← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20860

العقد المنظوم في الخصوص والعموم

القرافي

Полный текст (844 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

القيامة ممكن، وإذا وردت صيغة العموم في محل يقبل العموم وجب حمله على العموم؛ لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة كما تقدم في النهي عن الغرر. وأما الثاني: وهو فصل الخصومات الجزئية فيتعين فيه الخصوص، فإن القضاء بكل شاهد وبكل يمين على المعنى يستحيل عادة، وإنما يقضي رسول الله ﷺ ببعض شهود زمانه، فضلا عن شهود غير زمانه، وفي وقائع معينة لا كل الوقائع، وذلك معلوم بالضرورة في حقه ﵊ وفي حق غيره. وهذا القسم الثاني هو الظاهر من إرادة الراوي، وكذلك فهمه الفقهاء من هذا الحديث، وأن القضية كانت في واقعة مالية، وعلى هذا التقدير يكون الراوي قد اعتمد على قرينة الحال الدالة على المراد بالشاهد واليمين، فأطلق (لام) التعريف، ومراده حقيقة الجنس لاستغراقه ويكون معنى الحديث أن رسول الله ﷺ اعتبر هذين الجنسين في فصل الخصومات المالية، وهو كلام/ صحيح ولا يحمل على العموم بخلاف النهي عن الغرر، وهو ظاهر في الفتيا العاملة إلى آخر الدهر، واللام فيه للعموم الشامل لكل غرر من جميع أنواعه وأفراده. وكذلك قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قضيت بالشفعة للجار)، يحتمل القسمين المذكورين في الشاهد واليمين، وعلى هذا يكون المدرك في عدم الدلالة على العموم تردده بين العموم والخصوص، أما حيث لا تردد

стр. 422

كقوله: (نهى عن بيع الحصاة) و (حبل الحبلة) ونحو ذلك، فالتردد بعيد، فيدل على العموم، ويؤكد حمل قوله ﵊: (قضيت بالشفعة للجار) على العموم، أنه كلام ظاهر في تأسيس قاعدة وتمهيد أصل عظيم في الشريعة، وشأن صاحب الشرع في تأسيس القواعد وتمهيد الأصول الكلية أن يوسع في بيانها ويزال إجمالها ويوضح حقائقها حتى يذهب خفاؤها، وأن يكون ذلك كذلك حتى تحمل الألفاظ على ظواهرها، وتبقى العمومات على عمومها، فبهذه التلخيصات والفروق يظهر الحق فيما يتعين حمله على العموم مما لا يحمل. مسألة: قال الإمام فخر الدين في المحصول: قول الراوي:

стр. 423

(كان رسول الله ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر)، لا يقتضي العموم؛ لأن لفظ (كان) لا يفيد إلا تقدم الفعل، أما التكرار فلا، ومنهم من قال: إنه يفيد التكرار في العرف؛ لأنه لا يقال: فلان كان يتهجد بالليل إذا تهجد مرة واحدة في عمره. قلت: العموم في هذه المسألة ليس هو على بابه، بل المراد التكرار في الزمن الماضي خاصة، أما الحال والمستقبل فلا سبيل إليه، وأصل (كان) أنها فعل ماض، والفعل الماضي إنما يدل على أصل مصدره مرة واحدة، أما الزيادة على ذلك فلا تعرض له بنفي ولا لإثبات، غير أن العرف خالف بين (كان) وغيرها من بين سائر الأفعال، فصارت لا تستعمل إلا حيث يكون التكرار واقعا في الزمن الماضي، ويصدق ذلك بأدنى رتب (التكرار) من غير إشعار برتبة معينة من التكرار وعدده، والإشعار/ بالاستغراق ألبتة، بل كثرة ذلك من حيث الجملة في أكثر من الماضي خاصة. مسألة: إذا قال الراوي: صلى رسول الله ﷺ بعد الشفق.

стр. 424

قال الإمام فخر الدين في المحصول: إذا قال القائل: إن الشفق شفقان، الحمرة والبياض، (وأنا أحمله) على (وقوعه) - بعدهما جميعا- فهذا خطأ؛ لأن اللفظ المشترك لا (يمكن حمله) على مفهوميه معا. قلت: تقرير هذا الكلام وتحقيق الصواب فيه أن لفظ الشفق موضوع للحمرة والبياض، وهما ضدان، فيكون مشتركا؛ لأنه سمع من العرب في الثوب الأحمر: هو أشد حمرة من الشفق، وصيغة أفعل تقتضي المشاركة في أصل المعنى، والبياض أيضا يسمى شفقا، نقله أئمة اللغة، وقال بعضهم: هو من الشفقة التي هي الرقة، والحمرة أرق وأصفى من الظلمة، والبياض أصفى من الحمرة، فيكون على هذا مشككا، ويكون في البياض أقوى، فلا يكون مشتركا، وعلى هذا يعم الشفقين؛ لأن صيغة العموم إذا دخلت على مشكك عم المختلفات، فإذا قلنا: خلق الله النور، عم نور الشمس الذي هو أقوى،

стр. 425

ونور السراج الذي هو أضعف، فقوله: (بعد الشفق) يعم الشفقين، لأجل لام التعريف الموضوعة للعموم. وإذا فرعنا على الاشتراك وعدم الاشتقاق فخرجت المسألة على الخلاف بين العلماء في أن الصيغة المشتركة هل تعم أم لا؟ وبالعموم قال الشافعي وجماعة من الأصوليين، حتى أنهم لا يذكرون استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه إلا في باب العموم. ومذهب مالك والقاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة من الفقهاء والمعتزلة جواز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا. قال النقشواني: يمكن الخصم أن يحمل لفظ الشفق على المتأخر منهما، ولا يكون استعمالا للمشترك في مفهويمه بل في أحدهما عينا وهو المتأخر زمانا، ويلزم من ذلك أن تقع الصلاة بعدهما، لأنه استعمل اللفظ فيهما. مسألة: قال الإمام فخر الدين في المحصول: إذا قال الراوي: صلى رسول الله ﷺ / في الكعبة ......

стр. 426

فهذا متواطيء، لا يمكن أن يستدل به على أداء الفرض في الكعبة؛ لأنه إنما يعم لفظ الصلاة لا فعلها، فذلك الواقع إن كان فرضا لم يكن نفلا، وإن كان نفلا لم يكن فرضا، فلا يدل على العموم. قلت: وتقرير هذا الكلام أن قوله (صلى) فعل في سياق الإثبات كالنكرة في سياق الإثبات لا تعم، بخلاف الفعل في سياق النفي (أو النكرة في سياق النفي)، وإذا لم يكن عاما مطلقا، والمطلق إنما يدل على صورة واحدة، ولا إشعار له بالشمول، ولا بالعدد، ولا بشيء معين، بخلاف (ما) لو قال: أوقع الصلاة، أو أمر بالصلاة في الكعبة، فإن الألف واللام موضوعان للعموم، وهو معنى قوله: (إنما يعم لفظ الصلاة لا فعلها) أي: المعرف باللام يعم، والفعل الذي هو (صلى) لا يعم. مسألة: قال الغزالي: المفهوم لا عموم له؛ لأن العموم لفظ تتشابه دلالته بالنسبة إلى مسمياته، ودلالة المفهوم ليست لفظية، فلا يكون لها عموم.

стр. 427

قال الإمام فخر الدين: إن كان، لا نسميه عموما؛ لأن لفظ العموم لا نطلقه إلا على الألفاظ، فالنزاع لفظي، وإن كان يعني به أنه لا يعرف منه انتفاء الحكم عن جميع أفراد المسكوت عنه فهو باطل؛ لأن البحث عن المفهوم هل له عموم أم لا، فرع عن كون المفهوم حجة؛ ومتى ثبت كونه حجة لزم القطع بانتفاء الحكم (عن جميع أفراد المسكوت عنه؛ لأنه لو ثبت الحكم) في المسكوت لم يكن للتخصيص بالذكر فائدة. قلت: المفهوم حجة عند الغزالي، وظاهر كلامه أن مراده القسم الأول، وأن نزاعه إنما هو في التسمية، وتصريح الإمام بأن المفهوم عام في السلب فيه تفصيل، فإن مفهوم الصفة نحو قوله ﵊: (في الغنم السائمة الزكاة)، ومفهوم الحصر كقوله ﵊ (إنما الماء من الماء)

стр. 428

(وإنما الأعمال بالنيات) و (إنما الربا في النسيئة) ونحو هذه المفهومات، فإن السلب والمفهوم وهو ثبوت أو إثبات نقيض (حكم المنطوق للمسكوت عنه) من ذلك الجنس، عام في جميع أفراد المسكوت عنه. وقولي: من ذلك الجنس، إشارة إلى الخلاف في مثل قوله عليه الصلاة/ والسلام (في سائمة الغنم الزكاة)، هل يقتضي مفهومه أن ما ليس بسائمة من الغنم لا زكاة فيه، أو ما ليس بسائمة من جميع الأجناس، حتى يستقيم الاستدلال بمفهوم هذا الحديث على عدم وجوب الزكاة في الحلى المتخذ لاستعمال مباح؛ لأنه ليس بسائمة من الغنم؟ وأما مفهوم الغاية كقولنا: لا تصل صلاة حتى تتوضأ، ولا تصم صوما حتى تنوي، ونحو ذلك من السياقات، فإنه يقتضي المنطوق فيها العموم

стр. 429

في النفي والنهي حتى تحصل هذه الغاية وهي الوضوء والنية. فإذا حصلت هذه الغاية يقتضي أ، ذلك النهي يزول عن جميع الصلوات، ولا يلزم من عدم النهي عن جميع أفراد الصلاة أو الصوم أن يثبت الأمر فيها أو في بعضها. فإن عدم النهي أعم من ثبوت الأمر، وسلب النهي عن وجه العموم أعم من الأمر على وجه العموم؛ لأن النهي على العموم والأمر على العموم ضدان يمكن ارتفاعهما، والمفهوم إنما هو نقيض المنطوق لا ضده، ونقيض السالبة الكلية إنما هو الموجبة الجزئية، لا الموجبة الكلية. وإذا قال القائل: لا أسافر حتى يخرج البرد، فالمعنى: قبل خروج البرد كل سفر، ولا يلزم بمقتضى مفهوم هذه الغاية، إذا خرج البرد أن يسافر كل سفر. وقد تقدمت أقسام المفهوم مستوعبة في باب الموجبات للعموم من حيث الوضع والفعل وغيرهما. مسألة: قال الشيخ سيف الدين ﵀: اختلف العلماء في عموم قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ هل يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك، أو أخذ صدقة واحدة من كل نوع واحد؟ ، قال بالأول الأكثرون وقال بالثاني الكرخي.

стр. 430

حجة الأولين: أن الله تعالى أضاف الصدقة إلى جميع الأموال، والجمع المضاف إليه من صيغ العموم، فتتعدد الصدقة بتعدد الأموال. حجة الثاني: أن (صدقة) نكرة في سياق الإثبات، فتصدق بأخذ صدقة واحدة من مال واحد، لاسيما أن لفظ (من) يقتضي التبعيض، ويصدق أنه أخذ من بعض الأموال. قلت: /أما أن النكرة في سياق الإثبات لا تعم فمتجه، (وأما أن (من) للتبعيض، وأ، ذلك يصدق بفرد، لأنه بعض، فمتجه) أيضا، كما لو قال الله تعالى: اقتلوا من المشركين رجلا، خرجنا من العهد بقتل رجل واحد، فيظهر ما قاله الكرخي هو الصواب. غير أن ها هنا بحثا وهو أن (من) المبعضة هل تبعيضها في الأموال فيصدق ما قاله الكرخي؟ أو في كل مال فيصدق ما قاله الأكثرون؟ فإذا أخرجنا من كل مال صدقة وهي ربع عشر مثلا، صدق التبعيض، فإذا أحرجنا من بعض الأموال صدقة وتركنا الباقي من الأموال، صدق التبعيض أيضا، فالتبعيض صادق بطريقين، والأول هو الظاهر من حيث القرينة الحالية، فإن الله تعالى لم يرد بعض الناس بالصدقة دون بعض، واللفظ أيضا يعضده. فإن التقدير: خذ صدقة كائنة من أموالهم، فلو أخذت من بعض

стр. 431

الأموال لم تكن كائنة من أموالهم، بل من بعض أموالهم، وهو خصوص مع أن اللفظ عام، وهذا المجرور في موضع نصب على الحال من (صدق)؛ لأنه نعت نكرة تقدم عليها، فلابد أ، تكون كائنة من كل مال حتى لا يبقى مال، وهذا هو شأن العموم. وبهذا التقدير يظهر أن الصواب ما عليه الجمهور، ويظهر أيضا الفرق بين الآية وبين قولنا: اقتلوا من المشركين رجلا، فإنه يصدق برجل واحد ولا يعم، بسبب أن الرجل الواحد يتعذر أن يكون بعضا من كل [مشترك]، والصدقة لا تتعذر أن تكون بعضا من كل مالأ، وهو فرق ظاهر. مسألة: قال الشيخ سيف الدين ﵀: اللفظ العام إذا قصد به المخاطب المدح أو الذم كقوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾، وكقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾، منع الشافعي عمومه وأن يتمسك به في زكاة الحلي لأن العموم لم يقع مقصودا في الكلام، بل المدح والذم هو

стр. 432

المقصود، وقال الأكثرون: يصح التمسك به؛ لأن قصد ذلك لا يمنع من إرادة العموم. قلت: وكذلك منع الشافعي التمسك بقوله ﵊/: (فيما سقت السماء العشر) على وجوب الزكاة في الخضروات، كما قاله أبو حنيفة ﵃ أ﴾ معين، وقال: إن الكلام إنما سيق لبيان الجزء الواجب، لا لبيان الواجب فيه. وهذه قاعدة وهي: (أن الكلام إذا سيق لأجل معنى لا يكون حجة في غيره)؛ لأن العادة قاضية أن المتكلم يكون مقبلا على ذلك المعنى، معرضا عن غيره، وما كان المتكلم معرضا عنه لا يستدل بلفظه عليه، فإنه كالمسكوت عنه، فإذا قال القائل: نفقات الأقارب إنما تجب في اليسار، فمقصوده بيان الحالة التي جب فيها النفقة، وهي حالة اليسار، وليس مقصوده أن كل قريب تجب له النفقة؛ لأنه لم يتوجه لهذا العموم ولا لهذا الحكم بباله. ونظائره كثيرة في عرف الاستعمال، حتى أن من أخذ يقول لهذا المتكلم: أنت أثبت النفقة لكل قريب، ينكر ذلك عليه، ويقول: إن كلامي لم يكن في هذا السياق، ولا لهذا القصد. وهي قاعدة حسنة اعتمد عليها الشافعي، وقوله في هذه المواطن هو الظاهر. مسألة: قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى في البرهان قولهم: النكرة

стр. 433

في سياق الثبوت لا تعم، ليس على إطلاقه، بل النكرة في سياق الشرط تعم، كقول القائل: من جاءني بمال جازيته عليه، يعم جميع الأموال؛ لأنها في سياق النفي إنما عمت لعدم اختصاص النفي بمعنى في غرض المتكلم، وكذلك في سياق الشرط فتعم. قلت: وفي التحقيق ليس هذا نقضا؛ لأن الشرط في معنى الكلام المنفي؛ لأن المشترط لم يجزم بوقوع الشرط حيث جعله شرطا، وإنما مرادهم بالنكرة في سياق الثبوت قولنا: في الدار رجل ونحوه. وأما النفي والاستفهام والشرط فهو عند النحاة كله كلام غير موجب، مع أن الأبياري في شرح البرهان رد عليه وأنكر العموم، وقال: لو كان للعموم كما قال لم يستحق المجازاة إلا من أتى بكل مال، كما لو قال: من جاءني بكل مال جازيته، فإنه لا يستحق ببعض الأموال. قلت: / وهذا الرد من الشيخ شمس الدين الأبياري لا يستقيم، بسبب أن العموم ها هنا معناه أن أي مال كان على وجه كان، فإن الشرطية حاصلة فيه، ولا يخرج فرد من أفراد الأموال عن كونه يستحق المجازاة إذا جاء

стр. 434

به، وليس المراد بالعموم شمول الأموال بالمجيء بها جملة كما قاله الأبياري، بل المراد بالعموم ما تقدم من شمول الشرط المال، كيف جيء به مجموعا أو متفرقا. وكذلك قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ هو نكرة في سياق الشرط، وهو عام بمعنى: أي مشرك استجار به ﷺ وجبت له الإجارة؛ [لا أن] اجتماعهم في الاستجارة شرط، بل معناه: أن معنى الشرطية شامل لكل فرد من أفرادهم، بحيث لا يبقى فرد منهم إلا وقد حصل معنى هذا الاشتراط فالصحيح ما قاله إمام الحرمين، وإن النكرة في سياق الشرط تعم بهذا التفسير، لا بمعنى ما قاله الشيخ شمس الدين، فتأمل ذلك. ومن هذه المادة عموم الاستفهام في قولنا: من عندك؟ فتقول: زيد، ومعناه: أنه لم [يوجد] من العقلاء مجتمعا أو متفرقا إلا وأنا مستفهمك عنه، فشمول الاستفهام لجميع الأفراد كشمول الشرط في النكرة لجميع الأفراد، فهما سواء من هذا الوجه.

стр. 435

فهذا ما تيسر لي رؤيته من مسائل العموم التي تحدث (عليها الفضلاء)، وهي نحو ثلاثين مسألة، فقد نقلتها، وحررتها، وتقريرا، وسؤالا وجوابا، بما يسره الله فيها، فهذا هو مقصود هذا الفصل. ومقصود الفصل الثاني: أن أتحدث على ما يلحق بهذه (المسائل) من الصيغ فيما رأيته، فإنها أكثر مما رأيته، وقد تقدم سردها. وها هنا- في الفصل الآتي بعد هذا- (نعرض) لبيان إقامة الحجة على أنه للعموم- كما تقدم في المنصوص عليه في الفصل- إن شاء الله تعالى.

стр. 436

الفصل الثاني: في إقامة الدليل على أن ما تقدم من (الصيغ كلها من) العموم وذلك بأن أقسمها ثلاثة عشر قسمًا ؛ لألحق كل قسم بما نص عليه من جسنه، ويكون المنصوص حجة على غير المنصوص، ويتضح به. القسم الأول: / صيغ الاستفهام: وهو نحو ثمانين صيغة، تقدم سردها، منها: خمسون في "أي" وحدها، ومنها: أربع عشرة في "من"، ومنها ثلاثة في "ما"، ومنها: "متى"، و "متى ما" و "كيف"، و "كيفما"، و "أين"، و "أينما"، و "أني"، و "إيانا"، و "كم"، وجميع ما تقدم سرده من هذا النوع. فأقول: الدليل على أن هذه الصيغ كلها للعموم في الاستفهام ما تقدم من الدليل على أن "من" و "ما" الاستفهاميتان للعموم، وذلك أن نصوص الأصوليين [متضافرة] ونقولهم على أن "من" في سياق الاستفهام للعموم، (مع) أنه يصح أن يقال في جواب من قال: (من) في الدار؟

стр. 437

زيد، ويكون قوله: زيد، جوابًا مطابقًا، مع أن زيدًا يستحيل أن ينطبق على العموم؛ لأن الجزئي المحصور الفرد الواحد يستحيل أن ينطبق على العدد الذي لا يتناهى، ومدلول العموم عدد غير متناه، فلا ينطبق عليه زيد، مع أنه منطبق "عليه" إجماعًا. وما سبب ذلك إلا أن العموم إنما هو باعتبار شمول الحكم لأفراد غير متناهية، وها هنا في قولنا: من في الدار؟ حكمان: أحدهما: الكون في الدار، والثاني: الاستفهام. والعموم إنما هو باعتبار حكم الاستفهام، لا باعتبار حكم الكون، فهو- أعني المستفهم- معمم لحكمه في جميع أفراد العقلاء باستفهامه، ومعنى كلامه: أني سائلك عن أي فرد كان من "أفراد" العقلاء هل وجد كونه في الدار أم لا؟ وهل هو على صفة الاجتماع أو الافتراق؟ فجميع رتب أعداد العقلاء وأفرادهم مستفهم عنه وعن عدمه. فمن هذا الوجه حصل العموم لا باعتبار حكم الكون، فإن حكم الكون قد لا يوجد ألبتة، فضلا عن كونه يعم، ولذلك يحسن في الجواب: ليس في الدار أحد ألبتة، فلا يوجد شيء من الكون. وقولنا: زيد، ليس هو [منطبق] على الحكم الذي حصل به العموم، بل الحكم الآخر لا عموم فيه وهو الكون. فقولنا: زيد، مطابق للواقع في المستفهم عنه، لا لحكم العموم، فما فيه المطابقة لا عموم فيه، وما فيه العموم لا مطابقة فيه، فافترق اليابان. ونظير ذلك أن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ عام فيما لا يتناهى

стр. 438

منهم، ومع ذلك قد لا يوجد منهم إلا واحد فنقتله، ونخرج عن عهدة الأمر، فيكون قتل/ ذلك الواحد مطابقًا للواقع، لا لمدلول صيغة العموم. فإن قيل: مالا يتناهى يتعذر علينا، ولم نفعله في هذه الصورة التي لم يوجد فيها إلا مشرك واحد. وكذلك إذا قال: من دخل داري فأكرمه، فدخلها رجل واحد فأكرمه، انطبق فعله هذا على الواقع، وخرج عن العهدة به. ويقال: إن فعله منطبق وموافق مع أمر الآمر، مع أنه لم يكرم إلا فردًا واحدًا؛ لأن حكم الإكرام ووقوعه لم يقع فيع عموم، بل العموم حاصل باعتبار حكم آخر، وهو ربط الإكرام بالدخول في كل فرد فرد، فهذا الربط هو الحكم الذي وقع باعتباره والتعميم، لا الإكرام نفسه ووقوعه في الوجود، فتأمل ذلك، فهو محتاج إليه خاصة في معرفة كون هذه الصيغ للعموم. وفي الجواب عن هذا السؤال الصعب، وهو أنها إذا كانت للعموم كيف ينطبق قولنا: زيد على السؤال، مع تعذر انطباق الواحد على العموم، وأجمعوا على أنه مطابق، حتى أن من أراد أن يقيم الدليل على أنها ليست للعموم بأن زيدا ينطبق جوابا لها، استقام له ذلك في الظاهر، ولا جواب له إلا ما تقدم من أن مطابقته للواقع لا لحكم العموم، وأن الحكم الذي وقع به العموم إنما هو حكم الاستفهام، لا حكم الكون ووقوعه. وإذا تقرر وجه العموم في "من" الاستفهامية باعتبار حكم الاستفهام،

стр. 439

فكذلك هو في "ما"، أي: لم يترك فردا من أفراد ما لا يعقل إلا وهو سائل عنه. وكذلك قولهم: إن "أين" من أدوات العموم معناه: أنه لم يترك مكانًا واحدًا من فريق من يعقل ولا من فريق ما لا يعقل إلا وهو سائل عنه، فإنها تشمل النوعين، بخلاف "ما" خاصة بما لا يعقل، و "من" خاصة بمن يعقل، كما تقدم بسطه. فإذا كانت "من" عامة في من يعقل، ما فيما لا يعقل، و"أين" في البقاع، و"متى" في الأزمان، كانت كيف أيضًا عامة في الأحوال. فإذا قال له: كيف زيد؟ معناه: أني سائلك عن جميع أحواله التي يمكن أن تعرض له، ولم أترك منها حالا إلا وقد تعلق به سؤالي، فيقول له المجيب: مسافر، فيكون قوله: مسافرا، منطبقًا على الواقع من الأحوال، لا مطابقًا للسؤال باعتبار عمومه وشموله بجميع الأحوال كما تقدم بيانه/ في قولنا: من في الدار؟ فيقول: زيد، ويكون جوابًا منطبقًا، مع أنه فرد مشخص.

стр. 440

وكذلك كيفما، فإن العموم مع "ما" هذه أقوى وأكد لوجهين: أحدهما: أن قاعدة العرب أنها إذا كثرت اللفظ كثرت المعنى، وكذلك فرقت بين السين وسوف للتنفيس، فسوف أبعد. وفرقت بين لم يقم زيد وبين لما يقم زيد، فلم يقم: نفي للقيام من الزمان المشار إليه في الكلام السابق، و"لما": نفي له من ذلك الزمان إلى زمان التكلم، ونظائره كثيرة نص عليها النحاة واللغويون. وثانيهما: أن "ما" هذه في هذه المواطن زائدة، وقد نص ابن جني في كتاب الخصائص: أن العرب متى زادت في كلامها حرفا فهو مؤكد ومقو وقائم مقام إعادة تلك الجملة مرة أخرى، فإذا قلنا: كفى بالله شهيًدا، فالتقدير: كفى الله شهيدًا (كفى الله شهيدًا) مرتين. وكذلك قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ تقديره: فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم، مرتين. وكذلك كل حرف زائد، ومعنى زيادة الحرف، أنه لم يستعمل في معنى يخصه، لا حقيقة ولا مجازًا، إلا أنه لا يفيد فائدة، بل يفيد فائدة هي التقوية والتأكيد. فكذلك ها هنا "ما" زائدة، فيكون التقدير:

стр. 441

كيف تصنع أصنع، كيف تصنع أصنع، ولا يزيدونها في الاستفهام، بل في الشرط. وإذا تقرر أن: "كيف" للعموم في الأحوال، كما أن "أين" للعموم في البقاع، و"متى" في الأزمان، فكذلك تكون "أني" أيضا للعموم في الأحوال، كقوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أني شئتم﴾، قال العلماء: كيف شئتم، عم الأحوال، فكذلك ما يرادفه؛ لأن شأن أحد المترادفين أن تكون فائدته فائدة الآخر بعينها، و"كيف" و"أني" وإن لم يكونا في هذا السياق للاستفهام، بل للإذن والإباحة، غير أن أصل "كيف"، و"أني" للاستفهام، كما أن أصل "أي" الاستفهام، وتقول مع ذلك: أضرب أيهم في الدار، (فيكون في الأمر والإذن)، لا للاستفهام، فالمراعي في هذه الصيغ أصل وضعها في الحكم عليها بأنها من صيغ الاستفهام. وكذلك النكرة في الاستفهام، نحو: هل في الدار رجل؟ وأرجل في الدار؟ / للعموم أيضًا؛ لأن معناه: أني سائلك عن حقيقة الرجل في جميع مواردها المشخصة لها، هل وجدت في مورد من تلك الموارد أم لا؟ فجميع موارد النكرة قد شملها السؤال، والواقع بعد ذلك في الجواب مطابق للواقع، لا لحكم الاستفهام الذي حصل به العموم.

стр. 442

وكذلك نقول له في: ليس في الدار أحد؟ فيجيب بالنفي العام؛ لأن الواقع وإن كان السؤال إنما وقع عن الوجود، فالحكم الواقع غير المسئول عنه. وكذلك "كم" الاستفهامية، إذا قال: كم عندك درهمًا؟ فمعناه: أني سائلك عن جميع رتب الأعداد من الدرهم، من الاثنين إلى ما لا يتناهى من المئين والآلاف، غير واقف باستفهامي عند حد. فحكم الاستفهام شامل لجميع رتب الأعداد، كما أن "متى" شاملة لجميع الأزمنة، والنظائر المتقدمة. وكذلك "أيان" في مثل قوله تعالى: ﴿يسألونك عن السماعة أيان مرساها﴾، معناه: متى تأتي؟ وأي زمان ترسي فيه؟ . فسؤالهم شامل لجميع الأزمنة بحيث لم يبق زمان إلا وسؤالهم متعلق به، فلو عين بعد ذلك زمان كان كنعيين زيد للكون في الدار، مطابق للواقع لا لحكم الاستفهام الذي وقع به العموم. وبهذا التقرير يظهر لك أن "من" في الحكاية كيفما تصرفت للعموم، بسبب شمول السؤال لجميع المراتب من الرجال في قوله: جاءني رجال، فتقول: منون، أي: أني سائلك عن جميع أفراد الجماعات، وكذلك في التثنية معناه: أني سائلك عن جميع أفراد التثنية، إذا قال: جاءني رجلان، فتقول: منان، وعلى هذا النحو جميع رتب "من" في الحكايات.

стр. 443

وكذلك "أي" إذا استفهم بها في الحكاية عن المسئول عنه، أو عن نسبه، كما تقدم بسطه، يكون العموم حاصلا باعتبار شمول الحكم السؤال عن جميع رتب المسئول عنه، وإما إذا وقعت في النداء نحو: يا أيها الرجل، فهو أيضًا للعموم، بسبب أنها تتناول ما يحدث بعد "أي" كيف كان، فتقول: يا أيها الرجل، ويا أيها الناس، وهما عامان. فهي موضوعة تشمل جميع ما يذكر بعدها كيف كان، ثم يتفق في بعض المواد/ أن لا يقع بعدها الأخرى بطريق الاتفاق، وذلك لا يخل بأنها للعموم؛ لأن الخصوص في الواقع لا ينافي العموم في المدلول، كما تقول: من في الدار؟ ويكون الواقع زيد وحده، وقبضت درهمك كله؟ ، فهو جزئي، مع أن صيغة "كل" للعموم، أي لا شيء يفرض من الدرهم والرجل إلا وهو حاصل، واللفظ يشمله. فقد وضح لك أن ما لأجله حصل العموم في "من" و"ما" و"أين" و"متى"- المنصوص عليها عند الأصوليين- موجود بعينه في "كيف" و"كم" وبقية النظائر، فتكون للعموم كلها، عملا بجود الموجب للعموم فيها، وإلا يلزم الفرق في موضع عدمه والترجيح من غير مرجح بين الأمثال، وكلاهما محال، فتكون هذه الصيغ كلها للعموم، وهو المطلوب. * * *

стр. 444

القسم الثاني صيغ التأكيد كلها ندعي أنها للعموم وهي نحو أربع وعشرين صيغة، قد تقدم سردها من "كل"، وقد نصوا على أنها للعموم، مع حصول الاتفاق على أنا نقول: خطت الثوب كله، وشربت الإناء كله، وهما جزئيان محصوران فكيف تكون للعموم؟ مع أنها حقيقة في جزئي محصور متناه، وذلك يناقض العموم، وهذا السؤال يشبه السؤال الذي تقدم على "من" في قولنا: من في الدار؟ فتقول: زيد، ويكون جوابا منطبقا، مع لأنه شخص محصور يتعذر العم فالإشارة بالخبر عن الخياطة والتأكيد إلى جميع رتب ما يعرض جزء منه، وذلك غير متناه، غير أن الواقع أنه لم يحصل في الثوب من الأجزاء إلا البدن والتخاريس والأكمام،

стр. 445

والنيافق فالواقع حصور. والمشار إليه بالتأكيد غير متناه، وهو حكم ما يعرض جزءا من الثوب أو الإناء، والمتكلم يعلم أن الواقع هو ما باشره فعله خاصة، فتأمل ذلك فهو عسر على الفضلاء في هذه المواطن. ولا يمكنك أن تقول: إن صيغة العموم وضعت للعموم في مثل قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة/ كلهم أجمعون﴾، وللخصوص في قوله: شربت الإناء كله، أو أنها مشتركة، فإنه لم يقل أحد بذلك، بل القائل بالاشتراك قال به بين العموم والخصوص كيف اتفق. أما الاشتراك بين هذه المواد فإنه لم يقل به أحد، فلا يتجه لك إلا ما ذكرته لك، وأن "كلا" من صيغ العموم في جميع الحالات، والواقع منها يكون محصورا، ولولا صحة هذا الجواب للزم عدة العموم حيث نصوا عليه في الآية المتقدمة، بسبب أن الملائكة (الذين) سجدوا محصورون في عدد معين مشخص، لا عموم فيه، وتشخيصهم بعددهم المحصور كتشخيص الثوب والإناء بأجزائه المحصورة، غير أن أفراد الملائكة أكثر مع الانحصار، والكثرة مع الحصر لا توجب عمومًا، مع أنهم قد نصوا على العموم إلا أنه مع الحصر في لواقع، فلا سبيل لنا في الجواب إلا ما تقدم بأن نقول: كل ما

стр. 446

نفرض أنه من الملائكة فهو يسجد، ولم نبق من المفروض ملكًا أحدًا فالعموم باعتبار ما يفرض ويتوهم ملكا، لا باعتبار الواقع ولو لم يعتبر قيد عدم النهاية في مفهوم العموم لكانت أسماء الأعداد من صيغ العموم- إن اقتصرنا على مطلق العدد- بل لابد من اعتبار قيد عدم الحصر، والواقع كله كيفما فرض محصور، فلا يكون للواقع (عموم) أبدًا، والواقع من الملائكة في السجود محصور، فلا يكون عاما من جهة (أنه محصور، وإنما يكون عاما من جهة) ما يتوهم واقعا فيهم، وذلك غير متناه، وهذا هو حقيقة العموم. وإذا تصورت ذلك في "كل" فإنه بعينه متصور في "كلا" و"كلتا"، وإن وقعا في جزئين، وكذلك "أجمع" و"جميع" و"معشر" و "معاشر" في قوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس﴾، وقوله ﵊: "نحن معاشر الأنبياء"، أي: لم يبق فرد من أفراد الجن وما يفرض منهم إلا وقد شمله النداء، ويكون الواقع محصورا غير عام، ومتعلق النداء من حيث العموم غير متناه، وكذلك الحديث النبوي معناه: أن كل من فرض نبيت فإنه لا يورث، والواقع الموصوف بالنبوة محصور، والمفروض وما يمكن أن يفرض نبيًا

стр. 447

غير محصور، فهذا هو طريق الجمع بين العموم والواقع. وكأن/ معشرًا مشتق من العشير من قولنا: عشيرة فلان، بمعنى: قبيلته ورهطه، والتي تجمع على عثائر، وهذا المشتق مخالف في الوزن لعشيرة، فيجمع على معاشر، وهو بمعنى جميع، فلما كان "كل" و "أجمع" و"جمع" و"جميع" للعموم، كان "معشر" كذلك، غير أنه من هذا القسم؛ لأنه من صيغ التأكيد. وكذلك يظهر لك أن "أجمعون" و"أكتعون" و"أبصعون" وجميع أقسامها للعموم، بسبب أن هذه الصيغ يؤكد بها العموم كما يؤكد بـ "كل"، وشأن التأكيد أن يكون مقويا لحكم الأصل، ولما كان الأصل للعموم، تكون هذه أيضًا للعموم مثل "كل" حرفًا بحرف. فإن قلت: إن لفظ "كل" يستعمل في العموم بطريق الأصالة، فتقول: كل عشر زوج، وكل إنسان حيوان، يشمل ذلك ما لا يتناهى من أفراد المذكور. وأما "أجمعون" و"أكتعون" فلا يستعمل ابتداء للعموم، فإن "أجمع" و"أكتع" في لسان العرب لا يتقدمان على كل، ولا ينفردان، فلا تقول: جاء القوم أكتعون كلهم، ولا أكتعون، من غير لفظ كل، بل لا يقعان إلا تبعا للفظ "كل"، وحينئذ يتعين أن العرب لم تضعها للعموم، بل تسوية وتقوية (للشيء

стр. 448

بغيره)، بخلاف "كل" فإنها لما كانت تنفرد بالعموم كانت موضوعة له. قلت: سؤال حسن، غير أني لا أدعي أنها موضوعة للعموم، بحيث يستعمل ابتداء في العموم وحدها نحو "كل"، بل أدعي أنها تشعر بإحاطة الحكم بما لا يتناهى على وجه التقوية والتأكيد. والموضوع للعموم أعم من الموضوع له على وجه ينفرد بالدلالة عليه أو يكون مضموما إلى غيره، فهذه موضوعة للعموم مع وصف انضمامها لغيرها، وأنها تفيده وتدل عليه في حال التقوية له، لا في حالة الانفراد به وإذا أفادته ودلت عليه في حالة مخصوصة، فقد دلت عليه لوجوب صدق الأعم عند صدق الأخص، ولو لم تكن دالة عليه ومفيدة له حالة التقوية، لكانت أجنبية منه، وحينئذ تكون كلفظ آخر من جنس آخر ذكر بعد صيغة العموم، ومثل ذلك لا يقوى العموم ولا يؤكده قطعا، وإنما يؤكده إذا كانت فائدته غير فائدة الأول، غير أنها في ثاني رتبه وبعد لفظ متقدم، وذلك غير قادح في قولنا: إنه أشعر بما أشعر به الأول من العموم. وهذه مضايق/ في صيغ العموم قل أن ينتبه لها، وظهر أن صيغ التأكيد كلها للعموم، وإذا كانت كلها، فقد تؤكد الجزئيات المنحصرة المشخصة. وكذلك "نفسه" و"عينه"، وجميع ما تقدم ذكره هناك، يجري

стр. 449

الحكم فيه حكم "كل" و"أجمع" و"أكتع" و"أبصع"، وهو المطلوب. ***

стр. 450

القسم الثالث من صيغ العموم الصيغ المحلاة بلام التعريف وهي نحو ثلاثين صيغة من أسماء الأجناس، معرفة بلام التعريف، إفرادا وتثنية وجمعًا، والمواصلات مع اللام نحو: الذي والتي، إفرادا وتثنية وجمعًا، وتذكيرًا وتأنيثًا، وقد تقدمت مفصلة بأقسامها ولغاتها. ونصوص الأصوليين متضافرة على أن المعرف بلام التعريف للعموم، غير أنهم لهم يتعرضوا لاستيعاب أقسامها، وكل ما ذكروه في بعض الأقسام موجود في بقبتها، وقد تقدم في الفصل الأول الأدلة على أن المعرف بلام التعريف للعموم مطلقا في المفرد والجمع، وحكاية الخلاف فيهما، والموصولات، كذلك عند المعممة إجماعا منهم. غير أن النحاة اختلفوا في سبب تعريف الموصول، هل هو التعريف أو صلته؟ حجة الأول: انعقاد الإجماع على أن لام التعريف معرفة، وهي موجودة في الموصولات، والأصل إذا وجد المقتضى للتعريف لن يوجد أثره، وقد

стр. 451

وجد، فيكون الأثر الحاصل هناك مضافا إليه، وإلا لزم النقض، وهو خلاف الأصل. حجة الثاني: أن لام التعريف في الموصولات صارت لازمة (لا) تجرد الموصولات منها، فصارت كالجزء منها، وجزء الكلمة لا يعرفها، بل معرفها صلاتها. ولذلك تضافرت النصوص على أن من شرط اللصة أن تكون معلومة للسامع، وأنه لا تجوز الصلة لجملة مجهولة للسامع، فلا تقول: مررت بالذي أبوه مسافر، والسامع لا يعلم ذلك، وإذا اشترطوا في الصلة أن تكون معلومة، دل ذلك على أنها سبب التعريف؛ لأنه فائدة علم السامع بها، حتى يعرف الموصول بصلته. وعلى كل تقدير تكون الموصولات من صيغ العموم، إما أنه لا قائل بالفرق، وإما لوجود/ لام التعريف المقتضية للعموم، وإما لأن تلك الأدلة المذكورة في اسم الجنس المعرف بلام التعريف موجودة فيها، وعلى كل تقدير يحصل المطلوب. * * *

стр. 452

القسم الرابع من صيغ العموم صيغ النفي وهي نحو ثمان صيغ: النكرة مع "لا" مثبتة ومرفوعة، والنكرة منفية بغير "لا"، نحو: ليس في الدار أحد، والفعل المتعدي في سياق النفي، والفعل مطلقا، متعديًا كان أو قاصرًا و"لن" و"لا" و"لم"، و"ألما"، فهذه السبع صيغ كلها تفيد العموم. وبيانه: أن النصوص متظافرة على أن النكرة المثبتة مع "لا" للعموم، وأن النكرة العامة أيضًا للعموم، مع غير "لا"، نحو: ما جاءني أحد، ولا رجل في الدار، وأن الفعل كان متعديا له مفاعيل، أنه يعم مفاعليه، خلافًا لأبي حنيفة. والفعل في سياق النفي مطلقًا يعن نحو: ﴿لا يموت فيها ولا

стр. 453

يحيى﴾، وقد تقدمت الأدلة على أنها للعموم مع نقل النصوص. وأما النكرة المرفوعة مع "لا" نحو: لا رجل في الدار، برفع رجل، فقد نصوا على أنه لا يعم الرجال، وأنك تقول: لا رجل في الدار بل اثنان، نص على ذلك ابن السيد البطليوسي في شرح الجمل، وغيره من النحاة. ومع ذلك فهو للعموم من وجه آخر؛ لأنهم نصوا على أنه نفي للرجل بوصف الوحدة، ومقتضاه أن لا يوجد رجل وحده ألبتة، بل إن وجد في الدار فمع غيره، وهذا حكم يعم جميع الرجال، بحيث لا يبقى رجل إلا وقد أقتضى هذا اللفظ في حقه أن لا يوجد وحده، فقد عم هذا الحكم جميع الرجال. ومتى وجد حكم عم ما لا يتناهى مدلول عليه بلفظ، كان ذلك اللفظ للعموم جزما؛ لأنا لا نعني بصيغ العموم إلا لفظًا دالًا على ثبوت حكم أفراد غير متناهية، وهذا كذلك، فتكون للعموم من هذا الوجه، وإن لم تكن للعموم من جهة نفي جميع الرجال من الدار، كما هو في قولنا: لا رجل ي الدار، مع البناء، فإنه نفي لجميع الرجال، أما هذا المرفوع فلا يقتضي ذلك، بل يقتضي بمفهومه أن في الدار بعض الرجال، لا بوصف الوحدة، وهو إنما يقتضي العموم من الوجه المتقدم، وإذا اقتضى العموم من وجه، كان للعموم، فإن اقتضاء الصيغة للعموم أعم من اقتضائها/ له من وجهين، فالوجه الواحد كافٍ، وهو المطلوب. وأما النكرة المنفية بغير "لا" نحو: ما جاء أحد، وليس في الدار أحد،

стр. 454

ونحوهما فقد تقدم ما فيها من الاستثناء والتلخيص وإقامة الأدلة على أنها للعموم. وأما "لن" و "لا" فإنهما لعموم نفي الفعل في المستقبل، كقوله تعالى: ﴿لا يموت فيها ولا يحيى﴾، يقتضي ذلك نفي هذين الفعلين في جميع الأزمنة المستقبلة، ونقل عن سيبويه أنه قال: إنها للعموم، وأن "لن" أبلغ في النفي من "لا" في عموم النفي. ثم الأدلة المذكورة فيما تقدم على أن الصيغ المنصوصة للعموم، متجه فيها من صحة الاستثناء من الأزمنة المستقبلة، والسبق إلى الفهم، وحسن الثناء على الموافق لها في التعميم، وحسن الذم للمخالف لها، فتقول: لن تزورنا، تريد إلا في يوم الجمعة، وأسافر إلا في الربيع، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب اندراجه في ذلك الحكم، وإذا قال العبد لسيده: لن أخالفك أو لا أخالفك، يفعل ذلك دائمًا، حسن مدحه، وإن خالفه في بعض الأوقات حسن ذمه، وعتب على خلاف ذلك الوعد، وليس ذلك لأجل حق السيادة فقط، بل لو قال ذلك القول أجنبي لأجنبي اتجه ذلك فيه، وهو دليل على أن الذم مضافان للفظ موافقة ومخالفة. وأما السبق إلى الفهم، فلأنا نجد السابق إلى الفهم من هذه الصيغ

стр. 455

استغراق الأزمنة المستقبلة بنفي ذلك الفعل أبدًا، وإذا كان ذلك هو إلى الفهم كان اللفظ فيه حقيقة؛ لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة، وذلك هو المطلوب. فهذه الوجه الأربعة هي الأدلة المطردة في الدلالة على أن الصيغ للعموم، وهو موجود في هذه الصيغ، فتكون للعموم. وأما "لما" و"ألما"، فإنهما للعموم في الماضي، كما أن "لا" و"لن" للعموم في المستقبل، غير أنهما مقيدان بقيد، قال النحاة: "لما" جواب لفعل معه قد، ونفي الفعل من زمان ذكر إلى زمان المتكلم، و"لم" تنفي الفعل لزمان ذكر فقط، ولا يشترط أن يكون معه قد، فمن قال: قام زيد أول السنة، وأردت مخالفته في ذلك، قلت: لم يقم زيد، فيكون النفي خاصًا بأول السنة، ولم يتعرض/ بالنفي لما بعد ذلك، وإذا قال: قد قام زيد أول السنة، فقلت: لما يقم زيد، فهي نفي للفعل من أول السنة إلى الزمان التكلم، فالنفي يعم ويشمل ما بينك وبين الزمان الذي نسبت إليه الفعل، وكذلك "ألما". فـ "لم" لها أربع صور: لم مجردة، بالهمزة من أولها نحو: ألم يقم زيد، و"ما" من أخرها نحو: لما يقم زيد، فيدغم الميم في الميم فتصير "لما"، والهمزة من أولها، و"ما" من آخرها نحو: ألما يقم زيد، فاثنان من

стр. 456

هذه الأربعة للعموم وهما: "لما"، و"ألما"، واثنان ليسا للعموم وهما: "لم" و"ألم"، فإنهما لنفي جزئي، لا عموم فيه، فلذلك لم أذكرهما في صيغ العموم. وكذلك "ما" و"ليس" هما لنفي الحال، فهو نفي جزئي، لا عموم فيه، كما أن "لا" و"لن" لنفي المستقبل، و"لم" و"لما" لنفي الماضي، فلكل زمان اثنان، فليس فيهما العموم إلا ما تقدم ذكره، وقد وضح ذلك بما ذكرته. فإن قلت: النفي الواقع مع "لما" و"ألما" محصور بين حاصرين، فهو جزئي كالنفي الواقع بـ "ليس" و"ما" اللتين ساعدت على أنهما ليس للعموم، فلا يكونان للعموم؛ لأنك قد قدمت أن من شرط العموم أن يكون مدلوله غير متناه، وغير محصور، وهذا محصور فلا يكون للعموم. قلت: الفرق أن زمن الحال فرد معين، لا يقبل العدد ألبتة؛ لأنه لو اجتمع فيه فردان لكان أحدهما ماضيًا إن كان قبل، أو مستقبلًا إن كان بعد، فلا يكون الحاضر حاضرًا هذا خلف، فالحاضر حينئذ يستحيل فيه العدد، وتجب فيه الوحدة المطلقة. وأما من زمان ذكر فيه الفعل ونسب إلى زمان التكلم، فهو فيه عدد قطعا، قابل لأن يكون ألف سنة، وعشرة آلاف سنة، وغير ذلك من مراتب الأعداد، حتى يمكن أن يندرج فيه الأول الذي هو غير متناه في قول القائل: قد خلق الله المستحيل في الأزل، فيقول الراد عليه: لما يخلق الله المستحيل، ففي هذه الصورة حصل من الأفراد ما لا يتناهي بالفعل، وفي بعضها م يحصل، كما تقدم في مثال السنة، وحينئذ تكون موضوعة لاستغراق النفي من زمن الذكر إلى زمن التكلم كيف كان، ثم يتفق أن الواقع من ذلك العموم في بعض

стр. 457

الصور محصورًا، وقد تقدم ذلك مرارًا أن الحصر في الواقع لا يمنع أن الصيغة للعموم، كقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ / ولا يوجد إلا واحد أو عدد محصور، وتقول: من في الدار؟ ولا يوجد فيها إلا واحد، وتقول: قبضت درهمك كله، والدرهم محصور مشخص، مع أن "كل" موضوعة للعموم، (وهي من أقوى صيغ العموم) عند القائلين بالعموم، ومع ذلك وجودها في جزء محصور لا يقدح في كونها موضوعة للعموم؛ لأنها تصدق في العموم حقيقة إذا استعملت فيه، كذلك: "لما" تصدق حقيقة في العموم إذا استعملت فيه، كما في مثال الأزل، فلا يقدح فيها وجودها في بعض الصور في جزئي محصور، أما الحال فلا يتيسر فيه شيء من ذلك، بل يجب له الإيجاد وامتناع التعدد دائمًا. فتأمل هذه الفروق، وهذه المباحث، فهي تولد عندك معرفة العموم وتمييزه عن الخصوص، فتمييز العموم عن الخصوص قل من رأيته تحققه من الفضلاء، فقد اتجه أن ما ذكرته من صيغ للعموم، وهو المطلوب. * * *

стр. 458

القسم الخامس من صيغ العموم صيغ الشرط وهي نحو عشرين صيغة: النكرة في الشرط، كقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾. والاسم الموصول، إذا كانت الصلة فعلا أو ظرفًا كقوله تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم﴾. والنكرة الموصوفة، إذا كانت الصفة فعلا أو ظرفا، نحو قولك" أي رجل يأتيني فله \رهم، أو: كل رجل في الدار فله درهم، والعموم وإن كان حاصلا من لفظ "أي" أو "كل" أو الموصول، غير أنه حاصل أيضًا مما انضم إلى هذه الصيغ من الشرط، و"ما" نحو: ما تصنع أصنعـ و"ما" إذا لحقتها "ما" المزيدة نحو: مهما وأصلها ماما، قلبت الألف الأولى هاء، فقلت: مهما و"من" نحو: من يأتيني به فله درهم، و"أي" نحو: أي شيء تصنع أصنع، و"حيث" بلغاتها الستة، وقد تقدمت في باب سرد صيغ العموم، نحو: حيثما تجلس أجلس، و"كيفما"، نحو: كيفما تفعل أفعل مثله، و"متى ما"،

стр. 459

نحو: متى ما سافر أسافر معك. و"إذا" الشرطية، نحو: إذا جئتني أكرمتك، و"إذما" وهي "إذا" اتصل بها "ما"، فلا تكون للشرط إلا إذا اتصل بها "ما"، بخلاف "إذا" تكون شرطًا وحدها كقول الشاعر: /إذ ما أتيت (إلى) الرسول فقل له .... حق عليك إذا اطمئن المجلس فهذه الصيغ كلها للعموم، فمنها ما تظافرت فيه نصوص العلماء وهو: "من"، و"ما"، و"مهما"، و"حيثما"، و"أينما"، والنكرة في سياق الشرط، و"أي"، فهذه نص العلماء على أنها للعموم، واستدلوا على ذلك بأمور، منها: صحة الاستثناء، والسبق إلى الفهم، والثناء على الممتثل، وذم المخالف، إذا قال: من دخل داري فله درهم، فأعطى كل من دخل الدار، استحق المدح، وامتنع الاعتراض عله، وإن حرم بعض الداخلين، استحق العتب، وكذلك في بقية النظائر. إذا تقرر ما وقع في النصوص، فنقول: هو بعينه موجود في بقية هذه الصيغ، وكذلك أنك إذا قلت: كيفما تصنع أصنع، فقد عممت حكم ربط صنيعك بصنيعه في جميع الصور، هذا هو المتبارد لفهم السامع، ويحسن الاستثناء، فتقول: إلا في صورة كذا (وإلا في يوم كذا). وكذلك العموم حاصل في "إذا أيضًا، فإذا قلت: إذا جئتني أكرمتك، فقد

стр. 460

ربطت إكرامك بمجيئه في جميع الأزمنة، حتى أنه لو جاءك في زمان ولم تكرمه استحقيت العتب، ولك أن نستثني أي زمان شئت من اللفظ، فتقول: إلا بالليل، وإلا إذا كنت معتكفًا، ونحو ذلك. فالعموم حصل من شمول الشرط بين الفعل في جميع الأزمنة إذا قلت: "إذا" وكذلك إذا قلت "إذما"، وحصل العموم في "كيفما" بين الشبهين الواقعين في الفعلين، في جميع صور الأفعال، ولم يتعرض للأزمان، بخلاف "إذا"، و"إذ ما"، فإن الربط وقع فيه باعتبار الأزمنة والفعال، وشمول الربط لما لا يتناهى هو سر العموم في جميع هذه الصيغ فتأمله تجده فيها كلها. وإذا وجدت شمول الربط بجميع الأشباه كما في "كيفما"، أو الأزمان كما في "إذا ما"، فقد حصل لك أنها كلها موضوعة للعموم، لأنا لا نعني بالعموم إلا لفظا يقتضي شمول حكم لما لا يتناهى. فإن قلت: ذلك موجود بعينه في "إن" وفي "إذا" لم تكن شرطًا، بل ظرفًا محضًا نحو قوله تعالى: /﴾ والليل إذا يغشى﴾، وأنت لم تذكرهما من صيغ العموم. وينقض ما ذكرته أيضًا، بأن القائل إذا قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت الدار مرة واحدة، طلقت طلقة واحدة، فإذا دخلت بعد ذلك، لم تطلق، ولو كانت الصيغة للعموم لتكرار الطلاق بتكرر الدخول، وهو خلاف
следующие страницы →