← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20860

العقد المنظوم في الخصوص والعموم

القرافي

Полный текст (844 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بمقدور، فيلزم أن يكون صيغة العموم تستحيل عقلا أن تستعمل حقيقة مع حكم شرعي، وما قال أحد من العقلاء ذلك، بل قال: كل صيغة للعموم وقعت في حكم شرعي فإنه يمكن التعميم فيها عقلا، وقد لا يقع هذا الممكن لمعارض ودليل يدل على عدم الحقيقة ووجوب المصير إلى المجاز، أما الاستحالة: فلم يقل بها أحد، فلا سبيل حينئذ أن يقول أحد: إن مسمى العموم هو غير المتناهي بهذا التفسير، كما أنه لا سبيل إلى القول بأن صيغة العموم حقيقة في غير المتناهي المفسر بما له غاية لا يجب الوقوف عندها؛ لأنه يلزم أ، يكون مجازا في قولنا: معلومات الله تعالى ومخبراته، وعدمات الممكنات، وغيرها مما تقدم من النظائر، ولا يقول أحد من القائلين بالعموم أن صيغة العموم في هذه المواد مجاز، بل هي حقيقة في الجميع، ولهذه الغاية قلت في الخاصية التي قبل هذه: إن صيغة العموم حقيقة في القدر المشترك بين القسمين، حتى تنطبق صيغ العموم على جميع هذه الموارد. واعلم أنه كما يتعذر تعلق الأحكام الشرعية بمسمى العموم في هذا النوع الذي هو مفسر بمسلوب الغاية فكذلك يتعذر الخبر بوجوده ودخوله في

стр. 107

الوجود، على وجه يكون الخبر صادقا، بل لا يقع الخبر عن وجود هذا النوع إلا كذبا؛ لدلالة البراهين العقلية على استحالة دخول/ مالا يتناهى في الوجود بهذا التفسير، وجميع مسميات الألفاظ العربية ليس فيها شيء يكون أحد نوعية يقبل الوجود والإخبار عن وجوده وتعلق الأحكام الشرعية به، والنوع الآخر لا يقبل ذلك، بل جميع مسميات الألفاظ إما أن تكون قابلة للأحكام الشرعية والخبر عن وجودها وتقبل الوجود في نفسها كالجماد والنبات والحيوان وغيرها من مسميات الأجناس، أو تكون كلها لا تقبل شيئا من ذلك كقولنا: عدم، ومستحيل، ودور، وتسلسل، وغير ذلك مما لا يقبل الوجود بجميع أنواعه وأفراده، ولا يقبل صدق الخبر عن الوجود ولا يقبل حكما شرعيا، إلا أن نفرغ على جواز تكليف ما لا يطاق، فيقبله كله، أما أن يوجد نوع من المسمى يقبل ونوع لا يقبل والمسمى واحد فهذا من خواص صيغ العموم ولا يوجد في غيرها من مسميات الألفاظ. الخاصية الرابعة لصيغ العموم: انقسام مسماها إلى نوعين: أحدهما: يمكن تصوره على التفصيل، فالذي يمكن تصوره على

стр. 108

التفصيل هو غير المتناهي المفسر بما له غاية لا يجب الوقوف عندها كالمشركين، والميتة، ونحوهما؛ مما تقدم من مثله، ومنه نعيم أهل الجنة، ومقدورات الله تعالى. والذي لا يمكن تصوره على التفصيل هو النوع المفسر بمسلوب النهاية والغاية كمعلومات الله تعالى ونحوها، فإن تصورنا لهذه الأفراد مع عدم تناهيها على التفصيل كل فرد على حياله مستحيل عقلا، بل إنما يتصور إجمالا، فتتصوره (من حيث) إنه غير متناهي، فيقع في ذهننا المعلومات مثلا من حيث هي معلومات مع وصف سلب النهاية، فهذان الوصفان يمكن أن يقع مجموعهما في ذهننا، أما الأفراد على التفصيل كل فرد على حياله حتى تستوعب ما لا يتناهى فهذا محال عقلا في حق الخلق، وإنما يحيط بذلك على التفصيل علم الله تعالى. أما بقية مسميات الألفاظ فهي قسمان: أحدهما: يمكن تصوره على التفصيل، كأنواع الجماد، والنبات،

стр. 109

والحيوان، فهذا النوع قابل لحصول العلم به في حقنا/ على التفصيل. والقسم الآخر لا يمكن تصوره ألبتة على التفصيل، بل من حيث الإجمال فقط. أما التفصيل فمستحيل عقلا وكذلك قسمان: أحدهما: المستحيلات كلها، فإن القاعدة العقلية: أن كل ما استحال وجوده في الخارج استحال في الذهن، فكما تعذر أن يقع في الخارج ثوب أسود في غاية السواد وهو أبيض في غاية البياض، فكذلك يستحيل تصور ثوب أسود في غاية السواد وهو أبيض في غاية البياض، وكذلك بقية المستحيلات. القسم الثاني: الأعدام لا يمكن تصورها ألبتة، فإن كل ما يتصوره

стр. 110

الإنسان (لا بد له في الذهن من تحقق) بوجه ما، والعدم نفي صرف، مناف للتحقيق بوجه ما، فالعدم الصرف والنفي المحض لا يمكن تصوره ألبتة. فإن قلت: يلزمك بطلان إحدى القاعدتين العقليتين القطعيتين: القاعدة الأولى: أن الحكم على الشيء فرع تصوره، وأخذ الشيء بالرد والقبول فرع كونه معقولا، فما لا يقع في الذهن استحال الحكم عليه. القاعدة الثانية: أنا نحكم على المستحيلات والعدمات، فنقول: المستحيل لا يقبل الوجود، والعدم يقبل الوجود، إلى غير ذلك من الأحكام، فيبطل حينئذ أحدى القاعدتين، إما أن لا نحكم على المستحيلات والعدمات، وإما أنا نتصور المستحيلات والعدمات، وكلا الأمرين محال، فكيف الخلاص من هذه الورطة؟ قلت: هذه السؤال كان الشيخ شمس الدين الخسر وشاهي يورده ويجيب عنه بأن يقول: الحكم على الشيء إنما يستدعي تصوره من حيث الجملة لا

стр. 111

من حيث التفصيل، ولذلك نحكم على المغناطيس أنه يجر الحديد، وعلى الترياق الفاروق أنه يدفع السموم، مع أنا لا نعلم حقيقة المغناطيس على التفصيل ولا حقيقة الترياق على التفصيل، ونظائر كثيرة جدا. وإذا كان الذي يشترط في الحكم على الشيء إنما هو الشعور به من حيث الجملة لا من حيث التفصيل، فتقول: نح نتصور المستحيلات من حيث بسائطها لا من حيث حقائقها/ من حيث هي مستحيلات ومجموعات، فإذا قلنا: الجمع بين السواد والبياض محال، فيتصور مطلق السواد ومطلق البياض ومطلق الجمع، ونقول: حصول هذا مطلق الجمع لهذين محال،

стр. 112

وهذه الثلاث هي بسائط هذا المستحيل، وهي ممكنة في نفسها، فما تصورنا ووقع في ذهننا إلا ممكن وكنا بسبب تصورها متصورين لهذا المستحيل من حيث الجملة؛ لأن التصور الإجمالي هو تصور الشيء من بعض وجوهه وبسائطه الشيء هي بعض وجوهه. وكذلك إذا قلنا: شريك الباري تعالى محال، فإنا نتصور صانع العالم من حيث هو صانع العالم ونتصور مطلق الشريك من حيث هو هو، ونقول: حصول هذا مطلق الشريك لله تعالى محال، فقد تصورنا هذا المستحيل من حيث بسائطه وهي وجه فيه، فقد تصورناه من حيث الإجمال وصح الحكم عليه لذلك، وما تصورنا إلا ما هو موجود في الخارج لا مستحيل، فاجتمع القاعدتان ولم تبطل واحدة منهما، فما حكمنا إلا على ما تصورناه، ولم نتصور مستحيلا في الخارج بل ممكنا. وأما العدم: فإنه لا بسائط له؛ لأنه لا تركيب فيه، بل تصوره يتصور مقابله وهو الوجود، فإذا قلنا: العدم نقيض الوجود، فإنا نتصور الوجود، ونقول: مقابل هذا الذي تصورناه نقيضه، وكذلك إذا قلنا: عدم العالم قديم، نتصور وجود العالم، ونقول: مقابله قديم، وكذلك بقية الأحكام

стр. 113

التي يقضى بها على العدم إنما نتصور مقابله، وتصوره بتصور مقابله تصور له من جهة، فهو تصور إجمالي، والتصور الإجمالي يكفي في الحكم على الشيء، فاجتمع القاعدتان أيضا، فما حكمنا إلا على ما تصورناه إجمالا، ولم يقع العدم بما هو في ذهننا، فاندفع السؤال مطلقا وثبتت القاعدتان، وحينئذ يظهر لك أن مسميات هذه الألفاظ- أعني ألفاظ المستحيلات والأعدام- يستحيل تصورها، فعلمنا حينئذ أن مسميات ما عدا صيغ العموم إما أن يكون متعذر/ التصور مطلقا بجميع أفراده وأنواعه أو ممكن التصور مطلقا، أما انقسام مسمى واحد إلى نوعين أحدهما يقبل التصور والآخر مستحيل عليه التصور فهذا من خواص مسمى صيغ العموم. الخاصية الخامسة لمسمى صيغ العموم: أنها تقبل أن يستثنى منها ويخرج ما لا يتناهى (ويبقى بعد إخراج ما لا يتناهى) أيضا، فإن المشركين مثلا مسماه غير متناه، كما تقدم تحقيقه مرارا، فإذا أخرجنا منهم الرهبان أو قبيلة من القبائل، وقال الله تعالى: هذه الفرقة لا تتعرضوا لها في حالة من الحالات، كان الخارج غير متناه، فإن الرهبان مثلا، وبني تميم مثلا عددهم لا يجب الوقوف فيه عند غاية كالمشركين في بابه، فإذا أخرجناهم من المشركين بقي من الفرق المشركة فرق عديدة كل فرقة منها غير متناهية بهذا

стр. 114

التفسير، وكذلك بقية صيغ العموم، فتأمل ذلك. هذا إذا فسرناه بما لا غاية لا يجب الوقوف عندها، وإن فسرناه بغير المتناهي المسلوب الغاية مطلقا فلذلك متيسر فيه بطريق الأولى. وأما بقية مسميات الألفاظ: فأما أسماه الأجناس فليس فيها إلا الأجزاء، وهي متناهية كأجزاء الحيوان، وأجزاء الإنسان، فالمخرج منها متناه والباقي متناه، وكذلك أسماء الأعداد والأعلام فلا نجد مسمى يخرج منه ما لا يتناهى ويبقى ما لا يتناهى إلا مسمى صيغ العموم خاصة، فلذلك من خواصها. الخاصية السادسة لصيغ العموم: أن الحكم الثابت لمسماها إذا ثبت لكله ثبت لبعضه ، ولا فرق في ذلك بين الكل والبعض في أي حكم فرضته أمرا كان، أو نهيا، أو خيرا، أو غير ذلك. وأما غيرها من المسميات: فلا يلزم ثبوت حكم الكل للبعض، بل قد يقع في بعض الأحكام دون بعضها، وفي بعض المواد دون بعضها، فإن نفي الكل لا يلزم منه نفي الجزء، كما إذا انتفى الكل المركب من الحيوان والناطق الذي هو مسمى الإنسان، فإنه قد يصدق نفيه بالنطاق فقط ويبقى الحيوان،

стр. 115

فيصدق أنه ليس في الدار الإنسان، مع أن فيها حيوانات كثيرة، وكذلك النهي عن قتل الإنسان لا يلزم منه النهي/ عن قتل الحيوان، وكذلك النهي عن مسمى خمس ركعات في الظهر لا يلزم منه النهي عن الأربعة، والنهي عن مسمى المائة في حد القذف، لا يلزم منه النهي عن الثمانين، وهذا إنما يتصور في النهي وخبر النفي دون الأمر وخبر الثبوت، فإن الأمر بالمركب أمر بأجزائه ضرورة، والإخبار عن ثبوت المركب إخبار عن ثبوت إجزائه؛ (لضرورة توقف ثبوت المركب على ثبوت أجزائه)، ونفيه يكفي فيه أحد أجزائه، فيصدق أن زيدا ليس عنده نصاب، بذهاب أحد الدنانير وإن بقي عنده تسعه عشر دينارا. وأما صيغ العموم فلا يختلف الحال فيها بين النفي والنهي والأمر والثبوت، والكل والبعض في ذلك سواء، فإذا قلت: لا رجل في الدار، الكل منفي والبعض منفي، وإذا نهى عن شيء بصيغة العموم استوى الكل والبعض كقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾، ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ فكل ميتة محرمة، وكل نفس محرمة القتل، وكذلك جميع الميتات، وكذلك جميع النفوس، فالاستواء في

стр. 116

جميع الأحكام بمقتضى الوضع الخاص بصيغة العموم. نعم، قد تختلف الجزئية والكلية في الحكم بسبب طريان المخصص، لكن (ليس ذلك) من قبيل الوضع، بل جاء من خارج على سبيل المناقضة لوضع صيغة العموم، ولذلك يشترط في المخصص دائما أن يكون منافيا، فظهر حينئذ أن وجوب الاستواء في جميع الأحكام لمجرد الوضع إنما يوجد في صيغة العموم خاصة. الخاصية السابعة لصيغ العموم: أن أحد مجازاتها الذي هو التخصيص وسلب الحكم عن بعضه وثبوته في البعض مدلول للحقيقة في جميع الأحكام ، فكل حكم ثبت للبعض بعد التخصيص هو كان مدلولا عليه قبل التخصيص وفي (صورة الحقيقة)، فقتل الحربين إذا ثابت سواء ورد التخصيص بهم وفي (صورة الحقيقة)، فقتل الحربين إذا ثابت سواء ورد التخصيص بهم إن كان قتل الجميع ثابتا، وكذلك النفي والنهي، وجميع الأحكام إذا دخلها التخصيص كان الحكم الثابت في بعض العموم مدلولا لصيغة العموم

стр. 117

قبل التخصيص كما (هو) ثابت بعده، وهذه الخاصية لا يشركها فيها إلا المسميات المركبة/، فإنه إذا عبر بلفظ الكل عن الجزء كان مجازا، ومع ذلك فحكم الجزء يدل عليه لفظ الكل، لكن في الأمر، وخبر الثبوت خاصة، أما في النهي والنفي فلا، وصيغة العموم ذلك عام فيها في جميع الأحكام الأربعة: بالأمر، والنهي، و (خبر) الثبوت، والنفي، فمن هذا الوجه حصل لها الاختصاص، لا باعتبار بعض الأحكام، فإن ذلك يشركها (لفظ كل) مركب، فتأمل ذلك، هذا في مجاز التخصيص.

стр. 118

أما إن استعمل اللفظ الموضوع للعموم (لا في شيء من موارد) مسماه، بل مجازا بالكلية كقولنا: أحببت الأسود، وتريد الشجعان، أو كرهت الحمير، وتريد البلداء، فهذا النوع من المجاز لا يختص بصيغ العموم، ولا يدل عليه لفظ حقيقة ألبتة، وإنما خاصية صيغ العموم في التخصيص باعتبار جميع الأحكام، لا باعتبار بعضها كما تقدم. الخاصية الثامنة: رجحان مجاز صيغ العموم على جميع المجازات إذا حصل بطريق التخصيص في حكم النهي والنفي ، فإنه مدلول للحقيقة فلا تحتاج إلى دليل بعينه إذا دل الدليل على عدم إرادة العموم بخروج فرد معين أو طائفة معينة منه، فإن اللفظ يحمل على ما يبقى من غير قرينة ترشد إليه؛ لأن صيغة العموم تتقاضاه قبل التخصيص، بخلاف غيره من المجازات، فإن لفظ الحقيقة لا يرشد إليه، فإذا دل الدليل على عدم إرادة الحقيقة لا بد من دليل يدل على المجاز المراد، وإلا وجب التوقف، وهذا

стр. 119

إنما يتم في النفي والنهي، أما الأمر وخبر الثبوت: فإن الألفاظ الموضوعة بإزاء المسميات المركبة إذا عبر بها عن جزء مسماها فإن هذا المجاز مدلول لفظ الحقيقة كما تقدم، وإنما حصل الاعتبار بصيغة العموم إذا كان الحكم نفيا أو نهيا.

стр. 120

الباب التاسع في الأسباب المفيدة للعموم وهو إما في اللغة أو العرف، والمفيد له لغة، إما بنفس اللفظ، أو بواسطة ما ينضم إليه، والذي يفيده بنفسه إما مطابقة، أو تضمنا، أو التزاما، والعرف: إما أن يقع/ في المفردات أو المركبات، فهذه ستة أسباب: السبب الأول: وهو الأصل في الباب، المفيد للعموم لغة بطريق المطابقة ، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ وسيأتي تفصيل صيغها- إن شاء الله تعالى- وسردها والحديث عليها في باب مفرد لها، تذكير فيه. السبب الثاني: المفيد للعموم بدلالة التضمن لا بالمطابقة ، وهذا ليس (له) في لسان العرب إلا نوعان من الموضوعات: الأوامر، والنواهي،

стр. 121

لا ثالث لهما، إذا قلنا: بأن الأمر للتكرار، والنهي للتكرار، أما إذا لم نقل ذلك- على الخلاف فيه بين الناس- فلا يوجد له مثال ألبتة.

стр. 122

وبيان ذلك: أنا إذا قلنا: الأمر للتكرار كان موضوعا لطلب الفعل بوصف التكرار في جميع الأزمنة الممكنة، فيكن مسمى هذا للفظ حينئذ مركبا من شيئين، أحدهما: طلب الفعل، والثاني: تكرره، فسيكون اللفظ دالا على المجموع بطريق المطابقة، وعلى كل واحد من الجزأين بطريق التضمن، فيكون التكرار مدلولا عليه بطريق التضمن، وهو استيعاب للأزمنة الممكنة على وجه الاستغراق، على وجه الكلية، فيكون العموم (الذي) هو الكلية مدلولا عليها بالتضمن وهو عموم، وذلك هو المطلوب. ولذلك إذا قلنا: النهي للتكرار إن كان دالا على طلب الفعل مع وصف التكرار في جميع الأزمنة المستقبلية، فيكون وصف التكرار جزء المسمى، فيكون اللفظ دالا على هذا العموم الزماني دلالة تضمن وهو المطلوب. أما إذا قلنا: بأن الأمر والنهي ليسا للتكرار، فإنهما حينئذ إنما يدلان على أصل الطلب من غير تعرض لعموم الزمان واستغراقه، فلا يفيدان العموم ألبتة، وليس في لسان العرب للعموم بطريق التضمن إلا هذان النوعان

стр. 123

على هذا الخلاف في إفادتهما للتكرار. فإذا قلت: الحصر ليس ثابتا في هذين النوعين فإن الصبوح والغبوق موضوعان للفعل بوصف أول النهار في الصبوح، وبوصف آخر النهار في الغبوق، فيكون اللفظ دالا بالتضمن على/ الزمان فيهما، وكذلك لفظ الحاضر والماضي والمستقبل، كل واحد منها يدل على وقوع أمر في الزمن الماضي والحاضر والمستقبل، فالزمان مدلول لها تضمنا، كما قلته في الأمر والنهي، وكذلك صيغ الأفعال تدل على الحدث والزمان مطابقة، وعلى الزمان وحده تضمنا، وهي صيغ كثيرة جدا، فالحصر ليس بثابت. قلت: ليس الأمر كذلك، بل الحصر ثابت. وأما النقض بالصبوح والغبوق، فإن أوردها السائل معرفين باللام فالعموم ثابت بالمطابقة، فإن لام التعريف يفيد العموم مطابقة، والمدعي

стр. 124

الحصر فيه إنما هو فيما يفيد العموم تضمنا، فأين أحدهما من الآخر؟ وإن أوردهما السائل منكرين، فالعموم منفي بالكلية؛ لأن النكرة في سياق الإثبات إنما تفيد المطلق، لا العموم، فما حصل نقض بذلك، وإن أوردهما منكرين في سياق النفي (فالنكرة في سياق النفي) في مثل هذه المادة إ ن لم يقترن بها لفظ كانت مطلقة أيضا، نقله الجرجاني في أول شرح الإيضاح، والزمخشري في الكشاف، وغيرهما، فلا عموم مطلقا، فلا نقض، وإن

стр. 125

أوردهما في سياق النفي مع لفظ (من) حصل العموم، ولكن مدلولا بمطابقة في النكرة في سياق النفي بهذا الوصف يفيد العموم مطابقة، والكلام فيما يفيده بطريق التضمن. فإن قلت: أوردهما معرفين باللام، أو في سياق النفي منكرين مع لفظ (من) حتى يكون العموم مسلما، ويحصل المقصود من النقض حينئذ بسبب أن لام التعريف والنفي مع (من) وإن كان موضوعا للدلالة على العموم مطابقة غير أن المدلول المطابقي هو استيعاب كل فرد فرد من أفراد الصبوح والغبوق بحكم الإثبات أو النفي، وإذا كان دالا على استيعاب جميع الأفراد بالمطابقة فيكون كلية أفراد كل واحد من المعنيين مدلولا بالمطابقة، وفي كل فرد من أفراد هذه الكلية جزء هو زمان، فيصير الزمان مدلولا تضمنا/ من جهة أنه جزء كل فرد من أفراد الكلية، فقد حصل العموم في الأزمان مدلولا بالتضمن، ولا يمكن أن يقال: إنه مدلول بالمطابقة؛ لأن اللفظ لا يدل بالمطابقة

стр. 126

على شيئين إلا بطريق الاشتراك، وصيغة الغبوق أو الصبوح ليست مشتركة، (ونحوه إذا) قلنا: كل عشرة زوج، فإنه دال على أفراد العشرات واستيعابها بالمطابقة على الخمسة في ضمن كل عشرة بالتضمن، وكذلك: كل إنسان حيوان، فإنه يدل على استيعاب كل إنسان إنسان بالمطابقة، وعلى الحيوان بالتضمن، وكذلك الصبوح والغبوق المعرفين بلام التعريف، أو في النفي مع لفظ (من) يحصلان للعموم تضمنا، فلا يحصل الحصر في الأمر والنهي. قلت: هذا بحث حسن، وكلام متجه، غير أني لا أدعي الحصر في الدال بالتضمن على العموم إلا فيما هو جزء المسمى في المرتبة الأولى بأن يكون اللفظ وضع لجزأين، أما في الصبوح والغبوق بما ذكرتم من التفسير: فالزمان جزء الجزء، لا أنه الجزء الأول، ولا ندي الحصر إلا في مثل هذا، أما إذا فتحنا باب أجزاء الأجزاء وإن تعذر، فلا يثبت الحصر، بل يكون له في لسان العرب مثل كثيرة. وأما قول السائل: الحاضر والماضي والمستقبل، فإن أوردهما منكرين في الإثبات لم يعما، وكان مطلقين، أو معرفين بلام التعريف أو مع النفي بلفظ (من) كان اللفظ دالا على العموم في أفراد الماضي والحاضر والمستقبل مطابقة وتضمنا، ويكون الزمان جزء لفرد من كل واحد من هذه الأنواع، فيكون جزء الجزء، لا الجزء الأول في الرتبة الأولى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الصبوح والغبوق سؤالاً وجواباً.

стр. 127

وأما صيغ الأفعال: فالجواب عنها: أنها مطلقات إن كانت في سياق الإثبات نحو: قام، يقوم، فلا عموم حينئذ، فلا نقض، وإن كان الفعل في سباق النفي نحو قوله تعالى: ﴿لا يموت فيها ولا يحيى﴾، ففي إفادته للعموم خلاف على القول به، وهو الصحيح، لكون الصيغة دالة على نفي المصادر واستيعابها بالمطابقة، وعلى الزمان أيضا بالمطابقة، فإن الفعل إنما/ يدل على الزمان بصيغته ووزانه، فقولنا: ضرب، إنما يدل على الزمن الماضي، لكونه على وزن (فعل)، لا بحروفه وهي الضاد والراء والباء، وكذلك بقية أمثلة المضي، وقولنا (يضرب) إنما يدل على الزمن الحاضر أو المستقبل على الخلاف فيه لأي الأزمنة وضع بكونه على وزنه (يفعل) (لا بحروفه)، (بل بوزنه) فيحصل حينئذ الجواب عنها من وجهين: أحدهما: أن الأفعال لا عموم فيها، بل هي مطلقة، فإذا قلنا: (ضرب) دل على وقوعه في فرد واحد من أفراد الزمن الماضي، ولا دلالة له على فردين منه، وكذلك المضارع، إنما يدل على وقوعه في الزمن الحاضر وهو فرد لا عموم فيه، أو في فرد من أفراد المستقبل، لا في فريقين منه، وإذا كانت

стр. 128

أمثلة الماضي والمضارع مطلقة، لا ترد نقضا على العموم، وأدعي الحصر في الدال عليه في ذلك النوعين. وثانيهما: أن الصيغة حينئذ هي الدالة على الزمان، وهو كمال مدلولها، والحروف لا تدل على الزمان ألبتة، فما وجد في الأفعال دال على الزمان بطريق التضمن ألبتة، بل الصيغ تدل على الزمان، والحروف الأصلية وهي الضاد والراء والباء مثلا تدل على المصدر، فهما شيئان دالا على شيئين، كل واحد منهما يدل على مدلوله بطريق المطابقة، فلا نقض حينئذ على الدال بطريق التضمن. وها هنا دقيقة حسنة وفائدة جميلة وهي: أن العرب قد تضع الحروف مع الوزن للمعنى، ويكون المجموع المركب منهما (وهو الموضوع) دون أحدهما بإفراده، وهذا هو غالب أوضاع العرب نحو: فرس، فإن الفاء والراء والسين مع كونه على وزن (فعل) موضوع للحيوان المخصوص، فلو قال الإنسان (فعل) وحده الذي هو الوزن لم يفد الحيوان المخصوص، وكذلك لو نطق بالحروف المخصوصة على غير هذا الوزن فقال: (فرس) بضم الفاء أو بكسرها لم يكن ذلك هو اسم الحيوان

стр. 129

المخصوص، بل لابد من الحروف المخصوصة، والوزن المخصوص. وكذلك غالب أسماء الأجناس على ذلك. وقد تضع العرب الوزن وحده دون الحروف، وله أمثلة في لسان العرب: الأول: صيغ أمثلة الماضي. الثاني: صيغ أمثلة المضارع. الثالث: صيغ أمثلة/ الأمر نحو: أفعل، وانفعل. وغير ذلك من الصيغ التي إذا أطلقت كما تراه مجردا عن حروف المصادر المعينة، دل على الزمان المستقبل والطلب. الرابع: صيغ أمثلة النهي نحو: لا تفعل، فإنه يدل على الزمان المستقبل والطلب، وإن لم ينطبق مع هذا الوزن بحروف المصادر المخصوصة. الخامسة: (المفعل) هذا الوزن يدل على المكان والزمان والمصدر، وهو مشترك بين الثلاثة بنص النحاة، فإذا قلنا: مضرب، احتمل زمان الضرب ومكانه والضرب نفسه. السادس: (المفعل) بكسر الميم للآلة التي يفعل بها الشيء نحو: المنجل، والمرود، والمروحة والمغرفة، ونحو ذلك.

стр. 130

السابع: (الفعلة) بفتح الفاء، هذا الوزن وحده مجردا عن حروف المصادر المخصوصة يدل على المرة الواحدة من أي مصدر كان. الثامن: (الفعلة) بكسر الفاء، يدل هذا الوزن على الهيئة والحالة، وإن لم تنطق معه بالحروف المخصوصة بالمصادر، فنقول: لبسة حسنة، وعمة جميلة، وجلسة طويلة أو قصيرة ونحو ذلك، وقد جمع هذه الأربعة بعض الأدباء في بيت من الشعر لتيسير الضبط فقال: المفعل للبقعة، والمفعل للآلة ... والفعلة للمرة، والفعلة للحالة التاسع: قولنا: فاعل، ومفعول ومفعل بالكسر،

стр. 131

ومفعل بالفتح إلى غير ذلك من أسماء الفاعلين والمفعولين، فإن العرب وضعت صيغة ضارب مثلا للدلالة على الفاعل، والحروف الأصلية في هذا الوزن للدلالة على المصدر الذي كان به هذا الفاعل فاعلا. العاشر: صيغة أفعل التفضيل، فإن صيغة أفعل إذا نطق بها مجردة عن حروف المصادر الأصلية أفادت التفضيل وإن لم يعلم المفضل فيه. الحادي عشر: صيغ المبالغة نحو: فعال بتشديد العين، ومفعال، وفعيل، وفعول، وغير ذلك مما عدل به عن فاعل، فإن هذه الصيغ إذا نطق بها مجردة عن الحروف المعينة في كل مصدر أفادت المبالغة، ولم تضع العرب للمبالغة إلا الصيغ وحدها، فإذا قلت: عليم، فالذي وضع للمبالغة إنما هو الصيغة خاصة، وأما العين واللام والميم فلم توضع للمبالغة، بل للدلالة/ على المصدر الذي وقعت فيه المبالغة، وكذلك بقيتها. الثاني عشر: المفعلة، هذا الوزن في وضع اللسان لما يكثر فيه الشيء نحو: المسبعة، والمذأبة والمقتلة، إذا كثر بالمكان واحد من هذه الأجناس المذكورة.

стр. 132

الثالث عشر: قال بعض الأدباء: الفرق بين الفعالة بالفتح والكسر والضم، فبالفتح للسجايا النفسية والأخلاق الجبلية نحو: الشجاعة، والسخاوة، والنجابة، والسماحة، وبالكسر لما كان صناعة ومحاولة نحو: الخياطة، والتجارة، والصياغة، والدلالة، والكتابة، وبالضم لما كان فضلة ويطرح نحو: النخالة، والقصالة، والسجالة، والقمامة، والزبالة، وهذا هو غالب كثير في هذه الثلاثة ولا يلزم فيه الاطراد، وإنما ذكرت لك هذه النظائر لتعلم أن العرب قد تضع الصيغة وحدها دون الحروف، وأن ذلك ليس خاصا بأوزان الأفعال. السبب الثالث: المفيد للعموم بطرق دلالة الالتزام، دون المطابقة والتضمن: هو كل لفظ له مفهوم (موافقة، أو مخالفة، فإن ذلك اللفظ الذي هو مفهوم) مخالفة يدل بالمطابقة على ثبوت حكمه لمنطوقه بالمطابقة، ويدل بطريق الالتزام والمفهوم على سلب حكم ذلك المنطوق عن كل ما هو مغاير لذلك المنطوق، والمغاير لذلك المنطوق غير متناه؛ لأن غير كل شيء غير محصور بعدد، بل مسلوب النهاية، فإذا قلنا: إن جاءك زيد فأعطه دينارا،

стр. 133

يقتضي بمنطوقه إعطاء الدينار في حالة المجيء، وأن كل ما هو ليس بمجيء لا يعطي فيه الدينار بطريق الالتزام بمفهوم الشرط، وهذا الدال بالالتزام من مفهوم المخالفة عشرة أجناس، كلها مفهوم مخالفة، ويسمى دليل الخطاب، (ولحن الخطاب): الجنس الأول: مفهوم الشرط ، كقولنا: من تطهر صحت صلاته، يدل بالالتزام على أن من لم يتطهر لا تصح صلاته، وهذا المفهوم عام في الإنس والجن وغيرهما. الجنس الثاني: مفهوم العلة ، كقولنا: الكفر يخلد في النار، مفهومه: ما ليس بكفر لا يخلد في النار، وما ليس بكفر أفراده غير متناهية، مسلوبة الغاية، فقد دل بالالتزام على سلب الحكم على العموم في أفراد المسكوت/ عنه. الجنس الثالث: مفهوم الصفة ، كقولنا: السائمة يجب فيها الزكاة، مفهومه: أن ما ليس بسائمة لا يجب فيها الزكاة، وما ليس بسائمة عام فيما لا يتناهى.

стр. 134

فإن قلت: العلة صفة، فكيف فرقت بين مفهوم العلة ومفهوم الصفة مع أنهما واحد؟ قلت: الصفة أعم، فإنها قد تكون علة كالإيمان والكفر وغيرهما، وقد لا تكون علة بل مكملة للعلة، فإن السوم ليس علة وجوب الزكاة، وإلا لوجب علينا زكاة الوحش لأنها تسوم، بل هي مكملة للعلة، فإن علة وجوب الزكاة نعمة الملك، والسوم مكمل لهذه النعمة بتخفيف مؤنة العلف، فلذلك كان مفهوم الصفة غير مفهوم العلة، لكونه أعم. الجنس الرابع: مفهوم المانع ، كقولنا: الحيض يمنع من وجوب الصلاة، مفهومه أن ما ليس بحيض لا يمنع وجوب الصلاة، وما ليس بحيض أفراده غير متناهية بالعدد، فقد دل بالالتزام على ما لا نهاية له. فإن قلت: المانع علة وصفة فما وجه المغايرة بينهما؟ قلت: المانع يغاير العلة من جهة الأثر؛ لأن أثر المانع عدم الحكم، وأثر العلة ثبوت الحكم، ومن جهة أن عدم المانع لا يلزم منه شيء، بخلاف عدم

стр. 135

السبب فإنه يلزم منه العدم: كزوال الشمس، يلزم من عدمه عدم وجوب الظهر، ومن وجوده وجوب الظهر، ولا يلزم من عدم الحيض أن تجب الصلاة؛ لاحتمال عدم السبب ولا ألا تجب، لاحتمال وجود السبب، ففارق المانع العلة من وجهين: أنه مؤثر في العدم، والصفة لا تؤثر في شيء، بل هي مكملة للمؤثر. الجنس الخامس: مفهوم الحصر ، كقوله ﵊: (إنما الماء من الماء)، مفهومه أن ما ليس بإنزال لا يجب منه غسل، وما ليس بإنزال لا نهاية لعدده، فقد دل بالالتزام على ما لا يتناهى، وذلك هو العموم.

стр. 136

فإن قلت: فقد قال أبو علي الفارسي في المسائل الشيرازيات أن (ما) في (إنما) للنفي، وأن، (إن: للإثبات، وأن نفي (ما) منصرف للمسكوت عنه، وإثبات (إنما) منصرف للمنطوق به، ووافقه الإمام فخر الدين على ذلك، فعلى هذا التقدير يكون النفي في المسكون (عنه) مدلولا بالمطابقة للفظ (ما) / فإنك إذا قلت: ما قام أحد، كان النفي مدلولا بالمطابقة إجماعا، فلا يكون (إنما) مفهومها من هذا القسم الذي فيه العموم مدلولا التزاما. قلت: هذا سؤال حسن حق، وكلام صحيح، إنما يتأتى التمثيل بمفهوم الحصر إذا قلنا بأن (ما) و (إن) كلمة واحدة، أما على هذا التقدير فلا، ولا

стр. 137

يصح أيضا التمثيل بصيغة الحصر إذا كانت بلفظ نفي قبل إلا نحو: ما قام إلا زيد، فإن النفي العام مدلول المطابقة إجماعا. وأدوات الحصر أربعة إنما. والنفي قبل إلا، وقد تقدما. والمبتدأ مع الخبر، نحو قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ فينحصر ميقات الحج الزماني في ثلاثة أشهر. وقوله ﵊: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) أي أسباب الدخول في حرمات الصلاة منحصرة في التكبير، وأسباب الخروج من حرماتها منحصرة في التسليم، وهو كثير في الكتاب، والسنة وكلام العرب. الرابع من أدوات الحصر: تقديم المعمولات في المفاعيل والمجرورات

стр. 138

نحو قوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، وقوله تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿وهم بأمر ربهم يعملون﴾ أي: لا يعملون إلا بأمره، ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ أي: (إلى ربك) المنتهى وإلى الله ترجع الأمور، ونحوها من المجرورات المتقدمة، فإنه يدل على انحصار تلك المعاني في هذا المجرورات، فهذان القسمان يمكن أن يمثل بهما دلالة الحصر على العموم بطريق الالتزام. الجنس السادس: مفهوم الغاية ، كقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، مفهومه أنهم لا يقتلون في هذه الحالة، أي: بعد إعطاء الجزية، وسلب القتل ثابت في هذه الحالة لمثل (ما) لا يتناهى من العدد، فهو عموم في النفي. وكذلك قول القائل: سرت إلى مكة، مفهومه أن بعد مكة لم يقع

стр. 139

منه (سير)، وبعد مكة يتناول ما لا يتناهى من الأخبار. فإن قلت: قد نص النحاة على أن حكم ما بعد حتى أن يكون مساويا لما قبلها، فإذا قلنا: أكلت السمكة/ حتى رأسها، فالرأس مأكول، قالوا: فإن لم يكن مأكولا لا يصح العطف، وعلى هذا لا يكون مفهوم الغاية ثابتا إلا للفظ (إلى) دون (حتى) فإنهم لم يشترطوا في (إلى) ذلك. قلت: ما ذكرته من النقل صحيح، غير أنه إنما يوجب ما ذكرته من التسوية في المذكور مع حتى نحو قولنا: بعناك حتى هذه الشجرة، وسرت حتى أدخل مكة، فاعلم أن الشجرة مثلا مبيعة، ومكة وقع فيها وإليها السير، وأما ما بعد هذين فالمفهوم يتناوله، فيحصل المقصود من دلالة الالتزام على العموم بطريق المفهوم. الجنس السابع: مفهوم الاستثناء ، كقولنا: رأيت الناس إلا بني تميم، فإن بني تميم وإن كان لفظا عاما في نفسه، لكن عموم السلب إنما حصل لهم

стр. 140

بالاستثناء من الإثبات، فإنه نفي، فكان حكم بني تميم عدم الرؤية، مستفادا من الاستثناء بطريق المفهوم الذي هو دلالة الالتزام. فإن قلت: (إلا) موضوعة للإخراج مما قبلها فتكون تدل على الخروج من الإثبات السابق بالمطابقة؛ لأنه مسماها الذي وضعت له، فلا يكون من باب دلالة الالتزام، فلا يصح التمثيل بالاستثناء في هذا الباب. قلت: سؤال حسن قوي، الجواب عنه: أن (إلا) موضوعة للإخراج كما تقدم، كان نفيا أو إثباتا، غير أن الخروج من الإثبات إنما يلزم منه النفي إذا دل العقل على أنه لا واسطة بين النقيضين، فإنه يلزم من ارتفاع أحد النقيضين وقوع الآخر، فإذا حصلت هذه المقدمة عند العقل، ودل لفظ الاستثناء على الخروج مما قبلها، استفدنا نقيض الحكم السابق بواسطة المقدمة العقلية مع لفظ الاستثناء، فهذا معنى قولنا: إن لفظ الاستثناء يدل بالمفهوم على بعض الحكم السابق أي يلزمه النقيض إذا خرج من النقيض المتقدم، فحصل اللزوم من المقدمة العقلية المانعة من ارتفاع النقيضين، والمثبتة للحصر فيها، إلا أن لفظ (إلا) دل بالمطابقة على ثبوت نقيض ما قبل (إلا) بعدها، بل إنما دل لفظ (إلا) بالمطابقة على الخروج مما قبلها ليس إلا/ أما الدخول في نقيضه فلا، بل بواسطة المقدمة العقلية، فصح أن دلالة الاستثناء من باب دلالة الالتزام، لا من باب دلالة المطابقة، فتأمل هذا الموضوع سؤال وجوابا، فإنهما دقيقان صعبان. الجنس الثامن: مفهوم الزمان ، كقولنا: سافرت يوم الجمعة، مفهومه أنه لم

стр. 141

يسافر في غير يوم الجمعة، وغير يوم الجمعة يشمل الأزمان إلى أقصى الأزل، فهذا يدل بدلالة اللزوم التي هي دلالة مفهوم على العموم مسلوب النهاية. الجنس التاسع: مفهوم المكان ، كقولنا: جلست أمام زيد، فهو يدل بمفهومه على أنه لم يجلس في غير هذه البقعة، فيشمل من الأحياز ما لا يتناهى بدلالة المفهوم وهي دلالة الالتزام. الجنس العاشر: مفهوم اللقب ، قال التبريزي: وأصله في الأعلام، ويلحق أسماء الأجناس، وضابط هذا الجنس كيف كان: هو تعليق الحكم

стр. 142

على أسماء الذوات، أما في علم أو اسم جنس، فالعلم نحو: أكرمت زيدا، يدل بمفهومه على أنه لم يكرم غيره، وغيره من الأشخاص غير متناه، فقد دل بدلالة الالتزام على العموم، واسم الجنس كقولنا: في الغنم الزكاة، مفهومه أن ما ليس بغنم لا زكاة فيه، ولم يقل بهذا المفهوم إلا الدقاق، كما حكاه الإمام فخر الدين في المحصول لضعفه. والفرق بينه وبين غيره من المفهومات، مفهومات الصفات وغيرها: أن الصفات والشروط ونحوهما فيها معنى التعليل، وترتيب الحكم عليها يقتضي عليتها لذلك الحكم، والقاعدة أن عدم العلة علة لعدم المعلول،

стр. 143

وصورة المسكوت عنه فيها عدم لهذه الأمور، فيكون فيها عدم العلة، فيكون فيها عدم المعلول، فيعدم الحكم منها، وهو المطلوب من الفرق، بخلاف قولنا: زيد والغنم، فإنها جامدة، لا تشعر بتعليل، فلا يكون عدمها علم لشيء، فلا يثبت عدم الحكم في صورة المسكوت عنه، فهذا هو سبب هذا الضعف، وقلة القائلين به. فهذه الأجناس العشرة هي أجناس مفهوم المخالفة، وكلها دال على العموم دلالة التزام. وأما الدال بمفهوم الموافقة، فإنه يدل بالالتزام أيضا على العموم، ويسعى لحن الخطاب/ وتنبيه الخطاب، وضابطه أنه اللفظ الدال على ثبوت مثل حكم المنطوق للمسكوت عنه بطريق الأولى أو المساواة.

стр. 144

وفي ضابط مفهوم المخالفة نقول: هو اللفظ الدال على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت، فيفترقان من جهة الثبوت، الحكم نفسه، أو ثبوت نقيضه، ففي الموافقة عين الحكم، وفي المخالفة نقيضه. وتحرير القول فيه: أن اللفظ إذا دل على ثبوت حكم المنطوق فقد يدل على ثبوته في غيره بطريق الأولى، وهو أعظم أو أدنى، وقد يدل على ثبوت حكم له لا بطريق الأولى، بل بالمساواة. أما الأول: فقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ فإنه يدل بطريق الالتزام على تحريم ما فوق التأفيف من الشتم والضرب وأنواع الأذى، وهذه الأنواع غير متناهية الأفراد، وقد شملها حكم التحريم بدلالة الالتزام. وأما الثاني: فقوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾، فإنه يدل على أمانته فيما دون القنطار بطريق الأولى، وأما (ما) دون القنطار وإن كان منحصرا في رتب محصورة بين القنطار وأدنى

стр. 145

الأوزان إلى الجوهر الفرد، والمحصور بين حاصرين متناهن فلا يكون مسمى العموم، فإن كان شرط (مسمى) العموم أن يكون متناهيا وهذا غير متناه فلا يكون مسمى العموم من هذا الوجه، غير أنه غير متناه من وجه آخر، فإن ما دون القنطار في الحقارة يعرض لأنواع من الموزونات غير متناهية، كلها يشملها وصف الحقارة الذي هو أدنى من القنطار، فيتصور وجوده في المعادن السبعة، وأنواع جميع الجمادات والنبات والحيوانات، وغير ذلك من مواد الممكنات مما هو موصوف بأنه دون القنطار، (فدون القنطار) وإن كان وصفا محصورا غير أن معروضاته غير متناهية، وكلها تقتضي (مفهوم ثبوت) الأمانة فيها، فيكون هذا المفهوم يدل بطريقة الالتزام على العموم في حكم الأمانة في أفراد لا نهاية لها وهذا هو مسمى العموم. وكذلك قوله تعالى: ﴿ولو أن الذين ظلموا ما في الأرض ميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء/ العذاب يوم القيامة﴾، يقتضي: أنهم يفتدون بما
следующие страницы →