Полный текст (7 453 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
أَنْ يُشَارِكَ فِيهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَسْرَعُ إِجَابَةً لجاره عند ما ينويه مِنْ حَاجَةٍ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ وَالْغِرَّةِ، فَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهِ عَلَى مَنْ بَعْدَ بَابِهِ وَإِنْ كَانَتْ دَارُهُ أَقْرَبَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنَةُ- قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمَّا قَالَ ﵇ (فَأَكْثِرْ مَاءَهَا) نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى تَيْسِيرِ الْأَمْرِ عَلَى الْبَخِيلِ تَنْبِيهًا لَطِيفًا، وَجَعَلَ الزِّيَادَةَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ ثَمَنٌ وَهُوَ الْمَاءُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ لَحْمَهَا، إِذْ لَا يَسْهُلُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
قِدْرِي وَقِدْرُ الْجَارِ وَاحِدَةٌ ... وَإِلَيْهِ قَبْلِي تُرْفَعُ الْقِدْرُ
وَلَا يُهْدِي النَّزْرَ الْيَسِيرَ الْمُحْتَقَرَ، لِقَوْلِهِ ﵇: (ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ) أَيْ بِشَيْءٍ يُهْدَى عُرْفًا، فَإِنَّ الْقَلِيلَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُهْدَى فَقَدْ لَا يَقَعُ ذَلِكَ الْمَوْقِعَ، فَلَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ إِلَّا الْقَلِيلُ فَلْيُهْدِهِ وَلَا يَحْتَقِرْ، وَعَلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ قَبُولُهُ، لِقَوْلِهِ ﵇: (يَا نساء المؤمنات لا تحتقرن أحدا كن لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعَ «١» شَاةٍ مُحْرَقًا) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ. وَكَذَا قَيَّدْنَاهُ (يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ) بِالرَّفْعِ عَلَى غَيْرِ الْإِضَافَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا أَيُّهَا النِّسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ، كَمَا تَقُولُ يَا رِجَالَ الْكِرَامِ، فَالْمُنَادَى مَحْذُوفٌ وَهُوَ يَا أَيُّهَا، وَالنِّسَاءُ فِي التَّقْدِيرِ النَّعْتُ لِأَيِّهَا، وَالْمُؤْمِنَاتُ نَعْتٌ لِلنِّسَاءِ. قَدْ قِيلَ: فِيهِ: يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ بِالْإِضَافَةِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. التَّاسِعَةُ- مِنْ إِكْرَامِ الْجَارِ أَلَّا يُمْنَعَ مِنْ غَرْزِ خَشَبَةٍ لَهُ إِرْفَاقًا بِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْنَافِكُمْ. رُوِيَ (خُشُبَهُ وَخَشَبَةً) عَلَى الْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ. وَرُوِيَ (أَكْتَافَهُمْ) بِالتَّاءِ وَ (أَكْنَافَهُمْ) بِالنُّونِ. وَمَعْنَى (لَأَرْمِيَنَّ بِهَا) أَيْ بِالْكَلِمَةِ وَالْقِصَّةِ. وَهَلْ يُقْضَى بِهَذَا عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ النَّدْبُ إِلَى بِرِّ الْجَارِ وَالتَّجَاوُزِ لَهُ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇: (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلا عن
стр. 1857
طِيبٍ نَفْسٍ مِنْهُ (. قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ (لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ) هُوَ مِثْلُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: (إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا). وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ النَّدْبُ، عَلَى مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ «١» الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ. قَالُوا: وَلَوْلَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ فَهِمَ فِيمَا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعْنَى الْوُجُوبِ مَا كَانَ لِيُوجِبَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ وَاجِبٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَإِنَّهُ قَضَى عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِلضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ فِي الْخَلِيجِ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ. فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ. وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ (الرَّدِّ) أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَرْوِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافَ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ رَوَاهُ وَأَدْخَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ وَرَدَّهُ بِرَأْيِهِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَيْسَ كَمَا زَعَمَ الشَّافِعِيُّ، لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَانَ رَأْيُهُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ رَأْيِ عُمَرَ، وَرَأْيُ الْأَنْصَارِ أَيْضًا كَانَ خِلَافًا لِرَأْيِ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي قِصَّةِ الرَّبِيعِ «٢» وَتَحْوِيلِهِ- وَالرَّبِيعُ السَّاقِيَّةُ- وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى النَّظَرِ، وَالنَّظَرُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَرَامٌ إِلَّا مَا تَطِيبُ بِهِ النَّفْسُ خَاصَّةً، فَهَذَا هُوَ الثَّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَيَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّكُمْ بِهَا، هَذَا أَوْ نَحْوُهُ. أَجَابَ الْأَوَّلُونَ فَقَالُوا: الْقَضَاءُ بِالْمِرْفَقِ خَارِجٌ بِالسُّنَّةِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلا عن طيب نفس منه) لِأَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ التَّمْلِيكُ وَالِاسْتِهْلَاكُ وَلَيْسَ الْمِرْفَقُ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ. فَغَيْرُ وَاجِبٍ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مَا فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَحَكَى مَالِكٌ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَاضٍ يَقْضِي بِهِ يُسَمَّى أَبُو الْمُطَّلِبِ «٣». وَاحْتَجُّوا مِنَ الْأَثَرِ بِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عن أنس قال:
стр. 1858
اسْتُشْهِدَ مِنَّا غُلَامٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَتَقُولُ: أَبْشِرْ هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ (وَمَا يُدْرِيكِ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ). وَالْأَعْمَشُ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَنَسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَهُ أَبُو عُمَرَ. الْعَاشِرَةُ- وَرَدَ حَدِيثٌ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ مَرَافِقَ الْجَارِ، وَهُوَ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا محق الْجَارِ؟ قَالَ: (إِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ وَإِنِ اسْتَعَانَكَ أَعَنْتَهُ وَإِنِ احْتَاجَ أَعْطَيْتَهُ وَإِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ وَإِنْ مَاتَ تَبِعْتَ جِنَازَتَهُ وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ سَرَّكَ وَهَنَّيْتَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ سَاءَتْكَ وَعَزَّيْتَهُ ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تعرف لَهُ مِنْهَا وَلَا تَسْتَطِلْ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ لِتُشْرِفَ عَلَيْهِ وَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنِ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً فَأَهْدِ لَهُ مِنْهَا وَإِلَّا فَأَدْخِلْهَا سِرًّا لَا يَخْرُجُ وَلَدُكَ بِشَيْءٍ مِنْهُ يَغِيظُونَ بِهِ وَلَدَهُ وَهَلْ تَفْقَهُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ لَنْ يُؤَدِّيَ حَقَّ الْجَارِ إِلَّا الْقَلِيلُ مِمَّنْ رَحِمَ اللَّهُ) أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. هَذَا حَدِيثٌ جَامِعٌ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، فِي إِسْنَادِهِ أَبُو الْفَضْلِ عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ الشَّيْبَانِيُّ غَيْرُ مَرْضِيٍّ. الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ- قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْأَحَادِيثُ فِي إِكْرَامِ الْجَارِ جَاءَتْ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ حَتَّى الْكَافِرِ كَمَا بَيَّنَّا. وَفِي الْخَبَرِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُطْعِمُهُمْ مِنْ لُحُومِ النُّسُكِ؟ قَالَ: (لَا تُطْعِمُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ نُسُكِ الْمُسْلِمِينَ). وَنَهْيُهُ ﷺ . عَنْ إِطْعَامِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ نُسُكِ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَمِلُ النُّسُكَ الْوَاجِبَ فِي الذِّمَّةِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِلنَّاسِكِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَلَا أَنْ يُطْعِمَهُ الْأَغْنِيَاءَ، فَأَمَّا غَيْرُ الْوَاجِبِ الَّذِي يُجْزِيهِ إِطْعَامُ الْأَغْنِيَاءِ فَجَائِزٌ أَنْ يُطْعِمَهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ عِنْدَ تَفْرِيقِ لَحْمِ الْأُضْحِيَةِ: (ابْدَئِي بِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ). وَرُوِيَ أَنَّ شَاةً ذُبِحَتْ فِي أَهْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ؟ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ). الثَّانِيةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) أَيِ الرَّفِيقِ فِي السَّفَرِ. وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمَا عَلَى راحلتين،
стр. 1859
فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْضَةً «١»، فَقَطَعَ قَضِيبَيْنِ أَحَدُهُمَا مُعْوَجٌّ، فَخَرَجَ وَأَعْطَى لِصَاحِبِهِ الْقَوِيمِ، فَقَالَ: كُنْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أحق بهذا! فقال: (كلا «٢» يَا فُلَانُ إِنَّ كُلَّ صَاحِبٍ يَصْحَبُ آخَرَ فَإِنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ). وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لِلسَّفَرِ مُرُوءَةٌ وَلِلْحَضَرِ مُرُوءَةٌ، فَأَمَّا الْمُرُوءَةُ فِي السَّفَرِ فَبَذْلُ الزَّادِ، وَقِلَّةُ الْخِلَافِ عَلَى الْأَصْحَابِ، وكثرة المزاج فِي غَيْرِ مَسَاخِطِ اللَّهِ. وَأَمَّا الْمُرُوءَةُ فِي الْحَضَرِ فَالْإِدْمَانُ إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَكَثْرَةُ الْإِخْوَانِ فِي اللَّهِ . وَلِبَعْضِ بَنِي أَسَدٍ- وَقِيلَ إِنَّهَا لِحَاتِمٍ الطَّائِيِّ:
إِذَا مَا رَفِيقِي لَمْ يَكُنْ خَلْفَ نَاقَتِي ... لَهُ مَرْكَبٌ فَضْلًا فَلَا حَمَلَتْ رِجْلِي
وَلَمْ يَكُ مِنْ زَادِي لَهُ شَطْرُ مِزْوَدِي ... فَلَا كُنْتُ ذَا زَادٍ وَلَا كُنْتُ ذَا فَضْلِ
شَرِيكَانِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَقَدْ أَرَى ... عَلَيَّ لَهُ فَضْلًا بِمَا نَالَ مِنْ فَضْلِي
وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: (الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) الزَّوْجَةُ. ابْنُ جُرَيْجٍ: هُوَ الَّذِي يَصْحَبُكَ وَيَلْزَمُكَ رَجَاءَ نَفْعِكَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ. وَقَدْ تَتَنَاوَلُ الْآيَةُ الْجَمِيعَ بِالْعُمُومِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَابْنِ السَّبِيلِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي يَجْتَازُ بِكَ مَارًّا. وَالسَّبِيلُ الطَّرِيقُ، فَنُسِبَ الْمُسَافِرُ إِلَيْهِ لِمُرُورِهِ عَلَيْهِ وَلُزُومِهِ إِيَّاهُ. وَمِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ إِعْطَاؤُهُ وَإِرْفَاقُهُ وَهِدَايَتُهُ وَرُشْدُهُ. الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَمَالِيكِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ «٣» وَعَلَيْهِ بُرْدٌ وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهُ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَقِيَتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امرؤ
стр. 1860
فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ. قَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ (. وَرُوِيَ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَكِبَ بَغْلَةً ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرْدَفَ غُلَامَهُ خَلْفَهُ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: لَوْ أَنْزَلْتَهُ يَسْعَى خَلْفَ دَابَّتِكَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَأَنْ يَسْعَى مَعِي ضِغْثَانِ «١» مِنْ نَارٍ يُحْرِقَانِ مِنِّي مَا أَحْرَقَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْعَى غُلَامِي خَلْفِي. وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ لَايَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُ مِمَّا تَكْتَسُونَ وَمَنْ لَا يلائمكم مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ (. لَايَمَكُمْ وافقكم. والملائمة الْمُوَافَقَةُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:) لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ) وَقَالَ ﵇: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي بَلْ لِيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ يُوسُفَ «٢» ﵇. فَنَدَبَ ﷺ السَّادَةَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَحَضَّهُمْ عَلَيْهَا وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الْإِحْسَانِ وَإِلَى سُلُوكِ طَرِيقِ التَّوَاضُعِ حتى لا يرو الا نفسهم مَزِيَّةً عَلَى عَبِيدِهِمْ، إِذِ الْكُلُّ عَبِيدُ اللَّهِ وَالْمَالُ مَالُ اللَّهِ، لَكِنْ سَخَّرَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ، وَمَلَّكَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا إِتْمَامًا لِلنِّعْمَةِ وَتَنْفِيذًا لِلْحِكْمَةِ، فَإِنْ أَطْعَمُوهُمْ أَقَلَّ مِمَّا يَأْكُلُونَ، وَأَلْبَسُوهُمْ أَقَلَّ مِمَّا يَلْبَسُونَ صِفَةً وَمِقْدَارًا جَازَ إِذَا قَامَ بِوَاجِبِهِ عَلَيْهِ. وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ «٣» لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ: أَعْطَيْتُ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ لَا. قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلُكُ قُوتَهُمْ). الْخَامِسَةُ عَشْرَةَ- ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ ضَرَبَ عَبْدَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ «٤»). وَمَعْنَاهُ أَنْ يَضْرِبَهُ قَدْرَ الْحَدِّ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ. وَجَاءَ عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمُ اقْتَصُّوا لِلْخَادِمِ مِنَ الْوَلَدِ فِي الضَّرْبِ وَأَعْتَقُوا الْخَادِمَ لَمَّا لَمْ يرد
стр. 1861
الْقِصَاصَ. وَقَالَ ﵇: (مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَمَانِينَ). وَقَالَ ﵇: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الملكة «١»). وقال ﵇: (سوء الخلق شوم وَحُسْنُ الْمَلَكَةِ نَمَاءٌ وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَالصَّدَقَةُ تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ). السَّادِسَةُ عَشْرَةَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ الْحُرُّ أَوِ الْعَبْدُ، فَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الْمُصْلِحِ أَجْرَانِ) وَالَّذِي نفس أبي هريرة بيد لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ). فَاسْتُدِلَّ بِهَذَا وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ فَضْلِ الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ مِنْ جِهَتَيْنِ: مُطَالَبٌ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، مُطَالَبٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَامِرِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْحَافِظُ. اسْتَدَلَّ مَنْ فَضَّلَ الْحُرَّ بِأَنْ قَالَ: الِاسْتِقْلَالُ بِأُمُورِ الدِّينِ والدنيا وإنما يَحْصُلُ بِالْأَحْرَارِ وَالْعَبْدُ كَالْمَفْقُودِ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ، وَكَالْآلَةِ الْمُصَرَّفَةِ بِالْقَهْرِ، وَكَالْبَهِيمَةِ الْمُسَخَّرَةِ بِالْجَبْرِ، وَلِذَلِكَ سُلِبَ مَنَاصِبَ الشَّهَادَاتِ وَمُعْظَمَ الْوِلَايَاتِ، وَنَقَصَتْ حُدُودُهُ عَنْ حُدُودِ الْأَحْرَارِ إِشْعَارًا بِخِسَّةِ الْمِقْدَارِ، وَالْحُرُّ وَإِنْ طُولِبَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَوَظَائِفُهُ فِيهَا أَكْثَرُ، وَعَنَاؤُهُ أَعْظَمُ فَثَوَابُهُ أَكْثَرُ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا أَبُو هُرَيْرَةَ بِقَوْلِهِ: لَوْلَا الْجِهَادُ وَالْحَجُّ، أَيْ لَوْلَا النَّقْصُ الَّذِي يَلْحَقُ الْعَبْدَ لِفَوْتِ هَذِهِ الْأُمُورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّابِعَةُ عَشْرَةَ- رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالنِّسَاءِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُحَرِّمُ طَلَاقَهُنَّ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالْمَمَالِيكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهُمْ مُدَّةً إِذَا انْتَهَوْا إِلَيْهَا عُتِقُوا، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيتُ أن يحفي فمي- وروي حتى كاد-
стр. 1862
وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِقِيَامِ اللَّيْلِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ خِيَارَ أُمَّتِي لَا يَنَامُونَ لَيْلًا (. ذَكَرَهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. الثَّامِنَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ) أَيْ لَا يَرْضَى. (مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً) فَنَفَى سُبْحَانَهُ مَحَبَّتَهُ وَرِضَاهُ عَمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، أَيْ لَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ آثَارُ نِعَمِهِ فِي الْآخِرَةِ. وَفِي هَذَا ضَرْبٌ مِنَ التَّوَعُّدِ. وَالْمُخْتَالُ ذُو الْخُيَلَاءِ أَيِ الْكِبْرِ. وَالْفَخُورُ: الَّذِي يَعْدُدْ مَنَاقِبَهُ كِبْرًا. وَالْفَخْرُ: الْبَذَخُ «١» وَالتَّطَاوُلُ. وَخَصَّ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِالذِّكْرِ هُنَا لِأَنَّهُمَا تَحْمِلَانِ صَاحِبَيْهِمَا عَلَى الْأَنَفَةِ مِنَ الْقَرِيبِ الْفَقِيرِ وَالْجَارِ الْفَقِيرِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ فَيَضِيعُ أَمْرُ اللَّهِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِيمَا ذَكَرَ الْمُفَضَّلُ عَنْهُ وَالْجَارُ الْجَنْبِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ وَالْجَارِ ذِي الْجَنْبِ أَيْ ذِي النَّاحِيَةِ. وَأَنْشَدَ الْأَخْفَشُ:
النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ «٢»
وَالْجَنْبُ النَّاحِيَةُ، أي المتنحي عن القرابة. والله أعلم.
[سورة النساء (٤): آية ٣٧]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) (الَّذِينَ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ (مَنْ) فِي قَوْلِهِ: (مَنْ كانَ) وَلَا يَكُونُ صِفَةً، لِأَنَّ (مَنْ) وَ (مَا) لَا يُوصَفَانِ وَلَا يُوصَفُ بِهِمَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الْمُضْمَرِ الَّذِي فِي فَخُورٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ «٣». وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، لَهُمْ كَذَا، أَوْ يَكُونُ الْخَبَرُ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ). وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارٍ
стр. 1863
أَعْنِي، فَتَكُونُ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ، فَتَجِيءُ الْآيَةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ الْبَاخِلِينَ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُمْ مَحَبَّةُ اللَّهِ، فَأَحْسِنُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَى مَنْ سُمِّيَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ فِيهِ الْخِلَالُ الْمَانِعَةُ مِنَ الْإِحْسَانِ. الثَّانِيةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) الْبُخْلُ الْمَذْمُومُ فِي الشَّرْعِ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) الْآيَةَ. وَقَدْ مَضَى فِي (آلِ عِمْرَانَ) الْقَوْلُ فِي الْبُخْلِ وَحَقِيقَتِهِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشُّحِّ مُسْتَوْفًى «١». وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ الْيَهُودُ، فَإِنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الِاخْتِيَالِ وَالْفَخْرِ وَالْبُخْلِ بِالْمَالِ وَكِتْمَانِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ التَّوْرَاةِ مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْمُنَافِقُونَ الذين كَانَ إِنْفَاقُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ تَقِيَّةً، وَالْمَعْنَى إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَلَا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِعْرَابِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) فَصَلَ تَعَالَى تَوَعُّدَ الْمُؤْمِنِينَ الْبَاخِلِينَ مِنْ تَوَعُّدِ الْكَافِرِينَ بِأَنْ جَعَلَ الْأَوَّلَ عَدَمَ الْمَحَبَّةِ وَالثَّانِي عَذَابًا مُهِينًا.
[سورة النساء (٤): آية ٣٨]
وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨)
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ) الْآيَةَ. عَطَفَ تَعَالَى عَلَى (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ): (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ). وَقِيلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى الْكَافِرِينَ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ. وَمَنْ رَأَى زِيَادَةَ الْوَاوِ أَجَازَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي عِنْدَهُ خَبَرًا لِلْأَوَّلِ. قَالَ الْجُمْهُورُ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (رِئاءَ النَّاسِ)
وَالرِّئَاءُ مِنَ النِّفَاقِ. مُجَاهِدٌ: فِي الْيَهُودِ. وَضَعَّفَهُ الطَّبَرِيُّ، لِأَنَّهُ تَعَالَى نَفَى عَنْ هَذِهِ الصَّنْفَةِ «٢» الْإِيمَانَ بِاللَّهِ واليوم الآخر، واليهود
стр. 1864
لَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ مُتَّجِهٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالْإِلْزَامِ، إِذْ إِيمَانُهُمْ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ كَلَا إِيمَانٍ مِنْ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمْ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي مُطْعِمِي يَوْمِ بَدْرٍ، وَهُمْ رؤساء مكة، أنفقوا عَلَى النَّاسِ لِيَخْرُجُوا إِلَى بَدْرٍ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَنَفَقَةُ الرِّئَاءِ تَدْخُلُ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا لَا تُجْزِئُ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى ذلك من الكتاب قول تَعَالَى: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ) وَسَيَأْتِي «١». الثَّانِيةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً) فِي الْكَلَامِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ (وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطَانُ (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً). وَالْقَرِينُ: الْمُقَارِنُ، أَيِ الصَّاحِبُ وَالْخَلِيلُ وَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ الْإِقْرَانِ، قَالَ عدي ابن زَيْدٍ:
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي «٢»
وَالْمَعْنَى: مَنْ قَبِلَ مِنَ الشَّيْطَانِ فِي الدُّنْيَا فَقَدْ قَارَنَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَنْ قُرِنَ بِهِ الشَّيْطَانُ فِي النَّارِ (فَساءَ قَرِيناً) أَيْ فَبِئْسَ الشيطان قرينا، وهو نصب على التمييز.
[سورة النساء (٤): آية ٣٩]
وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)
(مَا) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَ (ذَا) خَبَرُهُ، وَذَا بِمَعْنَى الَّذِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا وَذَا اسْمًا وَاحِدًا. فَعَلَى الْأَوَّلِ تَقْدِيرُهُ وَمَا الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَعَلَى الثَّانِي تَقْدِيرُهُ وَأَيُّ شي عَلَيْهِمْ (لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، أَيْ صَدَّقُوا بِوَاجِبِ الْوُجُودِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْآخِرَةِ، (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ). (وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي غير موضع.
[سورة النساء (٤): آية ٤٠]
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠)
стр. 1865
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) أَيْ لَا يَبْخَسُهُمْ وَلَا يُنْقِصُهُمْ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِمْ وَزْنَ ذَرَّةٍ بَلْ يُجَازِيهِمْ بِهَا وَيُثِيبُهُمْ عَلَيْهَا. وَالْمُرَادُ مِنَ الْكَلَامِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَظْلِمُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً «١»). وَالذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الْحَمْرَاءُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ أَصْغَرُ النَّمْلِ. وَعَنْهُ أَيْضًا رَأْسُ النَّمْلَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: زَعَمُوا أَنَّ الذَّرَّةَ لَيْسَ لَهَا وَزْنٌ. وَيُحْكَى أَنَّ رَجُلًا وَضَعَ خُبْزًا حَتَّى عَلَاهُ الذَّرُّ مِقْدَارَ مَا يَسْتُرُهُ ثُمَّ وَزَنَهُ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى وَزْنِ الْخُبْزِ شَيْئًا. قُلْتُ: وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ لِلذَّرَّةِ وَزْنًا، كَمَا أَنَّ لِلدِّينَارِ وَنِصْفِهِ وَزْنًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: الذَّرَّةُ الْخَرْدَلَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها «٢»). وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا، وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ عِبَارَةٌ عَنْ أَقَلِّ الْأَشْيَاءِ وَأَصْغَرِهَا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتٍ مَا عَمِلَ لِلَّهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا (. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها) أَيْ يُكْثِرُ ثَوَابَهَا. وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ (حَسَنَةٌ) بِالرَّفْعِ، وَالْعَامَّةُ بِالنَّصْبِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ (تَكُ) بِمَعْنَى تَحْدُثُ، فَهِيَ تَامَّةٌ. وَعَلَى الثَّانِي هِيَ النَّاقِصَةُ، أَيْ إِنْ تَكُ فِعْلَتُهُ حَسَنَةً. وَقَرَأَ الْحَسَنُ (نُضَاعِفْهَا) بِنُونِ الْعَظَمَةِ. وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَهِيَ أَصَحُّ، لِقَوْلِهِ (وَيُؤْتِ). وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ (يُضَعِّفْهَا)، وَالْبَاقُونَ (يُضاعِفْها) وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْنَاهُمَا التَّكْثِيرُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: (يُضاعِفْها) مَعْنَاهُ يَجْعَلُهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، (وَيُضَعِّفُهَا) بِالتَّشْدِيدِ يَجْعَلُهَا ضِعْفَيْنِ. (مِنْ لَدُنْهُ) مِنْ عِنْدِهِ. وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ «٣»: لَدُنْ وَلُدْنُ وَلَدُ وَلَدَى، فَإِذَا أَضَافُوهُ إِلَى أَنْفُسِهِمْ شَدَّدُوا النُّونَ، وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ (مِنْ) حَيْثُ كَانَتْ (مِنْ) الدَّاخِلَةُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَ (لَدُنْ) كَذَلِكَ، فَلَمَّا تَشَاكَلَا حَسُنَ دُخُولُ (مِنْ) عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي لَدُنْ: إِنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْغَايَةِ. (أَجْراً عَظِيماً) يَعْنِي الْجَنَّةَ. وَفِي صحيح مسلم من حديث
стр. 1866
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الطَّوِيلِ- حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ- وَفِيهِ: (حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ يَقُولُونَ رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ فَيُقَالُ لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ فَيَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا (. وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ وَيُنَادِي مُنَادٍ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ ثُمَّ يَقُولُ آتِ هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مِنْ أَيْنَ لِي وَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا عَنِّي فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ انْظُرُوا إِلَى أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ فَأَعْطُوهُمْ مِنْهَا فَإِنْ بَقِيَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَةٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا رَبِّ- وَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ- قَدْ أُعْطِيَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَبَقِيَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَةٍ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ ضَعِّفُوهَا لِعَبْدِي وَأَدْخِلُوهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِي الْجَنَّةَ وَمِصْدَاقُهُ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها) - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَهَنَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَبَقِيَتْ سَيِّئَاتُهُ وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِيرٌ فَيَقُولُ تَعَالَى خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاتِهِ ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ (. فَالْآيَةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْخُصُومِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ لِلْخَصْمِ عَلَى الْخَصْمِ يَأْخُذُ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ تَبْقَى لَهُ بَلْ يُثِيبُهُ عَلَيْهَا وَيُضَعِّفُهَا لَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها). وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ
стр. 1867
اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُعْطِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ) وَتَلَا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً). قَالَ عُبَيْدَةُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَإِذَا قَالَ اللَّهُ (أَجْراً عَظِيماً) فَمَنِ الَّذِي يُقَدِّرُ قَدْرَهُ! وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِحْدَى الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِمَّا طلعت عليه الشمس.
[سورة النساء (٤): آية ٤١]
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١)
فُتِحَتِ الْفَاءُ لالتقاء الساكنين، و (إِذا) ظَرْفُ زَمَانٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ (جِئْنا). ذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ «١» قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو «٢» كَامِلٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظَفَرٍ «٣» فَجَلَسَ عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي بَنِي ظَفَرٍ وَمَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذٌ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَمَرَ قَارِئًا يَقْرَأُ حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) بَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اخْضَلَّتْ وَجْنَتَاهُ، فَقَالَ: (يَا رَبِّ هَذَا عَلَى مَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ فَكَيْفَ مَنْ «٤» لَمْ أَرَهُمْ). وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ. قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اقْرَأْ عَلَيَّ) قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ (النِّسَاءِ) حَتَّى بَلَغْتُ (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) قَالَ: (أَمْسِكْ) فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ (أَمْسِكْ): فَرَفَعْتُ رَأْسِي- أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي- فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: بُكَاءُ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا كَانَ لِعَظِيمِ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ وَشِدَّةِ الْأَمْرِ، إِذْ يُؤْتَى بِالْأَنْبِيَاءِ شُهَدَاءَ عَلَى أُمَمِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَيُؤْتَى بِهِ ﷺ يوم القيامة شهيدا. والإشارة بقوله стр. 1868
(عَلى هؤُلاءِ) إِلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَإِنَّمَا خُصَّ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ وَظِيفَةَ الْعَذَابِ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْهَا عَلَى غَيْرِهِمْ، لِعِنَادِهِمْ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمُعْجِزَاتِ، وَمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ. وَالْمَعْنَى فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) أَمُعَذَّبِينَ أَمْ مُنَعَّمِينَ؟ وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ. وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ إِلَى جَمِيعِ أُمَّتِهِ. ذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا رَجُلٌ مِنَ الأنصار عن المنهال ابن عمرو حدثه أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا تُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتُهُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً فَيَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَأَعْمَالِهِمْ فَلِذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ ﵎ (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) يَعْنِي بِنَبِيِّهَا (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً). وموضع (فَكَيْفَ) نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، التَّقْدِيرُ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَالْفِعْلُ الْمُضْمَرُ قَدْ يَسُدُّ مَسَدَّ (إِذا)، والعامل في (إِذا) (جِئْنا). و (شَهِيداً) حَالٌ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ قِرَاءَةِ الطَّالِبِ عَلَى الشَّيْخِ وَالْعَرْضِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ عَكْسُهُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ فِي سُورَةِ (لم يكن «١»)، إن شاء الله تعالى. [و (شَهِيداً) نصب على الحال «٢» [.
[سورة النساء (٤): آية ٤٢]
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢)
ضُمَّتِ الْوَاوُ فِي (عَصَوُا) لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ (تَسَّوَّى) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالتَّشْدِيدِ فِي السِّينِ. وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمَا خَفَّفَا السِّينَ. وَالْبَاقُونَ ضَمُّوا التَّاءَ وَخَفَّفُوا السِّينَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَالْفَاعِلُ غَيْرُ مُسَمًّى. وَالْمَعْنَى لَوْ يُسَوِّي اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ. أَيْ يَجْعَلُهُمْ وَالْأَرْضَ سَوَاءً. وَمَعْنًى آخَرُ: تَمَنَّوْا لَوْ لَمْ يَبْعَثْهُمُ اللَّهُ وَكَانَتِ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ مِنَ التُّرَابِ نُقِلُوا. وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيةِ فَالْأَرْضُ فَاعِلَةٌ، وَالْمَعْنَى تَمَنَّوْا لَوِ انْفَتَحَتْ لَهُمُ الْأَرْضُ فَسَاخُوا فِيهَا، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ لَوْ تُسَوَّى عَلَيْهِمْ أَيْ تَنْشَقُّ فَتُسَوَّى عَلَيْهِمْ، عَنِ الْحَسَنِ. فَقِرَاءَةُ التشديد على الإدغام، والتخفيف على
стр. 1869
حَذْفِ التَّاءِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا تَمَنَّوْا هَذَا حِينَ رَأَوُا الْبَهَائِمَ تَصِيرُ تُرَابًا وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ في النار، وهذا معنى قوله تعالى: َ- يَقُولُ الْكافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
«١» وَقِيلَ: إِنَّمَا تَمَنَّوْا هَذَا حِينَ شَهِدَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي (الْبَقَرَةِ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «٢») الْآيَةَ. فَتَقُولُ الْأُمَمُ الْخَالِيَةُ: إِنَّ فِيهِمُ الزُّنَاةَ وَالسُّرَّاقَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فَيُزَكِّيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ: (وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ «٣») فَيُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) يَعْنِي تُخْسَفُ بِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قاله تَعَالَى: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) قَالَ الزَّجَّاجُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) مُسْتَأْنَفٌ، لِأَنَّ مَا عَمِلُوهُ ظَاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى كِتْمَانِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَعْطُوفٌ، وَالْمَعْنَى يَوَدُّ لَوْ أَنَّ الْأَرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا، لِأَنَّهُ ظَهَرَ كذبهم. وسيل ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فَقَالَ: لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ قَالُوا: (وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ فَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: الْآخِرَةُ مَوَاطِنُ يَكُونُ هَذَا فِي بَعْضِهَا وَهَذَا فِي بَعْضِهَا. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ وَحُوسِبُوا لَمْ يَكْتُمُوا. وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي (الْأَنْعَامِ «٤») إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[سورة النساء (٤): آية ٤٣]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) стр. 1870
فيه أربع وَأَرْبَعُونَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) خَصَّ اللَّهُ بِهَذَا الْخِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَقَدْ أَخَذُوا مِنَ الْخَمْرِ وَأَتْلَفَتْ عَلَيْهِمْ أَذْهَانَهُمْ فَخُصُّوا بِهَذَا الْخِطَابِ، إِذْ كَانَ الْكُفَّارُ لَا يَفْعَلُونَهَا صُحَاةً وَلَا سُكَارَى. رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي في البقرة (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ «١» قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُنَادِي: أَلَا لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا [فِي الْخَمْرِ «٢»] بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٣») قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ النَّاسُ عَلَى أَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِمْ حَتَّى يُؤْمَرُوا أَوْ يُنْهَوْا، فَكَانُوا يَشْرَبُونَهَا أَوَّلَ الإسلام حتى نزلت: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ). قَالُوا: نَشْرَبُهَا لِلْمَنْفَعَةِ لَا لِلْإِثْمِ، فَشَرِبَهَا رَجُلٌ فَتَقَدَّمَ يُصَلِّي بِهِمْ فَقَرَأَ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، فَنَزَلَتْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى). فَقَالُوا: فِي غَيْرِ عَيْنِ الصَّلَاةِ. فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتْ: (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ) الْآيَةَ. فَقَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا، انْتَهَيْنَا. ثُمَّ طَافَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَلَا إِنَّ «٤» الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي (الْمَائِدَةِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنَ الْخَمْرِ، فَأَخَذَتِ الْخَمْرُ مِنَّا، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْتُ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ). قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَوَجْهُ الِاتِّصَالِ وَالنَّظْمِ بِمَا قَبْلَهُ أَنَّهُ قَالَ :
стр. 1871
(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ رَأْسُ الْعِبَادَاتِ، وَلِذَلِكَ يُقْتَلُ تَارِكُهَا وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُهَا، وَانْجَرَّ الْكَلَامُ إِلَى ذِكْرِ شُرُوطِهَا الَّتِي لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهَا. الثَّانِيةُ- وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّكْرِ سُكْرُ الْخَمْرِ، إِلَّا الضَّحَّاكَ فَإِنَّهُ قَالَ: الْمُرَادُ سُكْرُ النَّوْمِ، لِقَوْلِهِ ﵇: (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ). وَقَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: (وَأَنْتُمْ سُكارى) يَعْنِي إِذَا كُنْتَ حَاقِنًا «١»، لِقَوْلِهِ ﵇: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ حَاقِنٌ) فِي رِوَايَةٍ (وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ فَخِذَيْهِ). قُلْتُ: وَقَوْلُ الضَّحَّاكِ وَعَبِيدَةُ صَحِيحُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الْمُصَلِّي الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَلْبِهِ وَتَرْكُ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْخُلُوُّ عَنْ كُلِّ مَا يُشَوِّشُ عَلَيْهِ مِنْ نَوْمٍ وَحُقْنَةٍ وَجُوعٍ، وَكُلُّ مَا يَشْغَلُ الْبَالَ وَيُغَيِّرُ الْحَالَ. قَالَ ﷺ : (إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ «٢» فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ). فَرَاعَى ﷺ زَوَالَ كُلِّ مُشَوِّشٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخَاطِرُ، حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ بِفَرَاغِ قَلْبِهِ وَخَالِصِ لُبِّهِ، فَيَخْشَعُ فِي صَلَاتِهِ. وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ «٣») عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) الْآيَةَ. فَأُمِرُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِأَلَّا يُصَلُّوا سُكَارَى، ثُمَّ أُمِرُوا بِأَنْ يُصَلُّوا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهَذَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نُسِخَتْ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ. وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْبَابِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَنَادَى مُنَادِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَعَلَى قَوْلِ الضَّحَّاكِ وَعَبِيدَةَ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ لَا نَسْخَ فِيهَا. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَقْرَبُوا) إِذَا قِيلَ: لَا تَقْرَبْ «٤» بِفَتْحِ الرَّاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَلَبَّسْ بِالْفِعْلِ، وَإِذَا كَانَ بِضَمِّ الرَّاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَدْنُ منه. والخطاب لجماعة الامة
стр. 1872
الصَّاحِينَ. وَأَمَّا السَّكْرَانُ إِذَا عُدِمَ الْمَيْزَ لِسُكْرِهِ فَلَيْسَ بِمُخَاطَبٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِذَهَابِ عَقْلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَاطَبٌ بِامْتِثَالِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَبِتَكْفِيرِ مَا ضَيَّعَ فِي وَقْتِ سُكْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَرَّرَ تَكْلِيفُهُ إِيَّاهَا قَبْلَ السُّكْرِ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (الصَّلاةَ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالصَّلَاةِ هُنَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هِيَ الْعِبَادَةُ الْمَعْرُوفَةُ نَفْسُهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِذَلِكَ قَالَ (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُرَادُ مَوَاضِعُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ «١») فَسَمَّى مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ صَلَاةً. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) هذا يَقْتَضِي جَوَازَ الْعُبُورِ لِلْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ لَا الصَّلَاةَ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) الْمُسَافِرُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُرَادُ الْمَوْضِعُ وَالصَّلَاةُ مَعًا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ لَا يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ إِلَّا لِلصَّلَاةِ وَلَا يُصَلُّونَ إِلَّا مُجْتَمِعِينَ، فَكَانَا مُتَلَازِمَيْنِ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْتُمْ سُكارى) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ (تَقْرَبُوا). و (سُكارى) جَمْعُ سَكْرَانَ، مِثْلُ كَسْلَانَ وَكُسَالَى. وَقَرَأَ النَّخَعِيُّ (سَكْرَى) بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى مِثَالِ فَعْلَى، وَهُوَ تَكْسِيرُ سَكْرَانَ، وَإِنَّمَا كُسِّرَ عَلَى سَكْرَى لِأَنَّ السُّكْرَ آفَةٌ تَلْحَقُ الْعَقْلَ فَجَرَى مَجْرَى صَرْعَى وَبَابِهِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ (سُكْرَى) كَحُبْلَى فَهُوَ صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَجَازَ الْإِخْبَارُ بِالصِّفَةِ الْمُفْرَدَةِ عَنِ الْجَمَاعَةِ عَلَى مَا يَسْتَعْمِلُونَهُ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ. وَالسُّكْرُ: نَقِيضُ الصَّحْوِ، يُقَالُ: سَكِرَ يَسْكَرُ سَكْرًا، مِنْ بَابِ حَمِدَ يَحْمَدُ. وَسَكِرَتْ عَيْنُهُ تَسْكُرُ أَيْ تَحَيَّرَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا «٢»). وَسَكَّرْتُ الشَّقَّ «٣» سَدَدْتُهُ. فَالسَّكْرَانُ قَدِ انْقَطَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقْلِ. السَّادِسَةُ- وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ بَلْ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ كَانَ مُبَاحًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِصَاحِبِهِ إِلَى السُّكْرِ. وَقَالَ قَوْمٌ السُّكْرُ مُحَرَّمٌ فِي الْعَقْلِ وَمَا أُبِيحَ فِي شي من
стр. 1873
الْأَدْيَانِ، وَحَمَلُوا السُّكْرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى النَّوْمِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ أُبِيحَ لَهُمْ مِنَ الشَّرَابِ مَا يُحَرِّكُ الطَّبْعَ إِلَى السَّخَاءِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحَمِيَّةِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي أَشْعَارِهِمْ، وَقَدْ قَالَ حَسَّانُ:
وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا
وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي (الْبَقَرَةِ «١»). قَالَ الْقَفَّالُ: فَأَمَّا مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ حَتَّى يَصِيرَ صَاحِبُهُ فِي حَدِّ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ فَمَا أُبِيحَ قَصْدُهُ، بَلْ لَوِ اتَّفَقَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا عَنْ صَاحِبِهِ. قُلْتُ: هَذَا صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي (الْمَائِدَةِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ «٢». وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَجْتَنِبُونَ الشُّرْبَ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ، فَإِذَا صَلَّوُا الْعِشَاءَ شَرِبُوهَا، فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَ تَحْرِيمُهَا فِي (الْمَائِدَةِ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٣»). السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) أَيْ حَتَّى تَعْلَمُوهُ مُتَيَقِّنِينَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ غَلَطٍ. وَالسَّكْرَانُ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁: إِنَّ السَّكْرَانَ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقُهُ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَالْقَاسِمِ وَرَبِيعَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الليث ابن سَعْدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيِّ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَقَالَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ لَا يَجُوزُ، وَالسَّكْرَانُ مَعْتُوهٌ كَالْمُوَسْوَسِ مَعْتُوهٌ بِالْوَسْوَاسِ. وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ مَنْ شَرِبَ الْبَنْجَ فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَنَّ طَلَاقَهُ غَيْرُ جَائِزٍ، فَكَذَلِكَ مَنْ سَكِرَ مِنَ الشَّرَابِ. وَأَجَازَتْ طَائِفَةٌ طَلَاقَهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُعَاوِيَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَأَلْزَمَهُ مَالِكٌ الطَّلَاقَ وَالْقَوَدَ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ النِّكَاحَ وَالْبَيْعَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَفْعَالُ السَّكْرَانِ وَعُقُودُهُ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ كَأَفْعَالِ الصَّاحِي، إِلَّا الرِّدَّةَ فَإِنَّهُ إِذَا ارْتَدَّ [فَإِنَّهُ «٤»] لَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ إِلَّا اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ مُرْتَدًّا فِي حَالِ سُكْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ وَلَا يستتيبه.
стр. 1874
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ: وَقَدْ رُوِيَتْ عِنْدَنَا «١» رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ. قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَنَزَّلَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ الْخِلَافَ عَلَى الْمُخَلِّطِ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاخْتِلَاطَ مِنْ نَفْسِهِ فَيُخْطِئُ وَيُصِيبُ. قَالَ: فَأَمَّا السَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَا الرَّجُلَ مِنَ الْمَرْأَةِ، فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فِي جَمِيعِ أفعال وَأَحْوَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا، إِلَّا فِيمَا ذَهَبَ وَقْتُهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ، فَقِيلَ: إِنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ بِإِدْخَالِهِ السُّكْرَ عَلَى نَفْسِهِ كَالْمُتَعَمِّدِ لِتَرْكِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: حَدُّ السُّكْرِ «٢» اخْتِلَالُ الْعَقْلِ، فَإِذَا اسْتُقْرِئَ فَخَلَّطَ فِي قِرَاءَتِهِ وَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يُعْرَفُ جُلِدَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا تَغَيَّرَ عَقْلُهُ عَنْ حَالِ الصِّحَّةِ فَهُوَ سَكْرَانُ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إذا خلط في قراءته فهو سكران، استدلا لا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ). فَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ تَجَنَّبَ «٣» الْمَسْجِدَ مَخَافَةَ التَّلْوِيثِ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِنْ صَلَّى قَضَى. وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ فَأَتَى بِالصَّلَاةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّاحِي. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا جُنُباً) عَطْفٌ عَلَى مَوْضِعِ الْجُمْلَةِ الْمَنْصُوبَةِ فِي قَوْلِهِ: (حَتَّى تَعْلَمُوا) أَيْ لَا تُصَلُّوا وَقَدْ أَجْنَبْتُمْ. وَيُقَالُ: تَجَنَّبْتُمْ وَأَجْنَبْتُمْ وَجَنَّبْتُمْ بِمَعْنًى. وَلَفْظُ الْجُنُبِ لَا يُؤَنَّثُ وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ، لِأَنَّهُ عَلَى وَزْنِ الْمَصْدَرِ كَالْبُعْدِ وَالْقُرْبِ. وَرُبَّمَا خَفَّفُوهُ فَقَالُوا: جَنْبٌ، وَقَدْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ قَوْمٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ جَنَبَ الرَّجُلُ وَأَجْنَبَ مِنَ الْجَنَابَةِ. وَقِيلَ: يُجْمَعُ الْجُنُبُ فِي لُغَةٍ عَلَى أَجْنَابٍ، مِثْلَ عُنُقٍ وَأَعْنَاقٍ، وَطُنُبٍ وَأَطْنَابٍ. وَمَنْ قَالَ لِلْوَاحِدِ جَانِبٌ قَالَ فِي الْجَمْعِ: جُنَّابٌ، كَقَوْلِكَ: رَاكِبٌ وَرُكَّابٌ. وَالْأَصْلُ الْبُعْدُ، كَأَنَّ الْجُنُبَ بَعُدَ بِخُرُوجِ الْمَاءِ الدافق عن حال الصلاة، قال:
فلا تحرمي نَائِلًا عَنْ جَنَابَةٍ ... فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ «٤»
وَرَجُلٌ جُنُبٌ: غَرِيبٌ. وَالْجَنَابَةُ «٥» مُخَالَطَةُ الرَّجُلِ المرأة.
стр. 1875
التَّاسِعَةُ- وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ هُوَ غَيْرُ الطَّاهِرِ مِنْ إِنْزَالٍ أَوْ مُجَاوَزَةِ خِتَانٍ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَلَّا غُسْلَ إِلَّا مِنْ إِنْزَالٍ، لِقَوْلِهِ ﵇: (إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: (يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ «١»: الْغُسْلُ أَحْوَطُ، وَذَلِكَ الْآخَرُ «٢» إِنَّمَا بَيَّنَّاهُ لِاخْتِلَافِهِمْ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ أَبُو الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْسَخُ حَدِيثُهُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هَذَا مَنْسُوخٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: كَانَ هَذَا الْحُكْمُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ. قُلْتُ: عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَأَنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ بِنَفْسِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ. وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ثُمَّ رَجَعُوا فِيهِ إِلَى رِوَايَةِ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ومس الختان الختان فقد وَجَبَ الْغُسْلُ). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا «٣» فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ). زاد مسلم (وإن لم ينزل). قال ابْنُ الْقَصَّارِ: وَأَجْمَعَ التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بَعْدَ خِلَافِ مَنْ قَبْلَهُمْ عَلَى الْأَخْذِ بِحَدِيثِ (إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ) وَإِذَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الْخِلَافِ كَانَ مُسْقِطًا لِلْخِلَافِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ بَعْدَ خِلَافِ الصَّحَابَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ ثُمَّ بَعْدَهُ دَاوُدُ الْأَصْبَهَانِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى تَرْكِ الْأَخْذِ بِحَدِيثِ (الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ) لَمَّا اخْتَلَفُوا. وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى الِاحْتِلَامِ أَيْ إِنَّمَا يَجِبُ الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ مِنْ إِنْزَالِ الْمَاءِ فِي الِاحْتِلَامِ. وَمَتَى لَمْ يَكُنْ إِنْزَالٌ وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ يُجَامِعُ فَلَا غُسْلَ. وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فيه بين كافة العلماء.
стр. 1876
الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) يُقَالُ: عَبَرْتُ الطَّرِيقَ أَيْ قَطَعْتُهُ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ. وَعَبَرْتُ النَّهَرَ عُبُورًا، وَهَذَا عِبْرُ النَّهَرِ أَيْ شَطَّهُ، وَيُقَالُ: [عُبْرٌ «١» بِالضَّمِّ [. وَالْمَعْبَرُ مَا يُعْبَرُ عَلَيْهِ مِنْ سَفِينَةٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ. وَهَذَا عَابِرُ السَّبِيلِ أَيْ مَارُّ الطَّرِيقِ. وَنَاقَةٌ عُبْرُ أَسْفَارٍ: لَا تَزَالُ يُسَافَرُ عَلَيْهَا وَيُقْطَعُ بِهَا الْفَلَاةُ وَالْهَاجِرَةُ لِسُرْعَةِ مَشْيِهَا. قَالَ الشَّاعِرُ:
عَيْرَانَةٌ سُرُحُ الْيَدَيْنِ شِمِلَّةٌ ... عُبْرُ الْهَوَاجِرِ كَالْهِزَفِّ الْخَاضِبِ «٢»
وَعَبَرَ الْقَوْمُ مَاتُوا. وَأَنْشَدَ:
قَضَاءُ اللَّهِ يَغْلِبُ كل شي ... وَيَلْعَبُ بِالْجَزُوعِ وَبِالصَّبُورِ
فَإِنْ نَعْبُرْ فَإِنَّ لَنَا لُمَاتٍ ... وَإِنْ نَغْبُرْ فَنَحْنُ عَلَى نُذُورِ
يَقُولُ: إِنْ مُتْنَا فَلَنَا أَقْرَانٌ، وَإِنْ بَقِينَا فَلَا بُدَّ لَنَا مِنَ الْمَوْتِ، حَتَّى كَأَنَّ عَلَيْنَا فِي إِتْيَانِهِ نُذُورًا. الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَكَمُ: عَابِرُ السَّبِيلِ الْمُسَافِرُ. وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاةَ وَهُوَ جُنُبٌ إِلَّا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ، إِلَّا الْمُسَافِرَ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَاءِ لَا يُعْدَمُ فِي الْحَضَرِ، فَالْحَاضِرُ يَغْتَسِلُ لِوُجُودِ الْمَاءِ، وَالْمُسَافِرُ يَتَيَمَّمُ إِذَا لَمْ يَجِدْهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي الْجُنُبِ الْمُسَافِرِ يَمُرُّ عَلَى مَسْجِدٍ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ يَتَيَمَّمُ الصَّعِيدَ وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَيَسْتَقِي مِنْهَا ثُمَّ يُخْرِجُ الْمَاءَ مِنَ الْمَسْجِدِ. وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ فِي دُخُولِ الْجُنُبِ الْمَسْجِدَ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجِسٍ). قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهِ نَقُولُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعِكْرِمَةُ وَالنَّخَعِيُّ: عَابِرُ السَّبِيلِ الْخَاطِرُ الْمُجْتَازُ، وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَمُرُّ الْجُنُبُ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا أَلَّا يَجِدَ بُدًّا فَيَتَيَمَّمُ وَيَمُرُّ فِيهِ، هَكَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ ابن رَاهَوَيْهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي الْجُنُبِ: إِذَا تَوَضَّأَ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ،
стр. 1877
حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ فِي سَبَبِ الْآيَةِ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ أَبْوَابُ دُورِهِمْ شَارِعَةً فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمُ الْجَنَابَةَ اضْطُرَّ إِلَى الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: وَهَذَا صَحِيحٌ، يُعَضِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: (وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ). ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ تَنْزِلَ لَهُمْ «١» رُخْصَةٌ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (لَا تَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ «٢» أَبِي بَكْرٍ). فَأَمَرَ ﷺ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ لِمَا كَانَ يُؤَدِّي [ذَلِكَ «٣»] إلى اتخاذا الْمَسْجِدِ طَرِيقًا وَالْعُبُورِ فِيهِ. وَاسْتَثْنَى خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ إِكْرَامًا لَهُ وَخُصُوصِيَّةً، لِأَنَّهُمَا كَانَا لَا يَفْتَرِقَانِ غَالِبًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَجْلِسَ فِيهِ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَرَوَاهُ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُجْنِبَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا أَنَا وَعَلِيٌّ). قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، لِأَنَّ بَيْتَ عَلِيٍّ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا كَانَ بَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْتَانِ لَمْ يَكُونَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَكِنْ كَانَا مُتَّصِلَيْنِ بِالْمَسْجِدِ وَأَبْوَابُهُمَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَجَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: (مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ) الْحَدِيثَ. وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْتَ عَلِيٍّ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبِي عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ﵄ أَيُّهُمَا كَانَ خَيْرًا؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هَذَا بَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! وَأَشَارَ إِلَى بَيْتِ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُهُمَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَلَمْ يَكُونَا يُجْنِبَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا كَانَا يُجْنِبَانِ فِي بُيُوتِهِمَا، وَبُيُوتُهُمَا مِنَ الْمَسْجِدِ إِذْ كَانَ أَبْوَابُهُمَا فِيهِ، فَكَانَا يَسْتَطْرِقَانِهِ فِي حَالِ الْجَنَابَةِ إذا خرجا من بيوتهما. ويجوز أن
стр. 1878
يَكُونَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَهُمَا، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بِأَشْيَاءَ، فَيَكُونُ هَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ، ثُمَّ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا ﵇ فَرَخَّصَ لَهُ فِي مَا لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ لِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَتْ أَبْوَابُ بُيُوتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَبْوَابُ بُيُوتٍ غَيْرُ بَيْتَيْهِمَا، حَتَّى أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَدِّهَا إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سُدُّوا الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ) فَخَصَّهُ ﵇ بِأَنْ تُرِكَ بَابُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ يُجْنِبُ فِي بَيْتِهِ وَبَيْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (لَا تَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ) فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَتْ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَبْوَابًا تَطْلُعُ إِلَى الْمَسْجِدِ خَوْخَاتٍ، وَأَبْوَابُ الْبُيُوتِ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ ﵇ بِسَدِّ تِلْكَ الْخَوْخَاتِ وَتَرْكِ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ إِكْرَامًا لَهُ. وَالْخَوْخَاتُ كَالْكُوَى وَالْمَشَاكِي، وَبَابُ عَلِيٍّ كَانَ بَابَ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ يَدْخُلُ مِنْهُ وَيَخْرُجُ. وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُهُمَا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةُ فَيَتَوَضَّئُونَ وَيَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيَتَحَدَّثُونَ فِيهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ لِلْجُنُبِ جَائِزٌ إِذَا تَوَضَّأَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ كَمَا ذَكَرْنَا. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَرْفَعُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ وَأُكْرِمَ عَنِ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ يَنْبَغِي أَلَّا يَدْخُلَهُ مَنْ لَا يُرْضَى لِتِلْكَ الْعِبَادَةِ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِهَا. وَالْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِمُ الْمَنْقُولَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَغْتَسِلُونَ فِي بُيُوتِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: يَبْطُلُ بِالْمُحْدِثِ. قُلْنَا: ذَلِكَ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ فَيَشُقُّ الْوُضُوءُ مِنْهُ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) مَا يُغْنِي وَيَكْفِي. وَإِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ فَأَحْرَى أَلَّا يَجُوزَ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَلَا الْقِرَاءَةُ فِيهِ، إِذْ هُوَ أَعْظَمُ حُرْمَةً. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي (الْوَاقِعَةِ «١») إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّانِيةُ عَشْرَةَ- وَيُمْنَعُ الْجُنُبُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ غَالِبًا إِلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةِ لِلتَّعَوُّذِ. وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
стр. 1879
وَسَلَّمَ: (لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ عَنْ مِسْعَرٍ، وَشُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْجُبُهُ عَنْ قِرَاءَةِ القرآن شي إِلَّا أَنْ يَكُونَ جُنُبًا. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِي شُعْبَةُ: مَا أُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ أَحْسَنَ مِنْهُ. وأخرجه ابن ماجة قال: حدثنا محمد ابن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَرَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ مُضْطَجِعًا إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ فَقَامَ إِلَى جَارِيَةٍ لَهُ فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، وَفَزِعَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فِي مَضْجَعِهِ، فَقَامَتْ فَخَرَجَتْ فَرَأَتْهُ عَلَى جَارِيَتِهِ، فَرَجَعَتْ إِلَى الْبَيْتِ فَأَخَذَتِ الشَّفْرَةَ ثُمَّ خَرَجَتْ، وَفَرَغَ فَقَامَ فَلَقِيَهَا تَحْمِلُ الشَّفْرَةَ فَقَالَ مَهْيَمْ «١»؟ قَالَتْ: مَهْيَمْ! لَوْ أَدْرَكْتُكَ حَيْثُ رَأَيْتُكَ لَوَجَأْتُ «٢» بَيْنَ كَتِفَيْكَ بِهَذِهِ الشَّفْرَةِ. قَالَ: وَأَيْنَ رَأَيْتِنِي؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ عَلَى الْجَارِيَةِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتِنِي، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ. قَالَتْ: فَاقْرَأْ، [وَكَانَتْ «٣» لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، [فقال:
أتانا رسول الله يتلوا كِتَابَهُ ... كَمَا لَاحَ مَشْهُورٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَتَى بِالْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبُهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ
فَقَالَتْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ الْبَصَرَ. ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ﷺ . الثالثة عشرة- قوله تعالى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) نَهَى اللَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ، وَالِاغْتِسَالُ مَعْنًى مَعْقُولٌ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَعْلُومٌ، يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ إِمْرَارِ الْيَدِ مَعَ الْمَاءِ عَلَى الْمَغْسُولِ، وَلِذَلِكَ فَرَّقَتِ الْعَرَبُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ: غَسَلْتُ الثَّوْبَ، وَبَيْنَ قولهم:
стр. 1880
أَفَضْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَغَمَسْتُهُ فِي الْمَاءِ. إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْجُنُبِ يَصُبُّ عَلَى جَسَدِهِ الْمَاءَ أَوْ يَنْغَمِسُ فِيهِ وَلَا يَتَدَلَّكُ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أنه لا بجزية حَتَّى يَتَدَلَّكَ، لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْجُنُبَ بِالِاغْتِسَالِ، كَمَا أَمَرَ الْمُتَوَضِّئَ بِغَسْلِ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، [وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَضِّئِ بُدٌّ مِنْ إِمْرَارِ يَدَيْهِ مَعَ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، فَكَذَلِكَ جَمِيعُ جَسَدِ الْجُنُبِ وَرَأْسِهِ فِي حُكْمِ وَجْهِ الْمُتَوَضِّئِ وَيَدَيْهِ «١». [وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَاخْتِيَارِهِ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ لَفْظِ الْغُسْلِ، لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الِافْتِعَالُ، وَمَنْ لَمْ يَمُرَّ يديه فَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَ صَبِّ الْمَاءِ لَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ اللِّسَانِ غَاسِلًا، بَلْ يُسَمُّونَهُ صَابًّا لِلْمَاءِ وَمُنْغَمِسًا فِيهِ. قَالَ: وَعَلَى نَحْوِ هَذَا جَاءَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ) قَالَ: وَإِنْقَاؤُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَتَبُّعِهِ، عَلَى حَدِّ مَا ذَكَرْنَا. قُلْتُ: لَا حُجَّةَ فِيمَا اسْتُدِلَّ بِهِ مِنَ الْحَدِيثِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُ قَدْ خُولِفَ فِي تَأْوِيلِهِ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﵇ (وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ) أَرَادَ غَسْلَ الْفَرْجِ وَتَنْظِيفَهُ، وَأَنَّهُ كَنَّى بِالْبَشَرَةِ عَنِ الْفَرْجِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: مَا رَأَيْتُ] أَحَدًا «٢» [أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِ الْأَحَادِيثِ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ. الثَّانِي: أَنَّ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَقَالَ فِيهِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، كَذَا فِي رِوَايَةِ ابن داسة «٣». وفي رواية اللؤلؤي عَنْهُ: الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ ضَعِيفٌ، حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ، فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ، وَبَقِيَ الْمُعَوَّلُ عَلَى اللِّسَانِ كَمَا بَيَّنَّا. وَيُعَضِّدُهُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ، رَوَتْهُ عَائِشَةُ، وَنَحْوَهُ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ: يُجْزِئُ الْجُنُبَ صَبُّ الْمَاءِ وَالِانْغِمَاسُ فِيهِ إِذَا أَسْبَغَ وَعَمَّ وَإِنْ لَمْ يَتَدَلَّكْ، عَلَى مُقْتَضَى حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَعَائِشَةَ فِي غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ . رَوَاهُمَا الْأَئِمَّةُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِهِ، وبه قال محمد بن عبد الحكم،
стр. 1881
وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو الْفَرَجِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِمْرَارِ الْيَدَيْنِ فِي الْغُسْلِ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ مَنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَيْهِ يَسْلَمُ مِنْ تَنَكُّبِ الْمَاءِ عَنْ بَعْضِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَعْجَبُ لِأَبِي الْفَرَجِ الَّذِي رَوَى وَحَكَى عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغُسْلَ دُونَ ذَلِكَ يُجْزِئُ! وَمَا قَالَهُ قَطُّ مَالِكٌ نَصًّا وَلَا تَخْرِيجًا، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ أَوْهَامِهِ. قُلْتُ: قَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ نَصًّا، قَالَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الظَّاهِرِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ رَجُلٍ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، قَالَ: مَضَتْ صَلَاتُهُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا لَمْ يَتَدَلَّكْ وَلَا تَوَضَّأَ، وَقَدْ أَجْزَأَهُ عِنْدَ مَالِكٍ. وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَتَدَلَّكَ، قِيَاسًا عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ. وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ أَنَّ كُلَّ مَنْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَقَدِ اغْتَسَلَ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: غَسَلَتْنِي السَّمَاءُ. وَقَدْ حَكَتْ عَائِشَةُ وَمَيْمُونَةُ صِفَةَ غُسْلِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرَا تَدَلُّكًا، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا تَرَكَهُ، لِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ، وَلَوْ فَعَلَهُ لَنُقِلَ عَنْهُ، كَمَا نُقِلَ تَخْلِيلُ أُصُولِ شَعْرِهِ بِالْمَاءِ وَغَرْفُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ ﵇. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ الْغُسْلُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَرَّةً بِالْعَرْكِ «١» وَمَرَّةً بِالصَّبِّ وَالْإِفَاضَةِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يكون الله تَعَبَّدَ عِبَادَهُ فِي الْوُضُوءِ بِإِمْرَارِ أَيْدِيهِمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ مَعَ الْمَاءِ وَيَكُونُ ذَلِكَ غُسْلًا، وَأَنْ يُفِيضُوا الْمَاءَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ غُسْلًا مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ غَيْرَ خَارِجٍ مِنَ اللُّغَةِ وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ أَصْلًا فِي نَفْسِهِ، لَا يَجِبُ أَنْ يُرَدَّ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، لِأَنَّ الْأُصُولَ لَا يُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ قِيَاسًا- وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ. وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْفُرُوعُ قِيَاسًا عَلَى الْأُصُولِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ- حَدِيثُ مَيْمُونَةَ وَعَائِشَةَ يَرُدُّ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ سَبْعًا وَفَرْجَهُ سَبْعًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعُ مِرَارٍ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ من الثوب سبع مرار،
стр. 1882
فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ مَرَّةً «١»، وَالْغَسْلُ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَإِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ ضَعْفٌ وَلِينٌ، وَإِنْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ قَدْ خَرَّجَهُ وَالَّذِي قَبْلَهُ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَشُعْبَةُ هَذَا ليس بالقوي، ويرد هما حَدِيثُ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ. الْخَامِسَةُ عَشْرَةَ- وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إِمْرَارَ يَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونُ: يَجْعَلُ مَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْهُ، أَوْ يُعَالِجُهُ بِخِرْقَةٍ. وَفِي الْوَاضِحَةِ: يُمِرُّ يَدَيْهِ عَلَى مَا يُدْرِكُهُ مِنْ جَسَدِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ حَتَّى يَعُمَّ مَا لَمْ تَبْلُغْهُ يَدَاهُ. السَّادِسَةُ- وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَخْلِيلِ الْجُنُبِ لِحْيَتَهُ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: ذَلِكَ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ شَعْرَهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَذَلِكَ عَامٌّ وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ فِيهِ شَعْرُ رَأْسِهِ، وَعَلَى هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْعُلَمَاءُ. وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِيعَابَ جَمِيعِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ وَاجِبٌ، وَالْبَشَرَةُ الَّتِي تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَوَجَبَ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهَا وَمُبَاشَرَتُهَا بِالْيَدِ. وَإِنَّمَا انْتَقَلَ الْفَرْضُ إِلَى الشَّعْرِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَنِيَابَةُ «٢» الْأَبْدَالِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلِذَلِكَ جَازَ فِيهَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَمْ يَجُزْ فِي الْغُسْلِ. قُلْتُ: وَيُعَضِّدُ هَذَا قَوْلُهُ ﷺ : (تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ). السَّابِعَةُ عَشْرَةَ- وَقَدْ بَالَغَ قَوْمٌ فَأَوْجَبُوا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْوَجْهِ وَحُكْمُهُمَا حُكْمُ ظَاهِرِ الْوَجْهِ كالخد والجبين، فمن تركهما وصلي الله عليه وسلم أَعَادَ كَمَنْ تَرَكَ لُمْعَةً «٣»، وَمَنْ تَرَكَهُمَا فِي وُضُوئِهِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَتَا بِفَرْضٍ لَا فِي الْجَنَابَةِ وَلَا فِي الْوُضُوءِ، لِأَنَّهُمَا بَاطِنَانِ [فَلَا يَجِبُ «٤»] كَدَاخِلِ الْجَسَدِ. وَبِذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: هُمَا فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ جَمِيعًا، وَهُوَ قَوْلُ إسحاق
стр. 1883
وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِ دَاوُدَ. وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعَطَاءٍ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا أَنَّ الْمَضْمَضَةَ سُنَّةٌ وَالِاسْتِنْشَاقَ فَرْضٌ، وَقَالَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ دَاوُدَ. وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُمَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي كِتَابِهِ، وَلَا أَوْجَبَهُمَا رَسُولُهُ، وَلَا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَيْهِ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِهَذِهِ الْوُجُوهِ. احْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُمَا بِالْآيَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فَمَا وَجَبَ فِي الْوَاحِدِ مِنَ الْغُسْلِ وَجَبَ فِي الْآخَرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي وُضُوئِهِ وَلَا فِي غُسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ قَوْلًا وَعَمَلًا. احْتَجَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهَا وَأَفْعَالُهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَفَعَلَ الِاسْتِنْشَاقَ وَأَمَرَ بِهِ، وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَبَدًا. الثَّامِنَةُ عَشْرَةَ- قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَلَا بُدَّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ مِنَ النِّيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) وَذَلِكَ يَقْتَضِي النِّيَّةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ. وَعَضَّدُوا هذا وبقوله تَعَالَى: (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ «١» الدِّينَ) وَالْإِخْلَاصُ النِّيَّةُ فِي التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقَصْدُ لَهُ بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ ﵇: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) وَهَذَا عَمَلٌ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ: يُجْزِئُ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: كُلُّ طَهَارَةٍ بِالْمَاءِ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِنِيَّةٍ، قِيَاسًا عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْإِجْمَاعِ مِنَ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ. التَّاسِعَةُ عَشْرَةَ- وَأَمَّا قَدْرُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ، فَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شهاب عن عروة ابن الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ [أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «٢»] ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ هُوَ الْفَرَقُ من الجنابة. (الفرق) تحرك رأوه وَتُسَكَّنُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: (الْفَرَقُ) مِكْيَالٌ مِنَ الْخَشَبِ، كَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقُولُ: إِنَّهُ يَسَعُ خَمْسَةَ أَقْسَاطٍ بِأَقْسَاطِ بَنِي أُمَيَّةَ. وَقَدْ فَسَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى (الْفَرَقَ) فَقَالَ: ثَلَاثَةُ آصع، قال: وهي خمسة أقساط، قال:
стр. 1884
وَفِي الْخَمْسَةِ أَقْسَاطٍ اثْنَا عَشَرَ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ سُفْيَانُ: (الْفَرَقُ) ثَلَاثَةُ آصُعٍ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: يَغْتَسِلُ بِخَمْسَةِ مَكَاكِيكَ وَيَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ «١». وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْلِيلِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، يَأْخُذُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ بِقَدْرِ مَا يَكْفِي وَلَا يُكْثِرُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهُ سَرَفٌ وَالسَّرَفُ مَذْمُومٌ. وَمَذْهَبُ الْإِبَاضِيَّةِ الْإِكْثَارُ مِنَ الْمَاءِ «٢»، وَذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ. الْمُوَفِّيَةُ عِشْرِينَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) هَذِهِ آيَةُ التَّيَمُّمِ، نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَهُوَ جَرِيحٌ، فَرُخِّصَ لَهُ فِي أَنْ يَتَيَمَّمَ، ثُمَّ صَارَتِ الْآيَةُ عَامَّةً فِي جَمِيعِ النَّاسِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَدَمِ الصَّحَابَةِ الْمَاءَ فِي غَزْوَةِ (الْمُرَيْسِيعِ «٣») حِينَ انْقَطَعَ الْعِقْدُ لِعَائِشَةَ. أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مَالِكٌ من رواية عبد الرحمن ابن الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: هَلَكَتْ قِلَادَةٌ لِأَسْمَاءَ فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهَا رِجَالًا، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَصَلُّوا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلْمَوْضِعِ، وَفِيهَا أَنَّ الْقِلَادَةَ كَانَتْ لِأَسْمَاءَ، خِلَافَ حَدِيثِ مَالِكٍ. وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً لَهَا وَهِيَ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْسَلَّتْ مِنْهَا وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ يُقَالُ لَهُ الصُّلْصُلُ «٤»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ
стр. 1885
هِشَامٍ أَنَّ الْقِلَادَةَ كَانَتْ لِأَسْمَاءَ، وَأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَعَارَتْهَا مِنْ أَسْمَاءَ. وَهَذَا بَيَانٌ لِحَدِيثِ مَالِكٍ إِذَا قَالَ: انْقَطَعَ عِقْدٌ لِعَائِشَةَ، وَلِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ إِذْ قَالَ: هَلَكَتْ قِلَادَةٌ لِأَسْمَاءَ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَكَانَ يُقَالُ لَهُ الصُّلْصُلُ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا هشام ابن عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَقَطَتْ قِلَادَتُهَا لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ «١»، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ فِي طَلَبِهَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ هِشَامٍ أَيْضًا إِضَافَةُ الْقِلَادَةِ إِلَيْهَا، لَكِنْ إِضَافَةُ مُسْتَعِيرٍ بِدَلِيلِ حَدِيثِ النَّسَائِيِّ. وَقَالَ فِي الْمَكَانِ: (الْأَبْوَاءُ) كَمَا قَالَ مَالِكٌ، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ قَالَ: وَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. وَجَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَهُ. وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحُ الْمَعْنَى، وَلَيْسَ اخْتِلَافُ النَّقَلَةِ فِي الْعِقْدِ وَالْقِلَادَةِ وَلَا فِي الْمَوْضِعِ مَا يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ وَلَا يُوهِنُ شَيْئًا مِنْهُ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْمَقْصُودَ بِهِ إِلَيْهِ هُوَ نُزُولُ التَّيَمُّمِ، وَقَدْ ثَبَتَتِ «٢» الرِّوَايَاتُ فِي أَمْرِ الْقِلَادَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ: فَأَرْسَلَ رَجُلَيْنِ قِيلَ: أَحَدُهُمَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ. وَلَعَلَّهُمَا الْمُرَادُ بِالرِّجَالِ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فَعَبَّرَ عَنْهُمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، إِذْ أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوْ أَرْدَفَ فِي أَثَرِهِمَا غير هما فَصَحَّ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَبَعَثُوا فِي طَلَبِهَا فَطَلَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا فِي وِجْهَتِهِمْ، فَلَمَّا رَجَعُوا أَثَارُوا الْبَعِيرَ فَوَجَدُوهُ «٣» تَحْتَهُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصَابَتْهُمْ جِرَاحَةٌ فَفَشَتْ فِيهِمْ ثُمَّ ابْتُلُوا بِالْجَنَابَةِ فَشَكَوْا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِخِلَافٍ لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا أَصَابَتْهُمُ الْجِرَاحَةُ فِي غَزْوَتِهِمْ تِلْكَ الَّتِي قَفَلُوا مِنْهَا إِذْ كَانَ فِيهَا قِتَالٌ فَشَكَوْا، وَضَاعَ الْعِقْدُ وَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ضَيَاعَ الْعِقْدِ كَانَ فِي غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِخِلَافٍ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ فِي غَزَاةِ الْمُرَيْسِيعِ، إِذْ هِيَ غَزَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَزَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، عَلَى مَا قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ. وَقِيلَ: بَلْ نُمَيْلَةَ بن عبد الله
стр. 1886
اللَّيْثِيَّ. وَأَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَهُمْ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ الْمُرَيْسِيعُ مِنْ نَاحِيَةِ قُدَيْدٍ «١» مِمَّا يَلِي السَّاحِلَ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ وسبى [من سبى «٢» [النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ: أَمِتْ أَمِتْ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ جَمَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرَادُوهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَلَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ. فَهَذَا مَا جَاءَ فِي بَدْءِ التَّيَمُّمِ وَالسَّبَبِ فِيهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ آيَةُ التَّيَمُّمِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ، وَهِيَ آيَةُ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ (الْمَائِدَةِ «٣»)، أَوِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ (النِّسَاءِ). لَيْسَ التَّيَمُّمُ مَذْكُورًا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَهُمَا مَدَنِيَّتَانِ. الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَرْضى) الْمَرَضِ عِبَارَةٌ عَنْ خُرُوجِ الْبَدَنِ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ وَالِاعْتِيَادِ، إِلَى الِاعْوِجَاجِ وَالشُّذُوذِ. وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: كَثِيرٍ وَيَسِيرٍ، فَإِذَا كَانَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَخَافُ الْمَوْتَ لِبَرْدِ الْمَاءِ، أَوْ لِلْعِلَّةِ الَّتِي بِهِ، أَوْ يَخَافُ فَوْتَ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، فَهَذَا يَتَيَمَّمُ بِإِجْمَاعٍ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ أَنَّهُ يَتَطَهَّرُ وَإِنْ مَاتَ. وَهَذَا مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «٤») وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ). وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ) قَالَ: إِذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْقُرُوحُ أو الجدري فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل، تيمم. وعن سعيد بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رُخِّصَ لِلْمَرِيضِ فِي التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ. وَتَيَمَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لَمَّا خَافَ أَنْ يَهْلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ ﷺ بِغُسْلٍ وَلَا إِعَادَةٍ. فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا إِلَّا أَنَّهُ يَخَافُ مَعَهُ حُدُوثَ عِلَّةٍ أَوْ زِيَادَتَهَا أَوْ بُطْءَ بُرْءٍ فَهَؤُلَاءِ يَتَيَمَّمُونَ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمَذْهَبِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيمَا حَفِظْتُ. قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ الْبَاجِيُّ فِيهِ خِلَافًا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: مِثْلَ أَنْ يَخَافَ الصَّحِيحُ نَزْلَةً أَوْ حُمَّى، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ يَخَافُ زِيَادَةَ مَرَضٍ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إِلَّا أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ، وَرَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُبَاحُ التَّيَمُّمُ للمريض إلا إذا خاف التلف،
стр. 1887
لِأَنَّ زِيَادَةَ الْمَرَضِ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ وَقَدْ لَا تَكُونُ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ الْمُتَيَقَّنِ لِلْخَوْفِ الْمَشْكُوكِ. قُلْنَا: قَدْ نَاقَضْتَ، فإنك قلت إذا خاف التلف من البر تَيَمَّمَ، فَكَمَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ خَوْفُ التَّلَفِ كَذَلِكَ، يُبِيحُهُ خَوْفُ الْمَرَضِ، لِأَنَّ الْمَرَضَ مَحْذُورٌ كَمَا أَنَّ التَّلَفَ مَحْذُورٌ. قَالَ: وَعَجَبًا لِلشَّافِعِيِّ يَقُولُ: لَوْ زَادَ الْمَاءُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِ حَبَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ صِيَانَةً لِلْمَالِ وَيَلْزَمْهُ التَّيَمُّمُ، وَهُوَ يَخَافُ عَلَى بَدَنِهِ الْمَرَضَ! وَلَيْسَ لَهُمْ] عَلَيْهِ «١» [كَلَامٌ يُسَاوِي سَمَاعَهُ (. قُلْتُ: الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ «٢» الشَّافِعِيِّ فِيمَا قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ فِي تَفْسِيرِهِ: وَالْمَرَضُ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ هُوَ الَّذِي يَخَافُ فِيهِ فَوْتَ الرُّوحِ أَوْ فَوَاتَ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ لَوِ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ. فَإِنْ خَافَ طُولَ الْمَرَضِ فَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ لِلشَّافِعِيِّ: جَوَازُ التَّيَمُّمِ. رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عن عبد الرحمن ابن جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا عَمْرُو: (صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ)؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) فَضَحِكَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى إِبَاحَةِ التَّيَمُّمِ مَعَ الْخَوْفِ لَا مَعَ الْيَقِينِ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ اسْمِ الْجُنُبِ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ وَجَوَازُ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ بِالْمُتَوَضِّئِينَ، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ] وَهُوَ «٣» [الَّذِي أقرأه مالك في موطئة وقرى عَلَيْهِ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي- أَنَّهُ لَا يُصَلِّي، لِأَنَّهُ أَنْقَصُ فَضِيلَةً مِنَ الْمُتَوَضِّئِ، وَحُكْمُ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى رُتْبَةً، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَؤُمُّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ) إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فقال:
стр. 1888
(قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يعلموا فإنما شفاء العي «١» السؤال وإنما كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ- شَكَّ مُوسَى- عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَيْهَا وَيَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ (. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ:) قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ وَحَمَلَهَا أَهْلُ الْجَزِيرَةِ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ غَيْرَ الزُّبَيْرِ بْنِ خَرِيقٍ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَخَالَفَهُ الْأَوْزَاعِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [وَهُوَ الصَّوَابُ «٢»]. وَاخْتُلِفَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَطَاءٍ، وَقِيلَ عَنْهُ: بَلَغَنِي عَنْ عَطَاءٍ، وَأَرْسَلَ الْأَوْزَاعِيُّ آخِرَهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْهُ فَقَالَا: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْعِشْرِينَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَسْنَدَ الْحَدِيثَ (. وَقَالَ دَاوُدُ: كُلُّ مَنِ انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَرِيضِ فَجَائِزٌ لَهُ التَّيَمُّمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:) وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى (. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا قَوْلُ خَلَفٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ لِمَنْ خَافَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ تَأَذِّيهِ بِهِ كَالْمَجْدُورِ وَالْمَحْصُوبِ، وَالْعِلَلِ الْمَخُوفِ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. الثَّانِيةُ والعشرون- قوله تعالى: (أَوْ عَلى سَفَرٍ) يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِسَبَبِ السَّفَرِ طَالَ أَوْ قَصُرَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ «٣». وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَتَيَمَّمُ إِلَّا فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ. وَاشْتَرَطَ آخَرُونَ أَنْ يَكُونَ سَفَرَ طَاعَةٍ. وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ- أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ حَسْبَمَا ذَكَرْنَا، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فِي الْحَضَرِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ جَائِزٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إِلَّا أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا وَاللَّيْثُ وَالطَّبَرِيُّ: إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ مَعَ خَوْفِ الْوَقْتِ الصَّحِيحُ وَالسَّقِيمُ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ أَعَادَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِي الْحَضَرِ لَا لِمَرَضٍ وَلَا لِخَوْفِ الْوَقْتِ وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: لَا يَتَيَمَّمُ الْمَرِيضُ إِذَا وَجَدَ الماء، لا غير
стр. 1889
الْمَرِيضِ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْآيَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ فِي شَرْطِ التَّيَمُّمِ خَرَجَ عَلَى الْأَغْلَبِ فِيمَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ، وَالْحَاضِرُونَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِمْ وُجُودُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِمْ. فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ مَانِعٌ أَوْ خَافَ فَوَاتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، تَيَمَّمَ الْمُسَافِرُ بِالنَّصِّ، وَالْحَاضِرُ بِالْمَعْنَى. وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ بِالنَّصِّ وَالصَّحِيحُ بِالْمَعْنَى. وَأَمَّا مَنْ مَنَعَهُ فِي الْحَضَرِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ التَّيَمُّمَ رُخْصَةً لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، كَالْفِطْرِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُبِحِ التَّيَمُّمَ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، وَهُمَا الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ، فَلَا دُخُولَ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ مِنْ شَرْطِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ الَّذِي مَنَعَهُ جُمْلَةً مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَقَالَ: إِنَّمَا شَرَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا (فَلَمْ يُبِحِ التَّيَمُّمَ لِأَحَدٍ إِلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَوْلَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَا رُوِيَ مِنَ الْأَثَرِ لَكَانَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ صَحِيحًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّيَمُّمَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ مُسَافِرٌ إِذْ خَافَ الْهَلَاكَ إِنِ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ، فَالْمَرِيضُ أَحْرَى بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ إِذَا خَافَ فَوَاتَ الصَّلَاةِ إِنْ ذَهَبَ إِلَى الْمَاءِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) يَعْنِي الْمُقِيمَ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ تَيَمَّمَ. نَصَّ عَلَيْهِ الْقُشَيْرِيُّ عَبْدُ الرَّحِيمِ قَالَ: ثُمَّ يُقْطَعُ النَّظَرُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، لِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ عُذْرٌ نَادِرٌ وَفِي الْقَضَاءِ قَوْلَانِ: قُلْتُ: وَهَكَذَا نَصَّ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ، فَهَلْ يُعِيدُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَمْ لَا، الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. يُعِيدُ أَبَدًا، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ الْوَلِيدُ عَنْهُ: يَغْتَسِلُ وَإِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ (بِئْرِ جَمَلٍ «١») فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عليه فلم يرد عليه النبي
стр. 1890
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظُ (بِئْرٍ «١»). وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَفِيهِ (ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ وَقَالَ:) إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ- قوله تعالى: (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) الْغَائِطُ أَصْلُهُ مَا انْخَفَضَ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْجَمْعُ الْغِيطَانُ أَوِ الْأَغْوَاطُ، وَبِهِ سُمِّيَ غُوطَةَ دِمَشْقَ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقْصِدُ هَذَا الصِّنْفَ مِنَ الْمَوَاضِعِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا تَسَتُّرًا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، ثُمَّ سُمِّيَ الْحَدَثُ الْخَارِجُ مِنَ الْإِنْسَانِ غَائِطًا لِلْمُقَارَنَةِ «٢». وَغَاطَ فِي الْأَرْضِ يَغُوطُ إِذَا غَابَ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: (مِنَ الْغَيْطِ) فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ الْغَيْطُ فَخُفِّفَ، كَهَيِّنٍ وَمَيِّتٍ وَشَبَهِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْغَوْطِ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِمْ تَغَوَّطَ إِذَا أَتَى الْغَائِطَ، فَقُلِبَتْ وَاوُ الْغَوْطِ يَاءً، كَمَا قَالُوا في لا حول لا حيل. و (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ وَجَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ فَتَيَمَّمُوا فَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلتَّيَمُّمِ عَلَى هَذَا هُوَ الْحَدَثُ لَا الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَالصَّحِيحُ فِي (أَوْ) أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ. فَلِأَوْ مَعْنَاهَا، وَلِلْوَاوِ مَعْنَاهَا. وَهَذَا عِنْدَهُمْ عَلَى الْحَذْفِ، وَالْمَعْنَى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى مَرَضًا لَا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ أَوْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا مَاءً وَاحْتَجْتُمْ إِلَى الْمَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ- لَفْظُ (الْغائِطِ) يَجْمَعُ بِالْمَعْنَى جَمِيعَ الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ لِلطَّهَارَةِ الصُّغْرَى. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَصْرِهَا، وَأَنْبَلُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، لَا خِلَافَ فِيهَا فِي مَذْهَبِنَا: زَوَالُ الْعَقْلِ، خَارِجٌ مُعْتَادٌ، مُلَامَسَةٌ. وَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَا خَرَجَ مِنَ الْجَسَدِ مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَلَا يُرَاعَى الْمَخْرَجُ وَلَا يُعَدُّ اللَّمْسُ. وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ ابن عَبْدِ الْحَكَمِ مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، وَلَا يُرَاعَى الِاعْتِيَادُ، وَيُعَدُّ اللَّمْسُ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِإِغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ فعليه الوضوء، واختلفوا
стр. 1891
في النوم هل حدث كسائر الا حداث؟ أَوْ لَيْسَ بِحَدَثٍ أَوْ مَظِنَّةُ حَدَثٍ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: طَرَفَانِ وَوَاسِطَةٌ. الطَّرَفُ الْأَوَّلُ- ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ إِلَى أَنَّهُ حَدَثٌ، وَأَنَّ الوضوء يجب بقليله وكثيره كسائر حداث، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ لِقَوْلِهِ: وَلَا يُتَوَضَّأُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ يَخْرُجُ مِنْ ذكر دُبُرٍ أَوْ نَوْمٍ. وَمُقْتَضَى حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. رَوَوْهُ جَمِيعًا مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عن زر ابن حُبَيْشٍ فَقَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ فَقُلْتُ: جِئْتُكَ أَسْأَلُكَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، قَالَ: [نَعَمْ «١»] كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي بَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنَا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلنا هما عَلَى طُهْرٍ ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا أَقَمْنَا، وَلَا نَخْلَعْهُمَا مِنْ بَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَا نَوْمٍ [وَلَا نَخْلَعْهُمَا «٢»] إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَوْلُ مَالِكٍ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ. قَالُوا: وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ كَثِيرُهُ وَمَا غَلَبَ عَلَى الْعَقْلِ مِنْهُ حَدَثًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلُهُ كَذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وِكَاءُ السَّهِ «٣» الْعَيْنَانِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ) وَهَذَا عَامٌّ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا الطَّرَفُ الْآخَرُ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، حَتَّى يُحْدِثَ النَّائِمُ حَدَثًا غَيْرَ النَّوْمِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُوَكِّلُ مَنْ يَحْرُسُهُ إِذَا نَامَ. فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ حَدَثٌ قَامَ مِنْ نَوْمِهِ وَصَلَّى، وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي رِوَايَةِ مَحْمُودِ بْنِ خَالِدٍ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِ هَذَيْنَ الطَّرَفَيْنِ. فَأَمَّا جُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَإِنَّ كُلَّ نَائِمٍ اسْتَثْقَلَ نَوْمًا، وَطَالَ نَوْمُهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فَإِنْ كان النوم
стр. 1892
خَفِيفًا لَا يُخَامِرُ الْقَلْبَ وَلَا يَغْمُرُهُ لَمْ يَضُرَّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا وُضُوءَ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَوَرِّكًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ نَامَ جَالِسًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ. وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً [يَعْنِي الْعِشَاءَ «١»] فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا [فِي الْمَسْجِدِ «٢»] ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: (لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ) رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَالْعَمَلِ. وَأَمَّا مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَصَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ فِي حَدِيثِهِ فَمَعْنَاهُ: وَنَوْمٌ ثَقِيلٌ غَالِبٌ عَلَى النَّفْسِ، بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ. وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَى حَدِيثَ صَفْوَانَ وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ فَقَالَ: (أَوْ رِيحٌ) بَدَلُ (أَوْ نَوْمٌ)، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (أَوْ رِيحٌ) غَيْرُ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرٍ. قُلْتُ: وَكِيعٌ ثِقَةٌ إِمَامٌ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ فِي أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ. وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ فَضَعِيفٌ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ حَتَّى. غَطَّ أَوْ نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قَدْ نِمْتَ! فَقَالَ: (إِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ). تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو خالد عن قتادة ولا يصح، قاله الدَّارَقُطْنِيُّ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: قَوْلُهُ: (الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا) هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ الدَّالَانِيُّ عن قتادة، وروى أو له جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا مِنْ هَذَا. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ الثِّقَاتِ، وَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ أبو خالد الدلاني، وَأَنْكَرُوهُ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا نُقِلَ «٣». وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: عَلَى كُلِّ نَائِمٍ الْوُضُوءَ إِلَّا عَلَى الْجَالِسِ وَحْدَهُ، وَإِنَّ كُلَّ مَنْ زَالَ عَنْ حَدِّ الِاسْتِوَاءِ وَنَامَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، فَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ وَدَاوُدَ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وابن
стр. 1893
عُمَرَ، لِأَنَّ الْجَالِسَ لَا يَكَادُ يَسْتَثْقِلُ، فَهُوَ فِي مَعْنَى النَّوْمِ الْخَفِيفِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ نَامَ جَالِسًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَمَنْ وَضَعَ جَنْبَهُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ). وَأَمَّا الْخَارِجُ، فَلَنَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ «١» حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي. فَهَذَا خَارِجٌ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ انْقَطَعَ فَهُوَ مَرَضٌ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ عِنْدَنَا إِيجَابًا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا. وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا. وَيُرَدُّ عَلَى الْحَنَفِيِّ حَيْثُ رَاعَى الْخَارِجَ النَّجِسَ. فصح ووضح مذهب مالك ابن أَنَسٍ ﵁ مَا تَرَدَّدَ نَفَسٌ، وَعَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ (لامَسْتُمُ). وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (لَمَسْتُمْ) وَفِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ- أَنْ يَكُونَ لَمَسْتُمْ جَامَعْتُمْ. الثَّانِي- لَمَسْتُمْ بَاشَرْتُمْ. الثَّالِثُ- يَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. وَ (لامَسْتُمُ) بِمَعْنَاهُ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ، إِلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: الْأَوْلَى فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ (لامَسْتُمُ) بِمَعْنَى قَبَّلْتُمْ أَوْ نَظِيرُهُ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِعْلًا. قَالَ: وَ (لَمَسْتُمْ) بِمَعْنَى غَشَيْتُمْ وَمَسِسْتُمْ، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ فِي هَذَا فِعْلٌ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْآيَةِ عَلَى مَذَاهِبَ خَمْسَةٍ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْمُلَامَسَةُ هُنَا مُخْتَصَّةٌ بِالْيَدِ، وَالْجُنُبُ لَا ذِكْرَ لَهُ إِلَّا مَعَ الْمَاءِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) الْآيَةَ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَإِنَّمَا يَغْتَسِلُ الْجُنُبُ أَوْ يَدَعُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ أبو عمر: ولم يقل بقول عمرو عبد اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَحَمَلَةِ الْآثَارِ، وَذَلِكَ والله أعلم لحديث عمار وعمر ان ابن حُصَيْنٍ وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَكْسَ هَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ: الْمُلَامَسَةُ هُنَا مُخْتَصَّةٌ بِاللَّمْسِ الَّذِي هُوَ الْجِمَاعُ. فَالْجُنُبُ يتيمم واللامس
стр. 1894
بِيَدِهِ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، فَلَيْسَ بِحَدَثٍ ولا هو ناقص لِوُضُوئِهِ. فَإِذَا قَبَّلَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِلَذَّةٍ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، وَعَضَّدُوا هَذَا بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ لَهَا مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ؟ فَضَحِكَتْ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُلَامِسُ بِالْجِمَاعِ يَتَيَمَّمُ، وَالْمُلَامِسُ بِالْيَدِ يَتَيَمَّمُ إِذَا الْتَذَّ. فَإِذَا لَمَسَهَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا وُضُوءَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ مُقْتَضَى الآية. وقال علي ابن زِيَادٍ: وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا ثَوْبٌ كَثِيفٌ فَلَا شي عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ تَعَمَّدَ مَسَّ امْرَأَتِهِ بِيَدِهِ لِمُلَاعَبَةٍ فَلْيَتَوَضَّأِ الْتَذَّ أَوْ لَمْ يَلْتَذَّ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: وَالَّذِي تَحَقَّقَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْوُضُوءَ إِنَّمَا يَجِبُ لِقَصْدِهِ اللَّذَّةَ دُونَ وُجُودِهَا، فَمَنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ بِلَمْسِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، الْتَذَّ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَلْتَذَّ، وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَأَمَّا الْإِنْعَاظُ بِمُجَرَّدِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا وَلَا غَسْلَ ذَكَرٍ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ لَمْسٌ أَوْ مَذْيٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: مَنْ أَنْعَظَ إِنْعَاظًا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أَفْضَى الرَّجُلُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ إِلَى بَدَنِ الْمَرْأَةِ سَوَاءً كَانَ بِالْيَدِ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ تَعَلَّقَ نَقْضُ الطُّهْرِ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِذَا كَانَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ نَقَضَ الطُّهْرَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْيَدِ لَمْ يَنْقُضْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ «١»). فَهَذِهِ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ أَسَدُّهَا «٢» مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِذَلِكَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي أَوَّلِهَا: (وَلا جُنُباً) أَفَادَ الْجِمَاعَ، وَإِنَّ قَوْلَهُ: (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) أَفَادَ الْحَدَثَ، وَإِنَّ قَوْلَهُ: (أَوْ لامَسْتُمُ) أَفَادَ اللَّمْسَ وَالْقُبَلَ. فَصَارَتْ ثَلَاثَ جُمَلٍ لِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ، وَهَذِهِ غَايَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْإِعْلَامِ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ باللمس الجماع كان تكرارا في الكلام.
стр. 1895
قُلْتُ: وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَحَدِيثٌ مُرْسَلٌ، رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ عمروه فَقَالَ: أَمَّا أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ كَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِهَذَا، زَعَمَ أَنَّ حَبِيبًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ شَيْئًا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ بِالْمُرْسَلِ فَيَلْزَمُكُمْ قَبُولُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ. قُلْنَا: تَرَكْنَاهُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَعَمَلِ الصَّحَابَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمُلَامَسَةَ هِيَ الْجِمَاعُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْنَا: قَدْ خَالَفَهُ الْفَارُوقُ وَابْنُهُ وَتَابَعَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ كُوفِيٌّ، فَمَا لَكُمْ خَالَفْتُمُوهُ؟! فَإِنْ قِيلَ: الْمُلَامَسَةُ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ، وَاللَّمْسُ بِالْيَدِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ هِيَ الْجِمَاعُ. قُلْنَا: الْمُلَامَسَةُ مُقْتَضَاهَا الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ، سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنَ اثْنَيْنِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوصَفُ لَامِسٌ وَمَلْمُوسٌ. جَوَابٌ آخَرُ- وَهُوَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ، وَالثَّوْبُ مَلْمُوسٌ وَلَيْسَ بِلَامِسٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ). وَتَقُولُ الْعَرَبُ: عَاقَبْتُ اللِّصَّ وَطَارَقْتُ النَّعْلَ، وَهُوَ كَثِيرٌ. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ سَبَبَ الْحَدَثِ، وَهُوَ الْمَجِيءُ مِنَ الْغَائِطِ ذَكَرَ سَبَبَ الْجَنَابَةِ وهو الملامسة، فبين حكم الْحَدَثَ وَالْجَنَابَةَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، كَمَا أَفَادَ بَيَانَ حُكْمِهِمَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ. قُلْنَا: لَا نَمْنَعُ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْجِمَاعِ وَاللَّمْسِ، وَيُفِيدُ الْحُكْمَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا. وَقَدْ قُرِئَ (لَمَسْتُمْ) كَمَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ لَمْسِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ لَا حَائِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِشَهْوَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمَسَتْهُ هِيَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، إِلَّا الشَّعْرَ، فَإِنَّهُ لَا وُضُوءَ لِمَنْ مَسَّ شَعْرَ امْرَأَتِهِ لِشَهْوَةٍ كَانَ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَكَذَلِكَ السِّنُّ وَالظُّفُرُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْبَشَرَةِ. وَلَوِ احْتَاطَ فَتَوَضَّأَ إِذَا مَسَّ شَعْرَهَا كَانَ حَسَنًا. وَلَوْ مَسَّهَا بِيَدِهِ أَوْ مَسَّتْهُ بِيَدِهَا مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ فَالْتَذَّ بِذَلِكَ
следующие страницы →