← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20860

العقد المنظوم في الخصوص والعموم

القرافي

Полный текст (844 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

"من"، والقول بالعموم في الاحتمال يقتضي اجتماع حالة العقل مع الحالات، فيتعين التغليب والتعبير بلفظ "من". وحيث كان الواقع والمنقول هو التعبير بلفظ "ما"، دل ذلك على عدم العموم في الأحوال، وهذا متجه جدًا. وإذا اتضح ذلك لك في الأحوال، اتضح في الأزمنة والبقاع والمتعلقات، فإن الجميع نسبته واحدة وبحث واحد، فيكون العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، اقتلوا كل مشرك ما، في حالة ما، في زمن ما، في مكان ما، ويكون شركه شيء ما. وبرهان ثالث على هذا المطلوب: قد دل على قتل كل مشرك مثلًا، والمشرك له أحوال متضادة متنافية كالشبع والجوع، والعطش والري، والإقامة والسفر، والحركة والسكون، والقيام والقعود وغير ذلك من الأحوال الأضداد التي يتعذر الجمع بينهما، فمن المحال أن يقول الله تعالى: اقتلوا كل مشرك في الحالتين المتضادتين، فإن ذلك لا يتأتى إلا بطريقين: إما أن نقتله في حالة اجتماعهما، واجتماع/ الضدين محال، وإما أن نقتله مرة في هذه الحالة، ونقتله مرة أخرى في الحالة الأخرى، وهذا أيضًا محال، لتعذر تكرر القتل في الشخص الواحد، فتعين بالضرورة أن يريد الله إحدى هاتين الحالتين على البدل، إما أن نقتله في هذه، أيهما وجدت وقع القتل فيها، وإذا

стр. 527

كانت إحداهما مرادة بدلًا من الأخرى، أو بالعكس، والمراد على البدل لا شمول فيه؛ لأن المطلقات كلها كذلك، فإن الله تعالى إذا قال: اعتقوا رقبة، كانت كل رقبة مرادة على البدل، فيعتق إما هذه "بدل" عن تلك، أو تلك "بدل" عن هذه، وإذا كان الواقع في الأحوال هو هذا المفهوم، كان المقصود حاصلًا، وهو أنها مرادة على سبيل الإطلاق والبدل، وهو المطلوب، وهو المراد بقولنا: إن الله تعالى أمر بقتل كل مشرك في كل حالة، معناه: إما هذه، وإما تلك. وكذلك القول في الأزمنة والبقاع فإن الجمع بينهما متعذر، كما تقرر في الأحوال المتضادة، فلم يبق حينئذ إلا أحوال غير متضادة، مثل السمع والسفر، والقيام والجلوس، ونحو ذلك من المختلفات. وبقيت المتعلقات أيضًا، فإنها يمكن الجمع بينها، فتشرك بأشياء كثيرة. وهذه الأمور بخصوصياتها إن ادعى أحد أن اللفظ يدل على العموم فيها دون غيرها، وأن الوضع اللغوي يشعر بها دون غيرها، فقد أبعد وتحكم من غير مستند، وأيضًا إذا سلم ذلك، فيقال لقائله: هل أرد الله تعالى قتل المشرك إذا اجتمعت فيه، أو إذا افترقت، أو مجتمعة مفترقة؟ ، فإن أراد: إذا اجتمعت، فلا يقتل من انفرد بحالة منها، وهو خلاف الإجماع، وإن أراد مجتمعة ومفترقة، فإن الاجتماع والافتراق ضدان، لا يجتمعان، فمن المحال أن يراد القتل فيهما، لما تقدم في الضدين، بقي أن يريد: في أحدهما، لا بعينه، على البدل، وهذا هو الإطلاق بالضرورة، وقد تقدم آنفًا بسطه وتقريره. فهذه البراهين وافية، وكل واحد منها كاف في تحقيق هذه القاعدة، وهو

стр. 528

المطلوب، وهذا المعنى بعينه/ قد تقرر في علم المنطق، فيكون تقريره هناك مؤكدًا لما قرر ها هنا، وذلك أن صيغة العموم قد وضح فيما تقدم أنها موضوعة للكلية، وتقدم الفرق بين الكلية والكلي فقد قال المنطقيون في تحقيق الكلية: أنا إذا قلنا: كل "ج" "ر"، ففيه مذهبان: أحدها: أن معناه: كل ما وجد وكان "ج" بالفعل، فإنه "ر"، كان ذلك الموجود في الماضي والحاضر والمستقبل، ولم يشترطوا حصول الوجود في الحال ولا في الماضي بل أخذوا القدر المشترك بين الأزمنة الثلاثة، وذلك يقتضي صدق الكلية فيما لم يوجد بعد. وثانيهما: أن معناها: كل ما هو "ج" بالقوة، فهو "ر"، ولم يشترطوا أصل الوجود، وهذا هو مذهب الفارابي، الأول هو مذهب الجمهور. وظاهر كلامهم أن هذا هو مقتضى الوضع اللغوي في قولنا: كل عدد

стр. 529

زوج، وكل إنسان حيوان، ومن له تحقيق في علم المنطق واللغة علم أن مقصود المنطقين واللغويين في ذلك واحد، وعلم أن هذا المذهب الثاني لا يشترط أصل الوجود، وعلى الأول إنما يشترط أصل الوجود وإن لم يقع. وأما خصوصيات الأزمنة والأحوال والبقاع فبعيدة عن هذين المذهبين بعدًا شديدًا، فإن التعرض للمعنى العام والاقتصار عليه والسكوت عن غيره في تمهيد القواعد - عند من يقصد التحرير - دليل على أآن ذلك العام هو كمال المراد، وان غيره غير منظور إليه، ولا معرج عليه، فقد وضح اجتماع المعقول والمنقول على هذا المقصد، واجتماع الفرق فيه. وإذا وضح لك أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، مع القاعدة الأخرى، وهي: أن من شرط المخصص أن يكون منافيًا لمقتضى العموم، احترازًا من المؤكد والأجنبي مطلقًا، وحينئذ يكون مقتضى العموم: ؛ اقتلوا كل مشرك في حالة ما، موجبة جزئية؛ لأنها مطلق الحالة، من غير تعدد. وقد تقرر في قواعد المنطق أن الذي يناقض الموجبة الجزئية إنما هو السالبة الكلية، فإن قولنا: بعض العدد زوج/، أو بعض الحيوان إنسان، لا يناقضه ويبطله إلا قولنا: لا شيء من العدد بزوج، ولا شيء من الحيوان بإنسان، أما لو قلنا: بعض العدد ليس بزوج، أو بعض الحيوان ليس بإنسان، لم يكن ذلك مناقضًا، لما تقدم، لاجتماع الكلامين على الصدق؛ لأن الثاني

стр. 530

سالبة جزئية، لا سالبة كلية، وحينئذ لا يناقض قولنا: اقتلوا المشركين، الذي معناه: اقتلوا كل مشرك في حالة ما، إلا في قولنا: زيد المشرك، أو الفريق الفلاني لا يقتل في حالة ما ألبتة؛ لأن هذه سالبة كلية تناقض الموجبة الجزئية المتقدمة، إما إذا قال: بعض المشركين لا يقتل في حالة خاصة، كحالة الذمة أو نحوها، فإن ذلك لا يكون منافيًا ولا مناقضًا؛ (لأنه) لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، ولا من النفي في الأخص النفي في الأعم، ولا يلزم من قولنا: إن الله لا ينعم أهال الجنة في ذكر النار، أن يبقى مطلق النعيم، لاحتمال أن ينعمهم في دار أخرى، وكذلك إذا قلنا: زيد لا يصوم في السفر، لا يلزم (منه) أنه لا يصوم مطلقًا، هذا مثال في النفي في الخاص. وأما نفي الخاص، فلا يلزم منه نفي العام، فنحو قولنا: هذا ليس بإنسان، لا يلزم (منه) أنه ليس بحيوان. وكقولنا: هذا ليس بزوج، لا يلزم أنه ليس بعدد، وهذا ليس بحيوان، لا يلزم أنه ليس بجسم، فظهر لك أن نفي الخاص لا يلزم منه نفي العام، وأن النفي في الخاص لا يلزم منه النفي في العام. وبهذه القواعد يتبين لك أن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ما دخله تخصيص ألبتة بفريق من الفرق، ولا بشخص من الأشخاص، أما توهم تخصيصه بالنساء فباطل، بسبب أن صيغة المشركين صيغة تذكير، لا تتناول الإناث، والتخصيص فرع التناول، فحيث لا تناول لا تخصيص، وأما أهل الذمة، فلم يحصل بهم تخصيص أيضًا بسبب أنهم طائفة من المشركين،

стр. 531

أخرجوا في حالة خاصة، وقد تقدم أنه لا يلزم من الإخراج في الأخص الإخراج في الأعم، فلا يلزم من أنا لا نقتل طائفة الذمة في هذه الحالة الخاصة - وهي حالة الذمة - أن لا نقتلهم في مطلق الحالة، بل نحن نقتلهم في حالة ما، لأنا نقتلهم إذا حاربوا، والحرابة/ حالة خاصة، ولا يلزم من ثبوت الأخص ثبوت الأعم، فيلزم من قتلهم في حالة الحرابة قتلهم في حالة ما، وهي مطلق الحالة، فنحن باقون على مقتضى العموم، ونقتل كل مشرك في حالة (ما)، وما حصل بخروج أهل الذمة تخصيص ألبتة. وكذلك القول في إخراج الرهبان والفلاحين والتجار وغيرهم ممن قال قائل بعدم قتالهم، وقتلهم كل فريق منهم إنما أخرج في حالة خاصة، فلا يكون مخصصًا، كما تقدم في الذمة بعينه حرفًا بحرف، ونحن نقتل جميع هذه الطوائف في حالة ما، وهي حالة الحرابة، فالعموم باق على مقتضاه لغة، ولم يحصل تخصيص ألبتة. فإن قلت: فعلى هذا التقدير، لا يبقى في النصوص شيء مخصوص، وهو خلاف الإجماع، فإن كل شيء أخرج تقول أنت: إنما أخرج في حالة خاصة، فإنه لابد له من اسم خاص، وحالة خاصة تخصه، وحينئذ يكون من باب النفي في الأخص الذي لا يلزم منه النفي في الأعم، كما قررته، فتبطل حقيقة التخصيص مطلقًا. قلت: لا يلزم مما ذكرته بطلان حقيقة التخصيص، بل أنا أبين لك وجودها في نصوص كثيرة على الشروط والقواعد المذكورة، من غير اختلال شيء منها. فمنها: قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾، مقتضى هذا اللفظ، أن كل

стр. 532

ما هو شيء، فهو مخلوق في حالة ما، ودل العقل أن الموجودات الواجبة الوجود، وهي ذات الله تعالى وصفاته العلا، لم تخلق في حالة ما، وهذه سالبة كلية، مناقضة لتلك الموجبة الجزئية، فيكون هذا تخصيصًا. ومنها: قوله تعالى في حق بلقيس: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾، يقتضي ذلك أنها أوتيت من كل شيء في حالة (ما)، ومن ثم أشياء لم تؤت منها شيئًا في حالة من الحالات، وهي السماوات والأرض والكواكب، والنبوة، والذكورة، والتصرف في عالم الكون، أو وصف الملائكة، وغير ذلك مما لا يحصى عدده لم تؤت بلقيس منه شيئًا في حالة ما، فهذه سالبة كلية، مناقضة لتلك الموجبة الجزئية، فيكون ذلك تخصيصًا محققًا. ومنها: قوله تعالى في ريح عاد: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾، يقتضي هذا العموم أنها تدمر كل موجود في حالة، وهي لم تدمر السماوات، والأرض/ والجبال والكواكب، والبحار، والجان، والملائكة، وغير ذلك مما لا يحصى عدده، لم تدمره في حالة ما البتة، فتكون هذه سالبة كلية، مناقضة

стр. 533

لتلك الموجبة الجزئية، فيكون تخصيصًا قطعًا، وعلى هذا المنوال فاعتبر التخصيص، فإن وجدت شروطه فاقض به، وإن فقدتها فلا تقض به. وحينئذ إذا تقرر لك أن مقتضى العموم هو ثبوت الحكم لكل فرد من أفراده في حالة ما، وان تلك الحالة مطلقة، ويورد نص تعين بعض الحالات، ويسقط بعضها، ويبقى الحكم فيه كما تقدم في مثال المشركين، تعينت حالة الحرابة، وخرج ما عداها على الخلاف بين العلماء في قتل بعض تلك الفرق، فقل حينئذ: هذا تقييد لتلك الحالة المطلقة وزيادة قيد فيها، وهو وصف الحرابة مثلًا، فإنك إذا اعتبرت قولنا: "حالة ما"، وقولنا: "هي حرابة"، وجدت هذا الثاني تقييدًا للأول، مثل قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، ﴾ فتحرير رقبة مؤمنة﴾، الكل تقييد، لا تخصيص. وحينئذ يظهر لك الفرق بين التقييد والتخصيص في العمومات، المخرج لبعض الأفراد في جميع الخلاف تخصيص، والمخرج لبعض الأفراد في بعض الأحوال دون بعض تقييد لتلك الحالة المطلقة، لا تخصيص. وكذلك ضابط ظاهر يميز به بين التقييد والتخصيص: أن التقييد زيادة

стр. 534

على مدلول اللفظ، والتخصيص تنقيص من مدلول اللفظ، فإنك إذا زدت على مفهوم الرقبة أو مفهوم حالة ما، الإيمان أو الحرابة، فقد تصورت معنى زائدًا على ما كان متحصلًا معك أولًا، من غير أن ينقص مما كان معك شيء، أما إذا خصصت وأخرجت بعض أفراد العموم عن حكمه في جميع الحالات، فقد نقصت تلك الأفراد مما كان مدلولًا للفظ أولًا. وينبني على الفرق فرق آخر، وهو أن المخصص معارض لظاهر العموم، فيتعين طلب الترجيح بينهما، والمقيد ليس معارضًا للمطلق، ولذلك يقبل التقييد لمطلق الدليل، ولا يخصص إلا بما هو أرجح، ولو بكونه أخص، فإن الأخص أقوى فيما يتناوله من العام فيما يتناوله الخاص، فإنه/ يجوز إطلاق العام من غير إرادة ذلك الخاص، فإنه يبقى معطلًا ألبتة، لا شيء تحته، وأما العام .... مستعملًا فيما عدا مدلول الخاص، فالخاص راجح من هذا الوجه. إذا تقرر لك الفرق بين المخصص والمقيد والمؤكد، ظهر لك أن أكثر ما يدعى أنه مخصص أو انه مخصوص، ليس كذلك، وأن أكثر ذلك تقييد على ما تقدم تقريره، وكذلك - أيضًا - أكثر ما يدعى أنه ناسخ، إذا اعتبرت شروط النسخ فيه، تجده، مخصصًا، لا ناسخًا. مسألة: وهي بقية هذا الفصل، وهي الفرق بين النية المخصصة والنية المؤكدة، وهي من أغمض المباحث، من المطالب المشكلات، والأغوار البعيدة، التي وقع فيها الغلط لجماعة من الفضلاء والمفتين، وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام

стр. 535

رحمه الله - يقول: ما رأيت (مفت) إلا وهو يغلط في هذه المسألة، أو لفظ هذا معناه. وتقرير هذا الفرق وإيضاحه أن نقول: إذا قال القائل مثلًا: والله لا لبست ثوبًا، فله أحوال: الحالة الأولى: في نيته، فتارة يقول: لم تكن لي نية، قلنا: تحنث بكل ثوب؛ لظهور اللفظ في الاستغراق والعموم، واللفظ الظاهر في معنى يفيد حكمه في ذلك من غير احتياج إلى نية. الحالة الثانية: أن يقول: أردت الامتناع في جميع الثياب، فإنا نقول له: تحنث بكل ثوب؛ للفظ الظاهر في ذلك، وقد تأكد بالنية الموافقة له، المؤكدة معناه. الحالة الثالثة: أن يقول: خطرت لي ثياب أني أمتنع منها، ولم يخطر لي غيرها ببال، ولم تكن لي إرادة إلا في الكتان، فإنا نقول له: تحنث بجميع الثياب أيضًا، أما بثياب الكتان، فاللفظ المؤكد بالنية، وأما بغير الكتان؛ فلوجود اللفظ الظاهر فيها، السالم عن النية المخرجة، وليس من شرط إفادة اللفظ لحكمه إذا كان صريحًا فيه أن ينوي، فلا يمنع عدم خطوره ببالك وقصدك إليه ألا يثبت الحكم فيه، فيحنث بالجميع.

стр. 536

وهذا القسم هو موضوع غلط المفتين؛ لأنهم يقولون للسائل: أي شيء أردت بيمينك؟ يقول: أردت الكتان، فيقول: لا تحنث بغيره، وهذا خطأ إجماعًا؛ لأن من شرط المخصص أن/ يكون منافيًا، والقصد لاندراج البعض في الحكم لا يمنع من اندراج البعض ...... لحكم، بظهور اللفظ، فلا يتفطنون لذلك. الحالة الرابعة: أن يقول: أردت ....... ثياب الصوف عن اليمين والامتناع، فيقول له: لا تحنث بثياب الصوف، لأن نيتك معارضة لظاهر لفظك ومنافية له، وهي مقدمة عليه. فهذه هي النية المخصصة، فإذا حصلت حصل التخصيص، سواء حصل قصده للحنث بالكتان واندراجه، أو لم يحصل، فإن قصده لاندراج الكتان مؤكد، والمؤكد ليس شرطًا في التخصيص، فواجب حينئذ على المفتي إذا جاءه الحالف أن يقول له: أقصدت إخراج شيء عن يمينك أم لا؟ فإن قال له: قصدت إخراج الصوف أو غيره. فيقول له المفتي: لا تحنث به، ولا يقول له:

стр. 537

أي شيء أردت بيمينك؟ فيقول (له): أردت به الكتان، فيقول له: لا تحنث بغيره، فهذا السؤال خطأ، وجوابه المفتى -أيضًا- خطأ، فإنه إذا قصد بيمينه شيئًا، لا يلزم منه عدم الحنث بغيره، حتى يقصد إخراجه، فتلقين المفتي هذا السؤال وجوابه عنده خطأ ظاهر، مجمع عليه بين المحققين، وإن كان أهل العصر لا يفعلون إلا ذلك -ولم أر أحدًا يفعل غير ذلك ألبتة- ويجعلون النية المؤكدة مخصصة، وهو خطأ صراح. فإن قلت: كتب العلماء مشحونة بأن اللفظ العام يستعمل في الخاص، ولا معنى لاستعماله فيه إلا إرادته بالحكم، وإذا كان هذا استعمال العام في الخاص، كان ما عدا هذا الخاص لا يثبت الحكم فيه، هذا هو عين التخصيص، وهو يبطل ما ذكرته. قلت: لا نسلم أن هذا تفسير استعمال العام في الخاص، وأن هذا مقصودهم. بل مقصودهم باستعمال العام في الخاص القصد إلى إخراج بعض أفراد العام عن حكمه حتى يبقى اللفظ العام مستعملًا في الخاص الباقي بعد الإخراج، وإجماعهم على أن المخصص لابد أن يكون منافيًا، يعضد ما ذكرته، ويبطل التفسير الأول جزمًا، ويعين ما ذكرته. فإن قلت: لو صرح وقال: والله لا لبست ثوبًا كتانًا، لم يحنث بغير الكتان، وإن لم يكن له نية في إخراج غير الكتان (مع أن الكتان وغيره) كان مندرجًا تحت/ عموم لفظه، فصار لفظ الكتان والتصريح به مؤكدًا لما اندرج في عموم لفظه من الكتان، حتى صار الكتان منطوقًا به مرتين، فقد صار

стр. 538

المؤكد مخصصًا، من غير احتياج لمخرج النية، فوجب أن يكون نيته وقصده للكتان كنطقه به، لا يحتاج لغيره، وإن كان مؤكدًا، والفرق عسر جدًا. قلت: سؤال حسن قوي، والجواب عنه مبني على قاعدة وهي: أن كل لفظ لا يستقل بنفسه إذا اتصل بلفظ مستقل بنفسه، صيره غير مستقل بنفسه، ومن هذه القاعدة قول الزوج لامرأته، قبل الدخول: أنت طالق ثلاثًا، وقوله أنت طالق، يقتضي بينونتهما قبل الدخول، ويكون اللفظ الواقع بعد ذلك لغوًا، كما قاله الشافعي في قوله: أنت طالق، أنت طالق، فإن الثانية لا تلزمه قبل الدخول، خلافًا لمالك رحمة الله عليهم أجمعين. واتفقوا في قوله: أنت طالق ثلاثًا، يلزمه الثلاث، إلا أبا حنيفة، فإن النية عنده لا تؤثر فيما هو خارج عن مدلول اللفظ، وقد تقدم البحث معه

стр. 539

في مسائل العموم، في قوله: لا آكل، وما ذلك إلا أن قوله "ثلاثًا تمييز لفظ لا يستقل بنفسه (وقد انفصل بما هو مستقل بنفسه) - وهو قوله: أنت طالق - فصيره غير مستقل بنفسه، فلذلك لم يؤثر طلاقًا بمفرده، وضم الثاني إليه، فكان المجموع هو المعتبر. وأشد من هذه الأقارير بألفاظ النصوص كقوله: له عندي عشرة إلا اثنين، فإن قوله: عشرة، لفظ نص، ومع ذلك إذا أردفته بقوله: "إلا اثنين"، وهو لفظ لا يستقل بنفسه، صير الأول غير مستقل بنفسه، ولا يلزمه بشيء إلا تضميمه مع (ما) بعده إليه، ويكون المجموع هو المعتبر بنفسه عن معتبر، أو تلزمه ثمانية، لمجموع اللفظين بخلاف ما لو قال: له عندي عشرة وقد قضيتها، فإنه يلزمه عشرة، ولا يسمع منه: "قضيتها"، فإنه مستقل بنفسه، ولا يعكر على الأول فيصير غير مستقل بنفسه، فثبت الأول ولزم مقتضاه. وكذلك إذا قال: له عندي درهم زائف، أو درهم نحاس، فقوله: نحاس، صفة لا تستقل بنفسها، فيصير الأول غير مستقل بنفسه، فلا يلزمه شيء، غير أن الذي دل عليه مجموع اللفظين، وهما: لفظ الموصوف ولفظ الصفة/ ولو قال: له عندي درهم، وهو نحاس، لزمه درهم جيد؛ لأنه يقتضي إطلاقه الأول، ويعد بالثاني نادمًا راجعًا عن إقراره، وهو لفظ مستقل بنفسه، فلا يضاف إلى الأول. ونحو هذه النظائر مما لا يستقل بنفسه، إذا اتصل بما يستقل بنفسه، صيره

стр. 540

غير مستقل بنفسه من الحال، والصفة، والتمييز، والغاية، والشرط، والمجرورات والظروف، وقد بسطت ذلك في كتاب الأنوار والأنواء في القواعد الفقهية. كذلك ها هنا إذا قال: والله لا لبست ثوبًا كتانًا - فقوله: "كتانًا" صفة لا تستقل بنفسها، وقد اتصلت بالعموم المستقل بنفسه فصيرته غير مستقل بنفسه، وأنه لا عبرة به من حيث هو هو، فلم يثبت العموم فيه حينئذ حتى يحتاج إلى التخصيص، بل المعتبر من كلامه إنما هو المجموع المركب من الصفة والموصوف، فتختص اليمين بثياب الكتان، ويكون ما عداها لم يتعرض له اللفظ ألبتة، كما لو قال: والله لا أكلت لحمًا، فإنه لا يتناول الخبز ونحوه. أما النية فليس فيها وضع لغوي يقتضي إبطال مقتضيات الألفاظ، فإن الوضع إنما يكون في الألفاظ، وهي ليست لفظًا، وإنما هي معنى معقول، وليس في العقل ما يقتضي أن الشيء إذا قصد بالثبوت، يكون غير مقصودًا بالإبطال والنفي، فكانت النية لا يعرض فيها لغو منويها ألبتة، نفيًا ولا إثباتًا، فبقي حكم اللفظ على عمومه في غير المنوي، وحكمه عند عدم هذه النية الحنث بغير المنوي، فيحنث بغير المنوي، وهو المطلوب. وها هنا جواب آخر وهو: أن التقييد بالصفة له مفهوم، فهو يقتضي بمفهومه سلب الحكم عما عدا المنطوق، ويكون هذا المفهوم معارضًا لدلالة العموم على ثبوت الحكم في غير الموصوف بتلك الصفة، ودلالة المفهوم أخص من دلالة العموم، فتقدم دلالة المفهوم على دلالة العموم، على قاعدة تقديم الأخص على الأعم، في سائر صور التخصيص. وأما النية فليس لها دلالة ألبتة، فإن المعاني من المدلولات، لا من

стр. 541

الدلالات، وإذا لم يكن لها دلالة ألبتة، انتفت دلالة المفهوم؛ لأنها من باب دلالة الالتزام، وحينئذ لا يكون في النية ما يعارض دلالة العموم، فبقيت سالمة عن المعارض فحصل الحنث بها حينئذ. وهذا/ جواب حسن، وفرق جميل، غير أن عليه سؤالًا صعبًا، وهو: أن الناس اختلفوا في دلالة المفهوم، هل هي حجة أم لا؟ ، وهل هي موجودة أم لا؟ ، وإذا قلنا: بأنها موجودة حجة، فهل يخصص بها العموم، لكونها أخص، أو لا تخص، لضعفها؟ ، وهو اختيار الإمام فخر الدين وجماعة. قولان في ذلك كله، فيلزم على القول بأنه ليس بحجة، أو انه حجة لكنه لا يخصص العموم، أن يحصل الحنث عند القائلين بعدم ذلك، لكنهم لما أجمعوا على عدم التحنيث، دل ذلك على أن المدرك في عدم التحنيث ليس هو دلالة المفهوم، بل هو أمر آخر، وهو المدرك الأول، فإنه ليس عليه سؤال، وهو مدرك حسن، ويمكن أن يقال: المدرك عند القائلين بالمفهوم المدرك الأول مع المفهوم، فلهم مدركان. والقائلون بأنه ليس حجة، أو هو حجة لكنه لا يخصص العموم، المدرك عندهم هو المدرك الأول فقط. فهذا هو تلخيص الفرق بين النية المؤكدة والنية المخصصة، وهو من الأمور المهمة، والمسائل العظيمة، التي يحتاج إليها مع إلمام في الفتاوى، وأكثر العلماء والفقهاء لا يحققها، ولا يحسن السؤال عنها، ولا يحكم الجواب الفاسد فيها من الجواب الصحيح، الذي هو مدار الفتوى، فتأمل ما تقدم، وحققه تنتفع به إن شاء الله تعالى.

стр. 542

الباب الثامن عشر فيما يصير به العام مخصوصًا على الحقيقة وعلى المجاز، وما هو الأصل في ذلك، وما هو الفرع فيه ؟ أعلم أن العام إذا أطلق اقتضى أمرين: أحدهما: ثبوت حكمه لجميع أفراده في نفس الأمر، فإن هذا هو شأن كل لفظ صريح في معنى أنه يقتضي ثبوت حكمه، قصد المتكلم استعماله فيه أو لم يقصده، لكن يشترط القصد إلى النطق بأصل الصيغة، فيثبت الحكم، إلا ان يعارضه بقصده الصارف له عن معناه إلى المجاز، فهذا مانع من ثبوت حكمه. وكذلك أن صرائح الطلاق والعتاق تنصرف لمدلولاتها، ويلزم أحكامها من غير نية متعلقة باستعمال تلك الألفاظ في تلك المعاني. وكذلك إذا قصد إلى النطق بقوله: والله لا لبست ثوبًا، / اقتضى هذا اللفظ بعمومه حصول الحنث بلبس كل ثوب، وإن لم يقصد إلى استعماله في العموم، بل يحصل ذلك بالوضع. وهذا هو الفرق بين الصرائح والكنايات ، أن الكنايات لا تنصرف لما هي

стр. 543

محتملة له (إلا) بالنية؛ لأجل عدم الصراحة، والوضع الخاص لذلك المعنى، والصرائح تنصرف بالوضع لما وضعت له، هذا أخذ الأمرين الذين يقتضيها اللفظ العام إذا سلم عن المعارض، فيثبت الحكم في نفس الأمر. وثانيهما: أن العموم يقتضي اعتقادًا عند السامع أن المتكلم أراد العموم، وأن حكم العموم ثابت لجميع أفراده؛ لأن الأصل استعمال اللفظ في حقيقته، والأصل عدم التخصيص. إذا تقرر هذان الأمران، وأنهما أثران لانطلاق صيغة العموم، فقد قال الإمام فخر الدين، ﵀: "الذي يصير به العام خاصًا هو قصد المتكلم؛ لأنه إذا قصد بإطلاقه: تعريف ما يتناوله، فقد خصه. وأما المخصص للعموم، فيقال على سبيل الحقيقة على شيء واحد، وهو إرادة صاحب الكلام؛ لأنها هي المؤثرة في إيقاع الكلام لإفادة البعض؛ لأنه إذا جاز أن يرد ذلك الخطاب خاصًا وجاز أن يرد عامًا، لم يترجح أحدهما على الآخر إلا بإرادة. ويقال بالمجاز على شيئين: أحدهما من (باب) (إقامة الدلالة) على كون العام مخصوصًا في ذاته.

стр. 544

وثانيهما: من اعتقد ذلك أو وصفه به، كان ذلك الاعتقاد حقًا أو باطلًا. قلت: هذا كلامه في المحصول، والذي أقول: إن قوله: "لا يقال إلا على شيء واحد على سبيل الحقيقة"، أنه ليس كذلك؛ لأن المخصص هو المخرج والصارف للموجب عن بعض موارده، وذلك نجده حقيقة في شيئين: أحدهما: ثبوت الحكم في نفس الأمر- كما تقدم- وهو الذي قاله الإمام. والثاني: صرف اعتقاد السامع عن ثبوت الحكم في جميع الأفراد إلى اعتقاد الاختصاص بالبعض الباقي. فهذان مخصصان ومخرجان قطعًا، والمخرج في الأول هو إرادة المتكلم، كما قاله الإمام، والمخرج الثاني هو الدليل الدال على هذه الإرادة المخرجة لبعض الأفراد عن حكم / العموم، كان ذلك الدليل عقليًا، أو سمعيًا، أو قرائن الأحوال، أو غير ذلك مما يدل على أن العام مخصوص، فإنه مخرج عن اعتقاد السامع ما كان يثبت لولاه، وإذا وجدت حقيقة المشتق حقيقة أيضًا، فيكون المخصص حقيقة في هذين الشيئين جزمًا. وأما قوله: "إذا جاز أن يرد الخطاب عامًا، وجاز أن يرد خاصًا، لم يترجح أحدهما على الآخر إلا بالإرادة"، فليس كذلك، بل يترجع العموم على الخصوص بالوضع والصراحة، بل كان ينبغي له أن يقول: لما كان مقتضى تعميم الحكم، لم يجز العدول عن العموم إلى الخصوص إلا بالإرادة، والمراد ها هنا: انصراف الحكم في نفس الأمر، لا للانصراف عن اعتقاد السامع،

стр. 545

فإن النية لا مدخل لها في اعتقاد السامع ألبتة؛ لأنها أمر باطني لا يطلع عليه. فإن قلت: كيف يصح أن تقول أنت والإمام: أن النية مخصصة، مع أن الحكم ما وقع في العام المخصوص عامًا فقط، وإنما وقع خاصًا، وإذا كان العموم لم يحصل ألبتة، كيف يحصل التخصيص، فإنه فرع التعميم، وانتفاء الأصل موجب لانتفاء الفرع، فلا تكون النية مخصصة أصلًا. قلت: جعلنا النية مخصصة ليس باعتبار أن العموم حصل في نفس الأمر والنية رفعته، ولو كان كذلك، لكان ذلك نسخًا، بل معنى كونها مخصصة أن مقتضى التعميم وجد، والنية أخرجت منه- باعتبار ما يقتضيه الوضع- بعض أفراده، لا أنها أخرجت بعض ما قصده المتكلم أو بعض ما يثبت في نفس الأمر، (بل بعض ما وجد مقتضي ثبوته، لا وجوده في نفسه)، فقد صرفت لفظ العموم عن أن يثبت بسببه عموم الحكم، ولذلك يسمى الدليل المخصص مخصصًا، وإن كان مقارنًا مانعًا من حصول اعتقاد السامع العموم، لكنه لما وجد مقتضى اعتقاده للعموم وكان ذلك الدليل مانعًا من حصول ذلك الاعتقاد مع وجود موجبه، كان ذلك مخصصًا بالإرادة والدليل (الدال السامع على) تلك الإرادة سواء في ذلك. * *

стр. 546

الباب التاسع عشر في جواز التخصيص ومسائله وفيه سبع مسائل: - المسألة الأولى: في إطلاق العام لإرادة الخاص. - المسألة الثانية: ما يجوز تخصيصه من اللفظ وما لا يجوز. - المسألة الثالثة: الغاية التي يمكن أن ينتهي تخصيص العموم إليها. - المسألة الرابعة: أقوال العلماء في العام الذي دخله التخصيص هل هو مجاز أم لا؟ - المسألة الخامسة: أقوال العلماء في التمسك بالعام المخصوص. - المسألة السادسة: تأخير البيان عن وقت الخطاب وأقوال العلماء في إرادة العموم من ظاهر اللفظ. - المسألة السابعة: الوقت الذي لا يجوز للمجتهد أن يحكم بموجب العموم.

стр. 547

المسألة الأولى: يجوز إطلاق العام لإرادة الخاص، خلافًا لقول. والدليل على جوازه أمران: أحدهما: وقوعه في القرآن (في القرآن)، كقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾، فهو خبر، والمراد من الأشياء الممكنة خاصة، والخاصة ليست مرادة بالخلق في حالة من الحالات، فكأن العام أطلق وصرف عن بعض أفراده، وهو المطلوب. والأمر، كقوله تعالى: ﴿وقولوا للنا حسنا﴾، والناس الماضون قبل زمن هذا الخطاب ليسوا مرادين بهذا الخطاب أصلًا، بل المتكلم أراد خروجهم عن حكم هذا الخطاب، ويقال في العرف: جاءني كل الناس، والمراد: كثير منهم. وثانيهما: أن الدليل دل على حسن المجاز لغة، وهو اشتماله على محاسن الكلام ومزاياه، ورقته، وحسن تلقيه عند النفوس، وهذا أصل المجاز، واتفقوا على أن هذا المجاز من أرجح أنواع المجاز، فليجز بطريق الأولى. احتجوا أنه إذا أريد بالخبر العام بعضه أوهم الكذب، ولو كان جواز حمله على التخصيص مانعًا من كونه كذبًا، لما وجد في الدنيا كذب، ودخول التخصيص في الأمر يوهم البداء.

стр. 548

والجواب: أنا إذا علمنا أن اللفظ في أصله يحتمل التخصيص، فقيام الدلالة على وقوعه يمنع من اعتقاد الكذب والبداء، وقبل قيام الدليل على التخصيص لا يعتقد تخصيصًا، فلا كذب، ولا بداء، وحينئذ لا كذب ولا بداء في الحالين، فاندفع المحذوران. ثم إن حقيقة الكذب - كما تقدم تقريرها-: هي عدم مطابقة اللفظ لما استعمل اللفظ فيه، واللفظ المخصوص مطابق لما استعمل فيه اللفظ العام، فاحتمال التخصيص لا يوهم كذبًا، بل يوهم المجاز، وهو ليس بكذب، والبداء هو: أن يخبر عن شيء، ثم يبدو له في ذلك الذي أمر به، وإذا دخل التخصيص، كان البعض المراد الذي أمر به في نفي الأمر ولم يرجع المتكلم عنه، فلا بداء أيضًا على التقدير، فلا يكون احتمال التخصيص موهمًا للبداء، بل/ موهمًا أن يكون المراد غير العموم، وذلك مجاز لا بداء. المسألة الثانية: فيما يجوز تخصيصه من اللفظ وما لا يجوز. أعلم أن اللفظ الدال على الواحد من كل وجه، لا يمكن دخول التخصيص فيه ولا يجوز؛ لان التخصيص: إخراج بعض مدلول اللفظ عنه، وما لا بعض له لا يتصور إخراج بعضه. والذي يتناول ماله بعض قسمان: أجزاء، وجزئيات، فالأجزاء في المركبات، والجزئيات في الأجناس والأنواع، فإذا دخلت عليها صيغ العموم تصور التخصيص وجاز. مثال الأجزاء قولنا: رأيت زيدًا، ويريد بعض أعضائه، أو: أكلت الرغيف، وتريد نصفه.

стр. 549

وأما الجزئيات فأقسام: أحدها: أن يكون عمومه من جهة اللفظ، وهو صيغة العموم، ويصح تطرق التخصيص إليه، كما تقدم. وثانيها: مفهوم الموافقة، كدلالة حرة التأفيف على حرمة الضرب، والتخصيص فيه إذا لم يعد بالنقض الملفوظ، مثل: تقييد الأم إذا فجرت، وضرب الوالد إذا ارتد، فإن إباحة هذين التأديبين لهذين الشيئين الخاصين لا ينافي أن (تحريم التأفيف) من غير سبب يقتضي التأديب، (يقتضي تحريم الضرب من غير سبب)، لجواز الاحترام مطلقًا عند عدم الأسباب، وثبوت الإهانات عند وجود الأسباب، أما إذا عاد على أصله بالنقض، فلا يجوز، مثل: أن يباح ضرب الوالدين أو شتمهما من غير سبب مع تحريم التأفيف، فإن ذلك يناقض تحريم التأفيف. وثالثها: مفهوم المخالفة، فإنه يفيد في المسكوت (عنه) انتفاء حكم المذكور، ويجوز أن تقوم الدلالة على ثبوت مثل حكم المنطوق لبعض المسكوت عنه، كما دل الحديث على وجوب الغسل عند التقاء الختانين، وهو من جملة المسكوت عنه في مفهوم قوله ﵊: "إنما الماء من الماء".

стр. 550

ورابعها: العلة الشرعية، تشمل جزئيات كثيرة، وتندرج مع هذه الأقسام في أنه تخصيص من جهة المعنى دون اللفظ، وهل يجوز تخصيصها أم لا؟ أربعة أقوال. ثالثها: الفرق بين المنصوصة/ فيجوز، وبين المستنبطة فلا يجوز. ورابعها: الفرق بين أن يوجد في صورة اللفظ فرق فيجوز، وبين ألا

стр. 551

يوجد فلا يجوز، والجمهور على جوازه في المنصوصة مطلقًا، وفي المستنبطة مع الفرق. المسألة الثالثة: في الغاية التي يمكن أن ينتهي تخصيص العموم إليها: قال الإمام فخر الدين في المحصول: اتفقوا في ألفاظ العموم، في الاستفهام والمجازاة، على جواز انتهاء التخصيص فيها إلى الواحد، واختلفوا في الجمع المعرف (بالألف واللام)، فزعم القفال أنه لا يجوز تخصيصه بأقل من الثلاثة، ومنهم من جوز انتهاءه إلى الواحد، ومنع أبو الحسين من ذلك في جميع ألفاظ العموم، واوجب أن يراد بها كثرة وإن لم (يعلم) قدرها، إلا أن تستعمل في الواحد المعظم، على سبيل التعظيم، فإن ذلك يجرى مجرى الكثير، قال الإمام فخر الدين: وهو الأصح، أما انه لا بد من بقاء الكثرة، فلأن الرجل لو قال: أكلت كل ما في الدار من الرمان، وكان فيها ألف، وكان قد أكل رمانة واحدة أو ثلاثة عابه أهل اللغة، ولو قال: كل

стр. 552

من دخل داري أكرمته، ثم قال: أردت به زيدًا وحده، عابه أهل اللغة أيضًا. احتج من جوز ذلك: بأن استعمال العام في غير الاستغراق، استعمال له في غير موضعه، وليس استعماله في البعض أولى منه في البعض الآخر، فوجب استعماله في جميع الأقسام إلى أن ينتهي إلى الواحد، وهو المطلوب. والجواب: لا نسلم أنه ليس بعض المراتب أولى من بعض، بل العرف في الاستعمال اللغوي يحسن الكثرة من حيث الجملة، فالكثرة من حيث الجملة هي أرجح من القلة، فدعوى عدم الأولوية باطل بالعرف، وأما انه يجوز استعماله في حق الواحد على سبيل التعظيم، فكما تقدم في قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾، ﴾ أم يحسدون الناس﴾، وقد تقدم كلام العلماء في ذلك. تنبيه: نص العلماء على عمومات يتعلق بها حكم في التخصيص أشد مما تقدم؛ لأجل قرائن تحتف بها، قال الغزالي في المستصفى: العموم منقسم إلى قوي يبعد عن قبول التخصيص/ إلا بدليل قاطع أو كالقاطع، وإلى ضعيف. مثال القوي: قوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ... الحديث وقد حمله أبو حنيفة على

стр. 553

الأمة، فمنع من قبول قوله بهذا التخصيص قوله ﵊: ""فلها" مهر المثل بما استحل من فرجها"؛ لأن مهر الأمة للسيد عند الحنفية والشافعية فلما ورد عليهم هذا السؤال عدوًا إلى الحمل على المكاتبة. قال الغزالي: وهذا تعسف؛ لأن العموم قوي، والمكاتبة نادرة بالإضافة إلى النساء، وليس من كلام العرب إرادة النادر الشاذ باللفظ، الذي ظهر منه قصد العموم، إلا بقرينة تقترن باللفظ، حتى يصلح لتنزيله على صورة نادرة. ودليل قصد العموم بهذا اللفظ أمور:

стр. 554

(الأول): أنه ﵊ صدر الكلام بـ "أي" وهي من كلمات الشرط ولم يتوقف في عموم أدوات الشرط جماعة ممن توقف في صيغ العموم. الثاني: أنه أكده بـ "ما"، فقال: "أيما"، وهي من المؤكدات المستقلة بإفادة العموم أيضًا. الثالث: أنه قال: "فنكاحها باطل"، رتب الحكم على الشرط في معرض الجزاء، وذلك أيضًا يؤكد قصد العموم، ونحن نعلم أن العربي الفصيح لو اقترح عليه بأن يأتي بصيغة دالة على قصد العموم مع الفصاحة والجزالة، لم تسمح قريحته بأبلغ من هذه الصيغة، ونعلم قطعًا أن الصحابة، رضوان الله عليهم، لم يفهموا من هذه الصيغة المكاتبة، وأنا لو سمعنا واحدًا منا يقول لغيره: أيما امرأة رأيتها اليوم فأعطها درهمًا، لا يفهم منه المكاتبة، ولو قال: أردت المكاتبة، نسب إلى الألغاز، والهزو، ولو قال: أيما إهاب دبغ فقد

стр. 555

طهر، ثم قال: أردت به الكلب أو الثعلب على الخصوص (نسب إلى اللكنة والجهل باللغة، ثم لو أخرج الكلب أو الثعلب، لم يشكر ذلك) في اللغة. وكذلك لو قال المريض لغلامه: لا تدخل على الناس، ثم أدخل عليه جماعة من الثقلاء، ثم قال: إن لفظ الناس ليس نصًا في الاستغراق، فأخرجت هذا القبيل منه، لوجب/ تعزيز هذا العبد. ويقرب من هذا الباب قوله ﵊: "من ملك ذا رحم (محرم) عتق عليه"؛ إذ خصصه بعض الشافعية بالآباء، وهذا بعيد، لأن الأب يختص بخاصية، تتقاضى تلك الخاصية التنصيص عليها فيما يوجب الاحترام، فالعدول عن لفظ الخاص به إلى لفظ يعم، قريب من الالتباس

стр. 556

والإلغاز، ولا يليق بمنصب الشارع، ذلك إلا إذا اقتربت به قرينة معرفة، ولا سبيل إلى القرائن من غير ضرورة، ولو صح هذا الحديث لعمل به الشافعي ﵁، لكن قال الشافعي الحديث موقوف على الحسن بن عمارة ومثال العموم الضعيف قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر"، فقد ذهب بعض القائلين بصيغ العموم إلى أن هذا لا يحتج به في إيجاب العشر في الخضروات؛ لأن المقصود منه الفرق والفصل بين العشر ونصف العشر، وبيان الجزء الواجب، لا بيان الواجب فيه. والقاعدة: أن الكلام إذا سيق لمعنى، لا يكون حجة في غيره؛ لأن المتكلم معرض عنه، قال الغزالي وهذا فيه نظر عندنا؛ إذ لا يبعد أن يكون كل

стр. 557

واحد مقصودًا، وهو إيجاب العشر في جميع ما سقت السماء؛ لأن اللفظ عام، فلا يزول ظهوره بمجرد الوهم، لكن يكفي في التخصيص أدنى دليل، ولم يوجد ذلك الأدنى فوجب التعميم في الواجب والواجب فيه. قلت: قول الشافعي ﵁ هو المتجه؛ لأن قرينة كون الكلام سيق لبيان الجزء الواجب، لا لبيان الواجب فيه، دليل على اعتراض المتكلم عن الواجب فيه، وما المتكلم معرض عنه، هو مثل غير المنطوق به، وغير المنطوق به لا عموم فيه، فكذلك ما أعرض عنه المتكلم ولم يتجه إليه، فهذه القرينة دليل قوي على التخصيص، فوجب القول بسقوط الاستدلال به على التعميم. مسألة: قال الغزالي في المستصفى: قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربي﴾، فقال أبو حنيفة رحمة الله/: تعتبر

стр. 558

الحاجة مع القرابة، ثم جوز حرمان ذوي القربى، فقال الشافعية: هذا تخصيص باطل، لا يحتمله اللفظ، لأنه أضاف المال إليهم بلام التمليك، وعرف كل جهة بصفة، وعرف هذه الجهة في الاستحقاق بالقرابة، وأبو حنيفة ألغى القرابة المذكورة، واعتبر الحاجة المتروكة، وهذا بعيد عن هذا اللفظ. قال الغزالي: وهذا عندي في محل الاجتهاد، وليس فيه إلا تخصيص عموم لفظ ذوي القربى بالمحتاجين منهم، كما فعله الشافعية على أحد القولين في اعتبار الحاجة مع اليتم، في سياق هذه الآية. فإن قال: لفظ اليتم ينبئ عن الحاجة، فلا يحمل عليه قوله ﷺ : "لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر"، فإن قرينة إعطاء المال هي المنبهة على اعتبار الحاجة مع اليتم. فله أن يقول: واقتران ذي القربى باليتامى والمساكين قرينة دالة أيضًا على ذلك، وإنما دعا إلى ذكر القرابة كونهم محرومين من الزكاة حتى يعلم أنهم

стр. 559

ليسوا بمحرومين من هذا المال، فهذا تخصيص لو دل عليه دليل لوجب قبوله، فليس ينبو عنه اللفظ نبوة حديث النكاح بلا ولي، وأنه أريد به المكاتبة. مسألة: قوله ﵊: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، حملة أبو حنيفة على القضاء والنذر، وقال الشافعية: قوله ﵊: "لا صيام" لفظ عام لا يسبق منه إلى الفهم إلا الصوم الأصلي الشرعي، وهو الفرض والتطوع، ثم التطوع غير مراد، فلم يبق إلا الفرض، الذي هو ركن الدين، وهو صوم رمضان، فأما القضاء والنذر فيجب بأسباب عارضة، ولا تذكر بذكر الصوم مطلقًا، ولا تخطر بالبال، بل تجري مجرى النادر كالمكاتبة في مسألة النكاح. قال الغزالي: وهذا عندي فيه نظر؛ إذ ليس ندور القضاء والنذر كندور المكاتبة، وإن كان الفرض أسبق منه إلى الفهم،

стр. 560

فيحتاج مثل هذا التخصيص إلى دليل قوي، وليس ظهور بطلانه كظهور بطلان التخصيص بالمكاتبة، وعند هذا يعلم أن إخراج النادر قريب، والقصر على النادر ممتنع، وبينهما درجات متفاوتة في القرب والبعد، لا تدخل تحت الحصر، ولكل مسألة ذوق يجب أن يفرد بنظر خاص. قلت: وافق الغزالي على هذه المباحث إمام الحرمين في البرهان، والشيخ سيف الدين في الإحكام الموضوع في أصول الفقه، وجماعة من الأصوليين، ونبهوا على استبعاد هذه التخصيصات ونظائرها وإذا حصل المنع في التخصيص بالمكاتبة، وهي فرع من النساء، تحته أفراد غير متناهية، وهو عموم في نفسه، وإذا امتنع التخصيص مع بقاء ما لا يتناهى من أفراد العموم، أولى أن يمتنع من الثلاثة ونحوها، وهذه القاعدة تقضي على تلك النقول المتقدمة بالتخصيص، وأن مراد القائلين بجواز التخصيص إلى الواحد، إنما هو بعض المنصوص، وهي التي لم تختلف بها قرائن مؤكدة للعموم، أما ما اختلف بها ذلك، فلا يريدونه بتلك الأقوال وما نقلت هذه المباحث وهذه المسائل إلا للتنبيه على ذلك. المسألة الرابعة: العام الذي دخله التخصيص هل هو مجاز أم لا؟ قال الإمام فخر الدين في المحصول: اختلفوا في العام الذي دخله

стр. 561

التخصيص هل هو مجاز أم لا؟ فقال قوم من الفقهاء: إنه لا يصير مجازًا كيف كان التخصيص، وقال أبو علي وأبو هاشم: يصير مجازًا كيف كان التخصيص، ومنهم من فصل، وذكروا وجوهًا. قال: والمختار قول أبي الحسين، ﵀، وهو: أن القرينة المخصصة إن استقلت بنفسها صارت مجازًا، وإلا فلا. تقريره: أن القرينة المخصصة المستقلة ضربان، عقلية، ولفظية. أما العقلية: فكالدلالة الدالة على أن (غير) القادر غير مراد بالخطاب، بناء على منع تكليف ما لا يطاق، وإلا فكالدلالة الدالة على أن واجب الوجود لذته لا يتعلق بع تأثير القدرة، فيخصص في قوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾. وأما اللفظية، فيجوز أن يقول المتكلم بالعام: أردت به البعض الفلاني/ دون غيره. وفي هذين القسمين يكون العموم مجازًا، والدليل عليه: أن اللفظ موضوع في اللغة للاستغراق، فإذا استعمل هو بعينه في البعض، فقد صار اللفظ مستعملًا في غير مسماه، لقرينة مخصصة، وذلك هو المجاز

стр. 562

فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: لفظ العموم وحده حقيقة في الاستغراق، مع القرينة المخصصة حقيقة في الخصوص. قلت: فتح هذا الباب يقتضي ألا يكون في الدنيا مجاز أصلًا؛ لأنه لا لفظ ألا ويمكن أن يقال: إنه وحده حقيقة في كذا، ومع القرينة حقيقة في المعنى الذي جعل مجازًا فيه، والكلام في أن العام المخصوص بقرينة مستقلة بنفسها، هل هو مجاز أم لا؟ فرع على ثبوت أصل المجاز. فأما إن كانت القرينة لا تستقل بنفسها نحو الاستثناء، والشرط، والصفة كقول القائل: جاءني بنو أسد الطوال، فها هنا لا يصير مجازًا، والدليل عليه أن لفظ العموم حال انضمام الشرط أو الاستثناء أو الصفة إليه، لا يفيد البعض؛ لأنه لو أفاده ما بقي شيء يفيده الشرط والصفة والاستثناء، فإذا لم يفد البعض استحال أن يقال: إنه مجاز في إفادة البعض، بل المجموع حاصل من لفظ العموم، ولفظ الشرط، أو الصفة، أو الاستثناء، دليل على ذلك البعض، وإفادة ذلك المجموع لذلك البعض حقيقة. قلت: قد تقدم بيان أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، وإذا استحضرت ذلك استحضارًا جيدًا، علمت أن إلحاق الصفة للعموم مقيدة لتلك الحال، لا مخصصة، وكذلك الغاية والشرط، وأما الاستثناء فإن إخراج بعض الأفراد في جميع الأحوال كقولنا: أكرم القوم إلا زيدًا فلا تكرمه في حالة ألبتة، كان مخصصًا متصلًا، إن جعلنا التخصيص جنسًا والاستثناء نوعه، وإن جعلناه مباينًا بالكلية- كما تقدم تحريره في حد التخصيص- امتنع أن يكون مخصصًا ومعدودًا من المخصصات، لا المتصلة

стр. 563

ولا غيرها، وإن كان الاستثناء أخرج في حالة من الحالات كقولنا: اقتلوا المشركين إلا أهل/ الذمة، فهذا تقييد أيضًا، لا تخصيص، وقد تقدم الفرق بين المخصص والمؤكد، والمقيد والأجنبي. وإذا سلم له أن هذه الأمور مخصصة، لزم أن يكون اللفظ مجازًا، خلافًا لما قاله، بسبب أن اللفظ وضع للكلية، وقد استعمل في الجزئية، فيكون مستعملًا في غير ما وضع له، فيكون مجازًا. وأما قوله: إن لفظ العموم حالة انضمام هذه المخصصات المتصلة، لا يفيد البعض، لأنه لو أفاده، ما بقي شيء يفيده الشرط والصفة والاستثناء، فنحن ندعي أن لفظ العام من حيث هو هو، يفيد الكلية، وإنما المخصص متصلُا كان أو منفصلًا عارضه في بعضه، وإذا كان مفيدًا للكلية، كان مفيدًا للجزئية جزمًا. وأما قوله: لو أفاده، ما بقي الشرط يفيد شيئًا. قلنا: الشرط وغيره إنما أفاد على التحقيق قيدًا في الحالة المطلقة؛ لأن العام مطلق في الأحوال، وإذا قلنا: إنه مخصص، فهو مفيد إخراج بعض العموم، والبعض المخرج ليس اللفظ مجازًا فيه، إنما هو مجاز في البعض الباقي من الكلية من حيث هو كلية، وزادته هذه المخصصات صفة زائدة، وإذا قال: أكرم بني أسد الطوال، ازداد في البعض التنصيص على الطول،

стр. 564

وقبل ذلك لم يكن الطول معتبرًا في من يكرم، حتى أنه بعد التخصيص إن لم يوجد الطول، لم يتوجه الإكرام لأحد من بني أسد، وكان قبل ذلك متوجهًا باعتبار الطول والقصر، وأي حالة فرضت على البدل من الأجزاء. وأما قوله: إن إفادة ذلك المجموع لذلك البعض حقيقة. فهو ممنوع لوجهين: أحدهما: أن العرب لم تضع المركبات، ولذلك قال: إن المجاز المركب عقلي، كما نص عليه في المحصول، وإذا لم تضع المركبات امتنع أن يقال: المركبات حقيقة أو مجازًا، إذ الحقيقة والمجاز فرع الوضع، والمهملات لا توصف بهما. وثانيهما: أنا وإن سلمنا أن العرب وضعت المركبات، غير أن ذلك إنما قيل به في الكليات، دون الجزئيات، فوضعوا باب الفاعل، والمفعول، من حيث الجملة، وباب إن واسمها وخبرها، (وباب كان واسمها وخبرها)، وأما خصوص هذا الاسم الذي/ هو زيد ونحوه، فلا يتصور الوضع فيه؛ لأنه لم يكن في زمان الواضع حتى يتصور ويضع له، ولذلك وضعوا باب الصفة والموصوف من حيث الجملة، أما أنا نقول: إن بني أسد الطوال مجموع هاتين اللفظتين وضعتا لشيء، فليس كذلك، بل خصوص هاتين مهمل، وإنما الوضع في الصفة والموصوف من حيث الجملة، وإذا كان مهملًا، امتنع أن يكون حقيقة أو مجازًا؛ لأن الحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له، وذلك فرع الوضع، فما لا وضع فيه لا حقيقة فيه، والمجاز: اللفظ المستعمل في غير ما

стр. 565

وضع له، والمغايرة للوضع فرع الوضع، فحيث لا وضع لا مجاز ولا حقيقة. تنبيه: قال الإمام فخر الدين ﵀: إذا قال الله: اقتلوا المشركين، فقال النبي ﷺ في الحال- "إلا زيدًا"، فهل هذا تخصيص بدليل منفصل، لتعدد القائل، أو متصل لاتصال الزمان؟ فيه احتمال. قال: والذي يظهر لي أنه منفصل، فإن رسول الله ﷺ إنما يقول: "إلا زيدً" بإذن الله تعالى له في ذلك، فإنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، وإذن الله تعالى في ذلك كالكلام بالاستثناء، ثم إن الاستثناء المتصل إنما جعل مع الأصل كلامًا واحدًا؛ لكونه لا يستقل بنفسه، ولما اتصل بما هو مستقل بنفسه، صيره غير مستقل بنفسه، وهذا موجود فيه، كان من متكلم واحد أو من متكلمين، فيكون متصلًا. وقد وقع في كتاب "الاستغناء في أحكام الاستثناء"، وهو كتاب كبير وضعته في الاستثناء خاصة، فيه أحد وخمسون بابًا -أن هذا الاستثناء إذا وقع على هذه الصورة ينبني عليه فرع، وهو ما إذ قال الله تعالى: صوموا عشرة أيام فقال رسول الله ﷺ إلا ثلاثة، فإن قلت: الأول متصل، جاز هذا الكلام، وإن قلنا: الأول منفصل امتنع أن يكون هذا كلامًا عربيًا؛ لأن مدرك الانفصال -كما تقدم- تعدد المتكلم، وأنه بسبب ذلك يصير المجموع كلامين، فيكون الأول قد استعمل اللفظ الموضوع للعشرة في السبعة مجازًا، من باب إطلاق لفظ الكل على الجزء، وذلك/ لا يجوز في أسماء الأعداد؛ لأنها
следующие страницы →