زَادُوا فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ فِيهِ، فَقَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ:" اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ" فَأَسْقَطَ مِنَ الْقُرْآنِ" قُلْ هُوَ" وغير لفظ
стр. 88
" أَحَدٌ" وادعى أن هذا هو الصواب عَلَيْهِ النَّاسُ هُوَ الْبَاطِلُ وَالْمُحَالُ، وَقَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ" قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" وَطَعَنَ فِي قِرَاءَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَادَّعَى أَنَّ الْمُصْحَفَ الَّذِي فِي أَيْدِينَا اشْتَمَلَ عَلَى تَصْحِيفِ حُرُوفٍ مُفْسِدَةٍ مُغَيَّرَةٍ، مِنْهَا:" إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «١» " فَادَّعَى أَنَّ الْحِكْمَةَ وَالْعِزَّةَ لَا يُشَاكِلَانِ الْمَغْفِرَةَ، وَأَنَّ الصَّوَابَ:" وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وَتَرَامَى بِهِ الْغَيُّ فِي هَذَا وَأَشْكَالِهِ حَتَّى ادَّعَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُصَحِّفُونَ:" وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً" وَالصَّوَابُ الَّذِي لَمْ يُغَيَّرْ عِنْدَهُ:" وَكَانَ عَبْدًا لِلَّهِ وَجِيهًا"، وَحَتَّى قَرَأَ فِي صَلَاةٍ مُفْتَرَضَةٍ عَلَى مَا أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ سَمِعُوهُ وَشَهِدُوهُ:" لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ إِنْ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقِرَاءَتَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قِرَاءَتَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا نَبَأً بِهِ". وَحَكَى لَنَا آخَرُونَ عَنْ آخَرِينَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ يَقْرَأُ:" وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ بِسَيْفِ عَلِيٍّ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٍ". وَرَوَى هَؤُلَاءِ أَيْضًا لَنَا عَنْهُ قَالَ:" هَذَا صِرَاطُ عَلِيٍّ مُسْتَقِيمٌ". وَأَخْبَرُونَا أَنَّهُ أَدْخَلَ فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَا يُضَاهِي فَصَاحَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي لِسَانِ قَوْمِهِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:" وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ" فَقَرَأَ:" أَلَيْسَ قُلْتَ لِلْنَّاسِ" فِي مَوْضِعِ:" أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ" وَهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي نَحْوِ الْمُعْرِبِينَ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَذَاهِبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَقُلْ: لَيْسَ قُمْتَ، فَأَمَّا: لَسْتَ قمت، بالتاء فشاذ قبيح خبيث ردئ، لِأَنَّ لَيْسَ لَا تَجْحَدُ الْفِعْلَ الْمَاضِيَ، وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلَ هَذَا إِلَّا فِي قَوْلِهِمْ: أَلَيْسَ قَدْ خَلَقَ اللَّهُ مِثْلَهُمْ، وَهُوَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ لَا يُحْمَلُ كِتَابُ اللَّهِ عَلَيْهَا. وَادَّعَى أَنَّ عثمان رضى اله عَنْهُ لَمَّا أَسْنَدَ جَمْعَ الْقُرْآنِ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَمْ يُصِبْ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ زَيْدٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ :" أَقْرَأُ أُمَّتِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ" وَلِقَوْلِهِ ﵇:" مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ". وَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: لِي أَنْ أُخَالِفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ كَمَا خَالَفَهُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، فَقَرَأَ:" إِنَّ هَذَيْنِ «٢» "،" فَأَصَّدَّقَ وَأَكُونَ"، وَبَشِّرْ عِبَادِيَ الَّذِينَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ،" فَمَا أَتَانِيَ اللَّهُ" بِفَتْحِ الْيَاءِ. وَالَّذِي فِي المصحف:" إِنْ هذانِ «٣» " بالألف،
стр. 89
" فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ" بِغَيْرِ وَاوٍ،" فَبَشِّرْ عِبادِ"،" فَمَا آتان الله" بغير ياءين في الموضعين .. كما خَالَفَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ مُصْحَفَ عُثْمَانَ فَقَرَءُوا:" كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ" بِإِثْبَاتِ نُونَيْنِ، يَفْتَحُ الثَّانِيَةَ بَعْضُهُمْ وَيُسْكِنُهَا بَعْضُهُمْ، وَفِي الْمُصْحَفِ نُونٌ وَاحِدَةٌ «١»، وَكَمَا خَالَفَ حَمْزَةُ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ:" أَتَمُدُّونِ بِمَالٍ" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَوَقَفَ عَلَى الْيَاءِ، وَفِي الْمُصْحَفِ نُونَانِ وَلَا يَاءَ بِعَدَهُمَا، وَكَمَا خَالَفَ حَمْزَةُ أَيْضًا الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ:" أَلَا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُوا رَبَّهُمْ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَإِثْبَاتُ الْأَلْفِ يُوجِبُ التَّنْوِينَ، وَكُلُّ هَذَا الَّذِي شَنَّعَ بِهِ عَلَى الْقُرَّاءِ مَا يُلْزِمُهُمْ بِهِ خِلَافٌ لِلْمُصْحَفِ. قُلْتُ: قَدْ أَشَرْنَا إِلَى الْعَدِّ فيما تقدم مما اختلف فِيهِ الْمَصَاحِفُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَذَكَرَ هَذَا الْإِنْسَانُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ هُوَ الَّذِي قَرَأَ" كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهَا إِلَّا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا" وَذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَثِيرٍ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ، وَمُجَاهِدٌ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ" حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ"، فِي رِوَايَةٍ وَقَرَأَ أُبَيٌّ الْقُرْآنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ مُتَّصِلٌ بِالرَّسُولِ ﵇ نَقَلَهُ أَهْلُ الْعَدَالَةِ وَالصِّيَانَةِ، وَإِذَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْرٌ لَمْ يُؤْخَذْ بِحَدِيثٍ يُخَالِفُهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ الْمُبَارَكِ الْيَزِيدِيُّ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَقَرَأَ أبي عَمْرٍو عَلَى مُجَاهِدٍ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَقَرَأَ أُبَيٌّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيْسَ فِيهَا" وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهَا إِلَّا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا" فَمَنْ جَحَدَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﵇ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ وَلَا آثِمٍ. حَدَّثَنِي أبي نبأنا نصر بن الصَّاغَانِيُّ نَبَّأَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: مَا يُرْوَى مِنَ الْحُرُوفِ الَّتِي تُخَالِفُ الْمُصْحَفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ مِنَ الْحُرُوفِ الَّتِي يَعْرِفُ أَسَانِيدَهَا الْخَاصَّةُ دون العامة فيما نقلوا عَنْ أُبَيٍّ:" وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهَا إِلَّا بذنوب أهلها"، وعن ابن عباس
стр. 90
" لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحِجِّ". وَمِمَّا يَحْكُونَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَرَأَ:" غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِينَ" مَعَ نَظَائِرَ لِهَذِهِ الْحُرُوفِ كَثِيرَةٍ لَمْ يَنْقُلْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِهَا تَحِلُّ، وَلَا عَلَى أَنَّهَا مُعَارَضٌ بِهَا مُصْحَفُ عُثْمَانَ، لِأَنَّهَا حُرُوفٌ لَوْ جَحَدَهَا جَاحِدٌ أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا، وَالْقُرْآنُ الَّذِي جَمَعَهُ عُثْمَانُ بِمُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ لَهُ لَوْ أَنْكَرَ بَعْضَهُ مُنْكِرٌ كَانَ كَافِرًا، حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَمْ يَزَلْ صَنِيعُ عُثْمَانَ ﵁ فِي جَمْعِهِ الْقُرْآنَ يُعْتَدُّ لَهُ بِأَنَّهُ مِنْ مَنَاقِبِهِ الْعِظَامِ، وَقَدْ طَعَنَ عَلَيْهِ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الزَّيْغِ فَانْكَشَفَ عَوَارُهُ، وَوَضَحَتْ فَضَائِحُهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ حُدِّثْتُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: طَعَنَ قَوْمٌ عَلَى عُثْمَانَ ﵀ بِحُمْقِهِمْ جَمْعَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَرَءُوا بِمَا نَسَخَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَذْهَبُ أَبُو مِجْلَزٍ إِلَى أَنَّ عُثْمَانَ أَسْقَطَ الَّذِي أَسْقَطَ بِعِلْمٍ كَمَا أَثْبَتَ الَّذِي أثبت بعلك. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ" دَلَالَةٌ عَلَى كُفْرِ هَذَا الْإِنْسَانِ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَإِذَا قَرَأَ قَارِئٌ:" تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَمُرَيَّتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ لِيفٍ" فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا وَقَوَّلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَبَدَّلَ كِتَابَهُ وَحَرَّفَهُ، وَحَاوَلَ مَا قَدْ حَفِظَهُ مِنْهُ وَمَنَعَ مِنَ اخْتِلَاطِهِ بِهِ، وَفِي هَذَا الَّذِي أَتَاهُ تَوْطِئَةُ الطَّرِيقِ لِأَهْلِ الْإِلْحَادِ، لِيُدْخِلُوا فِي الْقُرْآنِ ما يحلون به عر الْإِسْلَامِ، وَيَنْسِبُونَهُ إِلَى قَوْمٍ كَهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَحَالُوا هَذَا بِالْأَبَاطِيلِ عَلَيْهِمْ. وَفِيهِ إِبْطَالُ الْإِجْمَاعِ الَّذِي بِهِ يُحْرَسُ الْإِسْلَامُ، وَبِثَبَاتِهِ تُقَامُ الصَّلَوَاتُ، وَتُؤَدَّى الزَّكَوَاتُ وَتُتَحَرَّى الْمُتَعَبَّدَاتُ. وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تعالى:" الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ" دَلَالَةٌ عَلَى بِدْعَةِ هَذَا الْإِنْسَانِ وَخُرُوجِهِ إِلَى الْكُفْرِ، لِأَنَّ مَعْنَى" أُحْكِمَتْ آياتُهُ": مَنَعُ الْخَلْقَ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْ يَزِيدُوا فِيهَا، أَوْ يُنْقِصُوا مِنْهَا أَوْ يُعَارِضُوهَا بِمِثْلِهَا، وَقَدْ وَجَدْنَا هَذَا الْإِنْسَانَ زَادَ فِيهَا: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بِعَلِيٍّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا. فَقَالَ فِي الْقُرْآنِ هُجْرًا، وَذَكَرَ عَلِيًّا فِي مَكَانٍ لَوْ سَمِعَهُ يَذْكُرُهُ فِيهِ لَأَمْضَى عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ. وَأَسْقَطَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ
стр. 91
" قُلْ هُوَ" وَغَيَّرَ" أَحَدٌ" فَقَرَأَ: اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ. وَإِسْقَاطُ مَا أَسْقَطَهُ نَفْيٌ لَهُ وَكُفْرٌ، وَمَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ وَأَبْطَلَ مَعْنَى الْآيَةِ، لِأَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ قَالُوا: نَزَلَتِ الْآيَةُ جَوَابًا لِأَهْلِ الشِّرْكِ لَمَّا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : صِفْ لَنَا رَبَّكَ، أَمِنْ ذَهَبٍ أَمْ مِنْ نُحَاسٍ أَمْ مِنْ صُفْرٍ؟ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ:" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" فَفِي" هُوَ" دَلَالَةٌ عَلَى مَوْضِعِ الرَّدِّ وَمَكَانِ الْجَوَابِ، فَإِذَا سَقَطَ بَطُلَ مَعْنَى الْآيَةِ، وَوَضَحَ الِافْتِرَاءُ عَلَى اللَّهِ ، وَالتَّكْذِيبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَيُقَالُ لِهَذَا الْإِنْسَانِ وَمَنْ يَنْتَحِلُ نُصْرَتَهُ: أَخْبِرُونَا عَنِ القرآن الذي نقرؤه وَلَا نَعْرِفُ نَحْنُ وَلَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنْ أَسْلَافِنَا سِوَاهُ، هَلْ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، صَحِيحُ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي عَارٍ عَنِ الْفَسَادِ وَالْخَلَلِ؟ أَمْ هُوَ وَاقِعٌ عَلَى بَعْضِ الْقُرْآنِ وَالْبَعْضِ الْآخَرِ غَائِبٌ عَنَّا كَمَا غَابَ عَنْ أَسْلَافِنَا وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا؟ فَإِنْ أَجَابُوا بِأَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي مَعَنَا مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ لَا يسقط منه شي، صَحِيحُ اللَّفْظِ وَالْمَعَانِي، سَلِيمُهَا مِنْ كُلِّ زَلَلٍ وَخَلَلٍ، فَقَدْ قَضَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ حِينَ زَادُوا فِيهِ" فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلَيْسَ لَهُ شَرَابٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ مِنْ عَيْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتٍ الْجَحِيمِ" فَأَيُّ زِيَادَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْضَحُ مِنْ هَذِهِ، وَكَيْفَ تُخْلَطُ بِالْقُرْآنِ وَقَدْ حَرَسَهُ اللَّهُ مِنْهَا وَمَنَعَ كُلَّ مُفْتَرٍ وَمُبْطِلٍ مِنْ أَنْ يُلْحِقَ بِهِ مِثْلَهَا، وَإِذَا تُؤُمِّلَتْ وَبُحِثَ عَنْ مَعْنَاهَا وُجِدَتْ فَاسِدَةً غَيْرَ صَحِيحَةٍ، لَا تُشَاكِلُ كَلَامَ الْبَارِي تَعَالَى وَلَا تُخْلَطُ بِهِ، وَلَا تُوَافِقُ مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ أن بعدها" لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ" فَكَيْفَ يُؤْكَلُ الشَّرَابُ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ قَبْلَهَا: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلَيْسَ لَهُ شَرَابٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ مِنْ عَيْنٍ تَجْرِي من تحت الجحيم لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ. فَهَذَا مُتَنَاقِضٌ يُفْسِدُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لِأَنَّ الشَّرَابَ لَا يُؤْكَلُ، وَلَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَكَلْتُ الْمَاءَ، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: شَرِبْتُهُ وَذُقْتُهُ وَطَعِمْتُهُ
، وَمَعْنَاهُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى الصِّحَّةِ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي مَنْ خَالَفَ حَرْفًا مِنْهُ كَفَرَ." وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ" لَا يَأْكُلُ الْغِسْلِينَ إِلَّا الْخَاطِئُونَ أَوْ لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ إِلَّا الْخَاطِئُونَ. وَالْغِسْلِينُ: مَا يَخْرُجُ من أجوافهم من شحم وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الصَّدِيدِ وَغَيْرِهِ، فَهَذَا طَعَامٌ يُؤْكَلُ عِنْدَ الْبَلِيَّةِ وَالنِّقْمَةِ، وَالشَّرَابُ مُحَالٌ أن
стр. 92
يؤكل. فإن ادعى هذا الإنسان أن الْبَاطِلَ الَّذِي زَادَهُ مِنْ قَوْلِهِ" مِنْ عَيْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ الْجَحِيمِ" لَيْسَ بَعْدَهَا" لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ" وَنَفَى هَذِهِ الْآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ لِتَصِحَّ لَهُ زِيَادَتَهُ، فَقَدْ كَفَرَ لَمَّا جَحَدَ آيَةً مِنَ القرآن. وحسبك بهذا لقوله رَدًّا لِقَوْلِهِ، وَخِزْيًا لِمَقَالِهِ. وَمَا يُؤْثَرُ عَنِ الصحابة والتابعين أنهم قرءوا بِكَذَا وَكَذَا إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ قُرْآنٌ يُتْلَى، وَكَذَلِكَ مَا نُسِخَ لَفَظُهُ وَحُكْمُهُ أَوْ لَفَظُهُ دُونَ حُكْمِهِ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ «١» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْقَوْلُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ
وَفِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ أَوَّلِ كُلِّ قِرَاءَةٍ فَقَالَ تَعَالَى:" فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ" أَيْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَقْرَأَ، فَأَوْقَعَ الْمَاضِيَ مَوْقِعَ الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنِّي لَآتِيكُمْ لِذِكْرِي الَّذِي مَضَى ... مِنَ الْوُدِّ وَاسْتِئْنَافِ مَا كَانَ فِي غَدِ
أَرَادَ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَأَنَّ كُلَّ فِعْلَيْنِ تَقَارَبَا فِي الْمَعْنَى جَازَ تَقْدِيمُ أَيِّهِمَا شِئْتَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى" المعنى فتدلى ثم دنى، ومثله:" اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ" وَهُوَ كَثِيرٌ. الثَّانِيَةُ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فِي الصَّلَاةِ. حَكَى النَّقَّاشُ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ وَاجِبَةٌ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَقَوْمٌ يَتَعَوَّذُونَ فِي الصَّلَاةِ كُلَّ رَكْعَةٍ، وَيَمْتَثِلُونَ أَمْرَ اللَّهِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ عَلَى الْعُمُومِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَتَعَوَّذَانِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ وَيَرَيَانِ قِرَاءَةَ الصَّلَاةِ كُلِّهَا كَقِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَالِكٌ لَا يَرَى التَّعَوُّذَ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَيَرَاهُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ. الثَّالِثَةُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّعَوُّذَ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا آيَةً مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَارِئِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَهَذَا اللَّفْظُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ العلماء في التعوذ لأنه
стр. 93
لَفْظُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ :" يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ هَكَذَا أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ عَنِ الْقَلَمِ". الرَّابِعَةُ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ رَأَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يصلي صَلَاةً فَقَالَ عَمْرٌو «١»: لَا أَدْرِي أَيَّ صَلَاةِ هِيَ؟ فَقَالَ:" اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرَا اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرَا ثَلَاثًا الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا ثَلَاثًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ثَلَاثًا أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وهمزه". قال عمرو همزه الموتة، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ. وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ، الموتة يَعْنِي الْجُنُونَ. وَالنَّفْثُ: نَفْخُ الرَّجُلِ مِنْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَ رِيقَهُ. وَالْكِبْرُ: التِّيهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قام من الليل گبر ثُمَّ يَقُولُ:" سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرَا ثَلَاثًا أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ"، ثُمَّ يَقْرَأُ. وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ «٢» ﵀ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ الله هم السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ ابن عطية:" وأما المقرءون فَأَكْثَرُوا فِي هَذَا مِنْ تَبْدِيلِ الصِّفَةِ فِي اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْمَجِيدِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الْمَرِيدِ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا لَا أَقُولُ فِيهِ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ، وَلَا أَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ". الْخَامِسَةُ قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى إِظْهَارِ الِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةِ سُورَةِ" الْحَمْدُ" إِلَّا حَمْزَةَ فإنه أسرها .. روى السدي «٣» عن أهل المدينة أنهم كانوا يفتحون الْقِرَاءَةَ بِالْبَسْمَلَةِ. وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ التَّعَوُّذَ فَرْضٌ، فَإِذَا نَسِيَهُ
стр. 94
الْقَارِئُ وَذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْحِزْبِ قَطَعَ وَتَعَوَّذَ، ثم ابتدأ من أوله. وبعضهم يقول: يستعسذ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ أَسَانِيدُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، وَبِالثَّانِي قَالَ أَسَانِيدُ الشَّامِ وَمِصْرَ. السَّادِسَةُ حَكَى الزَّهْرَاوِيُّ قَالَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الصَّلَاةِ وَنُدِبْنَا إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ. قَالَ غَيْرُهُ: كَانَتْ فَرْضًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحْدَهُ، ثُمَّ تَأَسَّيْنَا بِهِ. السَّابِعَةُ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَقَالَهُ دَاوُدُ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ:" انْتَهَى الْعِيُّ بِقَوْمٍ إِلَى أَنْ قَالُوا: إِذَا فَرَغَ الْقَارِئُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَهَذَّا نص وفإن الْفَائِدَةُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقْتَ القراءة؟ قلنا: فائدتها امتثال الأمر، ليس لِلشَّرْعِيَّاتِ فَائِدَةٌ إِلَّا الْقِيَامُ بِحَقِّ الْوَفَاءِ لَهَا فِي امْتِثَالِهَا أَمْرًا أَوِ اجْتِنَابَهَا نَهْيًا، وَقَدْ قِيلَ: فَائِدَتُهَا امْتِثَالُ الْأَمْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «١» ". قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:" وَمِنْ أَغْرَبِ مَا وَجَدْنَاهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ:" فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ «٢» " قَالَ: ذَلِكَ بَعْدَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ لِمَنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ، وَلَا يَعَضِّدْهُ نَظَرٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ كَانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ دَعْوَى عَرِيضَةً، وَلَا تُشْبِهُ أَصْلَ مَالِكٍ وَلَا فَهْمَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِسِرِّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ". الثَّامِنَةُ فِي فَضْلِ التَّعَوُّذِ. رَوَى مسلم عن سليمان بن صرد قال: استتب رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ:" إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". فقام إلى الرجل مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ تدري ما قال
стр. 95
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آنِفًا؟ قَالَ:" إِنِّي لِأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجْنُونَا تَرَانِي! أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا. وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إن الشيطان قد حلا بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يُلْبِّسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ «١» فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فتعوذ مِنْهُ وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا" قَالَ: فَفَعَلْتُ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الليل قال:" يأرص رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ ومن شَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ وَمِنْ شَرِّ مَا يدب عليك ومن أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكني الْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ. وَرَوَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خلق لم يضره شي حتى يرتحل". وأخرجه الْمُوَطَّأُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيح. وما يتعوذ منه كثيرا ثَابِتٌ فِي الْأَخْبَارِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. التَّاسِعَةُ مَعْنَى الاستعاذة في كلام العرب، الستجارة وَالتَّحَيُّزُ إِلَى الشَّيْءِ عَلَى، مَعْنَى الِامْتِنَاعِ بِهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ، يُقَالُ: عُذْتُ بِفُلَانٍ وَاسْتَعَذْتُ بِهِ، أي لجأت إليه. وهو عياذي، أي ملجئ. وَأَعَذْتُ غَيْرِي بِهِ وَعَوَّذْتُهُ بِمَعْنًى. وَيُقَالُ: عَوْذٌ بِاللَّهِ مِنْكَ، أَيْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، قَالَ الرَّاجِزُ:
قَالَتْ وَفِيهَا حَيْدَةٌ وَذُعْرُ ... عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكُمْ وَحُجْرُ
وَالْعَرَبُ تَقُولُ عِنْدَ الْأَمْرِ [تُنْكِرُهُ «٢»]: حُجْرًا لَهُ (بِالضَّمِّ) أَيْ دَفْعًا، وَهُوَ اسْتِعَاذَةٌ مِنَ الْأَمْرِ. وَالْعَوْذَةُ وَالْمُعَاذَةُ وَالتَّعْوِيذُ كُلُّهُ بِمَعْنًى. واصل أَعْوُذُ نُقِلَتِ الضَّمَّةُ إِلَى الْعَيْنِ لِاسْتِثْقَالِهَا عَلَى الواو فسكنت.
стр. 96
العاشرة الشيطان واتحد الشَّيَاطِينِ، عَلَى التَّكْسِيرِ وَالنُّونُ أَصْلِيَّةٌ، لِأَنَّهُ مِنْ شَطَنَ إِذَا بَعُدَ عَنِ الْخَيْرِ. وَشَطَنَتْ دَارُهُ أي بعدت، قال الشاعر «١»:
نَأْتِ بِسُعَادَ عَنْكَ نَوًى شَطُونُ ... فَبَانَتْ وَالْفُؤَادُ بِهَا رَهِينُ
وَبِئْرٌ شَطُونٌ أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ. وَالشَّطَنُ: الْحَبْلُ، سُمِّيَ بِهِ لِبُعْدِ طَرَفَيْهِ وَامْتِدَادِهِ. وَوَصْفَ أَعْرَابِيٌّ فَرَسًا [لَا يَحْفَى «٢»] فَقَالَ: كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ فِي أَشْطَانٍ. وَسُمِّيَ الشَّيْطَانُ شَيْطَانًا لِبُعْدِهِ عن الحق وتمره، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالدَّوَابِّ شَيْطَانٌ، قَالَ جَرِيرٌ:
أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلٍ ... وَهُنَّ يَهْوَيْنَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا
وَقِيلَ: إِنَّ شَيْطَانًا مَأْخُوذٌ مِنْ شَاطَ يشيط إذا هلك «٣»، فلنون زَائِدَةٌ. وَشَاطَ إِذَا احْتَرَقَ. وَشَيَّطَتِ اللَّحْمَ إِذَا دخنته ولم تنصحه. وَاشْتَاطَ الرَّجُلُ إِذَا احْتَدَّ غَضَبًا. وَنَاقَةٌ مِشْيَاطٌ الَّتِي يَطِيرُ فِيهَا السِّمَنُ. وَاشْتَاطَ إِذَا هَلَكَ، قال الأعشى:
قد نضخب الْعِيرَ مِنْ مَكْنُونِ فَائِلِهُ «٤» ... وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا الْبَطَلُ
أَيْ يَهْلَكُ. وَيَرُدُّ عَلَى هَذِهِ الْفِرْقَةِ أَنَّ سِيبَوَيْهِ حَكَى أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: تَشَيْطَنَ فُلَانٌ إِذَا فَعَلَ أَفْعَالَ الشَّيَاطِينِ، فَهَذَا بين إنه تفعيل مِنْ شَطَنَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ شَاطَ لَقَالُوا: تَشَيَّطَ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَيْضًا بَيْتُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
أَيُّمَا شَاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُ «٥» ... وَرَمَاهُ فِي السِّجْنِ وَالْأَغْلَالِ
فَهَذَا شَاطِنٌ مِنْ شَطَنَ لا شك فيه. الحادية عشر الرَّجِيمُ أَيِ الْمُبْعَدُ مِنَ الْخَيْرِ الْمُهَانِ. وَأَصْلُ الرجم الرمي بأحجاره، وَقَدْ رَجَمْتُهُ أَرْجُمُهُ، فَهُوَ رَجِيمٌ وَمَرْجُومٌ. وَالرَّجْمُ: الْقَتْلُ وَاللَّعْنُ وَالطَّرْدُ وَالشَّتْمُ، وَقَدْ قِيلَ هَذَا كُلُّهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ". وَقَوْلُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ:" لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ". وسيأتي «٦» إن شاء اله تعالى.
стр. 97
الثانية عشر رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الصَّفَا وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى شَخْصٍ فِي صُورَةِ الْفِيلِ وَهُوَ يَلْعَنُهُ، قُلْتُ: وَمَنْ هَذَا الَّذِي تَلْعَنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:" هَذَا الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ" فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ: وَاللَّهِ لِأَقْتُلَنَّكَ وَلَأُرِيحَنَّ الْأُمَّةَ مِنْكَ، قَالَ: مَا هَذَا جَزَائِي مِنْكَ، قُلْتُ: وَمَا جَزَاؤُكَ مِنِّي يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبْغَضَكَ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا شَرِكْتُ أَبَاهُ فِي رَحِمِ أمه.
[الكلام في] البسملة وفيها سبع وعشرون مسألة
[سورة الفاتحة (١): آيَةً ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)
قَوْلُهُ تَعَالَى: الْأُولَى قَالَ الْعُلَمَاءُ:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَسَمٌ مِنْ رَبِّنَا أَنْزَلَهُ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ سُورَةٍ، يُقْسِمُ لِعِبَادِهِ إِنَّ هَذَا الَّذِي وَضَعْتُ لَكُمْ يَا عِبَادِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَقٌّ، وإني أوفي لَكُمْ بِجَمِيعِ مَا ضَمَّنْتُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ وَعْدِي وَلُطْفِي وَبِرِّي. وَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِنَا وَعَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ خُصُوصًا بَعْدَ سُلَيْمَانَ ﵇. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ الشَّرْعِ، لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَعَلَى الصِّفَاتِ، وَهَذَا صَحِيحٌ. الثَّانِيَةُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سُكَيْنَةَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَكْتُبُ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَقَالَ لَهُ: جَوِّدْهَا فَإِنَّ رَجُلًا جودها فغفر له. قال سيعد: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَجُلَا نَظَرَ إِلَى قِرْطَاسٍ فِيهِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَقَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ فَغُفِرَ لَهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قِصَّةُ بِشْرٍ الْحَافِي، فَإِنَّهُ لَمَّا رَفَعَ الرُّقْعَةَ الَّتِي فيها بسم اللَّهِ وَطَيَّبَهَا طُيِّبَ اسْمُهُ «١»، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ رِدْفِ رَسُولِ الله стр. 98
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" إِذَا عَثَرَتْ بِكَ الدَّابَّةُ فَلَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولُ بقوته صنعته وَلَكِنْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهُ يتصاغر حتى مِثْلَ الذُّبَابِ". وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى" وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً «١» " قَالَ مَعْنَاهُ: إِذَا قُلْتَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وَرَوَى وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن مسعود قل: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللَّهُ مِنَ الزَّبَانِيَةِ التِّسْعَةَ عَشَرَ فَلْيَقْرَأْ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" لِيَجْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا جُنَّةً مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ. فَالْبَسْمَلَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا عَلَى عَدَدِ مَلَائِكَةِ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ قال الله فيهم:" عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ" وَهُمْ يَقُولُونَ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِمْ:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فمن هناك هِيَ قُوَّتُهُمْ، وَبِبِسْمِ اللَّهِ اسْتَضْلَعُوا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُمْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: إِنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، مُرَاعَاةً لِلَفْظَةِ" هِيَ" من كلمات سورة" إِنَّا أَنْزَلْناهُ" وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي عَدَدِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ ابْتَدَرُوا قَوْلُ الْقَائِلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَإِنَّهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا، فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :" لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعًا وَثَلَاثِينَ مَلِكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ". قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا مِنْ مُلَحِ التَّفْسِيرِ وَلَيْسَ مِنْ مَتِينِ الْعِلْمِ. الثالثة روى الشعبي ولأعمش أن رسول الله ﷺ كَانَ يَكْتُبُ" بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ" حَتَّى أُمِرَ أَنْ يُكْتَبَ" بِسْمِ اللَّهِ" فَكَتَبَهَا، فَلَمَّا نَزَلَتْ:" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ" كَتَبَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ" فَلَمَّا نَزَلَتْ:" إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" كَتَبَهَا. وَفِي مُصَنَّفِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ وَثَابِتُ بْنُ عُمَارَةَ: إِنَّ النبي صلى اله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ" النَّمْلِ". الرَّابِعَةُ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ تِيجَانُ السُّوَرِ. قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا. وقد اختلف العلماء في هذا
стр. 99
(الْأَوَّلُ) لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. (الثَّانِي) أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ. (الثَّالِثُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ آيَةٌ فِي الْفَاتِحَةِ، وَتَرَدَّدَ قَوْلُهُ فِي سَائِرِ السُّوَرِ، فَمَرَّةً قَالَ: هِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَمَرَّةٍ قَالَ: لَيْسَتْ بِآيَةٍ إِلَّا فِي الْفَاتِحَةِ وَحْدَهَا. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّمْلِ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ «١» بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:" إِذَا قَرَأْتُمُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فَاقْرَءُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ والسبع المثاني وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أحد آياتها". رفع هذا الحديث عبد الحميد ابن جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ هَذَا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ يَقُولُ فِيهِ: مَحَلُّهُ الصِّدْقُ، وَكَانَ سفيان الثوري يضعه وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ. وَنُوحُ بْنُ أَبِي بِلَالٍ ثِقَةٌ مشهور. وحجة ابن المبارك واحد ق. لي الشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:" نَزَلَتْ عَلِيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ فِي سُورَةِ الْكَوْثَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى «٢». الْخَامِسَةُ الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ ماك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار لآحاد وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ التَّوَاتُرُ الْقَطْعِيُّ الَّذِي لَا يُخْتَلَفُ فيه. قال ابن العربي:" ويكفيك أنها
стр. 100
لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ اخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهَا، وَالْقُرْآنُ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ". وَالْأَخْبَارُ الصِّحَاحُ الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا إِلَّا فِي النَّمْلِ وَحْدَهَا. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" قَالَ اللَّهُ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي ما سأل فإذا قال" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حمدني عبدي وإذا قال العبد" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَيَّ عبدي وإذا قال العبد" مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" قَالَ مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مرة ف. ض إِلَى عَبْدِي فَإِذَا قَالَ" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" قَالَ هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ" اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" قَالَ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ". فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:" قَسَمْتُ الصَّلَاةَ" يُرِيدُ الْفَاتِحَةَ، وَسَمَّاهَا صَلَاةً لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهَا، فَجَعَلَ الثَّلَاثَ الْآيَاتِ الْأُوَلَ لِنَفْسِهِ، وَاخْتَصَّ بِهَا تَبَارَكَ اسْمُهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا ثُمَّ الْآيَةَ الرَّابِعَةَ جَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ تَذَلُّلَ الْعَبْدِ وَطَلَبَ الِاسْتِعَانَةِ مِنْهُ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ ثَلَاثَ آيات تتمة سبع ءايات. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثٌ قَوْلُهُ:" هَؤُلَاءِ لِعَبْدِي" أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَلَمْ يَقُلْ: هَاتَانِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" آيَةٌ. قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ قَالَ مَالِكٌ:" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" آيَةٌ، ثُمَّ الْآيَةُ السَّابِعَةُ إِلَى آخِرِهَا. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ الَّتِي قَسَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَبِقَوْلِهِ ﵇ لِأُبَيٍّ:" كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ" قَالَ: فَقَرَأْتُ" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْهَا، وَكَذَا عَدَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَأَكْثَرُ الْقُرَّاءِ عَدُّوا" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" آيَةً، وَكَذَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: الْآيَةُ السَّادِسَةُ" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ عَدُّوا فِيهَا" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" وَلَمْ يَعْدُّوا" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الْمُصْحَفِ وَهِيَ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّهِ وَنُقِلَتْ، كَمَا نُقِلَتْ فِي النَّمْلِ، وَذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ عَنْهُمْ وقلنا: مَا ذَكَرْتُمُوهُ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لِكَوْنِهَا قُرْآنًا، أَوْ لِكَوْنِهَا فَاصِلَةً بَيْنَ السُّوَرِ
стр. 101
كَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ: كُنَّا لَا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَوْ تَبَرُّكًا بِهَا، كما قد اتفقت الأمة على كتابتها فِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ؟ كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ. وَقَدْ قَالَ الْجُرَيْرِيُّ «١»: سُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالَ: فِي صُدُورِ الرَّسَائِلِ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: لَمْ تَنْزِلْ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" في شي مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا فِي" طس"" إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وَالْفَيْصَلُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُثْبَتُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَإِنَّمَا يُثْبَتُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الْقَطْعِيِّ الِاضْطِرَارِيِّ. ثُمَّ قَدِ اضْطَرَبَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ كل سورة، والحمد لله. فإن قبل: فَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ قُرْآنِيَّتَهَا، وَقَدْ تَوَلَّى الدَّارَقُطْنِيُّ جَمْعَ ذَلِكَ فِي جُزْءٍ صَحَّحَهُ. قُلْنَا: لَسْنَا نُنْكِرُ الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهَا، وَلَنَا أَخْبَارٌ ثَابِتَةٌ فِي مُقَابَلَتِهَا، رَوَاهَا الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ وَالْفُقَهَاءُ الْأَثْبَاتُ. رَوَتْ عَائِشَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فكانوا يستفتحون ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لَا يَذْكُرُونَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" لأفي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا. ثُمَّ إِنَّ مَذْهَبَنَا يَتَرَجَّحُ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ الْمَعْقُولُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ انْقَضَتْ عَلَيْهِ الْعُصُورُ، وَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْأَزْمِنَةُ وَالدُّهُورُ، مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى اله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى زَمَانِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ فِيهِ قَطُّ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَهَذَا يَرُدُّ أَحَادِيثَكُمْ. بَيْدَ أَنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَحَبُّوا قِرَاءَتَهَا فِي النَّفْلِ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الآثار الواردة في قراءتها أول عَلَى السَّعَةِ فِي ذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا فِي النَّافِلَةِ وَمَنْ يعرض القرآن عرضا.
стр. 102
وَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا يَقْرَأُ بِهَا الْمُصَلِّي فِي الْمَكْتُوبَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي النَّوَافِلِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تُقْرَأُ أول السور فِي النَّوَافِلِ، وَلَا تُقْرَأُ أَوَّلَ أُمِّ الْقُرْآنِ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ ابْتِدَاءَ الْقِرَاءَةِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ وَلَا تُتْرَكُ بِحَالٍ. وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَابُدَ فِيهَا مَنْ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ شِهَابٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ، كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ مِنَ الْمُتَفَقِّهَةِ الَّذِي يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْإِسْرَارِ بِهَا مَعَ الْفَاتِحَةِ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ، وبه قال أحمد ابن حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مَثْلُ ذَلِكَ، حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (الِاسْتِذْكَارِ). وَاحْتَجُّوا مِنَ الْأَثَرِ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وَمَا رَوَاهُ عَمَّارُ بن رزيق «١» عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أنس قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وخلف أبي بكر وعمر، فلم أسمع أحد منهم يجهر ببسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قُلْتُ: هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَعَلَيْهِ تَتَّفِقُ الْآثَارُ عَنْ أَنَسٍ وَلَا تَتَضَادُّ وَيُخْرَجُ بِهِ مِنَ الْخِلَافِ فِي قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحْضُرُونَ بِالْمَسْجِدِ، فَإِذَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ يَذْكُرُ رَحْمَانَ اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت ببسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَنَزَلَ:" وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها". قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَبَقِيَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا على
стр. 103
ذَلِكَ الرَّسْمِ وَإِنْ زَالَتِ الْعِلَّةُ، كَمَا بَقِيَ الرَّمَلُ فِي الطَّوَافِ وَإِنْ زَالَتِ الْعِلَّةُ، وَبَقِيَتِ الْمُخَافَتَةُ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ وَإِنْ زَالَتِ الْعِلَّةُ. السَّادِسَةُ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ كَتْبِهَا فِي أول كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ وَالرَّسَائِلِ، فَإِنْ كَانَ الكتاب ديوان شعر فر. ى مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَجْمَعُوا أَلَّا يَكْتُبُوا أَمَامَ الشِّعْرِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَلَّا يَكْتُبُوا فِي الشِّعْرِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وَذَهَبَ إِلَى رَسْمِ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّلِ كُتُبِ الشِّعْرِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ أبو بكر الخطيب: هو الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَسْتَحِبُّهُ. السَّابِعَةُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ: مُبَسْمِلٌ، وَهِيَ لُغَةٌ مُوَلَّدَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي الشِّعْرِ، قَالَ عُمَرُ بن أبي ربيعة:
لقد بسملت ليلى غذاه لقيتها ... فيا حبذا ذلك الْحَبِيبُ الْمُبَسْمِلُ
قُلْتُ: الْمَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بَسْمَلَ. قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ وَالْمُطَرِّزُ وَالثَّعَالِبِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: بَسْمَلَ الرَّجُلُ، إِذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. يُقَالُ: قَدْ أَكْثَرْتَ مِنَ الْبَسْمَلَةِ، أَيْ مِنْ قَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ. وَمِثْلُهُ حَوْقَلَ الرَّجُلُ، إِذَا قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَهَلَّلَ، إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَسَبْحَلَ، إِذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. وَحَمْدَلَ، إِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَحَيْصَلَ، إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. وَجَعْفَلَ إِذَا قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ. وَطَبْقَلَ، إِذَا قَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ. وَدَمْعَزَ، إِذَا قَالَ: أَدَامَ اللَّهُ عِزَّكَ. وَحَيْفَلَ، إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُطَرِّزُ: الْحَيْصَلَةَ، إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. وَجَعْفَلَ، إِذَا قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ. وَطَبْقَلَ، إِذَا قَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ. وَدَمْعَزَ، إِذَا قَالَ أَدَامَ اللَّهُ عِزَّكَ. الثَّامِنَةُ نَدْبُ الشَّرْعِ إِلَى ذِكْرِ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ كُلِّ فِعْلٍ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّحْرِ، وَالْجِمَاعِ وَالطَّهَارَةِ وَرُكُوبِ البحر، وإلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ" ... " وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 104
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرْ «١» إِنَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ". وَقَالَ:" لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا". وَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ:" يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وكل مما يليك" وقال" إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِلَّا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ" وَقَالَ:" مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ". وَشَكَا إِلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :" ضَعْ يَدَك عَلَى الَّذِي تَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرٍّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ". هَذَا كُلُّهُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:" سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ". وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا مَسَّ طَهُورَهُ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى يَدَيْهِ. التَّاسِعَةُ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّ أَفْعَالَهُمْ مَقْدُورَةٌ لَهُمْ. وَمَوْضِعُ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَنَا عِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِكُلِّ فِعْلٍ أَنْ نَفْتَتِحَ بِذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا. فَمَعْنَى" بِسْمِ اللَّهِ"، أَيْ بِاللَّهِ. وَمَعْنَى" بِاللَّهِ" أَيْ بِخَلْقِهِ وَتَقْدِيرِهِ يُوصَلُ إِلَى مَا يُوصَلُ إِلَيْهِ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ" بِسْمِ اللَّهِ" يَعْنِي بَدَأْتُ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَبَرَكَتِهِ، وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ، لِيَذْكُرُوا اسْمَهُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى يَكُونَ الِافْتِتَاحُ بِبَرَكَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ. الْعَاشِرَةُ ذَهَبَ أبو عبيد مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى إِلَى أَنَّ" اسْمَ" صِلَةٌ زَائِدَةٌ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ لَبِيَدٍ:
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ... وَمِنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فقد اعتذر
стр. 105
فَذَكَرَ" اسْمَ" زِيَادَةً، وَإِنَّمَا أَرَادَ: ثُمَّ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا. وَقَدِ اسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِ لَبِيَدٍ هَذَا عَلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فيه في هذا الباب وغيره، إ ن شاء الله تعالى. الحادية عشر اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى زِيَادَةِ" اسْمِ" فَقَالَ قُطْرُبٌ: زِيدَتْ لِإِجْلَالِ ذِكْرِهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمِهِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: زِيدَتْ لِيَخْرُجَ بِذِكْرِهَا مِنْ حُكْمِ الْقَسَمِ إِلَى قَصْدِ التَّبَرُّكِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ: بِاللَّهِ. الثَّانِيَةَ عشر اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مَعْنَى دُخُولِ الْبَاءِ عَلَيْهِ، هَلْ دَخَلَتْ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ؟ وَالتَّقْدِيرُ: ابْدَأْ بِسْمِ اللَّهِ. أَوْ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ؟ وَالتَّقْدِيرُ: ابتدأت بسم الله، قولان: الأول للقراء، والثاني للزجاج. ف" بسم الله" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ابْتِدَائِي بِسْمِ اللَّهِ، فَ" بِسْمِ اللَّهِ" فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ الِابْتِدَاءِ. وَقِيلَ: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيِ ابْتِدَائِي مُسْتَقِرٌّ أَوْ ثَابِتٌ بِسْمِ اللَّهِ، فَإِذَا أَظْهَرْتَهُ كَانَ" بِسْمِ اللَّهِ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِثَابِتٍ أَوْ مُسْتَقِرٍّ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ. وَفِي التَّنْزِيلِ" فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي" فَ" عِنْدَهُ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، رُوِيَ هَذَا عَنْ نُحَاةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ ابْتِدَائِي بِبِسْمِ اللَّهِ مَوْجُودٌ أَوْ ثَابِتٌ، فَ" بِاسْمِ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ ابْتِدَائِي. الثالثة عشر" بِسْمِ اللَّهِ"، تُكْتَبُ بِغَيْرِ أَلِفٍ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِبَاءِ الْإِلْصَاقِ فِي اللَّفْظِ وَالْخَطِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، بخلاف قوله:" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" فإنها تحذف لقلة الاستعمال .. اختلفوا فِي حَذْفِهَا مَعَ الرَّحْمَنِ وَالْقَاهِرِ، فَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَسَعِيدٌ الْأَخْفَشُ: تُحْذَفُ الْأَلِفُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: لَا تُحْذَفُ إِلَّا مَعَ" بِسْمِ اللَّهِ" فَقَطْ، لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ إِنَّمَا كَثُرَ فِيهِ. الرَّابِعَةَ عَشْرَ وَاخْتُلِفَ فِي تَخْصِيصِ بَاءِ الْجَرِّ بِالْكَسْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ، فَقِيلَ: لِيُنَاسِبَ لَفْظُهَا عَمَلَهَا. وَقِيلَ لَمَّا كَانَتِ الْبَاءُ لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى الْأَسْمَاءِ خُصَّتْ بِالْخَفْضِ
стр. 106
الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْأَسْمَاءِ. الثَّالِثُ: ليفرق بينها وَبَيْنَ مَا قَدْ يَكُونُ مِنَ الْحُرُوفِ اسْمًا، نَحْوَ الْكَافِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ «١»:
وَرُحْنَا بِكَابْنِ الْمَاءِ يُجْنَبُ وَسْطَنَا
أَيْ بِمِثْلِ ابْنِ الْمَاءِ أو ما كان مثله. الخامسة عشر ايم، وَزْنُهُ افْعٌ، وَالذَّاهِبُ مِنْهُ الْوَاوُ لِأَنَّهُ مِنْ سَمَوْتُ، وَجَمْعُهُ أَسْمَاءٌ، وَتَصْغِيرُهُ سُمَيٌّ. وَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ أَصْلِهِ، فَقِيلَ: فِعْلٌ، وَقِيلَ: فُعْلٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَأَسْمَاءٌ يَكُونُ جَمْعًا لِهَذَا الْوَزْنِ، وَهُوَ مثل جذع وأجذع، وَقُفْلٍ وَأَقْفَالٍ، وَهَذَا لَا تُدْرَكُ صِيغَتُهُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ. وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: إِسْمٌ بِالْكَسْرِ، وَأُسْمٌ بِالضَّمِّ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: مَنْ ضَمَّ الْأَلِفَ أَخَذَهُ مِنْ سَمَوْتُ أَسْمُو، وَمَنْ كَسَرَ أخذ من سمت أَسْمَي. وَيُقَالُ: سِمٌ وَسُمٌ، وَيُنْشَدُ:
وَاللَّهُ أَسْمَاكَ سُمًا مُبَارَكًا ... آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إِيثَارَكَا
وَقَالَ آخَرُ:
وَعَامُنَا أَعْجَبَنَا مَقْدِمُهُ ... يُدْعَى أَبَا السَّمْحِ وقرضاب سمه
مبتركا «٢» لكل عظم يلحمه
قرصب الرَّجُلُ: إِذَا أَكَلَ شَيْئًا يَابِسًا، فَهُوَ قِرْضَابٌ." سِمُهْ" بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ جَمِيعًا. وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
بِاسْمِ الَّذِي فِي كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ
وَسَكَنَتِ السِّينُ مِنْ" بِاسْمِ" اعْتِلَالًا «٣» عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ، وَرُبَّمَا جَعَلَهَا الشَّاعِرُ أَلِفَ قَطْعٍ لِلضَّرُورَةِ، كَقَوْلِ الْأَحْوَصِ:
وَمَا أَنَا بِالْمَخْسُوسِ فِي جَذْمِ مَالِكٍ ... وَلَا مَنْ تَسَمَّى ثُمَّ يلتزم الاسما «٤»
стр. 107
السادسة عشر تَقُولُ الْعَرَبُ فِي النَّسَبِ إِلَى الِاسْمِ: سُمِوِيٌّ، وأنشئت اسْمِيٌّ، تَرَكْتَهُ عَلَى حَالِهِ، وَجَمْعُهُ أَسْمَاءٌ وَجَمْعُ الْأَسْمَاءِ أَسَامٍ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ: أُعِيذُكَ بِأَسْمَاوَاتِ اللَّهِ. السابعة عشر اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِ الِاسْمِ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ، فَقِيلَ: اسْمٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعِ به. وقيل لأن الاسم يسمو بِالْمُسَمَّى فَيَرْفَعُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَ الِاسْمُ اسْمًا لِأَنَّهُ عَلَا بِقُوَّتِهِ عَلَى قِسْمَيِ الْكَلَامِ: الْحَرْفِ وَالْفِعْلِ، وَالِاسْمُ أَقْوَى مِنْهُمَا بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلِعُلُوِّهِ عَلَيْهِمَا سُمِّيَ اسْمًا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ، لِأَنَّ الِاسْمَ عَلَامَةٌ لِمَنْ وُضِعَ لَهُ، فَأَصْلُ اسْمٍ عَلَى هَذَا" وَسَمَ". وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي التَّصْغِيرِ سُمَيٌّ وَفِي الْجَمْعِ أَسْمَاءٌ، وَالْجَمْعُ وَالتَّصْغِيرُ يَرُدَّانِ الْأَشْيَاءَ إِلَى أُصُولِهَا، فَلَا يُقَالُ: وَسِيمٌ وَلَا أَوَسَامٌّ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ أَيْضًا فَائِدَةُ الْخِلَافِ وَهِيَ: الثامنة عشر فَإِنَّ مَنْ قَالَ الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُلُوِّ يَقُولُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفًا قَبْلَ وُجُودِ الْخَلْقِ وَبَعْدَ وُجُودِهِمْ وَعِنْدَ فَنَائِهِمْ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهُمْ فِي أَسْمَائِهِ وَلَا صِفَاتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَمَنْ قَالَ الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ يَقُولُ: كَانَ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ بال اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ، فَلَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ جَعَلُوا له أسماء وصفات، فإذا أفناهم بقي بال اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْخَطَأِ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ! وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى وَهِيَ: التَّاسِعَةَ عشر فَذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ فِيمَا نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إِلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى، وَارْتَضَاهُ ابْنُ فَوْرَكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسِيبَوَيْهِ. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: اللَّهُ عَالِمٌ، فَقَوْلُهُ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِكَوْنِهِ عَالِمًا، فالاسم كونه عَالِمًا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِعَيْنِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: اللَّهُ خَالِقٌ، فَالْخَالِقُ هُوَ الرَّبُّ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ الِاسْمُ. فَالِاسْمُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمُسَمَّى بِعَيْنِهِ مِنْ غير تفصيل.
стр. 108
قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: مَنْ يَنْفِي الصِّفَاتِ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يَزْعُمُ أَنْ لَا مَدْلُولَ لِلتَّسْمِيَاتِ إِلَّا الذَّاتُ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَمَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ يُثْبِتُ لِلتَّسْمِيَاتِ مَدْلُولَاتٍ هِيَ أَوْصَافُ الذَّاتِ وَهِيَ غَيْرُ الْعِبَارَاتِ وَهِيَ الْأَسْمَاءُ عِنْدَهُمْ. وَسَيَأْتِي لِهَذِهِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي" الْبَقَرَةِ" وَ" الْأَعْرَافِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْلُهُ:" اللَّهُ" هَذَا الِاسْمُ أَكْبَرُ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَأَجْمَعُهَا، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ اسْمُ الله الأعظم ولم يتسم به غيره، لذلك لَمْ يُثَنَّ وَلَمْ يُجْمَعْ، وَهُوَ أَحَدُ تَأْوِيلَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى" هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" أَيْ مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِهِ الَّذِي هُوَ" اللَّهُ". فَاللَّهُ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ الْحَقِّ الْجَامِعِ لِصِفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، الْمَنْعُوتِ بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ، الْمُنْفَرِدِ بِالْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِاسْمِ هَلْ هُوَ مُشْتَقٌّ أَوْ مَوْضُوعٌ لِلذَّاتِ عَلَمٌ؟. فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ وَأَصْلِهِ، فَرَوَى سِيبَوَيْهِ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّ أَصْلَهُ إِلَاهُ، مِثْلَ فِعَالٍ، فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلًا مِنَ الْهَمْزَةِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: مِثْلُ النَّاسِ أَصْلُهُ أُنَاسٌ. وَقِيلَ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ" لَاهٌ" وَعَلَيْهِ دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْظِيمِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ سِيبَوَيْهِ. وَأَنْشَدَ:
لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي
كَذَا الرواية: فتخزوني، الخاء الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُ: تَسُوسُنِي. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: مَعْنَى" بسم الله" بسم الإله، فخذوا الْهَمْزَةَ وَأَدْغَمُوا اللَّامَ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ فَصَارَتَا لَامًا مُشَدَّدَةً، كَمَا قَالَ :" لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي" وَمَعْنَاهُ، لَكِنَّ أَنَا، كَذَلِكَ قَرَأَهَا الْحَسَنُ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ" وَلَهَ" إِذَا تَحَيَّرَ، وَالْوَلَهُ: ذَهَابُ الْعَقْلِ. يُقَالُ: رجل وله وَاِمْرَأَةٌ وَالِهَةٌ وَوَالِهٌ، وَمَاءٌ مُولَهٌ «١»: أُرْسِلَ فِي الصحاري. فالله سبحانه تتحير
стр. 109
الْأَلْبَابُ وَتَذْهَبُ فِي حَقَائِقِ صِفَاتِهِ وَالْفِكْرِ فِي مَعْرِفَتِهِ. فَعَلَى هَذَا أَصْلُ" إِلَاهٍ"" وَلَاهٌ" وَأَنَّ الْهَمْزَةَ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ كَمَا أُبْدِلَتْ فِي إِشَاحٍ وَوِشَاحٍ، وَإِسَادَةٍ وَوِسَادَةٍ، وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ. وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ" اللَّهُ" إِلَهًا لِأَنَّ الْخَلْقَ يَتَأَلَّهُونَ إِلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ شَدَائِدِهِمْ. وَذُكِرَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ الْخَلْقَ يَأْلَهُونَ إِلَيْهِ (بِنَصْبِ اللَّامِ) وَيَأْلِهُونَ أَيْضًا (بِكَسْرِهَا) وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الِارْتِفَاعِ، فكانت العرب تقول لكل شي مُرْتَفِعٍ: لَاهًا فَكَانُوا يَقُولُونَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ: لَاهَتْ. وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلِهَ الرَّجُلُ إِذَا تَنَسَّكَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ قَالُوا: وَعِبَادَتَكَ. قَالُوا: فَاسْمُ اللَّهِ مُشْتَقٌّ مِنْ هَذَا، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَعْنَاهُ الْمَقْصُودُ بِالْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُوَحِّدِينَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَعْنَاهُ لَا مَعْبُودَ غَيْرُ اللَّهِ. وَ" إِلَّا" فِي الْكَلِمَةِ بِمَعْنَى غَيْرِ، لَا بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ" الْهَاءُ" الَّتِي هِيَ الْكِنَايَةُ عَنِ الْغَائِبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوهُ موجدا فِي فِطَرِ عُقُولِهِمْ فَأَشَارُوا إِلَيْهِ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ ثُمَّ زِيدَتْ فِيهِ لَامُ الْمِلْكِ إِذْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَمَالِكُهَا فَصَارَ" لَهُ" ثُمَّ زِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا. الْقَوْلُ الثَّانِي: ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو الْمَعَالِي وَالْخَطَّابِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُفَضَّلُ وَغَيْرُهُمْ، وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ: أَنَّ الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفها مِنْهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ مِنْ بِنْيَةِ هَذَا الِاسْمِ، وَلَمْ يَدْخُلَا لِلتَّعْرِيفِ، أَلَّا تَرَى أَنَّكَ لَا تَقُولُ: يَا الرَّحْمَنُ وَلَا يَا الرَّحِيمُ، كَمَا تَقُولُ: يَا لله، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ بِنْيَةِ الِاسْمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي اشْتِقَاقِ اسمه الرحمن، فقال بعضهم: لااشتقاق لَهُ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحَانَهُ، ولأنه لو كان مشتقا من الرحمة لا تصل بذكر المرحوم، فحاز أن يقال: الله رحمان بِعِبَادِهِ، كَمَا يُقَالُ: رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنَ الرَّحْمَةِ
стр. 110
لَمْ تُنْكِرْهُ الْعَرَبُ حِينَ سَمِعُوهُ، إِذْ كَانُوا لَا يُنْكِرُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ :" وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ" الْآيَةَ. وَلَمَّا كَتَبَ عَلِيٌّ ﵁ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ :" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: أَمَّا" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَمَا نَدْرِي مَا" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"! وَلَكِنَ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا جَهِلُوا الصِّفَةَ دُونَ الْمَوْصُوفِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ وَلَمْ يَقُولُوا: وَمَنِ الرَّحْمَنُ؟ قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: وَكَأَنَّهُ ﵀ لَمْ يَقْرَأِ الْآيَةَ الْأُخْرَى:" وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ". وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ" الرَّحْمَنَ" مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُ ذُو الرَّحْمَةِ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِيهَا، فَلِذَلِكَ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ كَمَا يُثَنَّى" الرَّحِيمُ" وَيُجْمَعُ. قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِقَاقِ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عبد الرحمن ابن عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" قَالَ اللَّهُ أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ". وَهَذَا نَصٌّ فِي الِاشْتِقَاقِ، فَلَا مَعْنَى لِلْمُخَالَفَةِ وَالشِّقَاقِ، وَإِنْكَارُ الْعَرَبِ لَهُ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وَبِمَا وَجَبَ لَهُ. الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ زَعَمَ الْمُبَرِّدُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ" الزَّاهِرِ" لَهُ: أَنَّ" الرَّحْمَنَ" اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ فَجَاءَ مَعَهُ بِ" الرَّحِيمِ". وَأَنْشَدَ «١»:
لَنْ تُدْرِكُوا الْمُجِدَّ أَوْ تَشْرُوا عَبَاءَكُمُ ... بِالْخَزِّ أَوْ تَجْعَلُوا الْيَنْبُوتَ ضَمْرَانَا
أَوْ تَتْرُكُونَ «٢» إِلَى الْقَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ ... وَمَسْحَكُمْ صُلْبَهُمْ رَحْمَانَ قُرْبَانَا
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى:" الرَّحِيمُ" عربي و" الرحمن" عِبْرَانِيٌّ، فَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: النَّعْتُ قَدْ يَقَعُ لِلْمَدْحِ، كَمَا تَقُولُ: قَالَ جَرِيرٌ الشَّاعِرُ. وَرَوَى مطرف عن قتادة في قوله :" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالَ: مدح نفسه. قال أبو إسحاق:
следующие страницы →