← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20860

العقد المنظوم في الخصوص والعموم

القرافي

Полный текст (844 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

هذه الأربعة للعموم وهما: "لما"، و"ألما"، واثنان ليسا للعموم وهما: "لم" و"ألم"، فإنهما لنفي جزئي، لا عموم فيه، فلذلك لم أذكرهما في صيغ العموم. وكذلك "ما" و"ليس" هما لنفي الحال، فهو نفي جزئي، لا عموم فيه، كما أن "لا" و"لن" لنفي المستقبل، و"لم" و"لما" لنفي الماضي، فلكل زمان اثنان، فليس فيهما العموم إلا ما تقدم ذكره، وقد وضح ذلك بما ذكرته. فإن قلت: النفي الواقع مع "لما" و"ألما" محصور بين حاصرين، فهو جزئي كالنفي الواقع بـ "ليس" و"ما" اللتين ساعدت على أنهما ليس للعموم، فلا يكونان للعموم؛ لأنك قد قدمت أن من شرط العموم أن يكون مدلوله غير متناه، وغير محصور، وهذا محصور فلا يكون للعموم. قلت: الفرق أن زمن الحال فرد معين، لا يقبل العدد ألبتة؛ لأنه لو اجتمع فيه فردان لكان أحدهما ماضيًا إن كان قبل، أو مستقبلًا إن كان بعد، فلا يكون الحاضر حاضرًا هذا خلف، فالحاضر حينئذ يستحيل فيه العدد، وتجب فيه الوحدة المطلقة. وأما من زمان ذكر فيه الفعل ونسب إلى زمان التكلم، فهو فيه عدد قطعا، قابل لأن يكون ألف سنة، وعشرة آلاف سنة، وغير ذلك من مراتب الأعداد، حتى يمكن أن يندرج فيه الأول الذي هو غير متناه في قول القائل: قد خلق الله المستحيل في الأزل، فيقول الراد عليه: لما يخلق الله المستحيل، ففي هذه الصورة حصل من الأفراد ما لا يتناهي بالفعل، وفي بعضها م يحصل، كما تقدم في مثال السنة، وحينئذ تكون موضوعة لاستغراق النفي من زمن الذكر إلى زمن التكلم كيف كان، ثم يتفق أن الواقع من ذلك العموم في بعض

стр. 457

الصور محصورًا، وقد تقدم ذلك مرارًا أن الحصر في الواقع لا يمنع أن الصيغة للعموم، كقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ / ولا يوجد إلا واحد أو عدد محصور، وتقول: من في الدار؟ ولا يوجد فيها إلا واحد، وتقول: قبضت درهمك كله، والدرهم محصور مشخص، مع أن "كل" موضوعة للعموم، (وهي من أقوى صيغ العموم) عند القائلين بالعموم، ومع ذلك وجودها في جزء محصور لا يقدح في كونها موضوعة للعموم؛ لأنها تصدق في العموم حقيقة إذا استعملت فيه، كذلك: "لما" تصدق حقيقة في العموم إذا استعملت فيه، كما في مثال الأزل، فلا يقدح فيها وجودها في بعض الصور في جزئي محصور، أما الحال فلا يتيسر فيه شيء من ذلك، بل يجب له الإيجاد وامتناع التعدد دائمًا. فتأمل هذه الفروق، وهذه المباحث، فهي تولد عندك معرفة العموم وتمييزه عن الخصوص، فتمييز العموم عن الخصوص قل من رأيته تحققه من الفضلاء، فقد اتجه أن ما ذكرته من صيغ للعموم، وهو المطلوب. * * *

стр. 458

القسم الخامس من صيغ العموم صيغ الشرط وهي نحو عشرين صيغة: النكرة في الشرط، كقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾. والاسم الموصول، إذا كانت الصلة فعلا أو ظرفًا كقوله تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم﴾. والنكرة الموصوفة، إذا كانت الصفة فعلا أو ظرفا، نحو قولك" أي رجل يأتيني فله \رهم، أو: كل رجل في الدار فله درهم، والعموم وإن كان حاصلا من لفظ "أي" أو "كل" أو الموصول، غير أنه حاصل أيضًا مما انضم إلى هذه الصيغ من الشرط، و"ما" نحو: ما تصنع أصنعـ و"ما" إذا لحقتها "ما" المزيدة نحو: مهما وأصلها ماما، قلبت الألف الأولى هاء، فقلت: مهما و"من" نحو: من يأتيني به فله درهم، و"أي" نحو: أي شيء تصنع أصنع، و"حيث" بلغاتها الستة، وقد تقدمت في باب سرد صيغ العموم، نحو: حيثما تجلس أجلس، و"كيفما"، نحو: كيفما تفعل أفعل مثله، و"متى ما"،

стр. 459

نحو: متى ما سافر أسافر معك. و"إذا" الشرطية، نحو: إذا جئتني أكرمتك، و"إذما" وهي "إذا" اتصل بها "ما"، فلا تكون للشرط إلا إذا اتصل بها "ما"، بخلاف "إذا" تكون شرطًا وحدها كقول الشاعر: /إذ ما أتيت (إلى) الرسول فقل له .... حق عليك إذا اطمئن المجلس فهذه الصيغ كلها للعموم، فمنها ما تظافرت فيه نصوص العلماء وهو: "من"، و"ما"، و"مهما"، و"حيثما"، و"أينما"، والنكرة في سياق الشرط، و"أي"، فهذه نص العلماء على أنها للعموم، واستدلوا على ذلك بأمور، منها: صحة الاستثناء، والسبق إلى الفهم، والثناء على الممتثل، وذم المخالف، إذا قال: من دخل داري فله درهم، فأعطى كل من دخل الدار، استحق المدح، وامتنع الاعتراض عله، وإن حرم بعض الداخلين، استحق العتب، وكذلك في بقية النظائر. إذا تقرر ما وقع في النصوص، فنقول: هو بعينه موجود في بقية هذه الصيغ، وكذلك أنك إذا قلت: كيفما تصنع أصنع، فقد عممت حكم ربط صنيعك بصنيعه في جميع الصور، هذا هو المتبارد لفهم السامع، ويحسن الاستثناء، فتقول: إلا في صورة كذا (وإلا في يوم كذا). وكذلك العموم حاصل في "إذا أيضًا، فإذا قلت: إذا جئتني أكرمتك، فقد

стр. 460

ربطت إكرامك بمجيئه في جميع الأزمنة، حتى أنه لو جاءك في زمان ولم تكرمه استحقيت العتب، ولك أن نستثني أي زمان شئت من اللفظ، فتقول: إلا بالليل، وإلا إذا كنت معتكفًا، ونحو ذلك. فالعموم حصل من شمول الشرط بين الفعل في جميع الأزمنة إذا قلت: "إذا" وكذلك إذا قلت "إذما"، وحصل العموم في "كيفما" بين الشبهين الواقعين في الفعلين، في جميع صور الأفعال، ولم يتعرض للأزمان، بخلاف "إذا"، و"إذ ما"، فإن الربط وقع فيه باعتبار الأزمنة والفعال، وشمول الربط لما لا يتناهى هو سر العموم في جميع هذه الصيغ فتأمله تجده فيها كلها. وإذا وجدت شمول الربط بجميع الأشباه كما في "كيفما"، أو الأزمان كما في "إذا ما"، فقد حصل لك أنها كلها موضوعة للعموم، لأنا لا نعني بالعموم إلا لفظا يقتضي شمول حكم لما لا يتناهى. فإن قلت: ذلك موجود بعينه في "إن" وفي "إذا" لم تكن شرطًا، بل ظرفًا محضًا نحو قوله تعالى: /﴾ والليل إذا يغشى﴾، وأنت لم تذكرهما من صيغ العموم. وينقض ما ذكرته أيضًا، بأن القائل إذا قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت الدار مرة واحدة، طلقت طلقة واحدة، فإذا دخلت بعد ذلك، لم تطلق، ولو كانت الصيغة للعموم لتكرار الطلاق بتكرر الدخول، وهو خلاف

стр. 461

الإجماع، فدل ذلك على أنها مطلقة قل "إذا". وكذلك إذا قال: متى ما، أو: متى دخلت الدار فأنت طالق، أو: حيث وجدتك فأنت طالق، أو: أين وجدتك فأنت طالق، فإن الطلاق في جميع هذه الصور لا يتكرر، وذلك يقتضي أن هذه الصيغ كلها ليست للعموم. قلت: هذه أسئلة مشكلة صعبة، يحتاج الجواب عنها إلى نظر دقيق، وقواعد عربية. فنقول: التعاليق أربعة أقسام من حيث القسمة العقلية: تعليق مطلق على مطلق، وتعليق عام على عام، وتعليق مطلق على عام، وتعليق عام على مطلق. مثال المطلق على مطلق قولك: إن جئتني أكرمتك، على مطلق الإكرام على مطلق المجيء. ومثال العام على العام قول العرب: كلما جئتني أكرمتك، وكلما دخلت الدار فأنت طالق، التزم تكرر الإكرام بتكرر المجيء، وتكرر الطلاق بتكرر الدخول، فكل فرد من أفراد الدخول ربط به فرد من أفراد الطلاق، ولم تجعل العرب "متى ما" مثل "كلما"، بل سوت بين "متى" و"متى ما"، وفرقت بين "كل" و"كلما"، فإذا قال: كل امرأة أتزوجها طالق، مقتضى هذه الصيغة لغة أن يلزمه طلقة واحدة في كل امرأة يتزوجها، ولا يتكرر عليه الطلاق فيها، وإذا قال: كلما تزوجت فالمرأة التي أتزوجها طالق، تكرر عليه الطلاق بتكرر الزواج، فهي للعموم في الأفعال والطلاق والنساء، بخلاف "كل" للعموم في النساء فقط، دون الأفعال والطلاق. ومثال المطلق على العموم قولهم: متى دخلت الدار فأنت طالق، أو حيث

стр. 462

وجدتك، أو أين وجدتك فأنت طالق/، التزم الطلاق في جميع الأزمنة والبقاع، كما لو قال: التزمت طلقة واحدة في كل زمان يحصل الدخول فيه، فالمظروف واحد، والظروف متعددة، فالعموم فيها حاصل، بسبب أن كل زمان أو كل مكان عمه حكم كونه ظرفا لتلك الطلقة، فهذا الحكم شامل لجميع الأزمنة والبقاع على سبيل الجمع لا على سبيل الصلاحية، وهو معنى قولنا: تعليق مطلق على عام. وأما القسم الرابع وهو تعليق العام على المطلق: فكقولنا: إن دخلت الدار فأنت طالق كل طلقة يمكن وقوعها، أو: فلك كل مال لي، فقد التزم عموم المال وعموم الطلاق بمجرد دخلة واحدة. إذا تقررت هذه الأقسام الأربعة، ظهر الجواب عن سبب أن الربط إنما حصل فيها بين مطلق ومطلق، فلذلك لم يحصل فيها تكرر طلاق، ولم تكن من صيغة العموم. ويظهر لك بسبب تقرير هذه القاعدة وجه الجمع بين قول العلماء إن: "حيث" و"أين" و"متى" للعموم، وبين قولهم: إنه لا يتكرر الطلاق بتكرر المعلق عليه، بسبب أنه تعليق مطلق على عام، فلم يتناقض النقلان، بخلاف إذا لم تفهم هذه القاعدة، تقول: كيف يقولون هذه الصيغ للعموم، مع أنهم لم يكرروا الطلاق، وهذا هو شأن الإطلاق، ولا يفهم الفرق بين العموم والمطلق إلا بالتكرار، فإذا قال الله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، لا يتكرر، وإذا قال: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ يتكرر القتل دائمًا، وذلك يقتضي العموم، فلو أنا

стр. 463

قتلنا مشركًا واحدًا ثم وجدنا آخر لم يجب قتله، لأشكل فهم العموم غاية الإشكال، كذلك ها هنا إذا لم يتكرر الطلاق يشكل قولهم بأن هذه الصيغ للعموم. أما إذا فهمت هذه القاعدة، اتجه لك وجه الجمع بين قولهم بالعموم، وبين قولهم: الطلاق لا يتكرر، بأن يحمل الكلامين على أنه من باب تعليق المطلق على العام، كما لو صرح وقال: التزمت طلقة واحدة، لا يتكرر في جميع الأزمنة، أو في جميع البقاع، فلا خفاء حينئذ أن العموم حاصل من صيغة "كل" و"جميع"، ومع ذلك لا يتكرر الطلاق عليه؛ لأنه صدر بعدم/ التكرار، والتزام مطلق الطلاق فقط من غير تكرر. فإن قلت: ما مدركهم في قولهم: إن هذه الصيغ للعموم، ولم يجوزوا أن تكون مطلقة مثل "إن" وليس معنا من تكرر الطلاق ما يضطرهم إلى ذلك؟ قلت: مدركهم في ذلك فهمهم عن العرب في موارد الاستعمال العموم هو مدركهم، وهو المدرك في جميع اللغات، فمهما فهم معنى عند إدراك لفظ، قيل: هو مسمى ذلك اللفظ، وهم أمناء فيما يقولون عن فهمهم وحجة في ذلك، فهذا أمر وجداني، يعتمد فيه على الثقة بالناقل ليس إلا، مضافًا إلى صحة الاستثناء، وغير ذلك من الأدلة المذكورة في العموم، فلما تقرر ذلك عندهم في موارد الاستعمال، اعتقدوا العموم في هذه الصيغ، ونحن نقلدهم فيما فهموه ونقلوه، كما نقلدهم في جميع الأوضاع اللغوية. وأما الفرق بين "إذا" الشرطية و"إن"، فهو أن "إذا" الشرطية تدل على

стр. 464

زمان مبهم، وظرف غير معين، مثل: "متى" و"أين" يدلان على ظرف غير معين، وفيهما تعليق أمر على أمر، وتوقيف دخوله في الوجود على دخول أمر آخر مثل: "متى" و"أين" حرفا بحرف، ولي بينهما ألبتة فرق، فكما كان "متى" و"أين" للعموم، تكون "إذا" أيضًا" للعموم إذا كانت شرطًا، وليس ذلك من باب القياس في اللغة إلا من باب حصول فهم العموم عندها، كما يحصل عندها؛ لأجل حصول المساواة المطلقة، والفهم في موارد الاستعمال، وهو مدرك اللغات للعلماء أجمع، في أن الصيغة للعموم، والأمر للوجوب، والنهي للترك، وغير ذلك من الأوضاع اللغوية. ولما حصل الفهم ها هنا للعموم، والأمر للوجوب، والنهي للترك، وغير ذلك من الأوضاع اللغوية. ولما حصل الفهم ها هنا للعموم، لأجل المساواة المطلقة، وجب اعتقاد أنها للعموم. وأما "إن" فليس فيها إلا مجرد التعليق من غير ظرف، ومطلق التعليق أعم من التعليق على العموم أو المطلق، وليست مساوية لشيء من صيغ العموم، حتى يلزم أنها للعموم، ولم نجد مطلق الربط في صورة من الصور للعموم، فلذلك لم نعتقد أن لفظ "إن" للعموم، ولأن لفظ "إذا" الشرطية قال النحاة: العامل فيها هو لفظ الجواب، لا لفظ الشرط، فذا/ قلت: إذا جئتني أكرمتك، (فأكرمتك عامل في إذا)، لا جئتني. قالوا: بسبب أن

стр. 465

"إذا" ظرف، والظرف شأنه أن يضاف لما بعده، ولفظ جئتني مضاف إليه، والمضاف ليه معمول المضاف، فإن المضاف يخصصه، فلا يعمل فيه المضاف إليه، لئلا يعمل كل واحد منهما في صاحبه، فيلزم الدور، فإن العامل له رتبة التقدم على العموم، فلو كان معموله عاملًا فيه، لزم تقدم كل واحد منهما على الآخر، وهو الدور، وإذا تعذر فعل الشرط في هذا الظرف، تعين أن يعمل فيه فعل الجواب، هذا هو المشهور. ومنهم من يجوز عمل فعل الشرط فيه؛ لأن العامل في الظرف شرطه أن يكون واقعًا فيه، وكلًا اللفظين واقع في هذا الطرف، فأوجب صحة عمل فيه، لوجود شرط صحة العمل. وتصريحهم بالإضافة يقتضي أن المعنى: قد التزمت إكرامك في زمن مجئيك إلي، وزمن المجئ اسم جنس أضيف، واسم الجنس إذا أضيف يعم لقوله ﵊: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" فيعم جميع أفراد الماء وأفراد الميتة، وكذلك ها هنا يحصل العموم في هذا الظرف المضاف، فيكون الحكم بظرفيته شاملًا لكل أفراد زمن المجئ، وهو المراد بالعموم. وأما "إن" فليس فيها لفظ إضافة حتى يثبت العموم لأجلها، فهذا وجه آخر في الدلالة والفرق.

стр. 466

وأما "إذا" لم يكن شرطًا بل ظرفًا محضًا كقوله: آتيك إذا احمر البسر، وإذا قدم الحاج، فليست مساوية لـ "متى" و "أين" في الظرفية والتعليق، لانخرام أحدهما وهو التعليق، وإذا انتفت المساواة تردد الفعل ووقف عن التسوية في الحكم. فإن قلت: ما قدمته من إضافة اسم الزمن واقتضائه للعموم موجود هاهنا، فهو نقض على ذلك الدليل، والأصل عدم النقض، فإن الظروف كلها مضافة لما بعدها بإجماع النحاة، كانت شرطًا أم لا، واسم الجنس إذا أضيف يعم ما تقدم. قلت: الإضافة موجودة، غير أن الجزئي قد يضاف، كقولنا: عبدي حر، وامرأته طالق، ودرهمه/ زائف، ونحو ذلك. وقد تضاف الحقيقة الكلية من حيث هي هي، فيحصل العموم في الثاني دون الأول، والعلم بأن المضاف جزئي أو كلي يرجع إلى فهم السامع في موارد الاستعمال، فلا يهم أحد في تلك المثل من العبد والزوجة إلا الجزئي، ولا يفهم أحد من قوله ﷺ في المياه والميتة إلا العموم، وأن المضاف الماهية الكلية، دون القصد إلى جزئي. ولو قيل: ما الدليل على ذلك، لعجزنا عن إقامته، لسبب أن الوجدانيات يتعذر إقامة الدليل عليها، فلا يقدر أحد أن يقيم دليلا على أنه مغتم أو مسرور أو جائع، ونحو ذلك، وقد قال العلماء: أربعة لا يقام فيها الدليل، ولا يقال فيها: لم؟ ولا يطالب فيها بدليل: الحدود،

стр. 467

والإجماع، والعوائد، وأحوال النفوس، فهذه منها، وهي حالة يجدها الإنسان في نفسه، فهو مؤتمن عليها، إن كان ممن يقلد في ذلك. إذا تقرر هذا، فالمفهوم من قولنا: آتيك إذا احمر البسر، أو قدم الحاج، والمراد زمن جزئي خاص بتلك النسبة، ولا نجد في أنفسنا من مجرد هذا القول أن جميع أزمنة احمرار البسر وقدوم الحاج إلى يوم القيامة، فقد يعرض هذا المتكلم لها، بل هو مشير إلى مقدم سنته، واحمرار بسر سنته تلك، هذا هو المفهوم في عرف الاستعمال، وقد تحفه قرائن تقتضي خلاف ذلك، كما أنه قد تحتف قرائن في "إذا" الشرطية، تقتضي التخصيص بفرد واحد من أمنة ذلك الفعل، كقوله: إذا جئتني بعبدي الآبق فلك دينار، إنما يتناول زمنا فردا، لقرينة أن الإتيان بالعبد لا يتكرر. فإن قلت: قوله تعالى: ﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى﴾ ظرف محض، لا شرط فيه، وهو في موضع نصب على الحال، تقديره: أقسم بالليل في حالة غشيانه، وبالنهار في حالة تجليه، أو في زمن تجليه؛ لأن هاتين الحالتين هما أعظم أحوال الليل والنهار، والقسم تعظيم، والتعظيم إنما يكون في حالة

стр. 468

عظم المعظم، فقد جعل الله التعظيم في هذه الحالة، لأجل عظمها، فحيث وجدت وجد/ التعظيم فيها، فيحصل العموم. فلت: القسم إنشاء، وهو الواقع في هذه الحالة، والإنشاء شيء وقع، لا تكرر فيه، والحال ليس من شرطها التكرر، وإذا انتفى التكرر من القسمين، انتفى العموم بطريق الأولى، فقد اندفعت النقوض، وحصلت الأجوبة. * * *

стр. 469

القسم السادس من صيغ العموم صيغ الخبر في الثبوت بغير لام ولا ظرف وهي نحو من اثنين وعشرين صيغة تقدمتها في التأكيد "كل"، و"وكلا"، "وكلتا" فإنها تستعمل خبرًا، نحو: كل القوم مسافر، وكلتا المرأتين منطلق، وخبرها مفرد، قال الله تعالى: ﴿كلتا الجنتين أنت أكلها﴾، واسم الجنس إذا أضيف، قال صاحب كتاب الروضة: هو يقتضي العموم، كان مفردًا أو تثنية أو جمعًا، ولفظ "جميع" نحو: جميع القوم منطلق، و"معشر" بمعنى جميع، كقوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس﴾، وجمعه (معاشر) نحو قوله ﵊: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، وكأنه مشتق من العشيرة التي هي بمعنى القبيلة، والقبيلة هي للعموم، و"ذو" في لغة طئ، فإنها تكون بمعنى الذي، قال الشاعر: لا نتحين للعظم ذو أنا عارقه

стр. 470

أي: الذي أنا عارقه، و"ذات" مؤنثة ذو الطائية، و"ذوا" تثنيته، و"ذواتا" تثنيته مؤنثة في الرفع، و"ذواتي" تثنيته في النصب والجر، و"ذوو" جمع ذو الطائية في الرفع، و"ذوي" في النصب والخفض، و"ذوات" بضم التاء، جمع مؤنث في الرفع، و"ذوات" بخفض التاء في النصب والخفض، حكاها كلها ابن عصفور في المقرب. و"ما الموصولة" نحو: رأيت ما عندك، و"ما الزمانية" نحو: لا واليتك ما طرد الليل والنهار، و"ما المصدرية" إذا وصلت بفعل مستقبل، نحو: يعجبني ما تصنع، ويتقبل الله من المتقين ما يعلمون، وصيغة "أبدًا" في قوله تعالى: ﴿خالدين فيها أبدًا﴾، وكذلك "سرمدا"، ودائمًا" "كقولنا: نعيم الجنة سرمدًا ودائمًا، ولفظ "من" بكسر الميم، التي هي حرف جر، في قولك: ما جاءني من رجل، ولفظ "من" بفتح/ الميم، التي هي اسم في قولك: رأيت من عندك ولفظ "قاطبة" في قولك: جاء القوم قاطبة، وكذلك "كافة" في قولك/: جاء الناس كافة، ومن خصائصهما أن لا يكونا إ منصوبين على الحال، ولا يقبلان الإضافة ولا صدر الكلام. وقد رد على الحريري في قوله: قاطبة الكتاب، ولفظ "سائر"

стр. 471

على رأي الجوهري الذي جعله بمعنى جميع، ووافقه على ذلك بعض المتأخرين، وهو عندهم مأخوذ من سور المدينة بغير همز، الذي معناه المحيط، وعند غيرهم من السؤر، بمعنى البقية، بالهمز، فلا تكون للعموم عند هؤلاء، وهم الجمهور. فهذه كلها للعموم، فمنها ما تقدم النقل فيه عن العلماء، وإقامة الدليل عليه نحو: "كل"، "واسم الجنس إذا أضيف"، "وجميع"، "وما الموصولة" كقوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾، تقدم تقرير العموم فيها، وحديث ابن الزبعري وجوابه، وكذلك تقدم الفصل في "من" التي هي اسم، وأنها من صيغ العموم، غير أنهم خصصوها بالشرط أو الاستفهام، ليحترزوا به من لفظ "من" إذا كانت نكرة موصوفة، فإنها ليست للعموم، نحو: مررت بمن معجب لك، أي: برجل معجب لك، غير أن هذا الشرط وإن نفعهم في إخراج النكرة، ضرهم في إخراج الموصولة، فإنها عندهم للعموم اتفاقًا منهم، وكذلك "ما" الموصولة، خرجت باشتراطهم

стр. 472

فيها الشرط والاستفهام، وهي عندهم للعموم، فكان الصواب لهم أن يقولوا: "من" و"ما" للعموم، إذا لم (تكن) نكرة أو حرفًا، فيندرج جميع الأقسام معهم في العموم، فهذه كلها لا تحتاج لإقامة الدليل على أنها للعموم، لوجود النصوص والأدلة على أنها للعموم، وقد تقدم ذلك في إقامة الدليل على أصل العموم، وحكاية الخلاف فيه. وأشرع الآن فيما ليس فيه نص لهم، نحو: "معشر"، و"معاشر"، فإنه بمعنى "جميع"، و"جميع" للعموم، فيكون ما في معناه كذلك؛ لأن العموم ليس لذات اللفظة من حيث هي تلك اللفظة، إنما هي باعتبار مسماها كلية، مشتملة على أفراد غير متناهية، فكل لفظ وجدناه كذلك كان للعموم، ولفظ (معشر) كذلك، / كما تقدم من الأدلة على أن تلك الصيغ للعموم، وتيسر تقررها في هذه اللفظة. وكذلك (ذو) في لغة طيء، مفردًا وتثنيةً وجمعًا ومذكرًا ومؤنثًا؛ لأنه بمعنى "الذي" الموضوع للعموم عند المعممة، فما (كان) بمعناه وجب أن يعتقد أنه للعموم، كما أنا وجدنا لفظا مدلوله مدلول لفظ الحيوان أو الإنسان، قلنا: هو موضوع للحيوان أو الإنسان. وأما "ما" الزمانية في قولك: لأطيعن الله ما طرد الليل النهار، فلأن المعنى: أطيعن الله في أزمنة طرد الليل النهار، فتكون هذه الأزمنة كلها ظروفًا للطاعة، وهي غير متناهية من حيث دلالة اللفظ، وإن كان الواقع منها دائمًا

стр. 473

متناهٍ، وقد تقدم أنه لا تناقض بين كون لفظ العموم مدلوله غير متناه، والواقع منه متناهٍ، فيكون لفظ (ما) الزمانية للعموم، وهو المطلوب. وأما المصدرية إذا وصلت بفعل مستقبل، نحو قولك: يتقبل الله من المتقين ما يعملون، فتقدير الكلام: يتقبل الله تعالى من المتقين عملهم، وهذا عام في جميع أعمالهم المستقبلة، وهي غير محصورة، فتكون للعموم، وكذلك قولك: يعجبني ما تصنع، أي: يعجبني صنيعك، وهذا اسم جنس أضيف، فيعم بالنقل والأدلة المتقدمة، فكذلك ما في معناه، فتكون "ما" المصدرية إذا وصلت بفعل مستقبل للعموم، وهو المطلوب، أما إذا وصلت بفعل ماضي، نحو قولك: أعجبني ما صنعت، فإنك تشير بلفظك هذا إلى صنيع جزئي خاص وقع في الوجود، وكل ما وقع في الوجود هو متناهٍ، ومدلول العموم غير محصور ولا متناهٍ، فلذلك اشترطت في صلتها أن تكون بفعل مستقبل، ليكون المشار إليه غير محصور وغير متناهٍ، وباعتبار دلالة اللفظ، وأن الواقع منه دائم محصور، وقد تقدم أن ذلك لا يضر ولا يقدح في أن الصيغة للعموم. وأما بقية أقسام "ما"، نحو: "الكافة"، و"المهيئة"، و"النافية"،

стр. 474

و"ما" حرف من الحروف، فلم أجد فيه شيئًا مدلوله مدلول العموم، حتى أقول هو للعموم، وكذلك/ "التعجبية" في قولك: ما أحسن زيدًا، فإنها تكون نكرة، معناها شيء عند الجمهور، وتقدير الكلام: شيء حسن زيدًا، والنكرة في سياق الإثبات لا تصلح للعموم، فلا تكون "ما" التعجبية للعموم، أما من جعلها بمعنى الذي موصولة، فهي عندهم يلزم أن تكون للعموم؛ لأن "الذي" هو للعموم، فكل لفظ يكون معناه معنى لفظ العموم هو للعموم، لكن هذا المذهب عندهم رديء، بسبب أنها إذا كانت موصولة كان ما بعدها صلتها، والصلة مع الموصول كلمة واحدة، والكلمة الواحدة لا تستغل كلامًا يحسن السكوت عليه (لكن هذه يحسن السكوت عليها) فلا تكون موصولة، فيحسن السكوت على قولنا: ما أحسن زيدًا، من غير حاجة إلى زيادة، فلذلك هي نكرة مبتدأ، وما بعدها خبرها، فيحسن السكوت على المبتدأ والخبر. فالذي يصلح للعموم من أقسام "ما": "الموصولة"، و"الزمانية"، و"المصدرية" إذا وصلت بمستقبل، و"الشرطية" بأقسامها، (والاستفهامية بأقسامها)، وما عدا ذلك لا يصلح للعموم؛ لأنه ليس فيها شيء وضع لما وضع له من لفظ العموم. وأما صيغة "أبدا"، فإنها موضوعة للعموم، بسبب أنها موضوعة لاستغراق الفعل المذكور معها الأزمنة المستقبلة، كقوله تعالى: ﴿خالدين فيها أبدا﴾ فالخلود يشمل جميع الأزمنة المستقبلة، فتكون صيغة "أبدا". موضوعة للعموم

стр. 475

في الأزمنة المستقبلة، وهو المطلوب. وقد بالغ بعض العلماء فقال: إن الفعل المذكور بلفظ "أبدًا"، لا ينسخه، نحو قوله: افعلوا هذا أبدًا، ورأى أن قوة استغراقه يمنع من النسخ. وردوا عليه: بأن لفظ "أبدًا" من صيغ العموم في الأزمان، والعموم ظاهر من الظواهر، والنسخ جائز على النصوص، فضلا عن الظواهر. وكذلك لفظ "سرمدًا" و"دائمًا" وإن كانا نكرتين يقتضيان استغراق الأزمنة المستقبلة، فيكونان للعموم فيها، كقوله: افعل هذا أبدًا أو سرمدًا، معناه: في جميع الأزمنة المستقبلة، وهذا هو معنى العموم. وأما "من" بكسر الميم -التي هي حرف جر- فإنها للعموم، لأجل أنها

стр. 476

موجب العموم، وتدل عليه في قوله: ما جاءني من رجل، وأنك لو حذفت "من" لم يكن/ اللفظ للعموم، كما تقدم النقل فيه عن الجرجاني وغيره، وأن العموم إنما يحصل بسببها، فتكون مع النكرة في النفي كـ "لام" التعريف والإضافة مع النكرة، فكما تقول: النكرة المعرفة (للعموم، تقول: النكرة) مع "من" للعموم، وتكون "من" أحد موجبات العموم، كما تقدم بيانه. وأما لفظ "قاطبة" فإنها وإن كانت لا تستعمل إلا حالًا مؤكدة لما قبلها، فإنها تدل على الشمول لغة، في جميع ما تقدم، في قولك: جاء الناس قاطبة، فمعنى قاطبة: أي لم يبق منهم أحد، وهي تؤكد العموم كما يؤكده لفظ "كل"، والمؤكد للشيء يقتضي أن يطابقه في معناه، فلا يؤكد العموم إلا ما كان للعموم، فلفظ قاطبة للعموم. وكذلك القول في "كافة"، فإنها تؤكد العموم كما تؤكده قاطبة، فتقول: جاءني القوم كافة، فهي تؤكد العموم وتقويه، ومؤكد العموم أولى أن يكون للعموم، قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ أي: لجميعهم. وأما لفظ "سائر"، فإذا جعلناه بمعنى جميع الشيء، مأخوذ من سور المدينة، فظاهر أنه للعموم، فإنه حينئذ مرادف لـ "جميع"، وجميع للعموم،

стр. 477

فيكون "سائر" للعموم، لكن المشهور من مذاهب العلماء أنها بمعنى: باقي الشيء، لا جملته، وباقي الشيء لا شمول فيه لذلك الشيء، فلا تكون للعموم على رأي الجمهور، قال رسول الله ﷺ لغيلان: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهن"، أي باقي النسوة. فقد اتضح لك إلحاق ما لم ينصوا عليه أنه للعموم (بما نصوا عليه) أنه للعموم وهو المطلوب. * * *

стр. 478

القسم السابع من صيغ العموم الظروف التي هي الجهات الست، وما سردته معها من ظروف الزمان، وجملة من ظروف المكان، وهي نحو أربعين صيغة من ظروف الزمان والمكان، تقدم منها في الشرطيات "أين"، و"متى"، و"حيث" إذا كانت شرطًا، نحو: حيث تجلس أجلس، فإن العموم حاصل فيها، نقله القاضي عبد الوهاب وغيره، أما إذا كانت خبرية، نحو: جلست حيث يجلس زيد، فلا تكون للعموم؛ لأنه مكان جزئي، وظرف معني لا عموم فيه، بخلاف الشرطية، لا تختص بمكان، بل تشمل جميع البقاع/ وهو من باب تعليق المطلق على العام، كما تقدم بسطه في قاعدته في الشرطيات، وتقدم أقسام "حيث" مستوعبة، وتقدم أيضا من الظروف "إذا" الشرطية في الشرطيات، وتقدم أيضا "أينما" و"متى ما" و"حيثما" و"إذ ما"، وبقي ما يختص ذكره بهذا القسم وبيانه وتقرير العموم فيه: "قبل"، و"بعد"، و"فوق"، و"أسفل"، و"يمين"، و"يسار"، و"وراء"، و"قدام"، و"تحت"، و"أمام"، و"خلف"، و"دونك"، و"على"، في قولك: جئت من عليه، أي: من فوقه، وعاليه، كقوله تعالى: ﴿عاليهم ثياب سندس خضر﴾ و"معاليه"، كقولك: جئت من معاليه، ومن معال، أي: من عل، و"علا" بالقصر، لغة في عل، و"علو" بالواو، بمعنى فوق، تقول العرب: جئت من علو، وعلو، حكاها كلها الزمخشري، و"عند"، و"لدي"، و"يمنة"، و"يسرة"، و"صباحا ومساء"،

стр. 479

بالعطف، و"يومًا"، بالعطف، و"عوض"، و"قط". فهذه ونحوها بأقسامها ولغاتها تدعي أنها كلها للعموم، لقول الله تعالى: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ يشمل جميع الأزمنة الماضية بلفظ "قبل"، وجميع الأزمنة المستقبلة بلفظ "بعد"، وكذلك إذا قلت: جلست فوق زيد، أو السماء فوق الأرض، يتناول ذلك جميع جهات العلو إلى غير النهاية، فكل شيء يفرض في الجهة العليا -وإن بعد غاية البعد عن الأرض -فإنه يصدق أنه فوق الأرض، وكذلك تحت الأرض، يصدق على ما لا يتناهى من الجهات السفلية، وكذلك إذا قلت: يمين البصرة أو يسار بغداد، فإنه يتناول جهات لا نهاية لها من الجهتين، وهذا هو معنى العموم. وذلك "وراء"، و"قدام"، يتناول ما لا يتناهى في تلك الجهتين، حتى إنه ما من شيء يفرض في هاتين الجهتين إلا ويصدق عليه أنه وراء زيد وقدامه إلى غير النهاية. وكذلك "تحت"، و"أمام" و"دونك" هو بمعنى أسفل، وقد صح أن أسفل للعموم، فدونك كذلك، و"عالي"، و"علو" بمعنى فوق، وقد صح أن "فوق" بمعنى العموم، فكذلك ما في معناه. وكذلك "عند"، تقول: عند زيد مال، وإن فرض في الهند أو الصين أو

стр. 480

غير ذلك من البقاع البعيدة جدًا، فلا غاية لمدلول (عند) من المكان، كما أنه لا غاية لمدلول الجهات الست من الزمان، ومالا غاية له، فهو للعموم قطعًا، وكذا/ إن قلنا: إنها بمعنى عند، فهي للعموم أيضًا، وإن قلنا: إنها تختص بالقريب نحو قوله تعالى: ﴿وألفيا سيدها لدا الباب﴾، لا يكون للعموم؛ لأن مفهومها على هذا التقدير محدود محصور فلا يكون للعموم. وأما "صباحًا مساءً" في قولك: لقيته صباحًا ومساءً، فقال أئمة اللغة: لقيته كل صباح ومساء، وإن العرب تستعمل هذا العطف للعموم، كأنها نبهت بالعطف على أصل الكثرة، ومرادها الكثرة التي لا تتناهى، كما نبهت بالتثنية على أصل الكثرة، ومرادها كثرة غير متناهية في قوله تعالى: ﴿ثم أرجع البصر كرتين﴾، أي: أرجعه مرارًا غير متناهية فإنك لا تجد في السماء شقا، وكذلك أهل اللغة. وأما "عوض"، فهو اسم لجميع الزمان المستقبل، تقول: لا أفعله عوض العائضين ودهر الداهرين، فيشمل جميع الأزمنة المستقبلة، ومسمى المستقبل عوض؛ لأنه يخلف الزمن الحاضر دائمًا، فيذهب الحال والحاضر، ويأتي فرد

стр. 481

من المستقبل عوضه. تقول: ما فعلته قط، والمراد في جميع الأزمنة الماضية، والأزمنة الماضية غير متناهية، فيكون مدلول "قط" غير متناه، فتكون للعموم، وهو مأخوذ من قولك: قططت القلم، لأن الماضي قد انقطع من المستقبل وانقطع ودخل الوجود، فقد وضح أن الجهات الست ونحوها من الظروف للعموم وأن مسمى الجميع غير متناه وهو المطلوب. فإن قلت: إن هذه الظروف إنما أفادت العموم لأجل الإضافة، فإنها أسماء أجناس لتلك المفهومات الزمانية والمكانية، وأنها تصدق بفرد واحد من تلك المادة، ولما حصلت الإضافة استوعبت تلك الأفراد، وصارت للعموم -وقد تقدم أن اسم الجنس إذا أضيف عم -فالموجب للعموم الإضافة لا خصوصيات هذه الألفاظ، فلا يكون هذا القسم اسمًا آخر غير ما تقدم من اسم الجنس إذا أضيف، (فتكون عدة) قسمًا آخر -وأن هذه الألفاظ وضعت للعموم -باطلًا. قلت: لو كان (قبل) لمطلق الزمان المتقدم، ويصدق/ بفرد منه، دون استيعابه، وكان في مسمى هذا اللفظ أفراد، لكانت العرب تثنيه وتجمع

стр. 482

بحسب أفراده، فتقول: قبلان، وقبولك، مثل: فلسان وفلوسك، لما كان فلس اسما لجنس فيه أفراد، فلما امتنعت العرب من تثنية هذه المفهومات وجمعها، دل ذلك على أنها موضوعة لكلية هذه المفهومات، واستيعاب كل فرد منها، لا لمطلق الفرد منها. وهذا من أعظم البراهين على أن الجهات الست وما معها مما تقدم ذكره ألفاظها صيغ عموم لا خصوص، لسبب أن اللفظ الموضوع للكلية نكرة الأفراد على هذه الصورة، استحال أن يوجد لذلك المسمى ثانيًا، فتعذر تثنيته فضلًا عن جمعه، ولما كانت العرب لا تثني هذه المفهومات ولا تجمعها، دل ذلك على أنها موضوعة للعموم قطعا. فإن قلت: قد نقل صاحب المقرب وغيره أن العرب لا تجيز تثنية الخمسة ولا الأربعة، فلا تقول: الخمستان ولا الأربعتان، مع أن لفظ الخمسة موضوع لعدد محصور، وكذلك الأربعة، والعدد المحصور مناف للعموم، فينتقض ما ذكرته بهذه الألفاظ. قلت: الفرق أن المنقول عن العرب، إنما امتنعت من تثنية الخمسة والأربعة، اكتفاء بلفظ العشرة عن تثنية الخمسة، وبلفظ الثمانية عن تثنية الأربعة،

стр. 483

والاختصار والإيجاز شأن العرب، فلذلك امتنع ذلك في تلك الألفاظ، أما هاهنا فليس لنا لفظ آخر يقوم مقام التثنية والجمع، فإن كان اللفظ إنما هو موضوع لجنس تحته أفراد، ومثل هذا قاعدة العرب فيه صحة التثنية والجمع، فمنع هذه القاعدة ومنع الحكم مع وجود المقتضي خلاف الأصل، فدل ذلك على أن المانع كون الصيغة للعموم، وأنها إذا كانت كذلك استحال فيها التثنية والجمع، وعلى هذا لم تنتقض القاعدة، وهو الحق الواضح. ويؤكد هذا التقدير أنا إذا سمعنا (قبل) ونحوه من الظروف، إنما يفهم سبقًا غير متناه، غير/ أنا نتوقف في أن هذا السبق باعتبار أي شيء؟ فإذا قلنا: قبل زيد، أو غير ذلك، استفدنا من الإضافة تعيين ما القبل منسوب إليه، لا أنا نستفيد الاستغراق، وكذلك (فوق) و (عند) وبقية الظروف، وإذا كان السابق إلى الفهم من لفظ الظرف هو الاستغراق قبل الإضافة، كان اللفظ موضوعًا للعموم، لأن الفهم والسبق إليه هو أقوى أدلة الوضع وأكده، تقدر التثنية والجمع فيه لغة. ومن أسماء الزمان والمكان ما ليس موضوعًا للعموم، نحو: سافرت ميلا،

стр. 484

وبريدًا، ويومًا، وسنةً، وشهرًا، وساعةً، وذات مرة، وبعيدان، بين ولحظةً، وبكرةً، وعشيةً، وسحرًا، وعشاءً، وصباحًا، ونحو ذلك من أسماء الزمان والمكان، بسبب أن مسمياتها جزئيات مخصوصة محصورة، منافية لسلب النهاية والعموم، ولذلك جوزت العرب فيها التثنية والجمع، لأنها موضوعة لما يقبل أن يقع منه أفراد كثيرة غير متناهية. فإن قلت: اعتمادك على تعذر التثنية والجمع ضعيف، بسبب أن العرب تثني صيغ العموم وتجمعها، فتقول: المشرك، والمشركان، والمشركون (والمشركات)، مع أن صيغة المشرك للعموم عندك، وقد دخلتها التثنية والجمع؛ فبطل ما ذكرته من التعليل. قلت: لا نسلم أن صيغة العموم ثنيت وجمعت، فإن ذلك مستحيل عقلا، والمستحيل عقلا لا يقع لغة، وأما قوله: المشركان والمشركون، فالتثنية إنما وردت في مشرك الذي هو نكرة وعرفت بعد

стр. 485

ذلك، والنكرة قابلة للتثنية، وأما المشرك فلم يثن ولم يجمع، وكذلك المشركون، ليس هو جمع المشرك المعرف بلام التعريف، إنما هو جمع مشرك المنكر، ثم دخلت لام التعريف عليه، فمن ادعى أن المشرك ثني وجمع، منعناه، وهو منع متجه. * * *

стр. 486

القسم الثامن من صيغ العموم أسماء العدد المعدولة نحو: آحاد، ومثنى، وثلاث، ورباع، وخماس، وسداس، وسباع، وثمان، وتساع، وعشار. فهذه عشرة ألفاظ موضوعة في لسان العرب للتعبير بها عن معنى قولنا: دخل الجيش واحدًا واحدًا إلى حيث لم يبق منه واحد، فيكون قولنا: (آحاد)، قائم مقام ذكر هذه الألفاظ/ الكثيرة التي تأتي على الاستغراق والشمول والعموم، ويكون قولنا: آحاد، مفيدًا ذلك بعينه، ومرادفًا له، والمفيد للعموم والاستغراق في غير المحصور، يكون موضوعًا للعموم. وكذلك قولنا: "مثنى"، قام في لغة العرب مقام قولنا: قدم ربيعة أو مضر المدينة اثنين اثنين، إلى أن يأتي عليهم، بحيث لا يبقى منهم اثنان، بألفاظ محصلة للشمول والاستغراق، ويكون لفظ مثنى محصل لما تحصله تلك الألفاظ الكثيرة العدد الاثنية على الشمول، فيكون قولنا: مثنى، مفيدًا للشمول، فيكون للعموم وهو المطلوب. وكذلك قولنا "ثلاث" قام مقام قولنا: ثلاثة ثلاثة، إلى غير النهاية، فتكون للعموم.

стр. 487

وقولنا "رباع" قائم مقام قولنا: أربعة أربعة، إلى غير النهاية. وكذلك بقية الألفاظ العشرة، وإذا كان كل واحد منها مفيدا للعموم والاستغراق، كان من صيغ العموم وهو المطلوب. قال الله تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء﴾، أي: فريق من الملائكة كلهم له جناحان إلى آخرهم، وفريق منهم كل واحد منهم له ثلاثة أجنحة، ثلاثة، ثلاثة، إلى آخرهم، وفريق له أربعة أجنحة، أربعة، أربعة، إلى آخرهم، فاكتفى بقوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ عن تكرير الألفاظ. وكذلك قول النجاة: إن المانع لمثنى وأخواته من الصرف الصفة والعدل، أي: العدول عن الألفاظ المكررة إلى هذا اللفظ الواحد. وكذلك قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، أي: انكحوا اثنين اثنين، إلى آخركم، (أو ثلاث نسوة إلى آخركم)، (أو أربع نسوة إلى آخركم)، فكل واحد منا مخير بين الواحدة، والاثنين، والثلاث، والأربع، وقد غلط من قال: إن مقتضى هذه الآية جواز التسع، وهو اثنان وثلاث خمس، ورباع، يصرن تسعة.

стр. 488

وقيل: إن مقتضى اللغة ليس هو هذا، اثنان وثلاثة وأربعة، بل مثنى غير اثنين، وثلاث غير ثلاثة، ورباع غير أربعة، وتحت كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة عدد غير متناه، بخلاف اثنين وثلاث وأربع، إنما تحته عدد محصور، وهو نص فيه، كسائر الأعداد، فقد صح أن هذه الصيغ المعدولة/ عن أسماء الأعداد للعموم وهو المطلوب. * * *

стр. 489

القسم التاسع من صيغ العموم صيغ النواهي والصحيح من المذاهب أنها للتكرار، وإذا كانت للتكرار، كانت لاستغراق الأزمنة المستقبلة كلها، وهي غير متناهية، فيكون اللفظ دالًا على شمول الترك لها، وهو حقيقة العموم، غير أن دلالة لفظ النهي على استغراق الأزمنة دلالة تضمن، بسبب أن لفظ النهي يدل مع الزمان على الترك، فالترك جزء مسمى صيغة العموم، واستغراق الأزمنة الجزء الآخر، فيكون اللفظ دالًا على كل واحد منهما دلالة تضمن، وعلى مجموعهما مطابقة. وهذا بخلاف ما تقدم من صيغ العموم، فإنها تدل على العموم مطابقة، ولكن المطوب حاصل من التضمن، فإن الدال على العموم (أعم من الدال على العموم) مطابقة أو تضمنًا أو التزامًا. * * *

стр. 490

القسم العاشر من صيغ العموم صيغ الأمر إذا قلنا: بأنها للتكرار، فإنها تدل على استغراق الأزمنة التي يمكن إيقاع الفعل فيها في الاستقبال، وهي غير محصورة، فتكون الصيغة دالة عليها تضمنًا؛ لأن طلب الفعل هو جزء مسماها، مع استغراق الزمان، فهي دالة تضمنًا كصيغ النواهي، وتمتاز على صيغ النواهي بوصفين: أحدهما: أن القائلين بأن النهي للتكرار أكثر. والثاني: أنا نشترط الأزمنة الممكنة فيها دون صيغ النواهي، بسبب أن استغراق الأزمنة بالترك ممكن، أما باستغراقه بالفعل فغير ممكن، بل لابد من قضاء حاجة الإنسان وغيرها من ضروريات الحياة التي تمنع مباشرة الفعل، أما كون الإنسان لا يشرب خمرا، فهذا يمكن المداومة عليه من غير مشقة، فلذلك لم نشترط إلامكان فيها.

стр. 491

القسم الحادي عشر من صيغ العموم الصيغ المعدولة عن الأمر على وزن فعال نحو: "نزال" بمعنى انزل، و"متاع" بمعنى امنع، "وتراك" بمعنى اترك، ونحو ذلك مما (تثنيه العرب هذه التثنية)، ومقصودها به الأمر، فإن كون هذه الصيغ للعموم تتخرج على كون صيغ الأوامر للتكرار، كما تقدم/ على (١١٥/ أ) الخلاف فيها، فالمرادف لها في معناها وجب أن يفيد العموم من الوجه الذي تفيده؛ لأن الأصل في حقيقة الترادف ذلك، وهو المطلوب. * * *

стр. 492

القسم الثاني عشر للعموم الصيغ الموضوعة لأسماء الأوامر والنواهي ولم تلتزم العرب فيها بناء معينا، نحو: "إية" بفتح الهاء، معناه اسكت. فإن نوناه كان نهيًا عن الحديث مطلقًا الذي كان فيه وغيره، فيحصل فيه العموم من وجهين: الأول: أن أصل النهي للتكرار، فيعم هذه الأزمان. والثاني: أنه يشمل جميع أنواع الحديث، فيعم تركها كلها مع عموم الأزمان، وإن لم ينونه، قال أئمة اللغة: معناه اسكت عن هذا الحديث فقط، فيعم الأزمنة كما يعمه النهي، ولفظ اسكت، وإن كان أمرًا لا نهيًا، غير أن النهي متى عبر عنه بلفظ أمر معناه النهي، كانت أحكام النهي ثابتة له، نحو: اترك السرقة، فإن هذا اللفظ مساوٍ للفظ لا تسرق لغة. و"إيه" بكسر الهاء، قال أئمة اللغة: معناه: حدث، وهو أمر بالحديث، عكس مفتوح الهاء، ثم إن نوناه كان معناه حدث من هذا الحديث أو من غيره، وهو أمر بالحديث كيف كان، أما إن لم ينونه مع الكسر، فمعناه حدث من هذا الحديث خاصة. وكذلك قال أئمة اللغة: إن التنوين في هذه الألفاظ للتنكير وعدمه للتعريف، إشارة إلى أن المراد الحديث المعهود، وإذا كان إيه بالكسر، تخرج

стр. 493

إفادتها للعموم في الأزمنة المستقبلة، التي يمكن وقوع الفعل فيها على كون صيغ الأوامر للتكرار. وكذلك قولك: رويدًا زيدًا، معناه: أروده وأمهله، فيخرج إفادته للعموم على كون صيغة الأوامر للتكرار. وكذلك قول العرب: "تيد" زيد، بمعنى: أمهله، فمعناه: رويدًا: وكذلك "هلم" زيدا، أي: قربه، وكذلك هات الشيء، أي: أعطه، قال الله تعالى: ﴿هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ وكذلك "ها" زيدا، أي: خذه، و"حيهلا" الثريد، أي: ائته، ومنه حي على الصلاة، فإنه لغة فيها، وكذلك (بله) زيدا، أي: دعه، ومنه قول ابن دريد: من رام ما يعجز عنه طوقه .... أعجزه نيل الدنا بله القصا

стр. 494

/ أي: أعجزه القريب من المقاصد، فضلا عن البعيد، أي: دع البعيد، لا تتحدث به، فإن عجزه عنه بطريق الأولى. وكذلك قول العرب: (عليك زيدًا)، أي: الزمه، ومنه قول العرب: "على زيدًا"، أي ولنيه، وكذلك "صه" أي: اسكت، و"مه" أي: اكفف، و"هيت"، أي: أسرع، ومثلها "هيتك"، و"هيك"، و"هيا" "هيا"، ومن قول الشاعر. فقد دجا الليل فهيا هيا أي: أسرع وقطك، أي: اكتف وانته، و (إليك)، أي: تنح، وسمع أبو الخطاب من يقال له: إليك، فيقول: "إلي"؟ ، كأنه قيل له: تنح، فقال: أتنح؟ وقس على هذا المنوال بقية هذه الصيغ، وكلها إما أمر أو نهي، فيخرج على ما في الأمر والنهي من الخلاف في كونها للتكرار.

стр. 495

القسم الثالث عشر من صيغ العموم الصيغ المنقولة بالعرف وهي أسماء القبائل التي أصلها أسماء الأشخاص (معينين أو غير معينين)، نحو: غسان، وقد تقدم من سردها نحو الثمانين، أو نحو ذلك، وثبت أنها لا تقف عند الألف، بل أكثر، فإن فرق القبائل وفروعها شرقًا وغربًا أعظم من أن يحصى عددها، غير أني ذكرت منها أسماء مشهورة، يستند مما يتقول منها على ما يوجد منها، والذي ندعي أنه موضوع للعموم منها هو ما اطرد فيه أن يذكر، يعني لفظ بني فلان، ونحو: ربيعة، ومضر، فلا تجد أحدًا يقول: بني ربيعة، ولا بني مضر، أو كان ذلك غالبا فيه نحو: تميم، وقد يقال: (بنو) تميم، فيقال: فلان من تميم، والأكثر حذف (بني). وأما ما عادته أن لا يستعمل إلا بلفظ (بني) مطردًا أو أكثريًا، فلا أدعيه، فإنه لم يحصل فيه نقل، فهو باقٍ اسم لذلك الرجل الذي سمي به أولًا، لا اسم للعموم، فتأمل ذلك. ثم إن كل ما ليس هو بمنقول إلا أن يتوقع فيه أن يصير منقولًا بعد هذا، ويصير من صيغ العموم، وما هو منقول، إلا أن العموم ممكن أن يصير بعد ذلك مردودًا إلى أصل مسماه، ويبطل كونه للعموم، وذلك كله منشؤه غلبة الاستعمال، وجميع العرفيات في جميع الصيغ كذلك، يتوقع فيها النقل وإبطاله،
следующие страницы →