Полный текст (844 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
التخصيص هل هو مجاز أم لا؟ فقال قوم من الفقهاء: إنه لا يصير مجازًا كيف كان التخصيص، وقال أبو علي وأبو هاشم: يصير مجازًا كيف كان التخصيص، ومنهم من فصل، وذكروا وجوهًا.
قال: والمختار قول أبي الحسين، ﵀، وهو: أن القرينة المخصصة إن استقلت بنفسها صارت مجازًا، وإلا فلا.
تقريره: أن القرينة المخصصة المستقلة ضربان، عقلية، ولفظية.
أما العقلية: فكالدلالة الدالة على أن (غير) القادر غير مراد بالخطاب، بناء على منع تكليف ما لا يطاق، وإلا فكالدلالة الدالة على أن واجب الوجود لذته لا يتعلق بع تأثير القدرة، فيخصص في قوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾.
وأما اللفظية، فيجوز أن يقول المتكلم بالعام: أردت به البعض الفلاني/ دون غيره.
وفي هذين القسمين يكون العموم مجازًا، والدليل عليه: أن اللفظ موضوع في اللغة للاستغراق، فإذا استعمل هو بعينه في البعض، فقد صار اللفظ مستعملًا في غير مسماه، لقرينة مخصصة، وذلك هو المجاز
стр. 562
فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: لفظ العموم وحده حقيقة في الاستغراق، مع القرينة المخصصة حقيقة في الخصوص.
قلت: فتح هذا الباب يقتضي ألا يكون في الدنيا مجاز أصلًا؛ لأنه لا لفظ ألا ويمكن أن يقال: إنه وحده حقيقة في كذا، ومع القرينة حقيقة في المعنى الذي جعل مجازًا فيه، والكلام في أن العام المخصوص بقرينة مستقلة بنفسها، هل هو مجاز أم لا؟ فرع على ثبوت أصل المجاز.
فأما إن كانت القرينة لا تستقل بنفسها نحو الاستثناء، والشرط، والصفة كقول القائل: جاءني بنو أسد الطوال، فها هنا لا يصير مجازًا، والدليل عليه أن لفظ العموم حال انضمام الشرط أو الاستثناء أو الصفة إليه، لا يفيد البعض؛ لأنه لو أفاده ما بقي شيء يفيده الشرط والصفة والاستثناء، فإذا لم يفد البعض استحال أن يقال: إنه مجاز في إفادة البعض، بل المجموع حاصل من لفظ العموم، ولفظ الشرط، أو الصفة، أو الاستثناء، دليل على ذلك البعض، وإفادة ذلك المجموع لذلك البعض حقيقة.
قلت: قد تقدم بيان أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، وإذا استحضرت ذلك استحضارًا جيدًا، علمت أن إلحاق الصفة للعموم مقيدة لتلك الحال، لا مخصصة، وكذلك الغاية والشرط، وأما الاستثناء فإن إخراج بعض الأفراد في جميع الأحوال كقولنا: أكرم القوم إلا زيدًا فلا تكرمه في حالة ألبتة، كان مخصصًا متصلًا، إن جعلنا التخصيص جنسًا والاستثناء نوعه، وإن جعلناه مباينًا بالكلية- كما تقدم تحريره في حد التخصيص- امتنع أن يكون مخصصًا ومعدودًا من المخصصات، لا المتصلة
стр. 563
ولا غيرها، وإن كان الاستثناء أخرج في حالة من الحالات كقولنا: اقتلوا المشركين إلا أهل/ الذمة، فهذا تقييد أيضًا، لا تخصيص، وقد تقدم الفرق بين المخصص والمؤكد، والمقيد والأجنبي.
وإذا سلم له أن هذه الأمور مخصصة، لزم أن يكون اللفظ مجازًا، خلافًا لما قاله، بسبب أن اللفظ وضع للكلية، وقد استعمل في الجزئية، فيكون مستعملًا في غير ما وضع له، فيكون مجازًا.
وأما قوله: إن لفظ العموم حالة انضمام هذه المخصصات المتصلة، لا يفيد البعض، لأنه لو أفاده، ما بقي شيء يفيده الشرط والصفة والاستثناء، فنحن ندعي أن لفظ العام من حيث هو هو، يفيد الكلية، وإنما المخصص متصلُا كان أو منفصلًا عارضه في بعضه، وإذا كان مفيدًا للكلية، كان مفيدًا للجزئية جزمًا.
وأما قوله: لو أفاده، ما بقي الشرط يفيد شيئًا.
قلنا: الشرط وغيره إنما أفاد على التحقيق قيدًا في الحالة المطلقة؛ لأن العام مطلق في الأحوال، وإذا قلنا: إنه مخصص، فهو مفيد إخراج بعض العموم، والبعض المخرج ليس اللفظ مجازًا فيه، إنما هو مجاز في البعض الباقي من الكلية من حيث هو كلية، وزادته هذه المخصصات صفة زائدة، وإذا قال: أكرم بني أسد الطوال، ازداد في البعض التنصيص على الطول،
стр. 564
وقبل ذلك لم يكن الطول معتبرًا في من يكرم، حتى أنه بعد التخصيص إن لم يوجد الطول، لم يتوجه الإكرام لأحد من بني أسد، وكان قبل ذلك متوجهًا باعتبار الطول والقصر، وأي حالة فرضت على البدل من الأجزاء.
وأما قوله: إن إفادة ذلك المجموع لذلك البعض حقيقة.
فهو ممنوع لوجهين:
أحدهما: أن العرب لم تضع المركبات، ولذلك قال: إن المجاز المركب عقلي، كما نص عليه في المحصول، وإذا لم تضع المركبات امتنع أن يقال: المركبات حقيقة أو مجازًا، إذ الحقيقة والمجاز فرع الوضع، والمهملات لا توصف بهما.
وثانيهما: أنا وإن سلمنا أن العرب وضعت المركبات، غير أن ذلك إنما قيل به في الكليات، دون الجزئيات، فوضعوا باب الفاعل، والمفعول، من حيث الجملة، وباب إن واسمها وخبرها، (وباب كان واسمها وخبرها)، وأما خصوص هذا الاسم الذي/ هو زيد ونحوه، فلا يتصور الوضع فيه؛ لأنه لم يكن في زمان الواضع حتى يتصور ويضع له، ولذلك وضعوا باب الصفة والموصوف من حيث الجملة، أما أنا نقول: إن بني أسد الطوال مجموع هاتين اللفظتين وضعتا لشيء، فليس كذلك، بل خصوص هاتين مهمل، وإنما الوضع في الصفة والموصوف من حيث الجملة، وإذا كان مهملًا، امتنع أن يكون حقيقة أو مجازًا؛ لأن الحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له، وذلك فرع الوضع، فما لا وضع فيه لا حقيقة فيه، والمجاز: اللفظ المستعمل في غير ما
стр. 565
وضع له، والمغايرة للوضع فرع الوضع، فحيث لا وضع لا مجاز ولا حقيقة.
تنبيه: قال الإمام فخر الدين ﵀: إذا قال الله: اقتلوا المشركين، فقال النبي ﷺ في الحال- "إلا زيدًا"، فهل هذا تخصيص بدليل منفصل، لتعدد القائل، أو متصل لاتصال الزمان؟ فيه احتمال.
قال: والذي يظهر لي أنه منفصل، فإن رسول الله ﷺ إنما يقول: "إلا زيدً" بإذن الله تعالى له في ذلك، فإنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، وإذن الله تعالى في ذلك كالكلام بالاستثناء، ثم إن الاستثناء المتصل إنما جعل مع الأصل كلامًا واحدًا؛ لكونه لا يستقل بنفسه، ولما اتصل بما هو مستقل بنفسه، صيره غير مستقل بنفسه، وهذا موجود فيه، كان من متكلم واحد أو من متكلمين، فيكون متصلًا.
وقد وقع في كتاب "الاستغناء في أحكام الاستثناء"، وهو كتاب كبير وضعته في الاستثناء خاصة، فيه أحد وخمسون بابًا -أن هذا الاستثناء إذا وقع على هذه الصورة ينبني عليه فرع، وهو ما إذ قال الله تعالى: صوموا عشرة أيام فقال رسول الله ﷺ إلا ثلاثة، فإن قلت: الأول متصل، جاز هذا الكلام، وإن قلنا: الأول منفصل امتنع أن يكون هذا كلامًا عربيًا؛ لأن مدرك الانفصال -كما تقدم- تعدد المتكلم، وأنه بسبب ذلك يصير المجموع كلامين، فيكون الأول قد استعمل اللفظ الموضوع للعشرة في السبعة مجازًا، من باب إطلاق لفظ الكل على الجزء، وذلك/ لا يجوز في أسماء الأعداد؛ لأنها
стр. 566
نصوص لا تقبل المجاز، فيخرج الكلام الأول، بسبب ذلك، عن كونه عربيًا، وإذا خرج الأول عن كونه عربيًا، خرج الثاني أيضًا عن كونه عربيًا؛ لأنه لا يأتي منه وحده كلام عربي، فيبطل الكلام تفريعًا على هذا الاحتمال.
وإذا فرعنا على أنه متصل، جاز الكلامان، ويكون المتكلم الأول قد استعمل العشرة في السبعة مجازًا، مع أن النطق بـ "إلا"، وذلك لا يمتنع في النصوص، كما إذا كان المتكلم واحدًا، وقال: عندي عشرة إلا ثلاثة.
أو تقول: الاستثناء مع اللفظ المستثنى منه، المجموع حقيقة فيما بقى، وقد قاله جماعة من الأصوليين، قالوا: "وقد" تكون السبعة مثلًا لها عبارتان: سبعة، وعشرة إلا ثلاثة، ويكون هذا اللفظ المركب حقيقة في السبع كلفظ السبعة، وقد صرح بذلك الحنفية أيضًا في كتبهم فقالوا: الاستثناء تكلم بالباقي بعد (الثنيا)، ومرادهم أنه تكلم بالسبعة بعد استثناء الثلاثة، وقولهم: "تكلم" أي موضوع للسبعة حقيقة. فتأمل ذلك، فهي كلها احتمالات يمكن القول فيها لغة، وعادة، وشرعًا.
стр. 567
المسألة الخامسة
يجوز التمسك بالعام المخصوص
وهو قول الفقهاء.
وقال عيسى بن أبان، وأبو ثور: لا يجوز مطلقًا.
وقال الكرخي: إن كان قد خص بدليل متصل جاز التمسك به. وإن خص بدليل منفصل لا يجوز التمسك به، ومراده بهذا التفصيل أنه إذا خص بالمتصل، كان اللفظ الذي وقع به التخصيص من شرط أو غاية أو صفة أو استثناء، مع أصل الكلام حقيقة، فما بقي بعد التخصيص والحقيقة لا إجمال فيها، بل هي صريحة، فيتمسك باللفظ حينئذ.
стр. 568
والمنفصل لا يمكن جعله مع الأصل كلامًا واحدًا، نحو قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، وقوله ﵊: "لا تقتلوا الرهبان"، فهذا كلام مستقل بنفسه، لا يتعين ضمه إلى الأول، بخلاف غير المستقل، وإذا لم يكن حقيقة تعين أن يكون مجازًا، ووجوه المجاز غير محصورة، فيبقى مجملًا، فتعذر التمسك به، وهذا المدرك مبني على المباحث السابقة: أن المتصل يركب مع الأصل أم لا؟ وهل المخصوص/ مجاز أم لا؟ ، والكل مختلف فه، كما تقدم وجه الحق ف ذلك.
وقال الإمام فخر الدين: إن خص تخصيصًا مجملًا، امتنع التمسك به، كقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، ثم يقول -مثلًا-: لم أرد بعضهم، أو بعضهم حرم قتله، فلم تعن أحدهما، فيجب التوقف.
وهذا القسم الذي قاله الإمام فخر الدين على هذه الصورة، ينبغي أن يحرم بحصول الإجماع في كونه مجملًا؛ والجمهور على جواز التمسك بما عدا هذا القسم، وتمسكوا عليه بوجوه:
стр. 569
الأول: أن اللفظ العام كان متناولًا لجمع أفراد الكلية التي هـ مسمى العموم، وكونه حجة ف أحد تلك الأقسام، إما أن يكون موقوفًا على كونه حجة في القسم الآخر، أو على كونه حجة في الكل، أو لا يتوقف على واحد من هذن القسمين، والأول باطل؛ لأن كونه حجة ف تلك الأقسام، أو كونه موقوفًا في كونه حجة فه، موقوفًا على ما هو موقوفًا عله، أو لا يكون، والأول يلزم منه الدور، والثاني يلزم منه الترجيح من غر مرجح.
وكذلك إذا كان كونه حجة في أحد الأقسام، موقوفًا على كونه حجة في الكل، مع أن كونه حجة في الكل موقوفًا على كونه حجة في كل واحد من تلك الأقسام، فلزم الدور أيضًا.
وإن كان الحق هو القسم الثاني، وهو أنه يكون حجة ف كل قسم من تلك الأقسام من غر توقف، وحينئذ يكون العام المخصوص حجة؛ لأن عدم الحكم من غيره من الأقسام يكون انتفاء لما يتوقف عليه الحكم، وعدم ما لا يتوقف عله لا قدح ف الثبوت، فيكون العام المخصوص حجة وهو المطلوب، مع أنا نعلم بالضرورة استواء نسبة اللفظ بالنسبة إلى كل الأقسام، فلم يكن أحد الأقسام مشروطًا والآخر شرطًا بأولى من العكس.
قلت: ورد على حجتهم هذه، أن يختار الخصم التوقف من الجانبين، ولا يلزم الدور، بسبب أن التوقف توقفان: توقف سبقي، وتوقف مع، والأول هو الذي يلزم منه/ الدور دون الثاني.
وبيانه بالمثال: إذا قلت لصاحبك: لا أخرج من البيت حتى تخرج منه قبلي، وقال هو -أيضًا- أنا لا أخرج حتى تخرج منه قبل، كان خروج كل
стр. 570
منكما محالًا، مع تحقق هذا الموقف، وإن قلت له لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج معي، وقال الآخر أنا لا أخرج حتى تخرج أنت الآخر معي أمكن خروجكما جمعيًا، مع صدق هذا التوقف، فعلمنا أن التوقف المعي لا وجب دورًا، وإنما يوجب الدور التوقف السبقي، وحينئذ للخصم أن قول: التوقف حاصل بن القسمين على سبل المعية، ولا يلزم دور، ولزم ألا يكون العام المخصوص حجة.
الثاني: "أنهم قالوا: المقتض لثبوت الحكم فيما بق بعد التخصيص (قائم، والمعارض الموجود لا يصلح معارضًا، فوجب ثبوت الحكم فيما بقي بعد التخصيص). إنما قلنا: المقتضي قائم، وذلك أن المقتضى: هو اللفظ الدال على ثبوت الحكم وصيغة الحكم [الحكم على] العموم على ثبوت الحكم ف كل الصور.
والدال على كون الحكم في كل الصور، دال على ثبوت الحكم فيما بقي يعد التخصص، فثبت أن المقتضي لثبوت الحكم موجود فيما بقي بعد التخصيص، وأما أن المعارض الموجود لا يصلح معارضًا، فلأن المعارض إنما هو بيان أن الحكم غير ثابت فيما خرج بالتخصيص، ولا يلزم من عدم الحكم في هذه الصورة عدمه من الصور الأخرى، فثبت أن المقتضى قائم، والمانع مفقود، فوجب ثبوت الحكم.
قلت: وقولهم: "إنه لا يلزم من عدم الحكم في صورة التخصيص عدمه
стр. 571
فما بقي "مصادرة على محل النزاع، قال الخصم يعتقد أنه يلزم من التخصيص ف البعض سقوط الاستدلال بالنص في الباقي.
الثالث: قالوا إن عليًا ﵁، تمسك في الجمع بين الأختين في الملك بقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أمانكم﴾، مع أنه مخصوص بصور غير محصورة، منها: المملوكات من الجماد، والنبات، والحيوانات العجماوات، / والذكور من بن آدم وكثر من الإناث نحو: البنات، وأخوات الرضاع، وأخوات النسب، ولم ينكر عله أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فكان ذلك إجماعًا، ولم تزل الصحابة والتابعون
стр. 572
والعلماء في كل عصر ومصر يتمسكون بالعمومات المخصوصة، من غير نكر في ذلك، مع أنه يقال: ما من عام إلا وقد خص، ولو صح ما قاله الخصم، لبطلت عمومات القرآن والسنة وذلك بما يعلم أنه ممنوع.
احتجوا بأن العام المخصوص لا يمكن إجراؤه على ظاهره، لقيام المخصص، وحينئذ يتعين حمله على بعض المحامل الخفية المجازية، وليس البعض أولى من البعض، فيصير اللفظ مجملًا، وهو المطلوب.
والجواب: لا نسلم أن البعض أولى من البعض، بل يتعين بقة أفراد العموم التي لم يرد فيها مخصص؛ عملًا بدلالة العموم عليها، السالمة من معارضة المخصص فيها، وهذا مرجح قوي منع القول بأنه ترجيح من غير مرجح.
حجة الكرخي: أن المخصص بالمنفصل يكون بكون اللفظ المخصص مع صفة العموم المجموع موضوع لما بق، فقول حقيقة، كما تقدم تقريره،
стр. 573
والحقيقة لا إجمال فها، أما إذا كان المخصص منفصلًا، يتعين أن يصر العام مجازًا، وليس بعض مراتب المجاز أولى من بعض، فيتعين الإجمال.
وجوابه: منع المقامين:
أما كونه حقيقة فممنوع، بل المركب الخاص لم يوضع لما بقي، بل المخصص المتصل للإخراج ونحوه مما وضع له ذلك اللفظ من صفة أو غاية ونحوهما، والعام باق على وضعه للعموم مستعمل في الخصوص مجازًا، وقد تقدم تقرره.
وأما قوله "ليس بعض مراتب المجاز أولى من بعض" فممنوع أيضًا، بل ما بقي بعض التخصيص هو المتعين، كما تقدم تقريره.
* * *
стр. 574
المسألة السادسة
إذا قال صاحب الشرع -مثلًا- اقتلوا المشركين إذا انسلخ الأشهر الحرم -ونحن ف أولها- ولم رد مع هذا العموم مخصص ألبتة، ونحن على قاعدتنا نجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فجوز أن يرد عند وقت الحاجة بيان التخصيص إذا انسلخ الأشهر الحرم.
فهل يجوز لنا إلا أن نعتقد أن العموم مراد، بناء على ظاهر اللفظ/، أو لا يجوز أن يعتقد ذلك، بناء على تجويز ورود المخصص؟
خلاف، الأول قول الصيرفي، والثاني لابن سريج، وعليه الجمهور.
стр. 575
قال المازري ف شرح البرهان: المسألة مصورة في عموم لم تدع الحاجة إلى العمل به، أما إذا دعت الحاجة إلى العمل به فلا يمكن تأخير البيان عن ذلك. وقد قال إمام الحرمين: الكلام في هذه المسألة مبني على القول بتأخير البيان عن زمن ورود الخطاب، وأبو بكر الصيرفي ذهب إلى المبادرة إلى اعتقاد حمل الصيغة على العموم، قال الإمام: وكشف الغطا عن المسألة إنما غلب على ظننا أولًا بالعموم، ثم إذا دخل وقت العمل ولم يرد مخصص فقد نقطع بالتعميم بالقرائن، وقد لا يحصل القطع فيقطع بوجوب العمل بإرادة العموم، بل بظنها.
قال الابياري: مذهب الصيرفي في أنه يمنع تأخير البيان عن وقت الخطاب،
стр. 576
وهو مستند قوله في الجزم باعتقاد العموم وقت الحاجة.
وقال الغزالي ف المستصفى: لا خلاف أنه تجوز المبادرة إلى العمل بالعموم قبل البحث عن الأدلة التي جوز التخصيص بها في جميع الشريعة، وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل.
قال المازري: وطرق الرد عليه أن يقال له: إن اعتقاد العموم مع تجويز المخصص متناقض فإن الاعتقاد جازم، والاحتمال يناقضه، فإن قال: أنا أريد بذلك الظن الذي يمكن اجتماعه مع الاحتمال، فهذا إن أراده الصيرفي غير ممتنع، وإن كان مراده أن يعتقد العموم إذا حضر وقت العمل بعد الفحص عن المخصص، ولم نجده، فهو صحيح؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، وهذا لا يخالف فيه.
وعود الخلاف في هذه المسألة إلى خلاف في عبارة: "وإن أراد أنه إذا حضر العمل وجب تنفيذ الخطاب على عمومه ولا يفحص عن المخصص من قياس أو غيره من أدلة الشرع"، فهو غلط؛ لأنه لا يباح للفقيه أن يفتي بأول خاطر يسنح له، ولو عرض له قاس لم يجز له أن يفتي به حتى يفحص عن الشريعة بر يخصصه أم لا، أو قاس خالفه أو قادح قدح فيه، وكذلك العموم، لا يجوز لأحد أن يفتي به حتى يثق بأنه لا معارض ولا مخصص.
стр. 577
قلت: هذا كلام المازري/ وإمام الحرمين وجماعة من العلماء بالأصول، صوروا هذه المسألة فما لم يخص وقت العموم بالعموم.
والإمام فخر الدن- ﵀ صورها في المحصول تصويرًا صعبًا، على خلاف الإجماع، فقال ابن سريج: لا يجوز التمسك بالعام ما لم يستقص في طلب المخصص، فإذا لم يوجد بعد ذلك مخصص، جاز التمسك به في إثبات الحكم.
وقال الصيرفي: يجوز التمسك به ابتداء، ما لم تظهر دلالة مخصصة وهذا التصوير منه يقتضي أن المسألة مفروضة في وقت العمل، وهذا صعب، بسبب أن ما حكاه عن ابن سريج مجمع عليه، كما حكاه العلماء، وأنه لا يجوز لأحد أن يثبت حكمًا بدليل إذا وجده حتى يستوعب جهده في معارضه ومناقضه، ويكون ما حكاه عن الصرفي خلاف الإجماع.
ثم احتج الصرفي بأن قال: لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخصص، لم يجز التمسك بالحقيقة إلا بعد الفحص عما يوجب صرف اللفظ إلى المجاز.
وهذا باطل، فذلك مثله بيان الملازمة، أنه لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخصص، لكان ذلك الاحتراز عن الخطأ المحتمل، وهذا المعنى قائم في التمسك بحقيقة اللفظ، فجب اشتراكهما ف الحكم، بان أن التمسك بالحقيقة لا يتوقف على طلب ما يوجب العدول إلى المجاز، أن ذلك غير واجب في العرف بدليل أنهم يحملون الألفاظ على ظواهرها من غير بحث عن
стр. 578
أنه هل يوجد ما يوجب العدول إلى المجاز أم لا؟ وإذا وجب ذلك في العرف، وجب أيضاً في الشرع لقوله ﵊: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن).
وثانيهما: أن الأصل عدم التخصيص، فيكفي في إثبات الحكم ظنه.
قلت: وهذا الاستدلال ضعيف كله، وعلى خلاف الإجماع.
أما ضعفه؛ فلأن أهل العرف في مخاطباتهم لم يفصحوا عن مجاز ولا مخصص ولا غير ذلك مما يعكر عن الألفاظ، بسبب أن الأحكام المتعلقة بتلك الألفاظ مصالح دنيوية جزئية، لا يلزم من الخطأ فيها مفسدة عامة.
وأما الفتيا فهي شرع عام في جميع الخلائق والأعصار والأمصار إلى يوم القيامة ولا يجوز لأحد أن يقدم على ذلك بمجرد مثير لظن، بل لا بد من بذل الجهد ممن هو أهل للاجتهاد، وحينئذ يجوز الإقدام على الفتيا، (١٣٨/ ب)
стр. 579
بموجب ظنه، ولولا ذلك لم يكن لاشتراط تلك الشروط العظيمة في منصب الاجتهاد فائدة، فإن أصل الظن لا يتوقف، ويحصل بدونها، وإنما فائدة تلك الشروط النهوض بسببها إلى رتبة علية من الظن، حتى لا يثبت في حكم الشريعة إلا بعد استيفاء القدر المشترط في ثبوته، احتياطا للشرائع العظيمة، التي هي سبب للسعادة الأبدية، ومخالفتها سبب للشقاوة السرمدية، ومثل هذه الأخطار العظيمة، لا يجوز ترتيب أسبابها بمباديء الآراء الضعيفة، بل لو تيسر أن لا يثبت شيئا منها إلا بالعلم اليقيني والكشف الشافي، لم يعدل عنه، لكن تعذره في أكثر الصور أوجب العدول عن العلم إلى الظن، لئلا تتعطل المصالح، والظن بعد هذه الشروط غالب الصواب، نادر الخطأ، فلذلك أقيم مقام العلم.
وأما مخاطبات أهل العرف فبعيدة عن هذا النمط بعدا شديدا جدا، فلا يجوز أن تجعل أصلا لهذه المسألة.
стр. 580
وأما الحديث، فيمنع صحته وصحة التمسك به، فهذا وجه ضعفه.
وأما كونه خلاف الإجماع، فلما تقدم من النقل عن العلماء.
والصواب في المسألة ما صدرتها به فاعتمده، فالخطب فيها على ذلك التقدير يسير قريب.
* * *
стр. 581
المسألة السابعة
في الوقت الذي يجوز للمجتهد أن يحكم بموجب العموم
قال الغزالي في المستصفى: لا يجوز الحكم بالعموم ما لم (يتبين) انتفاء دليل التخصيص، ولا خلاف أنه لا تجوز المبادرة إلى الحكم قبل البحث عن كل ما يمكن أن يكون مخصصاً، وكذلك جميع أدلة الشرع لا يجوز التمسك بشيء منها حتى يفحص عن كل ما يمكن أن يعارضه وإلى أي غاية يصل في البحث عن ذلك، فإن المجتهد إن استقصى، أمكن أن يشذ عنه دليل لم (يعثر) عليه، فكيف يحكم مع إمكانه؟
وقد انقسم الناس في هذا المقام على ثلاثة مذاهب:
فقال قوم: يكفيه أن تحصل غلبة الظن (بالانتفاء) عند الاستقصاء في البحث، كالذي يبحث عن متاع في بيته وفيه أمتعة كثيرة فلا يجده، فيغلب على ظنه عدمه.
وقال قوم: لابد من اعتقاد جازم وسكون نفسي بأنه لا دليل، أما إذا كان
стр. 582
يشعر بجواز دليل يشذ عنه/ ويحيك في صدره إمكانه، فكيف يحم بدليل يجوز أن يكون الحكم (به) حراما؟
نعم إذا اعتقد جزما، وسكنت نفسه، جاز له الحكم، كان مخطئا عند الله أو مصيبا، كما لو سكنت نفسه بالقبلة فصلى إليها.
وقال قوم: لابد وأن يقطع بانتفاء الأدلة، وإليه ذهب القاضي؛ لأن الاعتقاد الجزم من غير دليل قاطع، سلامة قلب وجهل، بل العالم الكامل تشعر نفسه بالاحتمال، حيث لا قطع، والمشكل على هذا طريق (تحصيل) القطع بالنفي، وقد ذكره القاضي ﵀ في مسلكين:
أحدهما: أنه إذا بحث في مسألة قتل المسلم بالذمي عن مخصصات قوله ﵊: (لا يقتل مؤمن بكافر) مثلا، فقال: هذه مسألة طال فيها خوض العلماء، وكثر بحثهم، فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم (مدركها)، وهذه المدارك المنقولة عنهم علمت بطلانها، فأقطع بأنه لا مخصص.
قال: وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه حجر على الصحابة -رضوان الله عليهم- أن يتمسكوا بالعموم في كل واقعة لم يكثر الخوض فيها، ولم يكثر البحث عنها، ولا شك
стр. 583
في عملهم مع جواز التخصيص، بل مع جواز نسخ لم يبلغهم، كما حكموا بصحة المخابرة، بدليل عموم إحلال البيع، حتى روى رافع بن خديج النهي عنها.
الثاني: أنه بعد طول الخوض لا يحصل اليقين، بل إنه لا يشذ المخصص عن جميع العلماء؟ ومن أين عرف أنه بلغه كلام جميعهم؟ فلعل منهم من (تنبه للدليل)، وما كتب في تصنيف ولا نقل عنه، وإن أورده في تصنيف فلعلع لم يبلغه.
وعلى الجملة، لا يظن بالصحابة -رضوان الله عليهم- فعل المخابرة مع اليقين بانتفاء النهي، وكان النهي حاصلا ولم يبلغهم، بل كان الحاصل إما ظن أو سكون نفس.
стр. 584
المسلك الثاني للقاضي: قال القاضي: لا يبعد أن يدعي المجتهد اليقين، وإن لم يدع الإحاطة بجميع المدارك، إذ (يقول): لو كان الحكم خاصا لنصب الله دليلا للمكلفين ويبلغهم إياه ولا يخفيه عليهم.
قال الغزالي: وهذا أيضا من الطراز الأول، فإنه لو اجتمعت الأمة على شيء أمكن القطع بأنه لا دليل يخالفه، إذ يستحيل اجتماعهم على الخطأ. (١٣٩/ ب)
أما في مسألة الخلاف، كيف يتصور ذلك؟ قال الغزالي: والمختار عندنا، إن (تيقن) الانتفاء إلى هذا الحد لا يشترط، وأن المبادرة قبل البحث لا تجوز، بل عليه تحصيل علم أو ظن باستيفاء القطع، أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه، وأما القطع، فبانتفائه في حقه بتحققه عجز نفسه عن الوصول إليه، بل بعد بذل (غاية) وسعه، فيأتي بالبحث الممكن إلى (حد) يعلم أنه بحثه بعد ذلك سعي ضائع، ويحس في نفسه بالعجز يقينا، فيكون العجز عن العثور على الدليل في حقه يقينا، وانتفاء الدليل في نفسه مظنونا، وهو الظن بالصحابة -رضوان الله عليهم- في المخابرة ونظائرها، وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب، وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر.
стр. 585
تنبيه:
قال الإمام فخر الدين في المحصول في هذه المسألة: إذا قلنا: يجب نفي المخصص في التمسك بالعام، فذلك مما لا سبيل إليه إلا أن يجتهد في الطلب ثم لا يجد، لكن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود، لا يورث إلا الظن الضعيف.
قلت: ليس الأمر كما قال، بل يحصل الظن المقارب للقطع من المجتهدين، بسبب كثرة محفوظاتهم واطلاعاتهم، والظن الضعيف إنما يقال في حق غير الحفاظ، لكنا نشترط في المجتهد أن يكون من الحفاظ، وسير مثل هذا عظيم، ربما قارب القطع.
وأوجه هذه الأقوال قول الغزالي، فإنه قول معتدل بين الإفراط والتفريط، فهذه المسائل السبعة كلها تنبني على جواز التخصيص ووقوعه.
* * *
стр. 586
الباب العشرون في المخصصات المتصلة، ووقوع التخصيص بها، وما يتفرع عن ذلك
اعلم أن الأصوليين مطبقون على أن من جملة ما يخصص العمومات، المخصصات المتصلة، وهي عندهم أربعة: الاستثناء، والشرط، والغاية، والصفة، هذا مما لم أر فيه خلافا ولا تفصيلا/، بل ذلك مطلق عندهم، ولم أر أحدا زاد على هذه الأربعة شيئا. (١٤٠/ أ)
والحق في هذا الباب: إما أن لا تكون هذه الأمور مخصصة مطلقا وهو الحق، أو تكون مخصصة، إن سلم ذلك، ولا يكون الحصر واقعا في الأربعة، بل هي نحو العشرة، كل جار على ما ذكروه من الأسئلة في تلك الأربعة.
فإن قلنا: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة في الاستثناء، أو: إن حاربوا، في الشرط، أو: حتى يعطوا الجزية، في الغاية، أو: اقتلوا المشركين المحاربين، فإن ذلك يخصص العموم في الأول بغير أهل الذمة، ويخرج أهل الذمة من العموم، ويخرج غير المحاربين بالشرط المذكور، فيكون تخصيصا؛ وتخصيص الغاية من إعطاء الجزية، فيخرجه عن حكم العموم، وكذلك الصفة تخرج غير المحاربين من العموم.
فإن قلنا هذا، تساويه الحال ، فإنها كالصفة، كقولنا: اقتلوا المشركين محاربين، ولا فرق بينهما في معنى التخصيص.
وكذلك المفعول من أجله، نحو: اقتلوهم منعا لهم من الحرابة،
стр. 587
والحال إلى ترك القتال، فهذا يقتضي أيضا أن كل من لا يحارب لا يقاتل ولا يقتل.
وكذلك الظروف من الزمان -وهو السابع في العدد- نحو: اقتلوهم مستهل هذه السنة، فإن التقييد بهذا الظرف يقتضي عدم قتل من وجد من المشركين قبل هذا القيد أو بعده، كالتقييد بالصفة سواء.
الثامن: التقييد بظرف المكان، نحو: اقتلوهم في جزيرة العرب، فإن هذا التقييد أيضا يقتضي أنهم لا يقتلون في غير هذا المكان، كالتقييد بالصفة، وأن من وجد منهم بغير هذا المكان لا يقتل، ويكون مخرجا من العموم مخصصا.
التاسع: المجرور، نحو: اقتلوهم بحرابتهم، أو اقتلوهم بما حملوا من السيوف، ونحو ذلك من المجرورات، فإن هذا التقييد بهذه المجرورات يقتضي أن يخرج من العموم من ليس له حرابة ومن لم يحمل سيفا كالتقييد بالصفة والغاية.
العاشر: التمييز، نحو قولنا: اقتلوهم ثلاثا، ونحو قول القائل لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، نصبا على التمييز، فإن التقييد بهذا التمييز يقتضي أنه من وجد بعد الثلاث من مواقع القتال لا يقتل، وقد كان يقتل لولا هذا التقييد، فكان ذلك تخصيصا/ على قاعدتهم في التقييد بالغاية والصفة. (١٤٠ م ب)
فهذه عشرة ذكرتها على سبيل الحصر؛ للتنبيه على أن الحصر ليس واقعا فيما ذكروه.
ويتمهد هذا الباب بفصلين:
أحدهما مشتمل على بيان أن هذه الأمور العشرة وما جرى مجراها ليس مخصصا كما زعموه.
وثانيهما: في فروع هذه الأمور ومباحثها المرتبة على تسليم كونها مخصصة، فإن في ذلك فوائد ومسائل تتفرع عليها.
стр. 588
الفصل الأول في بيان أن هذه الأمور ليست مخصصة للعموم
وهو فصل جليل غامض، يعسر إدراكه على كثير من الناس، وهو مبني على قاعدة وهي: (أن العام في الأشخاص مطلق في أربعة أمور غير الأشخاص، التي هي مدلولة ذلك اللفظ العام من غير هذه الأربعة)، فإن العموم قد يكون في هذه الأربعة فلا يتصور الإطلاق فيها، وإنما ندعي الإطلاق، وإن كان العموم في غير هذه الأربعة فيدعى الإطلاق فيها حينئذ، وهي الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقة، وقد تقدمت هذه القاعدة وبيانها في الباب السابع عشر غير أني آثرت إعادتها هنا لوجهين:
الأول: أن هذا الموضع -أيضا- محتاج إليها، مثل ذلك الموقع.
الثاني: أن الواقف على هذا الباب قد لا يتفق له الوقوف على ذلك الباب؛ ولأنها غامضة، ولعلها بتكررها تتضح للواقف عليها أكثر بسبب تغيير العبارات وزيادة الألفاظ، فإذا قال الله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾، كان عاما في قتل كل مشرك، بحيث لا يبقى مشرك، ولا يدل هذا اللفظ من حيث هو هو على أنهم يقتلون في حالة الجوع أو العطش أو السفر أو الإقامة أو غير
стр. 589
ذلك من الحالات، ولا إشعار للفظ بركوب، ولا جلوس، ولا هيئة من الهيئات التي يمكن أن يفرض للمشركين على الخصوص، ومن ادعى أن قولنا: اعتق عبيدي، أنه يدل على أنهم مسافرون على الخصوص أو جياع فقد أبعد، ويدل على ما قلناه وجوه أربعة عقلية ونقلية:
الأول: أن لفظ: (اقتلوا المشركين) لو دل على السفر أو الإقامة أو الجوع أو العطش أو غير ذلك من الأحوال أو الخصوص، لدل إما مطابقة/، أو تضمنا أو التزاما، والثلاثة باطلة، فلا يدل مطلقا. (١٤١/ أ)
أما أنه لا يدل مطابقة، فلأن لفظ المشركين لم يوضع للجوع ولا للجلوس، ما لا يوضع له اللفظ لا يدل عليه مطابقة.
أما أنه لا يدل تضمنا، فلأن الجلوس مثلا ليس جزء مدلول المشركين.
أما أنه لا يدل التزاما، فلأن الجوع أو الجلوس أو غيرهما، لا يلزم أحدهما مفهوم المشركين على التعيين، فإنهم قد يكونوا كلهم في ضد الحالة التي فرضت، بل اللفظ لا يدل على وجود المشركين ألبتة، فضلا عن هيئاتهم، فإن الله تعالى إذا قال: ﴿اجلدوا الزناة المحصنين﴾، قد لا يكون في الوجود زان محصن ألبتة، وكذلك بقية العمومات.
نعم قد يكون الواقع أن الدنيا لا تعرى عن مشرك، وأن منهم مسافرين بالضرورة، لكن ليس ذلك من دلالة اللفظ، بل الواقع كذلك، والبحث إنما هو في دلالة اللفظ وإشعاره، فإن التعميم والتخصيص إنما هو متعلق بدلالة اللفظ، ولا يلزم من كون الواقع شيئا، أن يكون اللفظ دالا عليه، وإذا كان
стр. 590
لفظ العموم لا يدل على وجود أفراده، امتنع أن يكون دالا على أحوالهم التي هي تابعة للوجود، فإن عدم الدلالة على المتبوع يستلزم عدم الدلالة على التابع، كما أن عدم المتبوع يستلزم عدم التابع.
وكذلك القول في البقاع، والأزمان، فإن لفظ (المشركين) لا يدل على مدينة خاصة، ولا جميع مدائنهم على الخصوص، وكذلك لا يدل على زمان معين، فقد يوجدون في ذلك الزمان دون هذا، وفي هذا دون ذاك، فإن الدلالة إذا انتفت عن أصل الوجود، انتفت عن تعيين زمان الوجود ومكانه بطريق الأولى.
وكذلك المتعلقات، وهي ما به أشركوا، فلا يدل لفظ (المشركين) على وقوع الشرك بالكواكب مثلا، أو بالبقر، أو بغير ذلك مما يقع الشرك به، بل إذا سمعنا (المشركين) أمكن أن يكونوا كلهم أشركوا بالأصنام أو كلهم أشركوا بالكواكب، وغير ذلك مما يقع به الشرك، فإن اللفظ إذ لم يدل على أصل الوجود، لم يدل على وجود الشرك بشيء، لا بالمطابقة، ولا بالتضمن، ولا بالالتزام، فتبقى الدلالة مطلقا، وإن كان الواقع أن الشرك وقع من المشركين/ على وجه الأرض بالأصنام والكواكب وغير ذلك، لكنك قد علمت أنه لا يلزم من كون الواقع شيئا أن يكون اللفظ يدل عليه، والبحث إنما هو في دلالة اللفظ من حيث هو لفظ دال. (١٤١/ ب)
وإذا تقرر عدم دلالة اللفظ على حالة معينة، وزمان معين، ومكان معين، ومتعلق معين، فنحن نعلم بالضرورة أن المشرك لا يقتل إلا في زمان، ومكان، وحال، وقد يكون شركه واقع بشيء من الأشياء، فيكون اللفظ دالا على قتل كل مشرك في مطلق الحال، ومطلق الزمان، ومطلق المكان، ومطلق المتعلق،
стр. 591
فهذه المطلقات من لوازم القتل ووقوعه، فيكون اللفظ دالا عليها بطريق الالتزام، أما خصوص حالة أو مكان أو زمان أو متعلق فلا دلالة عليه بخصوصه، فضلا عن العموم في ذلك.
فإن قلت: لم لا يكون معنى قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، اقتلوهم في جميع الحالات، (ويكون قد أمر بقتل كل مشرك في جميع الحالات)، وإن كان قتله لا يتكرر، لكن يكون المجموع كالظرف لتلك القتلة الواحدة، كما (لو) صرح وقال: جعلت جميع الحالات، أو جميع الأزمنة، ظرفا لتلك القتلة المفردة.
كما ولد زيد عام الفيل، (ومات) سنة ثمانين، أو مات عام الفتح، فيجعل جملة السنة ظرفا للولادة، أو الموت، وإن كان لا يتكرر فيها، كذلك تكون جميع الأحوال والظروف محلا لتلك القتلة الواحدة، وإن كانت لا تتكرر فيها، وقد قدمت في هذا الكتاب وغيره أن من أقسام التعليقات المطلق في العام، نحو: متى دخلت الدار فأنت حر، فجميع الأزمنة ظرف ومعلق عليه الحرية، وهي لا تتكرر فكذلك ها هنا.
قلت: أنا لا أمنع أن يراد هذا المعنى ولا أن يصرح به المتكلم، فنقول: اقتلوهم في جميع الأحوال، إنما أنا أمنع أن يكون لفظ العموم من حيث هو لفظ عموم يدل على ذلك الواقع، وكذلك الواقع متضمن لذلك، واللفظ لا
стр. 592
يدل عليه، ويدل على ذلك أن قول القائل: اعتق عبيدي، وطلق زوجاتي، لا يدل هذا اللفظ على سفر ولا إقامة ولا مكان معين ولا زمان معين/ من (١٤٢/ أ) المستقبلات لذلك الفعل ألبتة، ولا هنالك واقع يتقاضى شيئا من هذه الأشياء على التعبير ألبتة، بل الباب منسد بالكلية وهو صيغة عموم، وقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ صيغة عموم، فقد اشتركا في صيغة العموم، وامتاز المشركون بأن الواقع من أحوالهم المعلوم، أن منهم مسافرا أو مقيما أو جائعا أو خائفا أو أسيرا، وأن مدائنهم بأرض الأندلس أو بجزيرة العرب، وغير ذلك مما هو معلوم في الواقع، فلو كانت صيغة العموم بما هي صيغة دالة على شيء من ذلك لدلت عليه في: أعتق عبيدي، وطلق نسائي، لوجود المقتضى لذلك، وهو صيغة العموم، وما لم يدل على ذلك، علمنا أن لفظ العموم من حيث هو عموم لا يفيد شيئا من ذلك التعيين، وإنه إنما يدل بالالتزام على مطلقات هذه الأربعة لا معيناتها وهو المطلوب.
الثاني: في الدلالة على ذلك من جهة الوضع اللغوي: أن اللغويين نصوا على أنك إذا عبرت عن المعاني العامة والحقائق العالية، نحو: المخلوق، والوجود والجسم، ونحوهما، فإنك إنما تعبر عنها بلفظ "ما" الموضوعة لما لا يعقل، فإن الأمر العام لا يستلزم الخاص، فلم يندرج في تلك الأمور العامة مفهوم الخاص العاقل من حيث هو عاقل، وإن اندرج في صيغة العموم من حيث إنه جسم، وموجود، ومخلوق، ونحوها، لكنه من هذه الجهة غير عاقل، وإذا لم يندرج فيه العقلاء من حيث هم عقلاء، كان اللفظ اللائق به هو لفظ "ما"، دون لفظ "من"، فلا تقول: كل من خلقه الله
стр. 593
تعالى ممكن، وأنت تريد العموم في جميع المخلوقات، بل تقول: كل ما خلقه الله تعالى ممكن، وتقول: ما في الوجود شاهد بوجود الله تعالى وصفاته العلا، ولا تقول: كل من، وأنت تريد الاستيعاب الذي أراده الشاعر في قوله:
وفي كل شيء له آية .... تدل على أنه واحد
فلو أردت أن تضع موضع (كل شيء) "ما"، أو "من"، كان المتعين "ما"، فإن الشيء بما هو شيء لم يندرج فيه مفهوم العاقل من حيث هو عاقل، وإن اندرج فيه من حيث هو شيء، وإن قلت: لفظ "من"، لم يكن كلاما عربيا، ولهذه القاعدة قال الله تعالى: ﴿أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء﴾، ولم/ (١٤٢/ ب) يقل: إلى من خلق الله من شيء، فإن الشيء بما هو شيء لا يستحق لفظ "من"، بل "ما" (وقد) قال تعالى: ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾، فأتى بلفظ "ما"، ولم يأت بلفظ "من"؛ لأن المستقر في الرحم من حيث هو مستقر في الرحم أعم ممن هو عاقل، بل قد يكون بهيمة، ومن الحشرات، فإذا دخل لفظ العموم، اندرج العقلاء فيه من جهة عامة، وهي
стр. 594
أنهم مستقرون في الأرحام، لا من جهة أنهم عقلاء، وهذه الجهة أعم، والأعم لا يستلزم الأخص، فلم يندرج العاقل فيها من حيث إنه عاقل، بل من حيث إنه مستقر، وهو من هذه الجهة غير عاقل، فكان المتعين التعبير بلفظ "ما"، دون لفظ "من"، وقاتل الله تعالى: ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾، فأتى بلفظ "ما" دون لفظ "من"، بسبب أن حمل الأنثى أعم، والأعم لا يستلزم الأخص، وهو كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب، لا يأتي فيه إلا لفظ "ما"، دون لفظ "من"، وتقول: كل ما سوى الله تعالى محدث، وكل ما سوى الله محتاج إليه، ونحو ذلك من العبارات ولا يأتي بلفظ "من" ألبتة، وإن كنت تريد العموم الذي اندرج فيه العقلاء.
إذا تقررت هذه القاعدة، فنقول لك: في هذه المعاني العامة أربعة أحوال:
أحدهما: أن يريد أحد نوعيها، وهو من يعقل خاصة، فيتعين لفظ "من"
стр. 595
في التعبير عنه.
وثانيهما: أن يريد النوعين من حيث خصوص من يعقل بما هو عاقل، وخصوص ما لا يعقل من حيث هو عاقل، فيتعين التعبير عنهما بلفظ "من"؛ لأن القاعدة العربية: أن المتكلم إذا أراد من يعقل وما لا يعقل بالحكم الذي سيق الكلام لأجله، تعين التغليب لمن يعقل على ما لا يعقل، ويكون التعبير بلفظ "من" لأجل التغليب، كأنهم كلهم عقلاء.
ورابعها: أن تريد العموم وتريد النوعين لا بخصوصهما، بل تقصد استيعاب كل فرد من المخلوقات من حيث هي مخلوقات، أو الأجسام من حيث هي أجسام، فهذه الحالة التي يحصل فيها العموم ويتعين التعبير بلفظ "ما"، وهو المراد بقولنا: كل ما في خلق الله تعالى ومن آثار قدرته، ونحو ذلك، فيندرج/ العقلاء لا من حيث هم من تلك الجهات العامة. (١٤٣/ أ)
إذا تقرر ذلك، اتضح أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، بسبب أن العام في الأشخاص لو كان عاما في الأحوال لكان شاملا لحالة العقل وحالة ضدها، وعلى هذا كان يتعين التعبير بلفظ "من"؛ لأجل قاعدة التغليب، والقول بالعموم في الأحوال يقتضي اجتماع من يعقل وما لا يعقل، فيتعين التغليب والتعبير بلفظ "من"، وحيث كان الواقع المنقول هو التعبير بلفظ "ما"، دل ذلك على عدم العموم في الأحوال وهذا متجه أيضا.
وإذا اتضح لك ذلك في الأحوال، اتضح أيضا في الأزمنة والبقاع والمتعلقات، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، أي اقتلوا كل مشرك في حالة ما، ويكون شركه شيئا ما، على نحو ما.
الثالث: الدال على هذا المطلوب، هو أن اللفظ قد دل على قتل كل
стр. 596
مشرك، والمشرك له أحوال متضادة ومتنافية، كالشبع والجوع، والعطش والري، والإقامة والسفر، والحركة والسكون، والقيام والجلوس، وغير ذلك من الأضداد التي يتعذر الجمع بينها فمن المحال أن يقول الله تعالى: اقتلوا كل مشرك في الحالتين المتضادين؛ لأن ذلك إنما يفرض بطريقتين: إما أن يقتله في حاله اجتماعهما قتلة واحدة، وإما أن يقتله في حالة، ويقتله مرة أخرى في حالة أخرى، وهذا أيضا محال؛ لتعذر تكرر القتل في الشخص الواحد فتعين بالضرورة أن يريد الله تعالى، ويكون مدلول اللفظ أحد هاتين الحالتين على البدل، بأن يقتله إما في هذه الحالة، أو الحالة الأخرى، أيهما وجدت وقع القتل فيها، وإذا كانت إحداهما مرادة بدلا من الأخرى أو بالعكس -والمراد على البدل لا شمول فيه؛ لأن المطلقات كلها كذلك- فإن الله تعالى إذا قال: أعتقوا رقبة، كانت كل رقبة مرادة على البدل، فيعتق إما هذه بدلا عن تلك، أو تلك بدلا عن هذه، وإذا كان الواقع في الأحوال هو هذا المفهوم، كان المقصود حاصلا، وهو أنها مرادة على سبيل الإطلاق والبدل وهو المطلوب، وهو المراد بقولنا: إن الله تعالى أمر بقتل/ كل مشرك في حالة، معناه إما هذا أو تلك. (١٤٣ م ب)
وكذلك القول في الأزمنة والبقاع، فإن الجمع بينها متعذر، كما تقدم في الأحوال المتضادة، فلم يبق حينئذ إلا أحوال غير متضادة، مثل: الشبع والقيام، والسفر والجلوس، ونحو ذلك من المختلفات، وبقية المتعلقات أيضا، فإنها يمكن الجمع بينها ويشرك بأشياء كثيرة، وهذه الأمور بخصوصياتها إن
стр. 597
ادعى أحد أن اللفظ يدل على العموم فيها دون غيرها، وأن الوضع اللغوي يشعر بها دون غيرها، فقد أبعد وتحكم من غير مستند.
وأيضا إذا سلم ذلك، فيقال له: إن كان محل النزاع هذه خاصة دون غيرها، فنقول إن كان مراد الله تعالى في هذه الأمور الممكنة الجمع، أن يقتل كل مشرك فيها، فإما أن يريد إذا اجتمعت، أو إذا افترقت، أو مجتمعة ومفترقة، أو لا مجتمعة ولا مفترقة.
فإن أراد تعالى الأمر بالقتل إذا اجتمعت، فتكون حالة الاجتماع شرطا من القتل، ولا يقتل من انفرد ببعضها وهو خلاف الإجماع.
وإن أراد إذا انفردت، يكون الانفراد شرطا، فلا يقتل من اجتمعت في حقه وهو خلاف الإجماع.
وإن أراد مجتمعة ومفترقة، فالاجتماع والافتراق ضدان يتعذر الجمع بينهما، فيتعذر الأمر بالقتل في ذلك، كما تقدم في المتضادات، فيتعين أن يكون المقصود هم القسم الرابع، وهو أن يريد ذلك على البدل، من غير تعرض لشيء من ذلك، وهذا هو الإطلاق بالضرورة.
البرهان الرابع على هذه القاعدة: أن أهل المنطق قد قرروا هذه القاعدة في علم المنطق بأن قالوا: إن صيغة العموم، وهو عندهم موسوم بالكلية الموجبة، كقولنا: "ج" "ب"، ففيه مذهبان:
أحدهما: أن معناها: كل ما وجد وكان "ج" بالفعل فإنه "ب"،
стр. 598
كان ذلك الموجود في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، ولم يشترطوا حصول الوجود في الحال ولا في الماضي، بل أخذوا القدر المشترك بين الأزمنة الثلاثة، وذلك يقتضي صدق الكلية فيما لم يوجد بعد.
المذهب الثاني: أن معنى الكلية/: ما لو كان "ج" بالقوة، فهو "ب"، ولم يشترطوا أصل الوجود، وهذا هو مذهب الفارابي. (١٤٤/ أ)
والأول مذهب الجمهور، فظاهر كلامهم، وهذا هو مقتضى اللغوي، في قولنا: كل عدد زوج، وكل إنسان حيوان، ومن له تحقيق في علم المنطق واللغة علم أن مقصود اللغويين والمنطقيين في ذلك واحد.
وعلى هذا المذهب الثاني لا يشترط أصل الوجود، بل يكفي قبول المحل له وإن لم يقع.
وعلى المذهبين، الوجود ليس معتبرا في الكلية، فاللفظ الدال عليها غير دال على عوارض الوجود من الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، فإنها تابعة للموجودات، فالدلالة على المتبوع تستلزم انتفاء الدلالة على التابع، وأما خصوصيات الأزمنة والبقاع والأحوال فبعيدة عن هذين المذهبين بعدا شديدا، فإن تعرضهم للمعنى العام وهو أصل الوجود أو أصل القبول والاقتصار عليه والسكوت عن غيره في تمهيد القواعد عند من يقصد التحرير، دليل على أن ذلك العام هو كمال المراد، وأن غيره غير منظور إليه ولا معرج عليه، فقد وضح اجتماع المعقول والمنقول في تحرير هذا المقصد واجتماع الفرق بين المنطقيين
стр. 599
واللغويين فيه يكون حقا، وهو المطلوب.
وإذا تقررت هذه القواعد واتضحت، ظهر حينئذ بطلان الغاية والشرط وما ذكر معهما من الأمور العشرة، ليس شيئا منها مخصصا ألبتة.
وبيانه: أن قولنا اقتلوا المشركين، قد تحرر، أنه إنما يقتضي قتلهم في حالة مطلقة في جميع الأحوال، فإذا وردت الصفة فقال الله تعالى: اقتلوا المشركين المحاربين، فقد غير تلك الحال المطلقة، وزاد فيها قيدا وخصوصا، وهو كون تلك الحالة حالة الحرابة، وهي (حالة ما)، لأنه متى صدق الخاص صدق العام بالضرورة، فالعموم باق على دلالته، ولم يترك من مقتضاه شيئا بورود هذه الصيغة، بدل قيدنا تلك الحالة المطلقة، ولم يبطل من الكلية فرد ألبتة، والتقييد ضد التخصيص؛ لأن التقييد زيادة/ على مقتضى اللفظ، والتخصيص تبعيض من مقتضى اللفظ، فأين أحدهما من الآخر؟ (١٤٤ م ب)
وإذا ظهر أن الصفة مقيدة لا مخصصة، بطلت دعوى التخصيص فيها.
وكذلك قوله: حاربوا لا يكون هذا الشرط أيضا مخصصا؛ لأنه يقتضي أن يقتل كل مشرك في حالة الحرابة، وهي حالة خاصة، ومتى صدقت حالة خاصة، صدق مطلق الحالة، فالعموم باق على عمومه، وإنما الحالة المطلقة تقيدت.
стр. 600
وكذلك الغاية، في قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون﴾ لا يكون تخصيصا أيضا؛ لأنه يقتضي قتل كل مشرك في حالة الامتناع عن الجزية، وهذه حالة خاصة، وإذا قتلنا كل مشرك في حالة خاصة، فقد قتلنا كل مشرك في مطلق الحال، وهذا هو مقتضى العموم، فلم يخرج من أفراده شيء، ولم يوجد ما خالف العموم، بل ما قيده.
وكذلك قوله: اقتلوا المشركين إلا من يحارب، هذا الاستثناء يقتضي إخراج غير المحارب، وإن كان مشركا، يقتل في حالة الحرابة، وهي حالة خاصة مستلزمة لمطلق الحال، فالعام باق على عمومه.
وهذه كلها تقييدات لمطلق الحال المدلول عليها التزاما، لا مخصصا، وكذلك القول في بقية العشرة التي تقدم أنها لاحقة بالأربعة المنصوص عليها.
نعم، قد تقع هذه الصيغ في مواد تقتضي لخصوص تلك المواد التخصيص، وخصوص بعض الأفراد من العموم في جميع الأحوال، ولا يثبت لها الحكم في حالة من الأحوال ألبتة، كقولنا: قدرة الله تعالى قابلة للتأثير في كل معلوم إن كان ممكناً، فقولنا: إن كان ممكناً، يقتضي هذا الشرط إخراج المستحيلات والواجبات من قبول تأثير القدرة، ولا يثبت للقسمين قبول التأثير في حالة ألبتة، فإن هذه الحالة الخاصة التي هي حالة الإمكان، لا يمكن أن يتعداها الحكم إلى غيرها ألبتة، بخلاف قولنا: إن حاربوا، فإن المحارب قد يترك الحرابة ويصير ذميا أو غير ذلك، فوصف الإمكان ميسر الزوال، وحصول
следующие страницы →