← Тафсир

Тафсир · id 20855

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Полный текст (7 453 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

في النوم هل حدث كسائر الا حداث؟ أَوْ لَيْسَ بِحَدَثٍ أَوْ مَظِنَّةُ حَدَثٍ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: طَرَفَانِ وَوَاسِطَةٌ. الطَّرَفُ الْأَوَّلُ- ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ إِلَى أَنَّهُ حَدَثٌ، وَأَنَّ الوضوء يجب بقليله وكثيره كسائر حداث، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ لِقَوْلِهِ: وَلَا يُتَوَضَّأُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ يَخْرُجُ مِنْ ذكر دُبُرٍ أَوْ نَوْمٍ. وَمُقْتَضَى حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. رَوَوْهُ جَمِيعًا مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عن زر ابن حُبَيْشٍ فَقَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ فَقُلْتُ: جِئْتُكَ أَسْأَلُكَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، قَالَ: [نَعَمْ «١»] كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي بَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنَا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلنا هما عَلَى طُهْرٍ ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا أَقَمْنَا، وَلَا نَخْلَعْهُمَا مِنْ بَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَا نَوْمٍ [وَلَا نَخْلَعْهُمَا «٢»] إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَوْلُ مَالِكٍ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ. قَالُوا: وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ كَثِيرُهُ وَمَا غَلَبَ عَلَى الْعَقْلِ مِنْهُ حَدَثًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلُهُ كَذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وِكَاءُ السَّهِ «٣» الْعَيْنَانِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ) وَهَذَا عَامٌّ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا الطَّرَفُ الْآخَرُ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، حَتَّى يُحْدِثَ النَّائِمُ حَدَثًا غَيْرَ النَّوْمِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُوَكِّلُ مَنْ يَحْرُسُهُ إِذَا نَامَ. فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ حَدَثٌ قَامَ مِنْ نَوْمِهِ وَصَلَّى، وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي رِوَايَةِ مَحْمُودِ بْنِ خَالِدٍ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِ هَذَيْنَ الطَّرَفَيْنِ. فَأَمَّا جُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَإِنَّ كُلَّ نَائِمٍ اسْتَثْقَلَ نَوْمًا، وَطَالَ نَوْمُهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فَإِنْ كان النوم

стр. 1892

خَفِيفًا لَا يُخَامِرُ الْقَلْبَ وَلَا يَغْمُرُهُ لَمْ يَضُرَّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا وُضُوءَ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَوَرِّكًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ نَامَ جَالِسًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ. وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً [يَعْنِي الْعِشَاءَ «١»] فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا [فِي الْمَسْجِدِ «٢»] ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: (لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ) رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَالْعَمَلِ. وَأَمَّا مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَصَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ فِي حَدِيثِهِ فَمَعْنَاهُ: وَنَوْمٌ ثَقِيلٌ غَالِبٌ عَلَى النَّفْسِ، بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ. وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَى حَدِيثَ صَفْوَانَ وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ فَقَالَ: (أَوْ رِيحٌ) بَدَلُ (أَوْ نَوْمٌ)، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (أَوْ رِيحٌ) غَيْرُ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرٍ. قُلْتُ: وَكِيعٌ ثِقَةٌ إِمَامٌ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ فِي أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ. وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ فَضَعِيفٌ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ حَتَّى. غَطَّ أَوْ نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قَدْ نِمْتَ! فَقَالَ: (إِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ). تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو خالد عن قتادة ولا يصح، قاله الدَّارَقُطْنِيُّ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: قَوْلُهُ: (الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا) هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ الدَّالَانِيُّ عن قتادة، وروى أو له جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا مِنْ هَذَا. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ الثِّقَاتِ، وَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ أبو خالد الدلاني، وَأَنْكَرُوهُ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا نُقِلَ «٣». وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: عَلَى كُلِّ نَائِمٍ الْوُضُوءَ إِلَّا عَلَى الْجَالِسِ وَحْدَهُ، وَإِنَّ كُلَّ مَنْ زَالَ عَنْ حَدِّ الِاسْتِوَاءِ وَنَامَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، فَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ وَدَاوُدَ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وابن

стр. 1893

عُمَرَ، لِأَنَّ الْجَالِسَ لَا يَكَادُ يَسْتَثْقِلُ، فَهُوَ فِي مَعْنَى النَّوْمِ الْخَفِيفِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ نَامَ جَالِسًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَمَنْ وَضَعَ جَنْبَهُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ). وَأَمَّا الْخَارِجُ، فَلَنَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ «١» حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي. فَهَذَا خَارِجٌ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ انْقَطَعَ فَهُوَ مَرَضٌ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ عِنْدَنَا إِيجَابًا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا. وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا. وَيُرَدُّ عَلَى الْحَنَفِيِّ حَيْثُ رَاعَى الْخَارِجَ النَّجِسَ. فصح ووضح مذهب مالك ابن أَنَسٍ ﵁ مَا تَرَدَّدَ نَفَسٌ، وَعَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ (لامَسْتُمُ). وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (لَمَسْتُمْ) وَفِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ- أَنْ يَكُونَ لَمَسْتُمْ جَامَعْتُمْ. الثَّانِي- لَمَسْتُمْ بَاشَرْتُمْ. الثَّالِثُ- يَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. وَ (لامَسْتُمُ) بِمَعْنَاهُ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ، إِلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: الْأَوْلَى فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ (لامَسْتُمُ) بِمَعْنَى قَبَّلْتُمْ أَوْ نَظِيرُهُ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِعْلًا. قَالَ: وَ (لَمَسْتُمْ) بِمَعْنَى غَشَيْتُمْ وَمَسِسْتُمْ، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ فِي هَذَا فِعْلٌ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْآيَةِ عَلَى مَذَاهِبَ خَمْسَةٍ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْمُلَامَسَةُ هُنَا مُخْتَصَّةٌ بِالْيَدِ، وَالْجُنُبُ لَا ذِكْرَ لَهُ إِلَّا مَعَ الْمَاءِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) الْآيَةَ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَإِنَّمَا يَغْتَسِلُ الْجُنُبُ أَوْ يَدَعُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ أبو عمر: ولم يقل بقول عمرو عبد اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَحَمَلَةِ الْآثَارِ، وَذَلِكَ والله أعلم لحديث عمار وعمر ان ابن حُصَيْنٍ وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَكْسَ هَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ: الْمُلَامَسَةُ هُنَا مُخْتَصَّةٌ بِاللَّمْسِ الَّذِي هُوَ الْجِمَاعُ. فَالْجُنُبُ يتيمم واللامس

стр. 1894

بِيَدِهِ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، فَلَيْسَ بِحَدَثٍ ولا هو ناقص لِوُضُوئِهِ. فَإِذَا قَبَّلَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِلَذَّةٍ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، وَعَضَّدُوا هَذَا بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ لَهَا مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ؟ فَضَحِكَتْ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُلَامِسُ بِالْجِمَاعِ يَتَيَمَّمُ، وَالْمُلَامِسُ بِالْيَدِ يَتَيَمَّمُ إِذَا الْتَذَّ. فَإِذَا لَمَسَهَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا وُضُوءَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ مُقْتَضَى الآية. وقال علي ابن زِيَادٍ: وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا ثَوْبٌ كَثِيفٌ فَلَا شي عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ تَعَمَّدَ مَسَّ امْرَأَتِهِ بِيَدِهِ لِمُلَاعَبَةٍ فَلْيَتَوَضَّأِ الْتَذَّ أَوْ لَمْ يَلْتَذَّ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: وَالَّذِي تَحَقَّقَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْوُضُوءَ إِنَّمَا يَجِبُ لِقَصْدِهِ اللَّذَّةَ دُونَ وُجُودِهَا، فَمَنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ بِلَمْسِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، الْتَذَّ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَلْتَذَّ، وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَأَمَّا الْإِنْعَاظُ بِمُجَرَّدِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا وَلَا غَسْلَ ذَكَرٍ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ لَمْسٌ أَوْ مَذْيٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: مَنْ أَنْعَظَ إِنْعَاظًا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أَفْضَى الرَّجُلُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ إِلَى بَدَنِ الْمَرْأَةِ سَوَاءً كَانَ بِالْيَدِ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ تَعَلَّقَ نَقْضُ الطُّهْرِ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِذَا كَانَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ نَقَضَ الطُّهْرَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْيَدِ لَمْ يَنْقُضْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ «١»). فَهَذِهِ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ أَسَدُّهَا «٢» مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِذَلِكَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي أَوَّلِهَا: (وَلا جُنُباً) أَفَادَ الْجِمَاعَ، وَإِنَّ قَوْلَهُ: (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) أَفَادَ الْحَدَثَ، وَإِنَّ قَوْلَهُ: (أَوْ لامَسْتُمُ) أَفَادَ اللَّمْسَ وَالْقُبَلَ. فَصَارَتْ ثَلَاثَ جُمَلٍ لِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ، وَهَذِهِ غَايَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْإِعْلَامِ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ باللمس الجماع كان تكرارا في الكلام.

стр. 1895

قُلْتُ: وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَحَدِيثٌ مُرْسَلٌ، رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ عمروه فَقَالَ: أَمَّا أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ كَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِهَذَا، زَعَمَ أَنَّ حَبِيبًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ شَيْئًا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ بِالْمُرْسَلِ فَيَلْزَمُكُمْ قَبُولُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ. قُلْنَا: تَرَكْنَاهُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَعَمَلِ الصَّحَابَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمُلَامَسَةَ هِيَ الْجِمَاعُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْنَا: قَدْ خَالَفَهُ الْفَارُوقُ وَابْنُهُ وَتَابَعَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ كُوفِيٌّ، فَمَا لَكُمْ خَالَفْتُمُوهُ؟! فَإِنْ قِيلَ: الْمُلَامَسَةُ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ، وَاللَّمْسُ بِالْيَدِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ هِيَ الْجِمَاعُ. قُلْنَا: الْمُلَامَسَةُ مُقْتَضَاهَا الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ، سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنَ اثْنَيْنِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوصَفُ لَامِسٌ وَمَلْمُوسٌ. جَوَابٌ آخَرُ- وَهُوَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ، وَالثَّوْبُ مَلْمُوسٌ وَلَيْسَ بِلَامِسٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ). وَتَقُولُ الْعَرَبُ: عَاقَبْتُ اللِّصَّ وَطَارَقْتُ النَّعْلَ، وَهُوَ كَثِيرٌ. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ سَبَبَ الْحَدَثِ، وَهُوَ الْمَجِيءُ مِنَ الْغَائِطِ ذَكَرَ سَبَبَ الْجَنَابَةِ وهو الملامسة، فبين حكم الْحَدَثَ وَالْجَنَابَةَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، كَمَا أَفَادَ بَيَانَ حُكْمِهِمَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ. قُلْنَا: لَا نَمْنَعُ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْجِمَاعِ وَاللَّمْسِ، وَيُفِيدُ الْحُكْمَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا. وَقَدْ قُرِئَ (لَمَسْتُمْ) كَمَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ لَمْسِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ لَا حَائِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِشَهْوَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمَسَتْهُ هِيَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، إِلَّا الشَّعْرَ، فَإِنَّهُ لَا وُضُوءَ لِمَنْ مَسَّ شَعْرَ امْرَأَتِهِ لِشَهْوَةٍ كَانَ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَكَذَلِكَ السِّنُّ وَالظُّفُرُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْبَشَرَةِ. وَلَوِ احْتَاطَ فَتَوَضَّأَ إِذَا مَسَّ شَعْرَهَا كَانَ حَسَنًا. وَلَوْ مَسَّهَا بِيَدِهِ أَوْ مَسَّتْهُ بِيَدِهَا مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ فَالْتَذَّ بِذَلِكَ

стр. 1896

أو لم يلتذ لم يكن عليهما شي حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْبَشَرَةِ، وَسَوَاءً فِي ذَلِكَ كَانَ مُتَعَمِّدًا أَوْ سَاهِيًا، كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً إِذَا كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ إِذَا لَمَسَ صَبِيَّةً صَغِيرَةً أَوْ عَجُوزًا كَبِيرَةً بِيَدِهِ أَوْ وَاحِدَةً مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا، فَمَرَّةً قَالَ: يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) فَلَمْ يُفَرِّقْ. وَالثَّانِي لَا يُنْقَضُ، لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلشَّهْوَةِ فِيهِنَّ. قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) وَلَمْ يَقُلْ بِشَهْوَةٍ وَلَا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَشْتَرِطُوا الشَّهْوَةَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ عَامَّةُ التَّابِعِينَ. قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: فَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ مُرَاعَاةِ الشَّهْوَةِ وَاللَّذَّةِ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْرَهُمَا. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي النَّظَرِ، لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ لَامِسٍ لِامْرَأَتِهِ، وَغَيْرُ مُمَاسٍّ لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ، إِنَّمَا هُوَ لَامِسٌ لِثَوْبِهَا. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ تَلَذَّذَ وَاشْتَهَى أَنْ يَلْمِسَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ، فَكَذَلِكَ مَنْ لَمَسَ فَوْقَ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمَاسٍّ لِلْمَرْأَةِ. قُلْتُ: أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ مَالِكًا عَلَى قَوْلِهِ إِلَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَحْمَدَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ كُلُّهُمْ قَالُوا: إِذَا لَمَسَ فَالْتَذَّ وَجَبَ الْوُضُوءُ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَذَّ فَلَا وُضُوءَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي النَّظَرِ) فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْخَبَرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا ثَانِيًا، [قَالَتْ «١»] وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ الْمُلَامِسَ، وَأَنَّهُ غَمَزَ رِجْلَيْ عَائِشَةَ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيَّ فَقَبَضْتُهُمَا) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. فَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ قَوْلِهِ: (أَوْ لامَسْتُمُ) فَكَانَ وَاجِبًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ انْتِقَاضُ وُضُوءِ كُلِّ مُلَامِسٍ كَيْفَ «٢» لَامَسَ. وَدَلَّتِ السُّنَّةُ الَّتِي هِيَ الْبَيَانُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْوُضُوءَ عَلَى بَعْضِ الْمُلَامِسِينَ دُونَ بَعْضٍ، وهو من لم يلتذ ولم يقصد.

стр. 1897

وَلَا يُقَالُ: فَلَعَلَّهُ كَانَ عَلَى قَدَمَيْ عَائِشَةَ ثَوْبٌ، أَوْ كَانَ يَضْرِبُ رِجْلَيْهَا بِكُمِّهِ، فَإِنَّا نَقُولُ: حَقِيقَةُ الْغَمْزِ إِنَّمَا هُوَ بِالْيَدِ، وَمِنْهُ غَمْزُكَ الْكَبْشَ أَيْ تَجُسُّهُ لِتَنْظُرَ أَهُوَ سَمِينٌ أَمْ لَا؟ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْغَمْزُ الضَّرْبَ بِالْكُمِّ فَلَا. وَالرِّجْلُ [مِنَ النَّائِمِ «١»] الْغَالِبُ عَلَيْهَا ظُهُورُهَا مِنَ النَّائِمِ، لَا سِيَّمَا مَعَ امْتِدَادِهِ وَضِيقِ حَالِهِ. فَهَذِهِ كَانَتِ الْحَالُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهَا: (وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا) وَقَوْلُهَا: (وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ). وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا عَنْهَا قَالَتْ: (كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلَيَّ فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَرَفَعْتُهُمَا، فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهُمَا) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. فَظَهَرَ أَنَّ الْغَمْزَ كَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَعَ الْمُبَاشَرَةِ. وَدَلِيلٌ آخَرُ- وَهُوَ مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ أَيْضًا ﵂ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، الْحَدِيثَ. فَلَمَّا وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى قَدَمِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَتَمَادَى فِي سُجُودِهِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَنْتَقِضُ إِلَّا عَلَى بَعْضِ الْمُلَامِسِينَ دُونَ بَعْضٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ عَلَى قَدَمِهِ حَائِلٌ كَمَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ. قِيلَ لَهُ: الْقَدَمُ قَدَمٌ بِلَا حَائِلٍ حَتَّى يَثْبُتَ الْحَائِلُ، وَالْأَصْلُ الْوُقُوفُ مَعَ الظَّاهِرِ، بَلْ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ كَالنَّصِّ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ رَجُلًا لَوِ اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً فَمَسَّ خِتَانُهُ خِتَانَهَا وَهِيَ لَا تَلْتَذُّ لِذَلِكَ، أَوْ كَانَتْ نَائِمَةً فَلَمْ تَلْتَذَّ وَلَمْ تَشْتَهِ أَنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، فَكَذَلِكَ حُكْمُ مَنْ قَبَّلَ أَوْ لَامَسَ بِشَهْوَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ وَوَجَبَ عليه الوضوء، لان المعنى في الجسة واللمس وَالْقُبْلَةِ الْفِعْلُ لَا اللَّذَّةُ. قُلْنَا: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَعْمَشَ وَغَيْرَهُ قَدْ خَالَفَ فِيمَا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ. سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَلَا يَلْزَمُ، وَقَدِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِنَا بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ- فِيمَا زَعَمْتُمْ- إِنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ شَيْخُهُ مَالِكٌ، كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَنَا (إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَخُذُوا بِهِ وَدَعُوا قَوْلِي) وَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ فَلِمَ لَا تَقُولُونَ بِهِ؟! وَيَلْزَمُ عَلَى مَذْهَبِكُمْ أَنَّ مَنْ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَلَطَمَهَا بِيَدِهِ تَأْدِيبًا لَهَا وَإِغْلَاظًا عَلَيْهَا أَنْ يَنْتَقِضَ وُضُوءُهُ، إِذِ الْمَقْصُودُ وجود

стр. 1898

الْفِعْلِ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ فِيمَا أَعْلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الْأَئِمَّةُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا. وَهَذَا يَرُدُّ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي أحد قوليه: لو لمس صغيرة لا لَانْتَقَضَ طُهْرُهُ تَمَسُّكًا بِلَفْظِ النِّسَاءِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ لَمْسَ الصَّغِيرَةِ كَلَمْسِ الْحَائِطِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لِأَجْلٍ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ اللَّذَّةَ، وَنَحْنُ اعْتَبَرْنَا اللَّذَّةَ فَحَيْثُ وُجِدَتْ وُجِدَ الْحُكْمُ، وَهُوَ وُجُوبُ الْوُضُوءِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ في اعتباره اليد خاصة، فلان اللَّمْسَ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ بِالْيَدِ، فَقَصَرَهُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ الرَّجُلُ رِجْلَيْهِ فِي ثِيَابِ امْرَأَتِهِ فَمَسَّ فرجها أو بطنها لا ينتقض بذلك وُضُوءُهُ. وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يُقَبِّلُ امْرَأَتَهُ: إِنْ جَاءَ يَسْأَلُنِي قُلْتُ يَتَوَضَّأُ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ لَمْ أَعِبْهُ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ بَاشَرَهَا أَوْ لَمَسَهَا. وَهَذَا يُخَرَّجُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) الْأَسْبَابُ الَّتِي لَا يَجِدُ الْمُسَافِرُ مَعَهَا الْمَاءَ هِيَ إِمَّا عَدَمُهُ جُمْلَةً أَوْ عَدَمُ بَعْضِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الرَّفِيقِ، أَوْ عَلَى «١» الرَّحْلِ بِسَبَبِ طَلَبِهِ، أَوْ يَخَافُ لُصُوصًا أَوْ سِبَاعًا، أَوْ فَوَاتَ الْوَقْتِ، أَوْ عَطَشًا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لِطَبِيخٍ يَطْبُخُهُ لِمَصْلَحَةِ بَدَنِهِ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى. وَيَتَرَتَّبُ عَدَمُهُ لِلْمَرِيضِ بِأَلَّا يَجِدَ مَنْ يُنَاوِلُهُ، أَوْ يَخَافَ مِنْ ضَرَرِهِ. وَيَتَرَتَّبُ أَيْضًا عَدَمُهُ لِلصَّحِيحِ الْحَاضِرِ بِالْغَلَاءِ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَصْنَافِ، أَوْ بِأَنْ يُسْجَنَ أَوْ يُرْبَطَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَشْتَرِي الرَّجُلُ الْمَاءَ بِمَالِهِ كُلِّهِ وَيَبْقَى عَدِيمًا، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَشْتَرِيهِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الْقِيمَةِ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَشْتَرِي قِيمَةَ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَالثَّلَاثِ وَنَحْوَ هَذَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀. وَقِيلَ لِأَشْهَبَ: أَتُشْتَرَى الْقِرْبَةُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ؟ فَقَالَ: مَا أَرَى ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ. وَقَالَ الشافعي بعدم الزيادة.

стр. 1899

الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ طَلَبُ الْمَاءِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ أَمْ لَا؟ فَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ نَصْرٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ فِي السَّفَرِ عَلَى غَلْوَتَيْنِ «١» مِنْ طَرِيقِهِ فَلَا يُعْدَلُ إِلَيْهِ. قَالَ إِسْحَاقُ: لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ إِلَّا فِي مَوْضِعِهِ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا بَعْدَ طَلَبِ الْمَاءِ. وَأَيْضًا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا بَدَلٌ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ مُبْدَلِهِ، فَلَا يُجْزِئُ فِعْلُهُ إِلَّا مَعَ تَيَقُّنِ عَدَمِ مُبْدَلِهِ، كَالصَّوْمِ مَعَ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ. التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ- وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَعُدِمَ الْمَاءُ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ الْيَأْسُ مِنْ وُجُودِهِ فِي الْوَقْتِ، أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُهُ وَيَقْوَى رَجَاؤُهُ لَهُ، أَوْ يَتَسَاوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: فَالْأَوَّلُ- يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّيَمُّمُ وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ: لِأَنَّهُ إِذَا فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُحْرِزَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ. الثَّانِي- يَتَيَمَّمُ وَسَطَ الْوَقْتِ، حَكَاهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ، فَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ رَجَاءَ إِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْمَاءِ مَا لَمْ تَفُتْهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ قَدْ تُدْرَكُ بِوَسَطِهِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ. الثَّالِثُ- يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إِلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْمَاءِ أَعْظَمُ مِنْ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِأَنَّ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَفَضِيلَةُ الْمَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَفَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ يَجُوزُ تَرْكُهَا دُونَ ضَرُورَةٍ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ فَضِيلَةِ الْمَاءِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَالْوَقْتُ فِي ذَلِكَ هُوَ آخِرُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، قَالَهُ ابن حبيب. ولو علم وجود الْمَاءَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَتَيَمَّمَ فِي أَوَّلِهِ وَصَلَّى فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُجْزِئُهُ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ خَاصَّةً. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بعد «٢» أعاد أبدا.

стр. 1900

الْمُوَفِّيَةُ ثَلَاثِينَ- وَالَّذِي يُرَاعَى مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ أَنْ يَجِدَ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ، فَإِنْ وَجَدَ أَقَلَّ مِنْ كِفَايَتِهِ تَيَمَّمَ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ مَا وَجَدَ مِنْهُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فَرْضَهُ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ، إِمَّا الْمَاءُ وَإِمَّا التُّرَابُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنِ «١» الْمَاءُ مُغْنِيًا عَنِ التَّيَمُّمِ كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ شَرْعًا، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ وُجُودِهِ الْكِفَايَةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: يَسْتَعْمِلُ مَا مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ وَيَتَيَمَّمُ، لِأَنَّهُ وَاجِدٌ مَاءً فَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ التَّيَمُّمِ، فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ وَفَقَدَ الْمَاءَ تَيَمَّمَ لِمَا لَمْ يَجِدْ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِيمَا إِذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ فَتَيَمَّمَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعِيدُ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَاءُ عِنْدَهُ فَهُوَ وَاجِدٌ وَإِنَّمَا فَرَّطَ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا يُعِيدُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْهُ فَلَمْ يَجِدْهُ. الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ- وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) فَقَالَ: هَذَا نَفْيٌ فِي نَكِرَةٍ، وَهُوَ يَعُمُّ لُغَةً، فَيَكُونُ مُفِيدًا جَوَازَ الْوُضُوءِ بالماء المتغير وغير المتغير، لإطلاق اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ. قُلْنَا: النَّفْيُ فِي النَّكِرَةِ يَعُمُّ كَمَا قُلْتُمْ، وَلَكِنْ فِي الْجِنْسِ، فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَاءٍ كَانَ مِنْ سَمَاءٍ أَوْ نَهَرٍ أَوْ عَيْنٍ عَذْبٍ أَوْ مِلْحٍ. فَأَمَّا غَيْرُ الْجِنْسِ وَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ، كَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَاءُ الْبَاقِلَاءِ وَلَا مَاءُ الْوَرْدِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْمِيَاهِ فِي (الْفُرْقَانِ «٢»)، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّانِيةُ وَالثَّلَاثُونَ- وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ وَالِاغْتِسَالَ لَا يَجُوزُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْرِبَةِ سِوَى النَّبِيذِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) يَرُدُّهُ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، لِأَنَّ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ بِصُحْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ. وَسَيَأْتِي فِي (الْفُرْقَانِ «٣») بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ- الْمَاءُ الَّذِي يُبِيحُ عَدَمُهُ التيمم هو الطاهر المطهر الباقي على أو صاف خِلْقَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَمَّا قَالَ تَعَالَى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا)

стр. 1901

فَإِنَّمَا أَبَاحَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ مَاءٍ، لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُنَكَّرٌ يَتَنَاوَلُ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ، سَوَاءً كَانَ مُخَالِطًا لِغَيْرِهِ أَوْ مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ. وَلَا يَمْتَنِعُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ فِي نَبِيذِ التَّمْرِ مَاءٌ، فَلَمَّا «١» كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَخْبَارٍ ضَعِيفَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي سُورَةِ (الْفُرْقَانِ)، وَهُنَاكَ يَأْتِي الْقَوْلُ فِي الْمَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَيَمَّمُوا) التَّيَمُّمُ مِمَّا خُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ تَوْسِعَةً عَلَيْهَا، قَالَ ﷺ : (فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُزُولِهِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ الْقِلَادَةِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَسْبَابِ الَّتِي تبيحه، والكلام ها هنا فِي مَعْنَاهُ لُغَةً وَشَرْعًا، وَفِي صِفَتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَمَا يُتَيَمَّمُ بِهِ وَلَهُ، وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَشُرُوطُ التَّيَمُّمِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ. فَالتَّيَمُّمُ لُغَةً هُوَ الْقَصْدُ. تَيَمَّمْتُ الشَّيْءَ قَصَدْتُهُ، وَتَيَمَّمْتُ الصَّعِيدَ تَعَمَّدْتُهُ، وَتَيَمَّمْتُهُ بِرُمْحِي وَسَهْمِي أَيْ قَصَدْتُهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ. وَأَنْشَدَ الْخَلِيلُ «٢»: يَمَّمْتُهُ الرُّمْحَ شَزْرًا «٣» ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ... هَذِي الْبَسَالَةُ «٤» لَا لَعْبُ الزَّحَالِيقِ «٥» قَالَ الْخَلِيلُ: مَنْ قَالَ [فِي هَذَا الْبَيْتِ «٦»] أَمَّمْتُهُ فَقَدْ أَخْطَأَ، لِأَنَّهُ قَالَ: (شَزْرًا) وَلَا يَكُونُ الشَّزْرُ إِلَّا مِنْ نَاحِيَةٍ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ أَمَامَهُ. وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: تَيَمَّمْتُهَا «٧» مِنْ أَذْرِعَاتٍ وَأَهْلِهَا ... بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرً عال

стр. 1902

وَقَالَ أَيْضًا: تَيَمَّمَتِ الْعَيْنُ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ ... يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي «١» آخَرُ: إِنِّي كَذَاكَ إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ ... يَمَّمْتُ «٢» بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا وَقَالَ أَعْشَى بَاهِلَةٍ: تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وَكَمْ دُونَهُ ... مِنَ الْأَرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ «٣» وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ: سَلِ الرَّبْعَ أَنَّى يَمَّمَتْ أُمُّ طَارِقِ ... وَهَلْ عَادَةٌ لِلرَّبْعِ أَنْ يَتَكَلَّمَا وَلِلشَّافِعِيِّ ﵁: عِلْمِي مَعِي حَيْثُمَا يَمَّمْتُ أَحْمِلُهُ ... بَطْنِي وِعَاءٌ لَهُ لَا بَطْنُ صُنْدُوقِ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) أَيِ اقْصِدُوا، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ حَتَّى صَارَ التَّيَمُّمُ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالتُّرَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي قَوْلِهِمْ: (قَدْ تَيَمَّمَ الرَّجُلُ) مَعْنَاهُ قَدْ مَسَحَ التُّرَابَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ التَّيَمُّمُ الشَّرْعِيُّ، إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ الْقُرْبَةُ. وَيَمَّمْتُ الْمَرِيضَ فَتَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ. وَرَجُلٌ مُيَمَّمٌ يَظْفَرُ بِكُلِّ مَا يَطْلُبُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ. وَأَنْشَدَ: إِنَّا وَجَدْنَا أَعْصُرَ بْنَ سَعْدِ ... مُيَمَّمَ الْبَيْتِ رَفِيعَ الْمَجْدِ وَقَالَ آخَرُ: أَزْهَرُ لَمْ يُولَدْ بنجم الشح ... ميمم البيت كريم السنح «٤»

стр. 1903

الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ- لَفْظُ التَّيَمُّمِ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي (الْبَقَرَةِ «١») وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ وَ (الْمَائِدَةِ «٢») وَالَّتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ هِيَ آيَةُ التَّيَمُّمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بكر ابن الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ مُعْضِلَةٌ مَا وَجَدْتُ لِدَائِهَا مِنْ دواء عند أحد، هُمَا آيَتَانِ فِيهِمَا ذِكْرُ التَّيَمُّمِ [إِحْدَاهُمَا «٣»] فِي (النِّسَاءِ) وَالْأُخْرَى فِي (الْمَائِدَةِ). فَلَا نَعْلَمُ أَيَّةَ آيَةٍ عَنَتْ عَائِشَةُ بِقَوْلِهَا: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ). ثُمَّ قَالَ: وَحَدِيثُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا وَلَا مَفْعُولًا لَهُمْ. قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُهُ: (فَلَا نَعْلَمُ أَيَّةَ آيَةٍ عَنَتْ عَائِشَةُ) فَهِيَ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: (وَحَدِيثُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يكن معلوما ولا مفعولا لهم) فصحيح وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَمْ يُفْتَرَضْ قَبْلَ الْوُضُوءِ، كَمَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُنْذُ افْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا بِوُضُوءٍ مِثْلِ وُضُوئِنَا الْيَوْمَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ إِنَّمَا نَزَلَتْ لِيَكُونَ فَرْضُهَا الْمُتَقَدِّمُ مَتْلُوًّا فِي التَّنْزِيلِ. وَفِي قَوْلِهِ: (فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ) وَلَمْ يَقُلْ آيَةَ الْوُضُوءِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِي طَرَأَ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لَا حُكْمَ الْوُضُوءِ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ. السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ- التَّيَمُّمُ يَلْزَمُ كُلَّ مُكَلَّفٍ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَدَخَلَ، وَقْتُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ أبو حنيفة وصاحبا وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ: يَجُوزُ قَبْلَهُ، لِأَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِشَرْطٍ قِيَاسًا عَلَى النَّافِلَةِ، فَلَمَّا جَازَ التَّيَمُّمُ لِلنَّافِلَةِ دُونَ طَلَبِ الْمَاءِ جَازَ أَيْضًا لِلْفَرِيضَةِ. وَاسْتَدَلُّوا مِنَ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ ﵇ لِأَبِي ذَرٍّ: (الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ). فَسَمَّى ﵇ الصَّعِيدَ وَضُوءًا كَمَا يُسَمَّى الْمَاءُ، فَحُكْمُهُ إِذًا حُكْمُ «٤» الْمَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) وَلَا يُقَالُ: لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ إِلَّا لِمَنْ طَلَبَ وَلَمْ يَجِدْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورَةٌ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ تَيَمَّمْتَ وَصَلَّيْتَ). وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عن علي وابن عمر وابن عباس.

стр. 1904

السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ- وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْجَنَابَةَ وَلَا الْحَدَثَ، وَأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لَهُمَا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ عَادَ جُنُبًا كَمَا كَانَ أَوْ مُحْدِثًا، لِقَوْلِهِ ﵇ لِأَبِي ذَرٍّ: (إِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ) إِلَّا شي رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْهُ قَالَ فِي الْجُنُبِ الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى غُسْلٍ وَلَا وُضُوءٍ حَتَّى يُحْدِثَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِيمَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيُعِيدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَقِلَّةُ رَوِيَّةٍ. وَلَمْ يَكُنْ أَبُو سَلَمَةَ عِنْدَهُمْ يَفْقَهُ كَفِقْهِ أَصْحَابِهِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ. الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ- وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تيمم على ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَعَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وقد كان اجتهد طَلَبِهِ الْمَاءَ وَلَمْ يَكُنْ فِي رَحْلِهِ أَنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ، لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ كَمَا أُمِرَ. فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تُوجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ. وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ إِذَا تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ. وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمَكْحُولٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ كُلُّهُمْ يَقُولُ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ. وَاسْتَحَبَّ الْأَوْزَاعِيُّ ذَلِكَ وَقَالَ: لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ بِالْوُضُوءِ وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: (أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ) وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: (لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: وَغَيْرُ [ابْنِ «١»] نَافِعٍ يَرْوِيهِ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بعد [في «٢»] الوقت.

стр. 1905

التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ دُخُولٍ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّلَاةِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ وَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يَسْتَقْبِلُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْمُزَنِيُّ: يَقْطَعُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ لِوُجُودِ الْمَاءِ. وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَمَّا بَطَلَ بِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ يَبْطُلُ مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَإِذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَ كُلُّهَا، لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ بِالشُّهُورِ لَا يَبْقَى عَلَيْهَا إِلَّا أَقَلُّهَا ثُمَّ تَحِيضُ أَنَّهَا تَسْتَقْبِلُ عِدَّتَهَا بِالْحَيْضِ. قَالُوا: وَالَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ قِيَاسًا وَنَظَرًا. وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ «١»). وَقَدِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى جَوَازِ الدُّخُولِ فِي. الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قطعها إذا روي الْمَاءُ، وَلَمْ تَثْبُتْ سُنَّةٌ بِقَطْعِهَا وَلَا إِجْمَاعٌ. وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ فَصَامَ مِنْهُ أَكْثَرَهُ ثُمَّ وَجَدَ رَقَبَةً لَا يُلْغِي صَوْمَهُ وَلَا يَعُودُ إِلَى الرَّقَبَةِ. وَكَذَلِكَ مَنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ لَا يَقْطَعُهَا وَلَا يَعُودُ إِلَى الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ. الْمُوَفِّيَةُ أَرْبَعِينَ- وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُصَلِّي بِهِ صَلَوَاتٍ أَمْ يَلْزَمُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ وَنَفْلٍ، فَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةِ نَافِلَةٍ وَفَرِيضَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَغِيَ الْمَاءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَمَنِ ابْتَغَى الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَدَاوُدُ: يُصَلِّي مَا شَاءَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ، لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ طَلَبُ الْمَاءِ إِذَا يَئِسَ مِنْهُ. وَمَا قُلْنَاهُ أَصَحُّ، لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إِلَى الصَّلَاةِ طَلَبَ الْمَاءِ، وَأَوْجَبَ عِنْدَ عَدَمِهِ التَّيَمُّمَ لِاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَهِيَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ نَاقِصَةٌ بِدَلِيلِ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بُطْلَانِهَا بِوُجُودِ الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ. وَقَدْ يَنْبَنِي هَذَا الْخِلَافُ أَيْضًا فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى لَا يُجَوِّزُونَهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) ظَهَرَ مِنْهُ تَعَلُّقُ أَجْزَاءِ التَّيَمُّمِ بِالْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَعَلَى هَذَا لَا يُصَلِّي فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا بَيِّنٌ. وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَنْ صَلَّى صَلَاتَيْ فرض

стр. 1906

بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، فَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُعِيدُ الثَّانِيةَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ. وَرَوَى أَبُو زَيْدِ بْنُ أَبِي الْغَمْرِ عَنْهُ: يُعِيدُ أَبَدًا. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ يُعِيدُ الثَّانِيةَ أَبَدًا. وَهَذَا الَّذِي يُنَاظِرُ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا، لِأَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ شَرْطٌ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّ ابْنَ نَافِعٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِيمَنْ ذَكَرَ صَلَوَاتٍ: إِنْ قَضَاهُنَّ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فلا شي عَلَيْهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ. وَهَذَا عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (صَعِيداً طَيِّباً) الصَّعِيدُ: وَجْهُ الْأَرْضِ كَانَ عَلَيْهِ تُرَابٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَهُ الْخَلِيلُ وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَالزَّجَّاجُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ مَا عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً «١») أَيْ أَرْضًا غَلِيظَةً لَا تُنْبِتُ شَيْئًا. وَقَالَ تَعَالَى (فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً «٢»). وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: كَأَنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ ... دَبَّابَةٌ فِي عِظَامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ «٣» وَإِنَّمَا سُمِّيَ صَعِيدًا لِأَنَّهُ نِهَايَةُ مَا يُصْعَدُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ. وَجَمْعُ الصَّعِيدِ صُعُدَاتٌ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الصُّعُدَاتِ «٤»). وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ «٥» فِيهِ مِنْ أَجْلِ تَقْيِيدِهِ بِالطَّيِّبِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَتَيَمَّمُ بِوَجْهِ الْأَرْضِ كُلِّهِ تُرَابًا كَانَ أَوْ رَمْلًا أَوْ حِجَارَةً أَوْ مَعْدِنًا أَوْ سَبْخَةً. هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وأبي حنيفة والثوري والطبري. و (طَيِّباً) مَعْنَاهُ طَاهِرًا. وَقَالَتْ فُرْقَةٌ: (طَيِّباً) حَلَالًا، وَهَذَا قَلِقٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ: الصَّعِيدُ التُّرَابُ الْمُنْبِتُ وَهُوَ الطَّيِّبُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ «٦») فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَهُمْ عَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقَعُ الصَّعِيدُ إِلَّا عَلَى تُرَابٍ ذِي غُبَارٍ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُّ الصَّعِيدِ أَطْيَبُ؟ فَقَالَ: الْحَرْثُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَفِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّعِيدَ يَكُونُ غَيْرَ أَرْضِ الْحَرْثِ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: هو التراب

стр. 1907

خَاصَّةً. وَفِي كِتَابِ الْخَلِيلِ: تَيَمَّمْ بِالصَّعِيدِ، أَيْ خُذْ مِنْ غُبَارِهِ، حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ. وَهُوَ يَقْتَضِي التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ فَإِنَّ الْحَجَرَ الصَّلْدَ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَعْلَقَ التُّرَابُ بِالْيَدِ وَيَتَيَمَّمَ بِهِ نَقْلًا إِلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، كَالْمَاءِ يُنْقَلُ إِلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ. قَالَ الْكِيَا: وَلَا شَكَّ أَنَّ لَفْظَ الصعيد ليس نصا فيما قال الشَّافِعِيُّ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا) بَيَّنَ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِقَوْلِهِ ﵇: (وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا) وَقَالُوا: هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ النَّصِّ عَلَى بَعْضِ أَشْخَاصِ الْعُمُومِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ «١») وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي (الْبَقَرَةِ) عِنْدَ قَوْلِهِ (وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ «٢»). وَقَدْ حَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِوَجْهِ الْأَرْضِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ كَمَا بَيَّنَّا، وَلَيْسَ بَعْدَ بَيَانِ اللَّهِ بَيَانٌ. وَقَالَ ﷺ لِلْجُنُبِ: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) وَسَيَأْتِي. فَ (صَعِيداً) عَلَى هَذَا ظَرْفُ مَكَانٍ. وَمَنْ جَعَلَهُ لِلتُّرَابِ فَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الْبَاءِ أَيْ بصعيد. و (طَيِّباً) نَعْتٌ لَهُ. وَمَنْ جَعَلَ (طَيِّباً) بِمَعْنَى حَلَالًا نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ أَوِ الْمَصْدَرِ. الثَّانِيةُ وَالْأَرْبَعُونَ- وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ مَكَانَ الْإِجْمَاعِ مِمَّا «٣» ذَكَرْنَاهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ الرَّجُلُ عَلَى تُرَابٍ مُنْبِتٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مَنْقُولٍ وَلَا مَغْصُوبٍ. وَمَكَانُ الْإِجْمَاعِ فِي الْمَنْعِ أَنْ يَتَيَمَّمَ الرَّجُلُ عَلَى الذَّهَبِ الصِّرْفِ وَالْفِضَّةِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْأَطْعِمَةِ كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا، أَوْ عَلَى النَّجَاسَاتِ. وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ هَذَا كَالْمَعَادِنِ، فَأُجِيزَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ. وَمُنِعَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ التَّيَمُّمُ عَلَى الْحَشِيشِ إِذَا كَانَ دُونَ الْأَرْضِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الثَّلْجِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَبْسُوطِ جَوَازُهُ، وَفِي غَيْرِهِمَا مَنْعُهُ. وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الْعُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ. وفي مختصر الوقار «٤» أنه جائز.

стр. 1908

وَقِيلَ: بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا أَوْ مُتَّصِلًا فَأُجِيزَ عَلَى الْمُتَّصِلِ وَمُنِعَ فِي الْمُنْفَصِلِ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى شَجَرَةٍ ثُمَّ مَسَحَ بِهَا أَجْزَأَهُ. قَالَ: وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ بِالْأَرْضِ وَكُلِّ مَا عَلَيْهَا مِنَ الشَّجَرِ وَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى قَالَا: لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْجَمَدِ وَالثَّلْجِ «١» أَجْزَأَهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَأَمَّا التُّرَابُ الْمَنْقُولُ مِنْ طِينٍ أَوْ غَيْرِهِ فَجُمْهُورُ الْمَذْهَبِ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهِ، وَفِي الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ وَهُوَ فِي غَيْرِ الْمَذْهَبِ أَكْثَرُ، وَأَمَّا مَا طُبِخَ كَالْجَصِّ وَالْآجُرِّ فَفِيهِ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ: الْإِجَازَةُ وَالْمَنْعُ، وَفِي التَّيَمُّمِ عَلَى الْجِدَارِ خِلَافٌ. قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ لِحَدِيثِ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِغَيْرِ التُّرَابِ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ. وَيَرُدُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي أَنَّ الْمَمْسُوحَ بِهِ تُرَابٌ طَاهِرٌ ذُو غُبَارٍ يَعْلَقُ بِالْيَدِ. وَذَكَرَ النَّقَّاشُ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَابْنِ كَيْسَانَ أَنَّهُمَا أَجَازَا التَّيَمُّمَ بِالْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا خَطَأٌ بَحْتٌ مِنْ جِهَاتٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِجَازَةِ التَّيَمُّمِ بِالسِّبَاخِ إِلَّا إسحاق ابن رَاهَوَيْهِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ أَدْرَكَهُ التَّيَمُّمُ وَهُوَ فِي طِينٍ قَالَ يَأْخُذُ مِنَ الطِّينِ فَيَطْلِي بِهِ بَعْضَ جَسَدِهِ، فَإِذَا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِغُبَارِ اللِّبَدِ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّيَمُّمَ بِالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ وَالنُّورَةِ وَالْجَصِّ وَالْجَوْهَرِ الْمَسْحُوقِ. قَالَ: فَإِذَا تَيَمَّمَ بِسِحَالَةِ «٢» الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالصُّفْرِ «٣» وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ لَمْ يُجْزِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ. الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) الْمَسْحُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ، يُقَالُ: مَسَحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إِذَا جَامَعَهَا. والمسح: مسح الشيء بالسيف

стр. 1909

وَقَطْعُهُ بِهِ. وَمَسَحَتِ الْإِبِلُ يَوْمَهَا إِذَا سَارَتْ. والمسحاء المرأة الرسحاء التي لا إست لها. وَبِفُلَانٍ مَسْحَةٌ مِنْ جَمَالٍ. وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْمَسْحِ عبارة عن جراليد عَلَى الْمَمْسُوحِ خَاصَّةً، فَإِنْ كَانَ بِآلَةٍ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نَقْلِ الْآلَةِ إِلَى الْيَدِ وَجَرِّهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ «١»). فَقَوْلُهُ (مِنْهُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ التُّرَابِ إِلَى مَحِلِّ التَّيَمُّمِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَا نَشْتَرِطُهُ نَحْنُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَرَفَعَهُمَا نَفَخَ فِيهِمَا، وَفِي رِوَايَةٍ: نَفَضَ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْآلَةِ، يُوَضِّحُهُ تَيَمُّمُهُ عَلَى الْجِدَارِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِالْمَاءِ مِنْ بَلَلٍ يُنْقَلُ إِلَى الرَّأْسِ، فَكَذَلِكَ الْمَسْحُ بِالتُّرَابِ لَا بُدَّ مِنَ النَّقْلِ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ حُكْمَ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ الِاسْتِيعَابُ وَتَتَبُّعُ مَوَاضِعِهِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ أَلَّا يُتَتَبَّعَ كَالْغُضُونِ فِي الْخُفَّيْنِ وَمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ فِي الرَّأْسِ، وَهُوَ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، حَكَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقَالَ اللَّهُ : (بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فَبَدَأَ بِالْوَجْهِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ. وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ فِي (بَابِ التَّيَمُّمِ ضَرْبَةً) ذَكَرَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ. وَقَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قِيَاسًا عَلَى تَنْكِيسِ الْوُضُوءِ. الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْنَ يَبْلُغُ بِالتَّيَمُّمِ فِي الْيَدَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إِلَى الْمَنَاكِبِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَفِي مُصَنَّفِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ الْأَعْمَشِ أن رسول الله ﷺ مَسَحَ إِلَى أَنْصَافِ ذِرَاعَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا حَفِظْتُ. وَقِيلَ: يَبْلُغُ بِهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَاللَّيْثِ كُلُّهُمْ يَرَوْنَ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ فَرْضًا وَاجِبًا. وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ نَافِعٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي. قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: مَنْ تَيَمَّمَ إِلَى الْكُوعَيْنِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ. وَرَوَى التَّيَمُّمَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَابِرُ بْنُ عبد الله وابن عمر

стр. 1910

وَبِهِ كَانَ يَقُولُ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: سُئِلَ قَتَادَةُ عَنِ التَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ. وَكَانَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يَقُولَانِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ). قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: فَذَكَرْتُهُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَعَجِبَ مِنْهُ وَقَالَ مَا أَحْسَنَهُ!. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَبْلُغُ بِهِ إِلَى الْكُوعَيْنِ وَهُمَا الرُّسْغَانِ. رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ فِي رِوَايَةٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالطَّبَرِيُّ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. وَقَالَ مَكْحُولٌ: اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ فَتَذَاكَرْنَا التَّيَمُّمَ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الْمَسْحُ إِلَى الْآبَاطِ. فَقُلْتُ: عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فَهِيَ يَدٌ كُلُّهَا. قُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما «١») فَمِنْ أَيْنَ تُقْطَعُ الْيَدُ؟ قَالَ: فَخَصَمْتُهُ. وَحُكِيَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ «٢» أَنَّ الْكُوعَيْنِ فَرْضٌ وَالْآبَاطُ فَضِيلَةٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذَا قَوْلٌ لَا يُعَضِّدُهُ قِيَاسٌ وَلَا دَلِيلٌ، وَإِنَّمَا عَمَّمَ قَوْمٌ لَفْظَ الْيَدِ فَأَوْجَبُوهُ مِنَ الْمَنْكِبِ: وَقَاسَ قَوْمٌ عَلَى الْوُضُوءِ فَأَوْجَبُوهُ مِنَ الْمَرَافِقِ وَهَاهُنَا جُمْهُورُ الْأُمَّةِ، وَوَقَفَ قَوْمٌ مَعَ الْحَدِيثِ فِي الْكُوعَيْنِ، وَقِيسَ أَيْضًا عَلَى الْقَطْعِ إِذْ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَتَطْهِيرٌ كَمَا هَذَا تَطْهِيرٌ، وَوَقَفَ قَوْمٌ مَعَ حَدِيثِ عَمَّارٍ فِي الْكَفَّيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا هَلْ يَكْفِي فِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِضَرْبَتَيْنِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمْ، وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَابْنِ أَبِي سَلَمَةَ. وَرَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْجَهْمِ: التَّيَمُّمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ فِي رِوَايَةٍ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ. وَهُوَ أَثْبَتُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ. قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إِنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يُعِيدُ أَبَدًا. قَالَ أَبُو عُمَرَ وقال ابن

стр. 1911

أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: ضَرْبَتَانِ، يَمْسَحُ بِكُلِّ ضَرْبَةٍ مِنْهُمَا وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ. وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرُهُمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَمَّا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ وَتَعَارَضَتْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ الرُّجُوعَ إِلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ، وَلِلْيَدَيْنِ أُخْرَى إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ وَاتِّبَاعًا لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَا يُدْفَعُ عِلْمُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ. وَلَوْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذلك شي وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً) أَيْ لَمْ يَزَلْ كَائِنًا يَقْبَلُ الْعَفْوَ وَهُوَ السَّهْلُ، وَيَغْفِرُ الذنب أي يستر عقوبته فلا «١» يعاقب. [سورة النساء (٤): الآيات ٤٤ الى ٥٣] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣)

стр. 1912

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) الْآيَةَ «١». نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَمَا وَالَاهَا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، إِذَا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَوَى لِسَانَهُ وَقَالَ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ «٢» يَا مُحَمَّدُ حَتَّى نُفْهِمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَابَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) إِلَى قَوْلِهِ (قَلِيلًا). وَمَعْنَى (يَشْتَرُونَ) يَسْتَبْدِلُونَ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى «٣») قَالَهُ الْقُتَبِيُّ وَغَيْرُهُ. (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى تَضِلُّوا طَرِيقَ الْحَقِّ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (تُضَلُّوا) بِفَتْحِ الضَّادِ أَيْ عَنِ السَّبِيلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ) يُرِيدُ مِنْكُمْ، فَلَا تَسْتَصْحِبُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاؤُكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (أَعْلَمُ) بِمَعْنَى عَلِيمٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ «٤») أَيْ هَيِّنٌ. (وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا) الْبَاءُ زَائِدَةٌ، زِيدَتْ لِأَنَّ الْمَعْنَى اكْتَفُوا بِاللَّهِ فهو يكفيكم أعداءكم. و (وَلِيًّا) و (نَصِيراً) نَصْبٌ عَلَى الْبَيَانِ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى الْحَالِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الَّذِينَ هادُوا) قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنْ جُعِلَتْ (مِنَ) مُتَعَلِّقَةً بِمَا قَبْلُ فَلَا يُوقَفُ عَلَى قَوْلِهِ (نَصِيراً)، وَإِنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً فيجوز الوقف على (نَصِيراً) والتقدير

стр. 1913

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ، ثُمَّ حُذِفَ. وَهَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وَأَنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ: لَوْ قُلْتُ مَا فِي قَوْمِهَا لَمْ تِيثَمِ «١» ... يَفْضُلُهَا في حسب ومبسم قَالُوا: الْمَعْنَى لَوْ قُلْتُ مَا فِي قَوْمِهَا أَحَدٌ يَفْضُلُهَا، ثُمَّ حُذِفَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْمَحْذُوفُ (مَنْ) الْمَعْنَى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا مَنْ يُحَرِّفُونَ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ «٢») أَيْ مَنْ لَهُ. وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ: فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ «٣» لَهُ ... وَآخَرُ يُذْرِي «٤» عَبْرَةَ الْعَيْنِ بِالْهَمْلِ يُرِيدُ وَمِنْهُمْ مَنْ دَمْعُهُ، فَحَذَفَ الْمَوْصُولَ. وَأَنْكَرَهُ الْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ، لِأَنَّ حَذْفَ الْمَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الْكَلِمَةِ. وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (الْكَلَامَ). قَالَ النَّحَّاسُ: وَ (الْكَلِمَ) فِي هَذَا أَوْلَى، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُحَرِّفُونَ كَلِمَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ مَا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَيْسَ يُحَرِّفُونَ جَمِيعَ الْكَلَامِ، وَمَعْنَى (يُحَرِّفُونَ) يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. وَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يفعلونه متعمدين. وقيل: (عَنْ مَواضِعِهِ) يَعْنِي صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ . (وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا) أَيْ سَمِعْنَا قَوْلَكَ وَعَصَيْنَا أَمْرَكَ. (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) قَالَ ابن عباس: كانوا يقولون النبي ﷺ : اسْمَعْ لَا سَمِعْتَ، هَذَا مُرَادُهُمْ- لَعَنَهُمُ اللَّهُ- وَهُمْ يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا وَلَا أَذًى. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ غَيْرَ مُسْمَعٍ مِنْكَ، أَيْ مَقْبُولٍ وَلَا مُجَابٍ إِلَى مَا تَقُولُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ غَيْرَ مسموع منك. وتقدم القول في (راعِنا) ٤. وَمَعْنَى (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) أَيْ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ عَنِ الْحَقِّ أَيْ يُمِيلُونَهَا إِلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ. واصل اللي القتل، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ. وَأَصْلُهُ لَوْيًا ثُمَّ أُدْغِمَتِ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ. (وَطَعْناً) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ أَيْ يطعنون في الذين، أَيْ يَقُولُونَ لِأَصْحَابِهِمْ لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَدَرَى أَنَّنَا نَسُبُّهُ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَكَانَ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ هذا القول. ومعنى (أَقْوَمَ) أصوب لهم

стр. 1914

فِي الرَّأْيِ (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) أَيْ إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا لَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ اسْمَ الْإِيمَانِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّهُ قَدْ أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُؤَسَاءً مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا الْأَعْوَرُ وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ فَقَالَ لَهُمْ: (يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فو الله إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ الْحَقُّ) قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ. وَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا وَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً) إِلَى آخِرِ الآية. (مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ) نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ. (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً) الطَّمْسُ اسْتِئْصَالُ أَثَرِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ «١»). وَنَطْمِسُ وَنَطْمُسُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لُغَتَانِ. وَيُقَالُ فِي الْكَلَامِ: طَسَمَ يَطْسِمُ وَيَطْسُمُ بِمَعْنَى طَمَسَ، يُقَالُ: طَمَسَ الْأَثَرَ وَطَسَمَ أَيِ امَّحَى، كُلُّهُ لُغَاتٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ «٢») أَيْ أَهْلِكْهَا، عَنِ ابْنِ عَرَفَةَ. وَيُقَالُ: طَمَسْتُهُ فَطَمَسَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ. وَطَمَسَ اللَّهُ بَصَرَهُ، وَهُوَ مَطْمُوسُ الْبَصَرِ إِذَا ذَهَبَ أَثَرُ الْعَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ «٣») يَقُولُ أَعْمَيْنَاهُمْ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فَيُجْعَلُ الْوَجْهُ كَالْقَفَا فَيَذْهَبُ بِالْأَنْفِ وَالْفَمِ والحاجب والعين. أو ذلك عبارة عن الضلالة فِي قُلُوبِهِمْ وَسَلْبِهِمُ التَّوْفِيقَ؟ قَوْلَانِ. رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ) مِنْ قَبْلِ أَنْ نُضِلَّكُمْ إِضْلَالًا لَا تَهْتَدُونَ بَعْدَهُ. يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ تَمْثِيلٌ وَأَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَعَلَ هَذَا بِهِمْ عُقُوبَةً. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَجْعَلَ الْوُجُوهَ أَقْفَاءً. أَيْ يَذْهَبُ بِالْأَنْفِ وَالشِّفَاهِ وَالْأَعْيُنِ وَالْحَوَاجِبِ، هَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ: أَنَّ الطَّمْسَ أَنْ تُزَالَ الْعَيْنَانِ خَاصَّةً وَتُرَدَّ فِي الْقَفَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا عَلَى الدُّبُرِ وَيَمْشِي القهقرى. وقال مالك

стр. 1915

رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ أَوَّلَ إِسْلَامِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا) فَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى وَجْهِهِ وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى إِلَى بَيْتِهِ فَأَسْلَمَ مَكَانُهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ خِفْتُ أَلَّا أَبْلُغَ بَيْتِي حَتَّى يُطْمَسَ وَجْهِي. وَكَذَلِكَ فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَسَمِعَهَا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ وَأَسْلَمَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتُ أَدْرَى أَنْ أَصِلَ إِلَيْكَ حَتَّى يُحَوَّلَ وَجْهِي فِي قَفَايَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَازَ أَنْ يُهَدِّدَهُمْ بِطَمْسِ الْوُجُوهِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا [ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا «١»] وَلَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا آمَنَ هَؤُلَاءِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ رُفِعَ الْوَعِيدُ عَنِ الْبَاقِينَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الْوَعِيدُ بَاقٍ مُنْتَظَرٌ. وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ طَمْسٍ فِي الْيَهُودِ وَمَسْخٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) أَيْ أَصْحَابَ الْوُجُوهِ (كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ) أَيْ نَمْسَخَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ. وَقِيلَ: هُوَ خُرُوجٌ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ. (وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) أَيْ كَائِنًا مَوْجُودًا. وَيُرَادُ بِالْأَمْرِ الْمَأْمُورِ فَهُوَ مَصْدَرٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الْمَفْعُولِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَتَى أَرَادَهُ أَوْجَدَهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ أَخْبَرَ بِكَوْنِهِ فَهُوَ كَائِنٌ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً «٢») فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالشِّرْكُ! فَنَزَلَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ). وَهَذَا مِنَ الْمُحْكَمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ. (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي قَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: قَدْ أَبَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ كُلَّ صَاحِبِ كَبِيرَةٍ فَفِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ذَنْبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ تَكُنْ كَبِيرَتُهُ شِرْكًا بِاللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ «٣») فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَشَاءُ أَنْ يَغْفِرَ الصَّغَائِرَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَلَا يَغْفِرُهَا لِمَنْ أَتَى الْكَبَائِرَ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِلَّتِي فِي آخِرِ (الْفُرْقَانِ «٤»). قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ (النِّسَاءِ) بَعْدَ (الْفُرْقَانِ) بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا نَسْخَ، لِأَنَّ النسخ في الاخبار

стр. 1916

يَسْتَحِيلُ. وَسَيَأْتِي [بَيَانُ «١»] الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي (الْفُرْقَانِ «٢») إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) هَذَا اللَّفْظُ عَامٌّ فِي ظَاهِرِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَأَوِّلِينَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ الْيَهُودُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي زَكُّوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، فَقَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: (نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، وَقَوْلُهُمْ: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى) وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: قَوْلُهُمْ لَا ذُنُوبَ لَنَا وَمَا فَعَلْنَاهُ نَهَارًا غُفِرَ لَنَا لَيْلًا وَمَا فَعَلْنَاهُ لَيْلًا غُفِرَ لَنَا نَهَارًا، وَنَحْنُ كَالْأَطْفَالِ فِي عَدَمِ الذُّنُوبِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو مَالِكٍ وَعِكْرِمَةُ: تَقْدِيمُهُمُ الصِّغَارَ لِلصَّلَاةِ، لِأَنَّهُمْ لَا ذُنُوبَ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا يَبْعُدُ مِنْ مَقْصِدِ الْآيَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ آبَاؤُنَا الَّذِينَ مَاتُوا يَشْفَعُونَ لَنَا ويزكوننا. وقال عبد الله ابن مَسْعُودٍ: ذَلِكَ ثَنَاءُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ، فَإِنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَالتَّزْكِيَةُ: التَّطْهِيرُ وَالتَّبْرِيَةُ «٣» مِنَ الذُّنُوبِ. الثَّانِيةُ: هَذِهِ الْآيَةُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ «٤») يَقْتَضِي الْغَضَّ مِنَ الْمُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسَانِهِ، وَالْإِعْلَامَ بِأَنَّ الزَّاكِيَ الْمُزَكَّى مَنْ حَسُنَتْ أَفْعَالُهُ وَزَكَّاهُ اللَّهُ فَلَا عِبْرَةَ بِتَزْكِيَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِتَزْكِيَةِ اللَّهِ لَهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ، وَسَمَّيْتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ) فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ فَقَالَ: (سَمُّوهَا زَيْنَبَ). فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَزْكِيَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مَا قَدْ كَثُرَ فِي هَذِهِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ نَعْتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالنُّعُوتِ الَّتِي تقتضي التزكية، كزكي الدين ومحي الدِّينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمَّا كَثُرَتْ قَبَائِحُ الْمُسَمَّيْنَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ ظَهَرَ تَخَلُّفُ هَذِهِ النُّعُوتِ عَنْ أَصْلِهَا «٥» فَصَارَتْ لَا تُفِيدُ شَيْئًا.

стр. 1917

الثَّالِثَةُ- فَأَمَّا تَزْكِيَةُ الْغَيْرِ وَمَدْحُهُ لَهُ، فَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ- يَقُولُهُ مِرَارًا- إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسَبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا) فَنَهَى ﷺ أَنْ يُفْرَطَ فِي مَدْحِ الرَّجُلِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَيَدْخُلُهُ فِي ذَلِكَ الْإِعْجَابُ وَالْكِبْرُ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَيَحْمِلُهُ، ذَلِكَ عَلَى تَضْيِيعِ الْعَمَلِ وَتَرْكِ الِازْدِيَادِ مِنَ الْفَضْلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ : (وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ). وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ (قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ) حِينَ وَصَفُوهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ. وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَهُ ﷺ : (احْثُوَا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ) إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَدَّاحُونَ فِي وُجُوهِهِمْ بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، حَتَّى يَجْعَلُوا ذَلِكَ بِضَاعَةً يَسْتَأْكِلُونَ بِهِ الْمَمْدُوحَ وَيَفْتِنُونَهُ، فَأَمَّا مَدْحُ الرَّجُلِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْفِعْلِ الْحَسَنِ وَالْأَمْرِ الْمَحْمُودِ لِيَكُونَ مِنْهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي أَمْثَالِهِ وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَشْبَاهِهِ فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَارَ مَادِحًا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ جَمِيلِ الْقَوْلِ فِيهِ. وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى النِّيَّاتِ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ). وَقَدْ مُدِحَ ﷺ فِي الشِّعْرِ وَالْخُطَبِ وَالْمُخَاطَبَةِ وَلَمْ يَحْثُ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ، وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ. كَقَوْلِ أَبِي طَالِبٍ: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثُمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَكَمَدْحِ الْعَبَّاسِ وَحَسَّانَ لَهُ فِي شِعْرِهِمَا، وَمَدَحَهُ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَمَدَحَ هُوَ أَيْضًا أَصْحَابَهُ فَقَالَ: (إِنَّكُمْ لَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ وَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الْفَزَعِ). وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مَرْيَمَ وَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) فَمَعْنَاهُ لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ مِنَ الصِّفَاتِ تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي، كَمَا وَصَفَتِ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ امْرَأً فَوْقَ حَدِّهِ وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَمُعْتَدٍ آثِمٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ فِي أَحَدٍ لَكَانَ أَوْلَى الْخَلْقِ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

стр. 1918

قوله تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) الضَّمِيرُ فِي (يُظْلَمُونَ) عَائِدٌ عَلَى الْمَذْكُورِينَ مِمَّنْ زَكَّى نَفْسَهُ وَمِمَّنْ يُزَكِّيهِ اللَّهُ . وَغَيْرُ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَظْلِمُهُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَالْفَتِيلُ الْخَيْطُ الَّذِي فِي شِقِّ نَوَاةِ التَّمْرَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: الْقِشْرَةُ الَّتِي حَوْلَ النَّوَاةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبُسْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَأَبُو مَالِكٍ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ مَا يَخْرُجُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ أَوْ كَفَّيْكَ مِنَ الْوَسَخِ إِذَا فَتَلْتَهُمَا، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى كِنَايَةٍ عَنْ تَحْقِيرِ الشَّيْءِ وَتَصْغِيرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُهُ شَيْئًا. وَمِثْلُ هَذَا فِي التَّحْقِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً «١») وَهُوَ النُّكْتَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ، وَمِنْهُ تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، وَسَيَأْتِي. قَالَ الشَّاعِرُ يَذُمُّ بَعْضَ الْمُلُوكِ: تَجْمَعُ الْجَيْشَ ذَا الْأُلُوفِ وَتَغْزُو ... ثُمَّ لَا تَرْزَأُ الْعَدُوَّ فتيلا ثُمَّ عَجِبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) فِي قَوْلِهِمْ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. وَقِيلَ: تَزْكِيَتُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ لَنَا ذُنُوبٌ إِلَّا كَذُنُوبِ أَبْنَائِنَا يَوْمَ تُولَدُ. وَالِافْتِرَاءُ الِاخْتِلَاقُ، وَمِنْهُ افَتَرَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ أَيْ رَمَاهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ. وَفَرَيْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ. (وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً) نُصِبَ عَلَى الْبَيَانِ. وَالْمَعْنَى تَعْظِيمُ الذَّنْبِ وَذَمُّهُ. الْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) يَعْنِي الْيَهُودَ (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: الْجِبْتُ السَّاحِرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَالطَّاغُوتُ الْكَاهِنُ. وَقَالَ الْفَارُوقُ عُمَرُ ﵁: الْجِبْتُ السِّحْرُ وَالطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ. ابْنُ مَسْعُودٍ: الجبت والطاغوت هاهنا كعب ابن الْأَشْرَفِ وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ. عِكْرِمَةُ: الْجِبْتُ حُيَيُّ بن أخطب والطاغوت كعب ابن الْأَشْرَفِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ). قَتَادَةُ: الْجِبْتُ الشَّيْطَانُ وَالطَّاغُوتُ الْكَاهِنُ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: الطَّاغُوتُ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْجِبْتَ الشَّيْطَانُ، ذَكَرَهُ النحاس. وقيل: هما «٢» كل

стр. 1919

مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَوْ مُطَاعٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَهَذَا حَسَنٌ. وَأَصْلُ الْجِبْتِ الْجِبْسُ وَهُوَ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ مِنَ السِّينِ، قَالَهُ قُطْرُبُ. وَقِيلَ: الْجِبْتُ إِبْلِيسُ وَالطَّاغُوتُ أَوْلِيَاؤُهُ. وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَسَنٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ «١») وَقَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها «٢»). وَرَوَى قَطَنُ «٣» بْنُ الْمُخَارِقِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الطَّرْقُ وَالطِّيَرَةُ وَالْعِيَافَةُ مِنَ الْجِبْتِ). الطَّرْقُ الزَّجْرُ، وَالْعِيَافَةُ الْخَطُّ «٤»، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ. وَقِيلَ: الْجِبْتُ كُلُّ مَا حرم الله، والطاغوت كُلُّ مَا يُطْغِي الْإِنْسَانَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أَيْ يَقُولُ الْيَهُودُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ أَنْتُمْ أَهْدَى سَبِيلًا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ. وَذَلِكَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ خَرَجَ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مِنْ الْيَهُودِ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ لِيُحَالِفُوا قُرَيْشًا عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَزَلَ كَعْبٌ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ، وَنَزَلَتِ الْيَهُودُ فِي دُورِ قُرَيْشٍ فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا لَيَجْتَمِعُنَّ عَلَى قِتَالِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّكَ امْرُؤٌ تَقْرَأُ الْكِتَابَ وَتَعْلَمُ، وَنَحْنُ أُمِّيُّونَ لَا نَعْلَمُ، فَأَيُّنَا أَهْدَى سَبِيلًا وَأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ نَحْنُ أَمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ أَهْدَى سَبِيلًا مِمَّا عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) أَيْ أَلَهُمْ؟ وَالْمِيمُ صِلَةٌ. (نَصِيبٌ) حَظٌّ (مِنَ الْمُلْكِ) وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ، يَعْنِي لَيْسَ لَهُمْ من الملك شي، ولو كان لهم منه شي لَمْ يُعْطُوا أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا لِبُخْلِهِمْ وَحَسَدِهِمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى بَلْ أَلَهُمْ نَصِيبٌ، فَتَكُونُ أَمْ مُنْقَطِعَةٌ وَمَعْنَاهَا الْإِضْرَابُ عَنِ الْأَوَّلِ وَالِاسْتِئْنَافُ لِلثَّانِي. وَقِيلَ: هِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، لِأَنَّهُمْ أَنِفُوا مِنَ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَالتَّقْدِيرُ: أَهُمْ أَوْلَى بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ أَرْسَلْتُهُ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ؟. (فَإِذاً لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) أَيْ يَمْنَعُونَ الْحُقُوقَ. خَبَّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْهُمْ. وَالنَّقِيرُ: النُّكْتَةُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وقتادة وغيرهما. وعن ابن عباس أيضا:

стр. 1920

النَّقِيرُ: مَا نَقَرَ الرَّجُلُ بِأُصْبُعِهِ كَمَا يَنْقُرُ الْأَرْضَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ النَّقِيرِ فَوَضَعَ طَرَفَ الْإِبْهَامِ عَلَى بَاطِنِ السَّبَّابَةِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا وَقَالَ: هَذَا النَّقِيرُ. وَالنَّقِيرُ: أَصْلُ خَشَبَةٍ يُنْقَرُ وَيُنْبَذُ فِيهِ، وَفِيهِ جَاءَ النَّهْيُ ثُمَّ نُسِخَ. وَفُلَانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ أَيِ الْأَصْلِ. وَ (إِذًا) هُنَا مُلْغَاةٌ غَيْرُ عَامِلَةٍ لِدُخُولِ فَاءِ الْعَطْفِ عَلَيْهَا، وَلَوْ نُصِبَ لَجَازَ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: (إِذًا) فِي عَوَامِلِ الْأَفْعَالِ بِمَنْزِلَةِ (أَظُنُّ) فِي عَوَامِلِ الْأَسْمَاءِ، أَيْ تُلْغَى إِذَا لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَكَانَ الَّذِي بَعْدَهَا مُسْتَقْبَلًا نَصَبَتْ، كَقَوْلِكَ: [أَنَا «١» [أَزُورُكَ، فَيَقُولُ مُجِيبًا لَكَ: إِذًا أُكْرِمَكَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَنَمَةَ الضبي: اردد حمارك لا يرتع بروضتنا ... إذن يُرَدَّ وَقَيْدُ الْعَيْرِ مَكْرُوبُ «٢» نَصَبَ لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَ (إِذَنْ) تَامٌّ فَوَقَعَتِ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ. فَإِنْ وَقَعَتْ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ إِذًا يَزُورُكَ أُلْغِيَتْ، فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهَا فَاءُ الْعَطْفِ أَوْ وَاوُ الْعَطْفِ فَيَجُوزُ فِيهَا الْإِعْمَالُ وَالْإِلْغَاءُ، أَمَّا الْإِعْمَالُ فَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْوَاوِ يُسْتَأْنَفُ عَلَى طَرِيقِ عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ فَإِذًا لَا يُؤْتُوا. وَفِي التنزيل (وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ «٣») وَفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (وَإِذًا لَا يَلْبَثُوا). وَأَمَّا الْإِلْغَاءُ فَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْوَاوِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ كَلَامٍ يُعْطَفُ عَلَيْهِ، وَالنَّاصِبُ لِلْفِعْلِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ (إِذًا) لِمُضَارَعَتِهَا (أَنْ)، وَعِنْدَ الْخَلِيلِ أَنْ مُضْمَرَةٌ بَعْدَ إِذًا «٤». وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ إِذًا تُكْتَبُ بِالْأَلِفِ وَأَنَّهَا مُنَوَّنَةٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: أَشْتَهِي أَنْ أَكْوِيَ يَدَ مَنْ يَكْتُبُ إِذًا بِالْأَلِفِ، إِنَّهَا مِثْلُ لَنْ وَإِنْ، وَلَا يَدْخُلُ التَّنْوِينُ فِي الحروف. [سورة النساء (٤): الآيات ٥٤ الى ٥٥] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥)

стр. 1921

فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ يَحْسُدُونَ) يَعْنِي الْيَهُودَ. (النَّاسَ) يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ خَاصَّةً، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا. حَسَدُوهُ عَلَى النُّبُوَّةِ وَأَصْحَابَهُ عَلَى الايمان به. وقال قتادة: (النَّاسَ) الْعَرَبَ، حَسَدَتْهُمُ الْيَهُودُ عَلَى النُّبُوَّةِ. الضَّحَّاكُ: حَسَدَتِ الْيَهُودُ قُرَيْشًا، لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ. وَالْحَسَدُ مَذْمُومٌ وَصَاحِبُهُ مَغْمُومٌ وَهُوَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، رَوَاهُ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا رَأَيْتُ ظَالِمًا أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنْ حَاسِدٍ، نَفَسٌ دَائِمٌ، وَحُزْنٌ لَازِمٌ، وَعَبْرَةٌ لَا تَنْفَدُ. وَقَالَ عبد الله ابن مَسْعُودٍ: لَا تُعَادُوا نِعَمَ اللَّهِ. قِيلَ لَهُ: وَمَنْ يُعَادِي نِعَمَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: الْحَسُودُ عَدُوُّ نِعْمَتِي مُتَسَخِّطٌ لِقَضَائِي غَيْرُ رَاضٍ بِقِسْمَتِي. وَلِمَنْصُورٍ الْفَقِيهِ: أَلَا قُلْ لِمَنْ ظَلَّ لِي حَاسِدًا ... أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْتَ الْأَدَبْ أَسَأْتَ عَلَى اللَّهِ فِي حُكْمِهِ ... إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْضَ لِي مَا وَهَبْ وَيُقَالُ: الْحَسَدُ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَأَمَّا فِي السَّمَاءِ فَحَسَدُ إِبْلِيسَ لِآدَمَ، وَأَمَّا فِي الْأَرْضِ فَحَسَدُ قَابِيلَ لِهَابِيلَ. وَلِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ فِي النَّاسِ: فَيَا رَبِّ إِنَّ النَّاسَ لَا يُنْصِفُونَنِي ... فَكَيْفَ وَلَوْ أَنْصَفْتُهُمْ ظَلَمُونِي وَإِنْ كَانَ لِي شَيْءٌ تَصَدَّوْا لِأَخْذِهِ ... وَإِنْ شِئْتُ أَبْغِي شَيْئَهُمْ مَنَعُونِي وَإِنْ نَالَهُمْ بَذْلِي فَلَا شُكْرَ عِنْدَهُمْ ... وَإِنْ أَنَا لَمْ أَبْذُلْ لَهُمْ شَتَمُونِي وَإِنْ طَرَقَتْنِي نَكْبَةٌ فَكِهُوا بِهَا ... وَإِنْ صَحِبَتْنِي نِعْمَةٌ حَسَدُونِي سَأَمْنَعُ قَلْبِي أَنْ يَحِنَّ إِلَيْهِمُو ... وَأَحْجُبُ عَنْهُمْ نَاظِرِي وَجُفُونِي وَقِيلَ: إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَسْلَمَ مِنَ الْحَاسِدِ فَغَمِّ عَلَيْهِ أَمْرَكَ. وَلِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ: حَسَدُوا النِّعْمَةَ لَمَّا ظَهَرَتْ ... فَرَمَوْهَا بِأَبَاطِيلَ الْكَلِمْ وَإِذَا مَا اللَّهُ أَسْدَى نِعْمَةً ... لَمْ يَضِرْهَا قَوْلُ أَعْدَاءِ النِّعَمِ

стр. 1922

وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ: اصْبِرْ عَلَى حَسَدِ الْحَسُو ... دِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهْ فَالنَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَهَا ... إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ «١»). إِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالَّذِي «٢» مِنَ الْجِنِّ إِبْلِيسَ وَالَّذِي مِنَ الْإِنْسِ قَابِيلَ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْكُفْرَ، وَقَابِيلَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ، وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ الْحَسَدُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: إِنَّ الْغُرَابَ وَكَانَ يَمْشِي مِشْيَةً ... فِيمَا مَضَى مِنْ سَالِفِ الْأَحْوَالِ حَسَدَ الْقَطَاةَ فَرَامَ يَمْشِي مَشْيَهَا ... فَأَصَابَهُ ضَرْبٌ مِنَ التَّعْقَالِ الثَّانِيةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَقَدْ آتَيْنا) ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ آتَى آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا. قَالَ هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ: أُيِّدُوا بِالْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: يَعْنِي مُلْكَ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: الْمَعْنَى أَمْ يَحْسُدُونَ مُحَمَّدًا عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ فَيَكُونُ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ أَحَلَّ لِدَاوُدَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ امْرَأَةً وَلِسُلَيْمَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا أُوتِيَهُ سُلَيْمَانُ مِنَ الْمُلْكِ وَتَحْلِيلِ النِّسَاءِ. وَالْمُرَادُ تَكْذِيبُ الْيَهُودِ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا رَغِبَ فِي كَثْرَةِ النِّسَاءِ وَلَشَغَلَتْهُ النُّبُوَّةُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا كَانَ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ يُوَبِّخُهُمْ، فَأَقَرَّتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَ سُلَيْمَانَ أَلْفُ امْرَأَةٍ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : (أَلْفُ امْرَأَةٍ)؟! قَالُوا: نَعَمْ ثَلَاثُمِائَةِ مَهْرِيَّةٍ، وَسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وَعِنْدَ دَاوُدَ مِائَةُ امْرَأَةٍ. فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : (أَلْفٌ عِنْدَ رَجُلٍ وَمِائَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ أَكْثَرَ أَوْ تِسْعُ نِسْوَةٍ)؟ فَسَكَتُوا. وَكَانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ. الثَّالِثَةُ- يُقَالُ: إِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ كَانَ أَكْثَرَ الْأَنْبِيَاءِ نِسَاءً. وَالْفَائِدَةُ فِي كَثْرَةِ تَزَوُّجِهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ قُوَّةُ أَرْبَعِينَ نَبِيًّا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَقْوَى فَهُوَ أَكْثَرُ نِكَاحًا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَرَادَ بِالنِّكَاحِ كَثْرَةَ الْعَشِيرَةِ، لِأَنَّ لِكُلِّ امْرَأَةٍ قَبِيلَتَيْنِ قَبِيلَةٍ مِنْ جِهَةِ الأب وقبيلة من جهة الام،

стр. 1923

فَكُلَّمَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً صَرَفَ وُجُوهَ الْقَبِيلَتَيْنِ إِلَى نَفْسِهِ فَتَكُونُ عَوْنًا لَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَتْقَى فَشَهْوَتُهُ أَشَدُّ، لِأَنَّ الَّذِي لَا يَكُونُ تَقِيًّا فَإِنَّمَا يَتَفَرَّجُ بِالنَّظَرِ وَالْمَسِّ، أَلَا تَرَى مَا رُوِيَ فِي الخبر: (العينان تزنيان واليد ان تَزْنِيَانِ). فَإِذَا كَانَ فِي النَّظَرِ وَالْمَسِّ نَوْعٌ مِنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ قَلَّ الْجِمَاعُ، وَالْمُتَّقِي لَا يَنْظُرُ وَلَا يَمَسُّ فَتَكُونُ الشَّهْوَةُ مُجْتَمِعَةٌ فِي نَفْسِهِ فَيَكُونُ أَكْثَرَ جِمَاعًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: كُلُّ شَهْوَةٍ تُقَسِّي الْقَلْبَ إِلَّا الْجِمَاعَ فَإِنَّهُ يُصَفِّي الْقَلْبَ، وَلِهَذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) يَعْنِي بِالنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ الْمَحْسُودُ. (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) أَعْرَضَ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي (بِهِ) رَاجِعٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ. وَالْمَعْنَى: فَمِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ إِلَى الْكِتَابِ. والله أعلم. [سورة النساء (٤): الآيات ٥٦ الى ٥٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْإِصْلَاءِ أَوَّلَ السُّورَةِ «١». وَقَرَأَ حُمَيْدُ بْنُ قيس (نصليهم) بفتح النون أي نشوئهم. يُقَالُ: شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ. وَنَصْبُ (نَارًا) عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ تَقْدِيرُهُ بِنَارٍ. (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ) يُقَالُ: نَضِجَ الشَّيْءُ نَضْجًا «٢» وَنُضْجًا، وَفُلَانٌ نَضِيجُ الرَّأْيِ مُحْكَمُهُ. وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ: تُبَدَّلُ الْجُلُودُ جُلُودًا أُخَرَ. فَإِنْ قَالَ مَنْ يَطْعَنُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ: كَيْفَ جَازَ أَنْ يُعَذِّبَ جِلْدًا لَمْ يَعْصِهِ؟ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الجلد بمعذب ولا معاقب،

стр. 1924

وَإِنَّمَا الْأَلَمُ وَاقِعٌ عَلَى النُّفُوسِ، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُحِسُّ وَتَعْرِفُ فَتَبْدِيلُ الْجُلُودِ زِيَادَةٌ فِي عَذَابِ النُّفُوسِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً «١»). فَالْمَقْصُودُ تَعْذِيبُ الْأَبْدَانِ وَإِيلَامُ الْأَرْوَاحِ. وَلَوْ أَرَادَ الْجُلُودَ لَقَالَ: لِيَذُقْنَ الْعَذَابَ. مُقَاتِلٌ: تَأْكُلُهُ النَّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ. الْحَسَنُ: سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ كُلَّمَا أَكَلَتْهُمْ قِيلَ لَهُمْ: عُودُوا فَعَادُوا كَمَا كَانُوا. ابْنُ عُمَرَ: إِذَا احْتَرَقُوا بُدِّلَتْ لَهُمْ جُلُودٌ بِيضٌ كَالْقَرَاطِيسِ. وَقِيلَ: عَنَى «٢» بِالْجُلُودِ السَّرَابِيلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ «٣») سُمِّيَتْ جُلُودًا لِلُزُومِهَا جُلُودَهُمْ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ، كَمَا يُقَالُ لِلشَّيْءِ الْخَاصِّ بِالْإِنْسَانِ: هُوَ جِلْدَةُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَأَنْشَدَ ابْنُ عُمَرَ ﵁: يَلُومُونَنِي فِي سَالِمٍ وَأَلُومُهُمْ ... وَجِلْدَةُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ سَالِمُ فَكُلَّمَا احْتَرَقَتِ السَّرَابِيلُ أُعِيدَتْ. قَالَ الشَّاعِرُ: كَسَا اللُّؤْمُ تَيْمًا خُضْرَةً فِي جُلُودِهَا ... فَوَيْلٌ لِتَيْمٍ مِنْ سَرَابِيلِهَا الْخُضْرِ فَكَنَّى عَنِ الْجُلُودِ بِالسَّرَابِيلِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَعَدْنَا الْجِلْدَ الْأَوَّلَ جَدِيدًا، كَمَا تَقُولُ لِلصَّائِغِ: صُغْ لِي مِنْ هَذَا الْخَاتَمِ خَاتَمًا غَيْرَهُ، فَيَكْسِرُهُ وَيَصُوغُ لَكَ مِنْهُ خَاتَمًا. فَالْخَاتَمُ الْمَصُوغُ هُوَ الْأَوَّلُ إِلَّا أَنَّ الصِّيَاغَةَ تَغَيَّرَتْ وَالْفِضَّةُ وَاحِدَةٌ. وَهَذَا كَالنَّفْسِ إذا صارت ترابا وصارت لا شي ثُمَّ أَحْيَاهَا اللَّهُ تَعَالَى. وَكَعَهْدِكَ بِأَخٍ لَكَ صَحِيحٍ «٤» ثُمَّ تَرَاهُ [بَعْدَ ذَلِكَ «٥»] سَقِيمًا مُدْنِفًا فَتَقُولُ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا غَيْرُ الَّذِي عَهِدْتَ. فَهُوَ هُوَ، وَلَكِنَّ حَالَهُ تَغَيَّرَتْ. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: أَنَا غَيْرُ الَّذِي عَهِدْتَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (غَيْرَها) مَجَازٌ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ «٦») وَهِيَ تِلْكَ الْأَرْضُ بِعَيْنِهَا إِلَّا أَنَّهَا تُغَيَّرُ آكَامُهَا وَجِبَالُهَا وَأَنْهَارُهَا وَأَشْجَارُهَا، وَيُزَادُ فِي سَعَتِهَا وَيُسَوَّى ذَلِكَ مِنْهَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ (إِبْرَاهِيمَ «٧») ﵇. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الشَّاعِرِ: فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتُهُمْ ... وَلَا الدَّارُ بالدار التي كنت أعرف

стр. 1925

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ! ذَمَّتْ دَهْرَهَا، وَأَنْشَدَتْ بَيْتَيْ لَبِيدٍ: ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ ... وَبَقِيتُ فِي خَلَفٍ «١» كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ يَتَلَذَّذُونَ مَجَانَةً وَمَذَلَّةً ... وَيُعَابُ قَائِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغَبِ فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ لَبِيدًا فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا هَذَا! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَئِنْ ذَمَّتْ عَائِشَةُ دَهْرَهَا لَقَدْ ذَمَّتْ (عَادٌ) دَهْرَهَا، لأنه وجد في خزانة (عاد) بعد ما هَلَكُوا بِزَمَنٍ طَوِيلٍ سَهْمٌ كَأَطْوَلِ مَا يَكُونُ مِنْ رِمَاحِ ذَلِكَ الزَّمَنِ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ: بِلَادٌ بِهَا كُنَّا وَنَحْنُ بِأَهْلِهَا «٢» ... إِذِ النَّاسُ نَاسٌ وَالْبِلَادُ بِلَادُ الْبِلَادُ بَاقِيَةٌ كَمَا هِيَ إِلَّا أَنَّ أَحْوَالَهَا وَأَحْوَالَ أَهْلِهَا تَنَكَّرَتْ وَتَغَيَّرَتْ. (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً) أي لا يعجزه شي وَلَا يَفُوتُهُ. (حَكِيماً) فِي إِيعَادِهِ عِبَادَهُ. وَقَوْلُهُ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) يَعْنِي كَثِيفًا لَا شَمْسَ فِيهِ. الْحَسَنُ: وُصِفَ بِأَنَّهُ ظَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ مَا يَدْخُلُ ظِلَّ الدُّنْيَا مِنَ الْحَرِّ وَالسَّمُومِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي ظِلَالَ الْأَشْجَارِ وَظِلَالَ قُصُورِهَا. الكلبي: (ظِلًّا ظَلِيلًا) يعني دائما. [سورة النساء (٤): آية ٥٨] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قوله تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ) هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَحْكَامِ تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ الدِّينِ وَالشَّرْعِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ مَنِ الْمُخَاطَبُ بها، فقال علي بن أبى طالب

стр. 1926

وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَابْنُ زَيْدٍ: هَذَا خِطَابٌ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً، فَهِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأُمَرَائِهِ، ثُمَّ تَتَنَاوَلُ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: ذَلِكَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً فِي أَمْرِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ حِينَ أَخَذَهُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ الْعَبْدَرِيِّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وَمِنَ ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَكَانَا كَافِرَيْنِ وَقْتَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَطَلَبَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِتَنْضَافَ لَهُ السِّدَانَةُ إِلَى السِّقَايَةِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ فَكَسَرَ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَوْثَانِ، وَأَخْرَجَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَمَا كُنْتُ سَمِعْتُهَا قَبْلُ مِنْهُ، فَدَعَا عُثْمَانَ وَشَيْبَةَ فَقَالَ: (خُذَاهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ). وَحَكَى مَكِّيٌّ: أَنَّ شَيْبَةَ أَرَادَ أَلَّا يَدْفَعَ الْمِفْتَاحَ، ثُمَّ دَفَعَهُ، وَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : خُذْهُ بِأَمَانَةِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْآيَةُ فِي الْوُلَاةِ خَاصَّةً فِي أَنْ يَعِظُوا النِّسَاءَ فِي النُّشُوزِ وَنَحْوِهِ وَيَرُدُّوهُنَّ إِلَى الْأَزْوَاجِ. وَالْأَظْهَرُ فِي الْآيَةِ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ النَّاسِ فَهِيَ تَتَنَاوَلُ الْوُلَاةَ فِيمَا إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَمَانَاتِ فِي قِسْمَةِ الْأَمْوَالِ وَرَدِّ الظُّلَامَاتِ وَالْعَدْلِ فِي الْحُكُومَاتِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. وَتَتَنَاوَلُ مَنْ دُونَهُمْ مِنَ النَّاسِ فِي حِفْظِ الْوَدَائِعِ وَالتَّحَرُّزِ فِي الشَّهَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَالرَّجُلِ يَحْكُمُ فِي نَازِلَةٍ مَا وَنَحْوَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ أَمَانَةُ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يكفر الذنوب كلها) أو قال: (كل شي إِلَّا الْأَمَانَةَ «١» - وَالْأَمَانَةُ فِي الصَّلَاةِ وَالْأَمَانَةُ فِي الصَّوْمِ وَالْأَمَانَةُ فِي الْحَدِيثِ وَأَشَدُّ ذَلِكَ الْوَدَائِعُ). ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ فِي الْحِلْيَةِ. وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الْجَمِيعِ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ ابن كعب قالوا: الأمانة في كل شي فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْجَنَابَةِ وَالصَّوْمِ وَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْوَدَائِعِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يُرَخِّصِ اللَّهُ لِمُعْسِرٍ وَلَا لِمُوسِرٍ أَنْ يُمْسِكَ الْأَمَانَةَ. قُلْتُ: وَهَذَا إِجْمَاعٌ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَمَانَاتِ مَرْدُودَةٌ إِلَى أَرْبَابِهَا الْأَبْرَارِ مِنْهُمْ وَالْفُجَّارِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَالْأَمَانَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ فَلِذَلِكَ جمع. ووجه النظم بما

стр. 1927

تَقَدَّمَ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ كِتْمَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ أَهْدَى سَبِيلًا، فَكَانَ ذَلِكَ خِيَانَةً مِنْهُمْ فَانْجَرَّ الْكَلَامُ إِلَى ذِكْرِ جَمِيعِ الْأَمَانَاتِ، فَالْآيَةُ شَامِلَةٌ بِنَظْمِهَا لِكُلِّ أَمَانَةٍ وَهِيَ أَعْدَادٌ كَثِيرَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا. وَأُمَّهَاتُهَا فِي الْأَحْكَامِ: الْوَدِيعَةُ وَاللُّقَطَةُ وَالرَّهْنُ وَالْعَارِيَةُ. وَرَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ). أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَرَوَاهُ أَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي (الْبَقَرَةِ «١») مَعْنَاهُ. وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ). صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. وَزَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَقَالَ رَجُلٌ: فَعَهْدُ اللَّهِ؟ قَالَ: (عَهْدُ اللَّهِ أَحَقُّ مَا أُدِّيَ). وَقَالَ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ- عَلَى كُلِّ حَالٍ كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهَا أَوْ لَا يُغَابُ تَعَدَّى فِيهَا أَوْ لَمْ يَتَعَدَّ- عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَشْهَبُ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ ﵄ ضَمَّنَا الْوَدِيعَةَ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ اسْتَعَارَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَتَلِفَ عِنْدَهُ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي تَلَفِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَالْأَوْزَاعِيِّ قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: (الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ) هُوَ كَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها). فَإِذَا تَلِفَتِ الْأَمَانَةُ لَمْ يَلْزَمِ الْمُؤْتَمَنَ غُرْمُهَا لِأَنَّهُ مُصَدَّقٌ، فَكَذَلِكَ الْعَارِيَةُ إِذَا تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا عَلَى الضَّمَانِ، فَإِذَا تَلِفَتْ بِتَعَدِّيهِ عَلَيْهَا لَزِمَهُ قِيمَتُهَا لِجِنَايَتِهِ عَلَيْهَا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي الْعَارِيَةِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ، عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ). وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ بِقَوْلِ صَفْوَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا اسْتَعَارَ مِنْهُ الْأَدْرَاعَ: أَعَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ أَوْ عَارِيَةٌ مؤداة؟ فقال: (بل عارية مؤداة).

стр. 1928

الثَّانِيةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) قَالَ الضَّحَّاكُ: بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. وَهَذَا خِطَابٌ لِلْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْحُكَّامِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بِالْمَعْنَى جَمِيعُ الْخَلْقِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ. قَالَ ﷺ : (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا (. وَقَالَ:) كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ (. فَجَعَلَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كُلَّ هَؤُلَاءِ رُعَاةً وَحُكَّامًا عَلَى مَرَاتِبِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْعَالِمُ الْحَاكِمُ، لِأَنَّهُ إِذَا أَفْتَى «١» حَكَمَ وَقَضَى وَفَصَلَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْفَرْضِ وَالنَّدْبِ، وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ أَمَانَةٌ تُؤَدَّى وَحُكْمٌ يُقْضَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي (البقرة «٢») القول في (نِعِمَّا). (إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً) وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَسْمَعُ وَيَرَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى «٣») فَهَذَا طَرِيقُ السَّمْعِ. وَالْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ انْتِفَاءَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضَيْهِمَا مِنَ الْعَمَى وَالصَّمَمِ، إِذِ الْمَحَلُّ الْقَابِلُ لِلضِّدَّيْنِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ تَعَالَى مُقَدَّسٌ عَنِ النَّقَائِصِ وَيَسْتَحِيلُ صُدُورُ الْأَفْعَالِ الْكَامِلَةِ مِنَ الْمُتَّصِفِ بِالنَّقَائِصِ، كَخَلْقِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ. وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَنْزِيهِهِ تَعَالَى عَنِ النَّقَائِصِ. وَهُوَ أَيْضًا دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ يُكْتَفَى بِهِ مَعَ نَصِّ الْقُرْآنِ فِي مُنَاظَرَةِ مَنْ تَجْمَعُهُمْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ. جَلَّ الرَّبُّ ﵎ عَمَّا يَتَوَهَّمُهُ الْمُتَوَهِّمُونَ وَيَخْتَلِقُهُ الْمُفْتَرُونَ الْكَاذِبُونَ (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ «٤»). [سورة النساء (٤): آية ٥٩] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)

стр. 1929

فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- لَمَّا تَقَدَّمَ إِلَى الْوُلَاةِ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَبَدَأَ بِهِمْ فَأَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَأَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ، تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى الرَّعِيَّةِ فَأَمَرَ بطاعته أولا، وهي امتثال أو أمره وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ، ثُمَّ بِطَاعَةِ رَسُولِهِ ثَانِيًا فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، ثُمَّ بِطَاعَةِ الْأُمَرَاءِ ثَالِثًا، عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: أَطِيعُوا السُّلْطَانَ فِي سَبْعَةٍ: ضَرْبِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَالْمَكَايِيلِ وَالْأَوْزَانِ، وَالْأَحْكَامِ وَالْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجِهَادِ. قَالَ سَهْلٌ: وَإِذَا نَهَى السُّلْطَانُ الْعَالِمَ أَنْ يُفْتِيَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ، فَإِنْ أَفْتَى فَهُوَ عَاصٍ وَإِنْ كَانَ أَمِيرًا جَائِرًا. وقال ابن خويز منداد: وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فِيهِ طَاعَةٌ، وَلَا تَجِبُ فِيمَا كَانَ لِلَّهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ وُلَاةَ زَمَانِنَا لَا تَجُوزُ طَاعَتُهُمْ وَلَا مُعَاوَنَتُهُمْ وَلَا تَعْظِيمُهُمْ، وَيَجِبُ الْغَزْوُ مَعَهُمْ مَتَى غَزَوْا، وَالْحُكْمُ مِنْ قِبَلِهِمْ، وَتَوْلِيَةُ الْإِمَامَةِ وَالْحِسْبَةِ، وَإِقَامَةُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الشَّرِيعَةِ. وَإِنْ صَلَّوْا بِنَا وَكَانُوا فَسَقَةً مِنْ جِهَةِ الْمَعَاصِي جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُبْتَدِعَةً لَمْ تَجُزِ الصَّلَاةُ مَعَهُمْ إِلَّا أَنْ يُخَافُوا فَيُصَلَّى مَعَهُمْ تَقِيَّةً وَتُعَادُ الصَّلَاةُ. قُلْتُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْعَدْلِ، وَيُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُطِيعُوهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالْعَدْلِ، ثُمَّ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُجَاهِدٌ: (أُولُو الْأَمْرِ) أَهْلُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ ﵀، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الضَّحَّاكِ قَالَ: يَعْنِي الْفُقَهَاءَ وَالْعُلَمَاءَ فِي الدِّينِ. وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً. وَحُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ خَاصَّةً. وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ أَنَّهُ سَأَلَ عِكْرِمَةَ عَنْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَقَالَ: هُنَّ حَرَائِرُ. فَقُلْتُ بأي شي؟ قال بالقرآن. قلت: بأي شي فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) وَكَانَ عمر من أولي الام، قَالَ: عُتِقَتْ وَلَوْ بِسِقْطٍ. وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى مبينا

стр. 1930

فِي سُورَةِ (الْحَشْرِ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «١»). وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هُمْ أُولُو الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ أَمْرَ النَّاسِ. قُلْتُ: وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ أَصْلَ الام مِنْهُمْ وَالْحُكْمَ إِلَيْهِمْ. وَرَوَى الصَّحِيحَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيِّ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَكَانَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ دُعَابَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَمِنْ دُعَابَتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا حَطَبًا وَيُوقِدُوا نَارًا، فَلَمَّا أَوْقَدُوهَا أَمَرَهُمْ بِالتَّقَحُّمِ فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَاعَتِي؟! وَقَالَ: (مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي). فَقَالُوا: مَا آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ إِلَّا لِنَنْجُوَ مِنَ النَّارِ! فَصَوَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِعْلَهُمْ وَقَالَ: (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:) وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «٢» (. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ مَشْهُورٌ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ «٣» بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ. وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ حَلَّ حِزَامَ رَاحِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى كَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقَعُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: فَقُلْتُ لِلَّيْثِ لِيُضْحِكَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ. قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: (أُولُوا الْأَمْرِ) أَصْحَابُ السَّرَايَا. وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي فَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). فَأَمَرَ تَعَالَى بِرَدِّ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْعُلَمَاءِ مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَدُلُّ هَذَا عَلَى صِحَّةِ كَوْنِ سُؤَالِ الْعُلَمَاءِ وَاجِبًا، وَامْتِثَالِ فَتْوَاهُمْ لَازِمًا. قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵀: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا السُّلْطَانَ وَالْعُلَمَاءَ، فَإِذَا عَظَّمُوا هَذَيْنَ أَصْلَحَ اللَّهُ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَإِذَا اسْتَخَفُّوا بهذين أفسد دنياهم
следующие страницы →