← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20860

العقد المنظوم في الخصوص والعموم

القرافي

Полный текст (844 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يسافر في غير يوم الجمعة، وغير يوم الجمعة يشمل الأزمان إلى أقصى الأزل، فهذا يدل بدلالة اللزوم التي هي دلالة مفهوم على العموم مسلوب النهاية. الجنس التاسع: مفهوم المكان ، كقولنا: جلست أمام زيد، فهو يدل بمفهومه على أنه لم يجلس في غير هذه البقعة، فيشمل من الأحياز ما لا يتناهى بدلالة المفهوم وهي دلالة الالتزام. الجنس العاشر: مفهوم اللقب ، قال التبريزي: وأصله في الأعلام، ويلحق أسماء الأجناس، وضابط هذا الجنس كيف كان: هو تعليق الحكم

стр. 142

على أسماء الذوات، أما في علم أو اسم جنس، فالعلم نحو: أكرمت زيدا، يدل بمفهومه على أنه لم يكرم غيره، وغيره من الأشخاص غير متناه، فقد دل بدلالة الالتزام على العموم، واسم الجنس كقولنا: في الغنم الزكاة، مفهومه أن ما ليس بغنم لا زكاة فيه، ولم يقل بهذا المفهوم إلا الدقاق، كما حكاه الإمام فخر الدين في المحصول لضعفه. والفرق بينه وبين غيره من المفهومات، مفهومات الصفات وغيرها: أن الصفات والشروط ونحوهما فيها معنى التعليل، وترتيب الحكم عليها يقتضي عليتها لذلك الحكم، والقاعدة أن عدم العلة علة لعدم المعلول،

стр. 143

وصورة المسكوت عنه فيها عدم لهذه الأمور، فيكون فيها عدم العلة، فيكون فيها عدم المعلول، فيعدم الحكم منها، وهو المطلوب من الفرق، بخلاف قولنا: زيد والغنم، فإنها جامدة، لا تشعر بتعليل، فلا يكون عدمها علم لشيء، فلا يثبت عدم الحكم في صورة المسكوت عنه، فهذا هو سبب هذا الضعف، وقلة القائلين به. فهذه الأجناس العشرة هي أجناس مفهوم المخالفة، وكلها دال على العموم دلالة التزام. وأما الدال بمفهوم الموافقة، فإنه يدل بالالتزام أيضا على العموم، ويسعى لحن الخطاب/ وتنبيه الخطاب، وضابطه أنه اللفظ الدال على ثبوت مثل حكم المنطوق للمسكوت عنه بطريق الأولى أو المساواة.

стр. 144

وفي ضابط مفهوم المخالفة نقول: هو اللفظ الدال على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت، فيفترقان من جهة الثبوت، الحكم نفسه، أو ثبوت نقيضه، ففي الموافقة عين الحكم، وفي المخالفة نقيضه. وتحرير القول فيه: أن اللفظ إذا دل على ثبوت حكم المنطوق فقد يدل على ثبوته في غيره بطريق الأولى، وهو أعظم أو أدنى، وقد يدل على ثبوت حكم له لا بطريق الأولى، بل بالمساواة. أما الأول: فقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ فإنه يدل بطريق الالتزام على تحريم ما فوق التأفيف من الشتم والضرب وأنواع الأذى، وهذه الأنواع غير متناهية الأفراد، وقد شملها حكم التحريم بدلالة الالتزام. وأما الثاني: فقوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾، فإنه يدل على أمانته فيما دون القنطار بطريق الأولى، وأما (ما) دون القنطار وإن كان منحصرا في رتب محصورة بين القنطار وأدنى

стр. 145

الأوزان إلى الجوهر الفرد، والمحصور بين حاصرين متناهن فلا يكون مسمى العموم، فإن كان شرط (مسمى) العموم أن يكون متناهيا وهذا غير متناه فلا يكون مسمى العموم من هذا الوجه، غير أنه غير متناه من وجه آخر، فإن ما دون القنطار في الحقارة يعرض لأنواع من الموزونات غير متناهية، كلها يشملها وصف الحقارة الذي هو أدنى من القنطار، فيتصور وجوده في المعادن السبعة، وأنواع جميع الجمادات والنبات والحيوانات، وغير ذلك من مواد الممكنات مما هو موصوف بأنه دون القنطار، (فدون القنطار) وإن كان وصفا محصورا غير أن معروضاته غير متناهية، وكلها تقتضي (مفهوم ثبوت) الأمانة فيها، فيكون هذا المفهوم يدل بطريقة الالتزام على العموم في حكم الأمانة في أفراد لا نهاية لها وهذا هو مسمى العموم. وكذلك قوله تعالى: ﴿ولو أن الذين ظلموا ما في الأرض ميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء/ العذاب يوم القيامة﴾، يقتضي: أنهم يفتدون بما

стр. 146

دون ذلك بطريق الأولى، لو عرض لأي يوم كان، فتكون هذه الآية دالة دلالة الالتزام على العموم في حكم الافتداء في أفراد لا نهاية لها، وهو المطلوب، وهذه الآية مفهومها أصرح من مفهوم الآية الأولى من جهة أن الإنسان قد يوجد أمينا على الأمور العظام، ويتساهل في الأمور المحقرات، لقلة مفسدتها، ولذلك أن كثيرا من الناس يتساهلون في المعصية بملابسة الصغائر دون الكبائر، فيكون في مفهوم هذه الآية ضعف، بخلاف صورة الافتداء يوم القيامة ليس فيها ترخص. وكذلك قوله ﵊: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فإنه يدل بمنطوقه على أن مثل أحد لا يبلغ إتفاقه رتبة أحد الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين-، ويدل بمفهوم الموافقة أن إنفاق ما دون ذلك لا يبلغ هذه الرتبة أيضا بطريق الأولى، ووصف قولنا: أدنى من أحد لعرض الأمور غير متناهية، فيكون المندرج تحت هذا المفهوم أفراد غير متناهية في مادة الوجود والإمكان، فيكون دالا دلالة الالتزام على العموم كما تقدم تقريره في مفهوم القنطار، وهو المطلوب.

стр. 147

وأما الثالث: وهو مفهوم الموافقة الدال بطريق المساواة على العموم، فقوله ﵊: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم)، فإنه (يدل) بطريق المساواة على أنه لو جمع البول وصبه في الماء كان مثل فعله فيه ابتداء من غير فرق، لمساواته له في المفسدة، ثم الطريق الذي يقع بها صب البول في النهر بعد فعله غير متناهية، فيكون الحديث دالا بطريق المساواة دلالة التزام على العموم وهو المطلوب. وكذلك قوله ﵇ لما سأله عمر- ﵁ عن قبلة الصائم، فقال ﵊: (أرأيت لو تمضمضت بماء ثم طرحته أكان ذلك يفسد صومك؟ )، يدل بمفهومه على أن التمضمض (بالماء إذا طرح لا يفسد الصوم، ويدل بطريق مفهوم المساواة على أن التمضمض بجميع) المائعات

стр. 148

إذا طرحت كذلك، فيكون دالا بطريق الالتزام على العموم؛ لأن أفراد المائعات/ غير متناهية، بل (يدل) بطريق المساواة أن كل فرد من تلك المائعات أو من الماء إذا تكررت المضمضة به في أوقات غير متناهية، ثم طرح ذلك أنه لا يفسد الصوم، ونظائر هذه الأقسام كثيرة في الكتاب، والسنة وكلام العرب، فتأملها في مواطنها تجدها. فإن قلت: السؤال على هذه الأقسام من وجهين: أحدهما: أنا نمنع أن تحريم الضرب وغيره ثابت بدلالة اللفظ، بل بالقياس، وقد قاله القاضي أبو بكر شيخ الأصوليين وغيره، وإذا كان ذلك ثابتا بالقياس لا بدلالة الالتزام، بطلت هذه الأقسام. وثانيهما: سلمنا أن دلالة الالتزام ثابتة في هذه الأقسام، لكن فيما هو

стр. 149

أعلى أو أدنى، أما في المساوي فممنوع، وقد قال الإمام فخر الدين في المحصول وغيره من العلماء: أن الحكم إنما يثبت في هذا القسم بالقياس وعدم الفارق ولم نعلم أحدا منهم قال: إنه ثابت بطريق المفهوم، ، مفهوم الموافقة، ولا [مفهوم] المخالفة، وإذا كانت هذه هي الدعوى خلاف الإجماع، لا تسمع. قلت: الجواب عن السؤال الأول: أن القاضي ومن سالفه قال بعدم المفهوم مطلقا، والمشهور المتناول القول بالمفهوم في مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، وهذا البحث مفرع على هذه المذاهب، لا مذهب القاضي، فإن أصول الفقه قال أبو الحسين البصري في كتاب (المعتمد): إنه يختص بثلاثة أحكام يمتاز بها على أحكام الفقه، أحدها: أنه لا يجوز التقليد فيه،

стр. 150

وثانيها: أن المصيب فيه واحد، وثالثها: أن المخطئ فيه لا يعذر؛ لأن مسائله قطعية، ولم يحك ذلك مهبا له، بل حكاه، ولم يحك فيه خلافا، وإذا كان التقليد في أصول الفقه لا يسوع تعين إتباع الدليل حيث اتجه، ونحن نجد أنفسنا جازمة بدلالة اللفظ التزاما على ما يقع ذكره، ومتبادرا إلى أفهامنا، والعرف شاهد بذلك، فوجب القول بدلالة الالتزام في هذه الصور. وعن الثاني: أن المساوي قسمان، أحدهما: يسبق فهمه عند سماع مساويه من غير سبر، ولا تقسيم، ولا استنباط/ بحيث لو صرح بضد الحكم أو نقيضه في المساوي تبادر العقول السليمة لإنكاره، كما إذا قال القائل: لا يبال في المال ولا يصب فيه البول، أو المضمضة بالماء ثم يطرح لا يفسد الصوم، والمضمضة بمائع آخر يفسده، لوجد كل عاقل في نفسه إشكال ذلك، فمثل هذا المساوي هو الذي يدعى أن فيه دلالة المفهوم التزاما. وأما مساوي لا تفهم مساواته للمنطوق إلا بعد سبر ونظر واستنباط مثل: مساواة الأرز للبر في حكم الربا، والمزر والبتع

стр. 151

والسكركة للخمر في حكم التحريم، فهذا هو القياس؛ لأنه ليس فيه فهم متبادر، ومتى عدم الفهم عن اللفظ عدمت الدلالة، إذ لا معنى لها إلا الفهم والإفهام، وإن عسر عليك تحقيق ذلك في مثال ذكرته فغيره بمثال آخر، فإن العمدة هو الضابط من الفهم والإفهام، وإنكار الطبع السليم التصريح بضد الحكم أو نقيضه، لا خصوص ذلك المثال، إذا تقرر هذا فنحمل نقلهم أنه من باب القياس على ما ليس فيه الضابط المذكور، مع إن هذا الباب ليس فيه تقليد، كما تقدم. وأما قولك: إن هذه الدعوى على خلاف الإجماع، فلا نلم أن حصول الإجماع غايته أنا لا نجد من قال بهذه المقالة، ولا يزم من عدم الوجدان عدم الوجود، وعدم العلم بالشيء لا يكون علما بالعدم، فلعل في نفس الأمر عددا من العلماء قال بذلك ولم نطلع عليه أو عدد من العلماء لم يتعرضوا لهذه المسألة نفيا ولا إثباتا، لم ينعقد الإجماع دونهم، وعلى التقديرين لا يكون الإجماع حاصلا. إذا تقرر الجواب عن هذه المسألة تلخص لنا أن ثلاثة عشر جنسا من

стр. 152

الألفاظ تدل على دلالة الالتزام على العموم، عشرة من مفهوم المخالفة، وثلاثة من مفهوم الموافقة. السبب الرابع: المفيد للعموم، وهو اللفظ بواسطة ما ينضم إليه ، وهو في نفسه غير دال ألبتة، وهو الذي يفرض ضمه للفظ (وهو ثلاثة أقسام): /القسم الأول: الإجماع، وصورته أن يكون اللفظ استعمل في مجازه دون حقيقته وينعقد الإجماع على أن المراد مجازه، فيقع العموم في ذلك المجاز إذا كان اللفظ في نفسه عاما وضع للعموم، ولكن إنما يتناوله بمفهومه حقيقته دون مجازه، فحصول العموم في المجاز إنما حصل من جهة أمرين: أحدهما: كون الصيغة عموم. وثانيهما: انعقاد الإجماع على إرادة المجاز دون الحقيقة. فمجموع الأمرين اقتضى العموم في المجاز (لا أحدهما؛ لأنه لو انفرد أحدهما لم يحصل عموم في المجاز) ومثاله قول رسول الله ﷺ : (من أكبر الكبائر أن يسب الرجل أباه)، قالوا: يا رسول الله كيف يسب الرجل أباه؟ قال: (يسب الرجل الرجل، فيسب الرجل أباه)، فالإجماع منعقد

стр. 153

لأجل هذا التصريح، على أن المراد بسب الأب: السبب لسبه، وأنه من باب إطلاق المسبب على السبب، فسمى رسول الله ﷺ السبب الباعث على الشيء باسم مسببه الذي هو السبب نفسه، فيعم جميع أنواع التسبب لسب بواسطة الإجماع مع لفظ الحديث العام أن الرجل يلازم التعريف للعموم، وأب مضاف لضمير العموم، والمضاف للعموم يعم؛ لأن اسم الجنس إذا أضيف عم، ولو انفرد اللفظ وحده لم يتناول السبب ألبتة؛ لأن الوسيلة أخفض رتبة من المقصد، والوعيد على الأعلى لا يلزم ثبوته للأدنى، بل مفهومه يمنعه. وكذلك قوله ﵊: (من قتل فتيلا فله سلبه)، فقوله

стр. 154

عليه الصلاة والسلام: (قتيلا) نكرة في سياق الشرط فيعم كقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ فيعم (أحد) في سياق الشرط كما يعم في النفي، واتفق الناس وشهد العوائد والعقل بأن القتيل لا يقتل، وأن المراد بـ (القتيل) ها هنا من قارب القتل بحضوره المعركة، وتسمية الشيء بما قاربه بما حصل له سببه مجاز إجماعا، فيكون العموم حاصلا في هذا المجاز دون الحقيقة بواسطة عموم مع انعقاد الإجماع على عدم إرادة الحقيقة. وكذلك قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ فإن المشرك من جعل شريكا

стр. 155

في أي شيء كان/ (ولو شارك) أو أشرك غيره في داره أو فرسه، هذا المفهوم العام هو حقيقة اللفظ، وانعقد الإجماع على عدم إرادة هذا العموم العام الذي هو حقيقة اللفظ، وانعقد الإجماع على عدم إرادة هذا العموم العام الذي هو حقيقة اللفظ وأن المراد مشرك خاص، واستعمال اللفظ في الخاص من حيث هو خاص مع أنه موضوع للعام من حيث هو عام مجاز، لأن استعمال اللفظ في غير ما وضع له، ومنه استعمال الحيوان في الإنسان من حيث هو إنسان، لا من جهة أنه حيوان مجاز، وإنما يكون لفظ حيوان في الإنسان حقيقة إذا استعمل في المعنى العام وأطلق على نوعه من حيث هو مشتمل عليه، لا من حيث الخصوص، ولذلك قال العلماء: استعمال لفظ (الدابة) في الفرس أو الحمار مجازا لغويا، وإن كان الحمار دابة حقيقة بسبب أن اللفظ لم يرد به الحمار والفرس من جهة أنهما يدبان أو دابتان، بل من جهة خصوصهما، فلذلك كان اللفظ مجازا، وأنواع هذا القسم في

стр. 156

الكتاب والسنة كثيرة كالكفار والفجار والفساق وغيرها، فإن عسر عليك فهم مثال أو تقرير فخذ غيره. القسم الثاني: أن ينضم إلى اللفظ آخر ويكون كل واحد من اللفظين لا إشعار له بالعموم، ويحصل من مجموعهما العموم. ومثاله: كل ضمير لعام صدر للعموم بحكم وأسند للضير حكم آخر كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهم ثلاثة قروء﴾، فالمطلقات عام يقتضى شمول حكم التربص ثلاثة قروء في كل مطلقة، ثم قال تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بدرهن في ذلك﴾ أي في أجل العدة، وهذا الضمير ليس عاما في نفسه إلا بإضافته إلى ظاهره، فإن الضمائر من حيث هي ضمائر ليس فيها عموم ولا خصوص وإنما هي تتبع طواهرها، فضمير العام عام، وضمير الخاص خاص، ولا يقضى على الضمير من حيث هو ضمير

стр. 157

بشيء من العموم ولا الخصوص، فيحصل حينئذ العموم في الرجعيات باعتبار أن بعولتهن أولى بهن من جهة الضمير مع إضافة اللفظ الظاهر ليه، مع أن ذلك اللفظ الظاهر أيضا لم يشعر بهذا الحكم ألبتة الذي هو أولوية الأزواج بالرجعة نفيا ولا إثباتا/ فالظاهر لا يقتضى التعميم في هذا الحكم، والضمير لا يقتضيه ومجموعهما يقتضيه، كذلك قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾ هذه النون ضمير خاص بالرشيدات وهو لا عموم فيه ولا خصوص، وإذا اعتبر مع ظاهره الموجب للعموم في الحكم المتقدم من الطلاق حصل العموم في الرشيدات باعتبار هذا الحكم الثاني الذي هو العفو، واعتبر ذلك في موارد النصوص تجده كثيرا. القسم الثالث: أن ينضم إلى اللفظ المطلق الذي ليس بعام التصريح

стр. 158

بعلة، أو الإيماء لها، أو دليل يدل على تعليل ذلك الحكم الجزئي بعلة تشمل ما لا يتناهى من الأفراد، فيحصل العموم بمجموع القياس، وذلك اللفظ المطلق، وأحدهما وحدة لا يستقل بإفادة العموم، فإن القياس من غير أصل لا يفيد شيئا، ولا يتصور، فلا عموم حينئذ إلا من اللفظ المطلق مع القياس. مثال التصريح بالعلة قوله ﵊ في النهي عن ادخار لحوم الأضاحي: (إنما كنت نهيتكم لأجل الدافة)، أي لأجل الطائفة القادمة عليكم حتى تؤثروهم بلحوم الأضاحي، فالضمير في قوله ﵊: (نهيتكم)، خاص بالموجودين بحضرته ﵊، لا تقتضي اللغة إلا ذلك، وإن كان قد علم بدليل من خارج أن الخلق أجمعين يستوون في الشرائع. وإذا كان مطلقا في اللغة- أعني ليس عاما- وهذا التعليل المصرح، يقتضي أنه مهما جاءت الدافة وحصلت الضرورة لغيرها، وجب علينا إيثاره بما يقوم به

стр. 159

من الطعام كان الوراد من أرباب الضرورات على أولئك المخاطبين أو غيرهم بل بطريق القياس المصرح بعلة. مثال الإيماء للعلة: أنه ﵊ دعى إلى بيت فيه كلب فلم يجب، ودعي إلى بيت فيه هرة فأجاب، فسئل ﵊ عن ذلك فقال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، فقول الراوي: بيت فيه هرة: لا عموم فيه (بل مطلق)، وإيماؤه ﵊ إلى التعليل بلفظ (إنها)، فإن هذه الصيغة من ألفاظ الإيماء وليس من باب الصرائح تقتضي العموم في كل هرة.

стр. 160

وكذلك قوله ﵊ في المحرم الذي وقصته ناقته: (لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا)، وقوله ﵊/ في قتلى أحد: (زملوهم بكلومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك)، يقتضي القياس تعميم هذين الحكمين في كل محرم وكل شهيد، مع أن اللفظ في نفسه لا عموم فيه، والقياس وحده لا يمكن بدون هذا اللفظ، وبمجموعهما يحصل العموم في هذين الفريقين، فتأمل ذلك.

стр. 161

ومثال الدليل الأجنبي (الدال عل) العلة مع لفظ يتناول صور القياس: الأعرابي الذي سأل رسول الله ﷺ فقال: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في شهر رمضان، فقال له ﵇: (اعتق رقبة ... ) الحديث، اللفظ خاص بشخص خاص، لا عموم فيه، وكون الدليل دل على أن سبب وجوب الإعتاق عليه إنما هو مطلق الجرأة على الإفساد كيف كان، أو الجرأة على الإفساد بالجماع على اختلاف العلماء في علة هذا الحكم، هذا الدليل الدال على العلية بأحد هذين التفسيرين مع ذلك اللفظ الذي ليس بعام، مجموعهما يقتضي تعميم وجوب الكفارة على كل قاصد إفساد الصوم، وإن

стр. 162

كان (هذا) اللفظ وحده لا يقتضي هذا العموم، والقياس وحده غير متيسر بدون ذلك اللفظ، والمجموع هو المفيد. السبب الخامس المفيد للعموم: النقل العرفي في المفردات ، وهذا السبب غريب قل أن يتفطن له وهو: أن يكون لفظ لا عموم فيه لا يتناول أكثر من فرد واحد بأصل وضعه، ينقله العرف لما لا يتناهى، فيصير من صيغ العموم، لم أرد أحدا نبه عليه في صيغ العموم ولا حرك هذا المعنى أصلا، وقد وجدته في أسماء القبائل، فإن أصلها: (أن اللفظ يوضع لشخص معين) نحو: هاشم، وربيعة، ومضر، (وقيس ونحوها)، يولد لذلك الشخص ذرية تنسب إليه، فيقال: بنو تميم وبنو هاشم، وهذا كله إلى هذه الغاية ليس فيه نقل، ثم بعد ذلك لا يقال: بنو فلان، بل يقتصر على ذلك اللفظ الموضوع للجد فقط، ويغلب الاستعمال ويشيع حتى يصير علما على تلك القبيلة، فيقال عن زيد مثلا: إن من ربيعة، وإنه من مصر، ولا يحتاج أن يقال: إنه من ذرية مضر، ولا من بني مضر، ومعلوم/ أنه لولا النقل العرفي لكان قولنا في زيد: إنه من مضر، كذب صراح، فإن هذا الشخص ليس من ذلك الشخص ألبتة، بل من الذرية فدل ذلك على أن اسم الجد صار منقولا بسبب كثرة الاستعمال للذرية، ولذلك حسن أن يقال: إن زيدا من

стр. 163

مضر، وإنه من الذرية، ولما كانت الذرية غير متناهية الأفراد كان مضر يصدق على من يحدث إلى (أبد) الآباد، كان هذا (العلم) الموضوع أولا لذلك الشخص المعين موضوعا الآن لما لا يتناهى، وذلك هو العموم، فتأمل ذلك فهو كثير في أسماء القبائل. وقد لا ينتهي اسم الجد في غلبة الاستعمال إلى النقل العرفي حتى يستغنى عن لفظ آخر يضاف إليه، بل يقال دائما أو في الأكثر: بنو فلان، كقولهم: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، ولا يقال: زيد من هاشم ولا من عبد المطلب، فهذا ونحوه ليس فيه نقل، ولا يصير اسما للعموم بسبب النقل العرفي، بخلاف القسم الأول. وربما كان اللفظ حصل فيه نقل للعموم في عصر من الأعصار ثم بطل ذلك النقل ف يعصر آخر بتجدد عرف آخر يقال فيه: بنو فلان، بالإضافة، بعد أن كانت أميتت، وستقف على تلخيص هذا الباب وتفصيله بعد هذا- إن شاء الله تعالى- عند تعديد صيغ العموم وسردها.

стр. 164

السبب السادس المفيد للعموم: الكائن في المركبات: اعلم أن أهل العرف كما ينقلون الألفاظ المفردة كلفظ الدابة، والنجو والراوية، فكذلك ينقلون المركبات دون مفرداتها، فتكون المفردات في ذلك المركب لا نقل فيها، وذلك المركب من حيث هو مركب حصل فيه النقل، وهذا النوع قل أن يتفطن له في كتب الفقه، وتقع فروع مبنية عليه، ويقع التخريج لذلك الفروع بغيره، فيقع التخريج خطأ في كثير من الصور، وذلك أمثلة: الأول: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ وما ذكر مع الأمهات ... الآية، مقتضى هذا اللفظ لغة أن يكون ذوات الأمهات حراما، فإن المفعول الذي ذكر في اللفظ فإنه دل العقل على أن الذوات غير مقدورة لنا، ودلت اللغات وعوائد الشرع أن التحريم وجميع الأحكام/ الشرعية لا تقع إلا في مقدور، فلا تكون ذوات الأمهات محرمة لهذه المقدمات، فيتعين

стр. 165

حينئذ أن يكون هنالك مضاف محذوف تقديره: حرمت عليكم استمتاعات أمهاتكم، هذا مقتضى اللغة، والقواعد المقدمة، ثم إنه كثر حذف هذا المضاف، وتطاول الاستعمال، وغلب حتى صار هذا المركب الموضوع لتحريم ذوات الأمهات لغة موضوعا لتحريم أنواع الاستمتاع في العرف، بحيث ستجد بعد هذا النقل التصريح بذلك المضاف، وصار كأنه كالزيادة المتكلفة المذكورة، ولو قلت: الأمهات وحده، لم يفد عموم تحريم أنواع الاستمتاع، أو حرمت وحده، لم يفد عموم تحريم الاستمتاع، بل المجموع هو المفيد لعموم تحريم أنواع الاستمتاع، بسبب النقل العرفي، ولذلك أنك لو لم تأت بصيغة العموم بل بلفظ مفرد دال على لفظ واحد يحصل العموم، فإذا قلت حرمت عليكم هذه المرأة بالرضاع لم يفهم أحد إلا تحريم جميع أنواع الاستمتاع بها بسبب النقل العرفي.

стр. 166

وكذلك إذا قلت: حرمت عليك هذه الميتة، لكان اللفظ- أيضا- موضوعا لتحريم المناع المتعلقة بها، المقصودة منها، ولم يحتج إلى تقدير مضاف بعد هذا النقل؛ لأنا إنما قدرناه لأن اللفظ لم يكن موضوعا له، بل لتحريم الذوات، فلما صار اللفظ موضوعا له عرفا استغنينا عن تقدير بسبب التصريح، ولو قلت حرمت عليكم الأفعال الخبيثة أو المشتملة على المفاسد لم يكن فيه نقل عرفي، بل ذلك بالوضع اللغوي من غير احتياج إلى تقدير مضاف ولا نقل؛ لأن هذا المواطن لم يحتج إلى حذف مضاف ولا تقديره، بل اللفظ في نفسه لا مجاز فيه ولا حذف كامل واف بالدلالة على هذا المعنى من غير احتياج إلى ضميمة، وإنما حصل النقل هنالك؛ لأنه كان محتاجا باعتبار الوضع اللغوي إلى مضاف محذوف، فتأمل ذلك. الثاني/: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ / فمقتضى اللغة، أن يكون المحرم هو هذه الأعيان، والقواعد المتقدمة تمنع من ذلك من جهة أنها غير مقدورة، بل الجميع محتاج إلى تقدير مضاف تقديره: أكل الميتة، وشرب الدم، وأكل لحم الخنزير، وإن أردت أن تقدر مضافا واحدا يشمل الجميع قلت: تناول الميتة والدم ولحم الخنزير، فالمتناول يشمل الجميع وحينئذ يصح إسناد التحريم لهذا المضاف، وإلا فالميتة ليست حراما إجماعا، والدم والخنزير ليسا بحرامين إجماعا، وإنما الحرام تناولهما، كذلك الخمر لا يحرم (تناولها) إجماعا، بل شربها وهو فعل يتعلق

стр. 167

بالمكلف غير عين الخمر وعين الميتة وما ذكر معهما، وهذا هو حظ البحث اللغوي مع ملاحظة القواعد الشرعية، بل كثر الاستعمال وتطاولت به الأيام إلى أن صار هذا المركب موضوعا لتحريم ذلك المضاف الذي كنا نقدره، بعد أن كان موضوعا لغة لتحريم المضاف إليه خاصة، فلما حصل النقل العرفي حصل في عموم المنافع المضافة لهذه الأعيان اللازمة لكل واحد منها، واستغنينا حينئذ غن تقدير المضاف؛ لأنا حينئذ ننطق باللفظ الصريح فيه، ومع التصريح بالمعنى لا يفيد؛ لأنه إنما يفيد لعدم ما يدل عليه. المثال الثالث: قوله ﵊ في حجة الوداع: (ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)، مع أن الدماء والأموال والأعراض لا يمكن أن يتعلق بها التحريم، فيتعين بمقتضى اللغة مضافات محذوفة تقديرها: ألا إن سفك دمائكم (وأكل أموالكم، وثلب أعراضكم، أو يقدر مضافا واحدا يعم الجميع تقديره.

стр. 168

تناول دمائكم) وأموالكم، وتناول كل شيء على حسبه، ويكفي هذا المضاف عن تلك وهو أخصر. هذا هو البحث بحسب اللغة، ثم كثر الاستعمال في هذا الحذف حتى صار المركب موضوعا لتحريم التناول، لا لتحريم هذا المسميات، ومقتضى اللغة إنما هو تحريم هذه المسميات، ولما انتقل لتحريم هذه/ الانتفاعات أو التناولات المضافة إلى هذه الأعيان، وكل واحد من هذه الأعيان عام في نفسه؛ لأنه (اسم جمع) أضيف فيعم (نحو عبيدي) أحرار، والمنافع أيضا المضافة للعموم عامة ولو أنه في كل فرد فرد حصل العموم، فإن الموزع على العام عام، فتكون هذه الصيغ المركبات موضوعة في العرف للعموم وضعا عرفيا، (وهو المطلوب وكل واحد من مفردات هذه المركبات لم تفد هذه العموم، فالتحريم وحده لا يفيد، والدماء وحدها لا تفيده، فإذا ركبت التحريم مع هذه الصيغ كان المجموع المركب من هذين اللفظين هو الموضوع للعموم عرفا) بالنقل العرفي، ومثل هذا كثير في العرف، فيكفي الاقتصار على هذا القدر. فإن قلت: ما ذكرته من النقل العرفي مشكل بقوله ﵊: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها، وباعوها،

стр. 169

وأكلوا أثمانها)، فإن مقتضى ما قدرته من القاعدة يكون اللفظ المركب من التحريم مع الشحوم موضوعا في العرف لما هو المتبادر منه، وهو الأكل، فإنه لا يفهم السامع من قول القائل حرم الله تعالى الشحم إلا تحريم أكله، كما أنه لا يفهم من تحريم الميتة إلا تحريم أكلها، دون سائر الأفعال، والقاعدة: أنه لا يلزم من تحريم أكل شيء تحريم بيعه؛ لأن الآدمي حرام الأكل (ويجوز بيع رقيقه، والخمر وبالبغال محرمة الأكل ويجوز بيعها إجماعا، والنبات الذي لعن رسول الله ﷺ اليهود على تحريم البيع مع لفظ (التحريم، والتحريم) إنما يفهم منه تحريم الأكل خاصة ولا يلزمن منه تحريم البيع. قلت: الجواب من وجهين: أحدهما: أن العين إذا كانت لها منفعة واحدة، وحرمت تلك المنفعة حرم بيع

стр. 170

تلك العين، فإن المعاوضة تعتمد وجود منفعة مقصودة، يصح تناولها شرعا، فإذا لم يبق في العين منفعة غير المحرمة، أو منفعة لا يقصد لها إلا نادرا- امتنع/ بيعها، ومنفعة الشحوم غالبا إنما هو الأكل، فإذا حرم الأكل حرم البيع؛ لانحصار المنفعة في المحرم أو ما هو نادر كطلاء السفن بالشحوم، فإنه (إنما) يقصد إليه أحيانا قليلة (في بقاع قليلة) وهو موارد السفن في البحار المالحة، فلذلك حسن لعن اليهود على البيع. وثانيهما: أنا نستدل بالأثر على المؤثر، فنستدل بورود اللعن على البيع، أن الله تعالى لما حرم الشحوم على اليهود حرم عليهم مطلق الانتفاع بهما، فلما باعوا فقد خالفوا النهي فاستحقوا اللعن على البيع بعد هذا التحريم. ***

стр. 171

الباب العاشر في الفرق بين ثبوت الحكم في الكلي، وبين نفي الكلي أو النهي عنه اعلم أن هذا الباب شريف يحتاج إليه الفقيه في الفروع، وينشأ (له منه) فروق ومدارك حسنة، وإشكالات قوية، ويتلخص باب العموم اللفظي ويكون المدرك منه عقليا قطعيا. وتحرير الكلام أن نقول: ثبوت الحكم في المشترك (يكفي فيه فرد، ونفي المشترك) الكلي يقتضي النفي عن كل فرد بحيث يحصل ما لا يتناهى من المحال التي ثبت فيها النفي.

стр. 172

وتقرير ذلك بالمثال والبرهان: أنه يصدق أن الإنسان في جنس الحيوان قطعا ولم يلزم من ذلك استيعاب الإنسان لجميع موارد الحيوان، بل هو في أقله، ولذلك يصدق أن زيدا في الحيوان ولم يبعد شخصا منه؛ لأنه ثبوت في مشترك، فالثبوت في المشترك معناه: اجتماع الماهية الكلية مع ذلك الثبوت إما فرد، أو نوع، أو حكم، وصدق اجتماعهما يكفي فيه فرد من غير احتياج إلى محل ثان للاجتماع، حينئذ يصدق، والدال على اجتماعهما صادق بفرد وبأكثر منه، فهو يدل على أعم من الكل أو البعض، والقاعدة: أن الدال على الأعم غير دال على الأخص؛ لأنا إذا قلنا: في الدار إنسان، لا يقتضي أنه زيد، وإذا قلنا: في الدار جسم، لا يدل على أنه نام، وإذا قلنا: إنه نام، لا يدل على أنه حيوان، وإذا قلنا: إنه حيوان، لا يدل على أنه إنسان، وكذلك كل دال على ماهية كلية لا يدل على شيء

стр. 173

من أنواعها/ ولا شيء من أشخاصها بعينه، فاللفظ الدال على الأمر الأعم الذي هو مسمى اجتماع المعنى الكلي مع ذلك الحكم، أو مع تلك الحقيقة الأخرى، لا دلالة له على الاجتماع في كل الأفراد، ولا على الاقتصار على بعضها؛ لأن مدلوله أعم من القسمين، بل اللازم عن ذلك محل واحد لابد منه، فلذلك قلنا: إن ثبوت الحكم في المشترك لا يقتضي إلا فردا واحدا، وإن كان تكليفا خرج المكلف عنه بفرد واحد، وكذلك الإخبار عن ثبوت الحكم في مشترك (يصدق بفرد واحد، فالأمر بالمشترك الإخبار عن ثبوت الحكم في مشترك) من باب واحد. وأما نفي المشترك بطريق الخبر عنه أو النهي عن المشترك وتحريمه فلا يصدق إلا بنفي كل فرد؛ لأن معنى الإخبار عن نفي المشترك أن هذه الماهية الكلية لم تدخل الوجود، فلو دخل منها الوجود لدخلت تلك الماهية في ضمنه، فيكذب الخبر القائل: إن الماهية لم تدخل الوجود. وكذلك النهي عن المشترك معناه: طلب إعدام تلك الماهية المشتركة الكلية، فلو عبر فرد منها الوجود لكانت تلك الماهية الكلية قد دخلت الوجود، فكان النهي مخالفا، والمكلف عاصيا آثما.

стр. 174

فظهر أن الإخبار عن نفي المشترك، والنهي عن المشترك يدلان على إعدام كل فرد من أفراد ذلك المشترك، بحيث لو دخل فرد الوجود لكان مخالفا لدلالة اللفظ، فظهر أن نفي المشترك، والنهي عنه يقتضي العموم في طرف العدم، وأنه يشمل من المحال ما لا يتناهي، وهذا هو العموم اللفظي، أن يكون لنا لفظ دال على ثبوت حكمه لما لا يتناهي من الأفراد، وظهر أن ثبوت الحكم في المشترك مطلق يصدق بفرد واحد، ولا دلالة للفظ على فرد آخر، وظهر لهذا التقرير الفرق الجلي الواضح بين ثبوت الحكم في المشترك وبين نفيه عن المشترك، وأن أحدهما يقتضي العموم دون الآخر. و ينبني على هذا الفرق ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: أنه قد وقع الخلاف بيننا وبين الحنفية في قول العرب: لا رجل في الدار، مع (أن) الاتفاق على اقتضائه للعموم: هل العموم حصل فيه النفي؟ لان النفي فيه موضوع لنفي الحقيقة الكلية التي هي مفهوم الرجل، / ولزم من نفيه نفي كل فرد؛ لأنه لو ثبت فرد لما كانت حقيقة الرجل منفية؛ لاستلزام ذلك الفرد الحقيقة الكلية، هذا هو المذهب المحكي عن الحنفية، وظاهر قولنا وقول الجمهور: أن العرب وضعت هذا التركيب، وهو قولنا: لا رجل في الدار

стр. 175

ونحوه، للقضاء بالنفي على فرد فرد من أفراد الرجال، فتكون الخصوصيات في كل رجل على رأينا منفية للفظ مطابقة، وعلى رأيهم تكون منفية التزاما، وما ذكرناه أولى بالصواب لوجوه: الأول: أن المتبادر في العرف، وأن المتكلم قصد بنفيه هذا نفي كل رجل، لا نفي المشترك، وإذا كان هذا هو المتبادر عرفا، وجب أن يكون في اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير. الثاني: أن ما ذكرناه يقتضي الدلالة المطابقية، وما ذكروه يقتضي دلالة الالتزام، والمطابقة أولى من الالتزام. فإن قلت: دلالة الالتزام لازمة للفريقين، فإن الأفراد عندهم منفية بطريق الالتزام، وعندهم بطريق المطابقة، وعندكم الماهية (الكلية) مدلول عليها بطريق الالتزام؛ لأنه يلزم من نفي كل فرد نفي المشترك قطعا، والماهية الكلية عندهم مدلولة بطريق المطابقة، فكلا الفريقين له مدلول مطابقة ومدلول التزام، فبطل الترجيح. قلت: المطابقة الكلية وإن كانت في المذهبين والالتزام في المذهبين، إلا

стр. 176

أن مذهبنا أرجح على هذا التقدير أيضا؛ بسبب أن دلالة المطابقة عندنا في كل فرد، وهو عدد غير متناه، وهي عندهم في شيء واحد، وهو المفهوم الكلي غلط، وعندنا الدلالة الإلتزامية في شيء واحد وهو المفهوم الكلي، وعندهم في أفراد لا نهاية لها، فنصيبها حينئذ من الدلالة الراجحة أكثر، ومن المرجوحية أقل، ونصيبهم من المرجوحة أكثر، ومن الراجحة أقل، فكان مذهبنا أولى؛ لأن الذي نصيبه من الأرجح أرجح (هو ارجح)، فمذهبنا أرجح. الثالث: اتفاقنا على دخول الاستثناء على هذه الصيغة، فعلى رأيهم لم يخرج الاستثناء شيئا من مدلول اللفظ، فإن مدلوله عندهم إنما هو الماهية الكلية، وما عداها إنما حصل/ بطريق اللزوم، فالمدلول مطابقة لا يقبل الاستثناء، فإن زيدا المستثنى أو العدد الكثير نحو قولنا: لا رجل في الدار إلا بني تميم، لا يتصور دخوله في الماهية الكلية حتى يخرج منها، فيكون الاستثناء عندهم إنما يصح من لازم المدلول مطابقة، وهي نفي الأفراد اللازم لنفي المشترك، ومتى كان النفي من لازم مسمى اللفظ، دون مسمى اللفظ، كان منقطعا، وعلى رأينا يكون من مسمى اللفظ؛ لأن مسمى اللفظ عندنا

стр. 177

الكلية، والجزئية داخلة فيها، وكل فرد يشار إليه داخل فيها، فيكون الاستثناء من مدلول اللفظ، فيكون متصلا، ومتى دار الاستثناء بين أن يكون متصلا أو منقطعا، كان جعله مصلا أرجح بالاتفاق، ومذهبنا حينئذ يستلزم الأرجح، ومستلزم الأرجح أرجح، فمذهبنا أرجح. الرابع: قال النحاة: قولنا: لا رجل في الدار، جواب لمن قال: هل من رجل في الدار؟ ، وكان الأصل في الجواب أن يقول: لا من رجل في الدار، فيدخل لفظ النفي على ما كان في لفظ المستفهم، ولما حذفت (من) - وهي مرادة- تضمن الكلام معنى النفي، وهو مع، فبني الاسم مع لا لذلك، وهذا الكلام من النحاة يقتضي: أن (من) في الكلام، و (من) لا تدخل إلا فيما يقبل التبعيض، والحقيقة الكلية ليس فيها كثرة أفراد حتى تتبعض، فتعين حينئذ أن (من) إنما تدخل على أفراد هذه الحقيقة، وتلك الأفراد هي المقصود بالجواب، فيكون قول العرب: لا رجل في الدار، مقصودة الأفراد لا الحقيقة الكلية، وهو المطلوب، فثبت بهذه الوجوه أن الحق

стр. 178

في هذه المسألة مع الجمهور دون الحنفية. الفائدة الثانية: المبنية على نفي الحكم عن المشترك، وهو نفي المشترك، والفرق بينه وبين ثبوت المشترك: هو أنا اختلفنا نحن والشافعية في قول القائل لأحد نسائه: إحداكن طالق، قلنا نحن: يطلقن كلهن، وقال الشافعية: يختار واحدة منهن، ووافقهم الحنفية على ذلك، وعامة المالكية يعللون هذه المسألة بالاحتياط في الفروج، وبتغليب التحريم على التحليل، وربما (استدلوا بقوله ﵊: (ما اجتمع) / الحرام والحلال، إلا غلب الحرام الحلال) ـ

стр. 179

وفي المسألة غور عظيم، ومدرك جميل، أولى من هذه الوجوه. ولقد اتفق اجتماعي يوما بقاضي القضاة صدر الدين، رئيس الحنفية، وكان ﵀ إماما في مذهبه، متفننا في عدة من العلوم، كثير الاستحضار لنوادر المسائل وشوارد المباحث، حسن الأخلاق والديانة، فقال لي: رآني اجتمعت ببعض فضلاء المالكية فسألته عن مذهب مالك في

стр. 180

هذه المسألة، فقال: يطلقن كلهن، قال: قلت له: لماذا؟ قال: احتياطا للفروج، قال: قلت له: يلزم من مذهب من مسالك خلاف الإجماع، لأن الكلام في هذه المسألة حيث لا نية للمتكلم بل أضاف حكم الطلاق إلى مفهوم (إحداهن)، وقد أضاف (الله) تعالى حكم الكفارة في ليمين إلى إحدى الخصال الثلاث، فنقول: إضافة الحكم إلى أحد الأمور: إما أن يكون مقتضاه لغة التعميم، أو لا يكون، وإنما (كان) يلزم خلاف الإجماع، فإن كان مقتضاه تعميم الحكم يلزم وجوب جميع الخصال ويعم الحكم فيها، وهو خلاف الإجماع، وإن لم يكن مقتضى هذا اللفظ تعميم الحكم يون التعميم في مسألة الطلاق بغير مقتضى ولا مستند، والحكم بغير مستند خلاف الإجماع (فعلم بأن مذهب مالك- ﵀ يلزم منه على التقدير خلاف الإجماع). قلت له- ﵀: هذا السؤال غير لازم بسبب ثلاث قواعد: القاعدة الأولى: أن مفهوم أحد الأشياء قدر مشترك بينهما، لصدقه على كل واحد منها، والصادق (على أمور) يجب أن يكون مشتركا بينهما، وإلا لتعذر صدقه عليها كلها، فإذا اجتمع في البيت ألف رجل كان مفهوم أحد الرجال صادقا على كل واحد من تلك الرجال، فزيد أحدهم، وعمرو أحدهم، وكذلك إلى آخرهم، فيكون مفهوم أحدهم مشتركا بينهم. القاعدة الثانية: أن إيجاب المشترك الماهية الكلية يكفي في صدق حكمه
следующие страницы →