Полный текст (844 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
واختلفت عبارات العلماء في تقرير هذا المثال، فمنهم من يقرره بقوله: تقدير الكلام إلا قيمة ثوب، فيجعله من باب الإضمار والحذف، ومنهم من يقدره بالمجاز ويقول: عبر بالثوب عن قيمته، فلا يكون في المجاز حذف حينئذ، ويتعارض حينئذ في هذا المقام (المجاز) والإضمار، والمجاز أرجح، لأنه أكثر من الكلام.
فهذه مثل الاستثناء الثلاثة، من المطابقة والتضمن والالتزام، والعسر فيها هو التضمن، والأخيرتان قريبتان، خصوصا المطابقة.
والاستثناء من اللوازم، هو مذهب الشافعي ومالك ﵄، وحكاه إمام الحرمين عن الشافعي، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن مالك، قال إمام الحرمين: هو تعبير بالثوب عن قيمته ولم يستغرق الألف.
قال الإمام في البرهان: ومنع أبو حنيفة ذلك، وجوز استثناء
стр. 632
المثلى بعضه من بعض، وإن اختلفت أجناس التأويل الذي ذكره الشافعي في الثوب، واستثنى الموزون من المكيل والمكيل من الموزون.
واختار أبو الحسين في المعتمد، والمازري في (شرح) البرهان: أن هذا من باب المضاف المضمر، وتقديره: قيمة ثوب.
الفائدة السادسة: لا يشترط في المتصل استواء اللفظين، بل لابد وأن يكون الأول شاملا بلفظ يصدق مسماه على الجميع، فإذا قلت: رأيت الحيوان إلا الإنسان، كان متصلا، لشمول لفظ الحيوان الأول له، وإن اختلف اللفظ لا يضر، وإن كان الأول لا يشمل، كقولك: رأيت الإنسان إلا فرسا، والحيوان إلا ثيابا، / كان منقطعا. (١٥٣/ أ)
فهذان قسمان متميزان، شاملا مطلقا، وغير شامل مطلقا، يتصور فيه قبول الشمول، وعدم الشمول كقولك: رأيت الحيوان إلا الأبيض، فالحيوان يقبل أن يكون أبيضا وغير أبيض، والأبيض يقبل أن يكون حيوانا وغير حيوان فكل واحد منهما أعم وأخص من وجه.
والمثالان الأولان أحدهما أعم مطلقا، والآخر مباين مطلقا، فهذا القسم موضع نظر، هل ينظر إلى وجه العموم، ويقضى بأنه متصل، أو إلى وجه التباين فيقضى بأنه منقطع؟
الملائكة مع المأمورين من هذا القسم، فإن الملك قد يكون مأمورا وقد لا يكون من حيث التصور العقلي، والملك يقبل ألا يكون ملكا ويقبل أن يكون، فتأمل ذلك! وهو من مواضع النظر، هل يكون منقطعا أو متصلا؟ وبهذا
стр. 633
التقدير، يمكن أن يقال أيضا: السلام يمكن أن يقع لغوا وغير لغو، واللغو يقع سلاما وغير سلام، فيكون متصلا من هذا الوجه؛ لأن كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، فهذه المثل التي وقعت في القرآن من القسم الثالث.
وقد يتفق اللفظ في الاستثناء مع اتفاق المعنى واختلافه، فتقول: قبضت الدراهم إلا درهما، ورأيت العيون إلا عينا، فيتفق المعنى واللفظ، غير أن اللفظ المشترك فيه تقسيم ونظر آخر، وهو إذا قلت: رأيت العيون إلا عينا، إذا أردت بالعيون استعمال اللفظ في أحد مسمياته واستثنيت منه، كان استثناؤك متصلا، أو من غيره كان استثناؤك منقطعا، وإن استعملت اللفظ في جميع مسمياته -على حد القولين في جوازه- فهل يكون استثناؤك متصلا؛ لحصول الشمول في اللفظ، وأنك أخرجت بعض ما تناوله اللفظ ومما هو قبل إلا، أو هو منقطع؛ لأن المتصل المتفق على أنه متصل هو إخراج بعض جنس واحد، وهذه حقائق وأجناس مختلفة أخرجت بعضها، فيكون منقطعا؟ فهذا موضع نظر.
ويتحصل من هذه المباحث أن الاستثناء يقع على سبعة أقسام، أحدها: متفق اللفظ والمعنى، وثانيها: مختلف اللفظ والمعنى، وثالثها: مختلف اللفظ متحد المعنى، والمستثنى منه أعم مطلقا، فمتصل، / (١٥٣/ ب) ورابعها: (أن) يكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه، فهو موضع الاحتمال، وخامسها: اتحاد اللفظ وهو مشترك، وقد استعمل في أحد مسمياته واستثنى منه، فهو متصل، وسادسها: أن يقصد بالاستثناء من غير الجنس الذي استعمل فيه اللفظ، واللفظ مشترك، فهو منقطع، وسابعها: أن يستعمل اللفظ المشترك
стр. 634
في جميع مسمياته ويستثنى من بعض تلك الأجناس، أو بعضها فهي موضع نظر.
الفائدة السابعة: وهي تفريع على هذه الفائدة السادسة، قال الشيخ أبو عمرو ﵀: قد يستثنى بعض أفراد جنس، ويكون الاستثناء منقطعا، كقولك: رأيت إخوتك إلا زيدا، وأنت تريد بلفظ الأخوة الطوال منهم، على سبيل المجاز، واستعمال لفظ العموم في الخصوص، ويكون "زيدًا" الذي استثنيته قصيرا، فيكون الاستثناء منقطعا؛ لأن القصر ليس من جنس الطوال؛ بسبب تخصيص الأخوة (بإرادتك) الطوال.
ولولا هذه النية المخصصة، لكان الاستثناء متصلا؛ لأن زيدا من جملة الأخوة جزما، فهذا استثناء غريب من الاستثناء المنقطع، فتأمله.
ومباحث الاستثناء كثيرة جدا، تحتمل مجلدا عظيما يكتب فيها، وقد جمعت فيها مجلدا كبيرا اشتمل على أحد وخمسين بابا، وأربعمائة مسألة، جميع ذلك في الاستثناء، لم يخالطه غيره، وسميته: "كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء".
* * *
стр. 635
المسألة الرابعة
فيما اتصل إليه الاستثناء في الكثرة والقلة
حكى جماعة من المصنفين الإجماع على فساد الاستثناء المستغرق، كقولنا: له عندي عشرة إلا عشرة؛ لأنه يؤدي إلى اللغو في الكلام، ووقع لابن طلحة الأندلسي في كتابه المسمى بالمدخل في الفقه، إذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، فهل يلزمه الثلاث أم لا؟ قولان: فالقول بلزومها؛ بناء على بطلان استثنائه، والقول بعدم لزومها (وهو) الذي يظهر أنه بناء على صحة استثنائه. وعلى هذا النقل وهذا التأويل يكون الإجماع باطلًا؛ لوجود هذا الخلاف في المسألة، أو يكون هذا الخلاف باطلًا/ (١٥٤/ أ)؛ لأنه مسبوق بالإجماع، وهو الأقرب، وعلى القول باعتبار هذا الخلاف يكون في المسألة خمسة أقوال: يجوز الكل من الكل، وهو المستغرق، وهو القول المتقدم. لا يجوز المستغرق ويجوز الأكثر. لا يجوز الأكثر ويجوز المساوي، لا يجوز المساوي ويجوز
стр. 636
الأقل. لا يجوز الأقل ويجوز الكثير، فهو عقد.
وها أنا أسرد نصوص العلماء وحججهم في ذلك:
قال الإمام فخر الدين في المحصول: أجمعوا على فساد الاستثناء المستغرق.
ومن الناس من قال: يشترط ألا يكون أكثر مما بقي، بل يجب كونه مساويا أو أقل.
وقال القاضي: شرطه أن (لا) يكون أكثر مما بقي، ولا مساويا، بل أقل.
وقال الشيخ سيف الدين الآمدي في الإحكام: منع بعض أهل اللغة استثناء عقد، فلا يجوز: له عندي عشرة إلا خمسة، ولا: إلا واحدا، بل لا يجوز إلا: له عندي عشرة إلا نصف واحد، وغير ذلك من أجزاء الواحد. ويجوز: له مائة إلا خمسة، ولا يجوز: إلا عشرة؛ لأن نسبة الواحد للعشرة كنسبة العشرة للمائة، وكنسبة المائة للألف، ولا يجوز أن يقول: له ألف إلا مائة؛ لأنها عقد صحيح بالنسبة إلى الألف، بل لا يستثني إلا بعض المائة نحو: إلا خمسين ونحو ذلك، وأما عقد كامل فلا يجوز ألبتة.
стр. 637
قال المازري: وهؤلاء منعوا: له عندي عشرة إلا ثلاثة؛ لأنه ليس كسرا، وإنما جاز عندهم قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾؛ لأنه كسر، وأجمع الفقهاء على (أن) قوله: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، أنه لا يلزمه إلا اثنتان، فيكون ذلك حجة عليهم، وكذلك يجري الخلاف في: عشرة إلا واحدا، ونحو ذلك، فإنه ليس بكسر.
وهذا القائل لم يجد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ إلا الكثير الذي ادعاه، وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا)، فاستثنى واحدا وهو بعض عقدة؛ لأن عقد المائة عشرة، والواحد بعضه. قال الشيخ شمس الدين الأبياري في شرح البرهان: إن مذهب القاضي هو
стр. 638
(١٥٤/ ب) مذهب سيبويه/ والخليل، والنضر بن شميل، وجماهير النحويين.
وقال الغزالي في المستصفى: قال كثير من أهل اللغة: لا يجوز استثناء عقد، فلا يجوز مائة إلا عشرة، ولا: عشرة إلا درهما، بل مائة إلا خمسة، وعشرة إلا دانقا، ونحو ذلك.
والإجماع في فساد الاستثناء المستغرق نقله الغزالي في المستصفى، وقال شرف الدين التلمساني ...................
стр. 639
في شرح المحصول: الإجماع بعيد مع خلاف أحمد بن حنبل في المسألة، فإنه منع الأكثر، وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتاب العمدة في أصول الفقه: لا يصح استثناء الأكثر عندنا، ونص عليه الخرقي في كتاب
стр. 640
الإقرار في الفروع، وذكر بطلانه في مذهب أحمد، وأنه إذا قال له عندي عشرة إلا تسعة، أنه يلزمه عشرة لبطلان استثنائه، وابن حنبل من أجل الفقهاء، والإجماع دونه لا ينعقد.
وقال ابن جني في كتاب الجامع، وأبو إسحاق الزجاج في كتاب المعاني كما قال الخرقي.
ونقل المازري قول الخرقي عن عبد الملك بن الماجشون، وهو يؤكد بطلان الإجماع.
حجة جواز الأكثر: قال الإمام فخر الدين: يدل على بطلان القول باشتراط الأقل والمساوي إجماع الفقهاء على أن القائل إذا قال: له عندي عشرة
стр. 641
إلا تسعة، أنه لا يلزمه إلا واحد، ولولا أن هذا الاستثناء صحيح لغة وشرعًا، وإلا لما صح ذلك، وقد تقدم ما على هذا الإجماع.
قال فخر الدين: ويدل على فساد اشتراط الأقل، وهو مذهب القاضي ومن تقدمت الحكاية عنه في موافقته قوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾، وقوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾، فلو كان المستثنى أقل من المستثنى منه لزم في اتباع إبليس وفي المخلصين أن يكون (كل) واحد منهما أقل من الآخر، وذلك محال؛ لأن المستثنى منه في إحدى الآيتين قد جعل بعينه هو المستثنى، فإن كان الباقي بعد الاستثناء يشترط فيه أن يكون أكثر، فهذا الأكثر قد جعل مستثنى في الآية الأخرى، فقد استثنى الأكثر، وإن كان الباقي بعد الاستثناء/ يشترط فيه أن يكون مساويا، فقد جعل مستثنى في الآية الأخرى، فقد استثنى المساوي. (١٥٥/ أ)
والاستدلال بمجموع الآيتين مدرك قوي جدا في بادئ الرأي، غير أنه باطل من وجهين:
أحدهما: أن للقاضي أن يقول: إن الاستثناء إنما شرع في الكلام لإخراج ما عساه (أن) لا يشعر به المتكلم، وذلك إنما يكون في غاية الندرة والقلة؛ لأن الاستثناء يصير الكلام منقضا باطلا فيما استثنى، وهذان المدركان لا يوجدان في الآيتين؛ لأن الإقدام على الهذر من القول وبطلان الكلام وإخراج المستثنى، إنما يتحقق حالة الخطاب، وكون الخارج معلوما
стр. 642
حينئذ، وأن المتكلم مقدم عليه مع العلم به وحالة قول إبليس ذلك (لم يكن) في ظاهر الحال يعلم المخلصين منهم من غيرهم، فلو ظهر الكل مخلصين، لم يكن في عرف الاستعمال مقدما على الهذر من الكلام، ولا ناقضا لقوله.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إلا من اتبعك﴾، فهو معلوم للخلق حينئذ، وإن كان الله تعالى يعلم المتبع بعينه من غير المتبع.
غير أن خطاب الله تعالى يجري على القانون العرفي، فكل ما تكلم به العرب وكان شائعا، كان ذلك في القرآن على ذلك الوجه، وخصوص الربوبية لا ينقض استعمال اللغات، ألا ترى أن كلمة (أن) لا يعلق عليها المحتمل المشكوك فيه، (وذلك في حق الله تعالى محال)، مع أنها في القرآن في غاية الكثرة، وما المحسن لهما إلا قول المتكلم لو كان عربيا لحسن ذلك منه، فكان صدورها من الله تعالى عليها ما هو معلوم له تعالى والسامع المخاطب كقوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ فهم يعلمون أنهم مرتابون، يعني الكفار، وكذلك قوله تعالى: ﴿وإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك﴾، وهم يعلمون أنهم كذبوه، غير أن هذا الريب، وهذا التكذيب شأنه أن يعرض له الشك في مجاري العادات، فهذا هو المحسن لتعليقه على كلمة (إن).
وكذلك يحسن أن يقول أحدنا لغيره: إن جاءك زيد فأكرمه، مع علم
стр. 643
الاثنين أنه يجيء، (مع أن) شأن المجيء أن يكون مشكوكا/ (١٥٥/ ب) فيه عادة، بخلاف قولنا: إن طلعت الشمس غدا فأتني، فإنه ليس من شأنه أن يشك فيه. فهذا ضابط هذا الباب: أن يكون ذلك المنوال عربيا، وشأنه في العادة ذلك، فيحسن استعماله مطلقا في كلام الله تعالى وفي غيره، فتأمل هذا المعنى فهو محتاج إليه كثيرا في فهم الكتاب العزيز.
فظهر أن القاضي لا يلزمه من الآيتين سؤال، وإنما كان يلزمه السؤال أن لو كان ذلك معلوما للخلق عند النطق بذلك الكلام، كما ينكره القاضي في قول القائل: له عندي عشرة إلا تسعة، فإن القاضي يقول: إقدامه على النطق بالعشرة مع علمه بأن أكثرها لا يلزمه، اشتغال باللغو في الكلام بخلاف إذا لم يعلم، ولا يكون ذلك مفهوما ألبتة عند النطق، بل الغيب يكشف عنه في المستقبل، فهذا فرق عظيم بين البابين.
وثانيهما: سلمنا استواء البابين، لكن المستثنى في الصورتين أقل.
أما قوله تعالى حكاية عن إبليس﴾ إلا عبادك منهم المخلصين﴾، (فهؤلاء لا يشمل) المخلصين، لقوله: (منهم)، إشارة إلى بني آدم (وإنه يغوي بعضهم فإن بعض العباد لا يتعين فيهم عموم، بل يصدق بأي عدد كان من بني آدم)، كأنه قال: إلا المخلصين من بني آدم أقل من المجرمين.
وأما قوله: ﴿إلا من اتبعك من الغاوين﴾، فهو أقل أيضا؛ لأن قوله تعالى يشمل الملائكة، لكونه اسم جنس أضيف فيعم، والمتبع له بعض
стр. 644
الغاوين، منهم من يتبع هواه، ومنهم من يتبع الشيطان، وغير ذلك من القرناء وغيرهم، فنصيبه المتبع له بعض الغاوين. ومعلوم أن كل الغاوين أقل من الملائكة وحدهم، فكيف إذا أضيف إليهم صالحو بني آدم؟ وفي الحديث: "إن الملائكة يطوفون بالمحشر بمن فيه سبعة أدوار"، وذلك أعظم ممن في الحشر، وقال ﵊: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك يسبح الله تعالى)، ومعلوم أن هذا عدد
стр. 645
عظيم، فإن السماء قدر الأرض مرات كثيرة لا تحصى، حتى يقال: إن الأرض في السماء كالخاتم الملقى في الفلاة، فقامت البراهين في علم الهيئة على ذلك. وفي الحديث: "يدخل البيت المعمور/ (١٥٦/ أ) كل يوم سبعون ألفًا لا يرجعون إليه أبدًا"، وهذا يتناول ما قبل خلق آدم إلى قيام الساعة. وفي الحديث أيضًا: "إن كان كل إنسان من بني آدم يأتيه سبعة من الملائكة، فالمتبع له أقل، لكونه بعض بني آدم وبعض الجن، (والجن وبني آدم مجموعهم أقل من الملائكة)، فكيف بعضهم؟
حجة القاضي ﵀: أن المقتضى لفساد (الاستثناء) قائم، وما لأجله ترك العمل به في الأقل غير موجود في المساوي والأكثر، (فوجب أن يفسد في المساوي والأكثر.
стр. 646
بيان مقتضى الفساد: أن الاستثناء بعد المستثنى منه إنكار بعد الإقرار، فيكون مردودًا.
بيان الفارق: أن الشيء القليل يكون في معرض النسيان؛ لقلة التفات النفس إليه، فإذا أقر بالعشرة، فربما كانت العشرة تنقص شيئًا قليلًا؛ لكونها كانت تامة، وأدلى ذلك الشيء القليل ونسيه؛ لقلته، فلا جرم والكثير يكون مدروكًا مخصوصًا، لكثرة التفات النفس إليه، (فلا جرم) أقر بالعشرة الكاملة، ثم إنه بعد الإقرار تذكر ذلك القدر، فوجب أن يكون متمكنًا من استدراكه، فلأجل ذلك شرعت العرب والشريعة، استثناء الأقل من الأكثر، ولم يوجد هذا المعنى في استثناء المثل أو الأكثر، لما ذكرنا أن الكثرة فطنة الذكر، ومتى ظهر الفارق بقي المقتضى سليمًا عن المعارض.
وأجاب خصومه: بأن الاستثناء مع المستثنى منه كاللفظة الواحدة الموضوعة لما بقي بعد الاستثناء، فالخمسة لها عبارتان في اللغة: خمسة، وعشرة إلا خمسة، وعلى هذا التقدير يمنع أن الاستثناء إقرار قعد الإنكار، فإنه حينئذ ما أقر إلا بخمسة، والعشرة لا دلالة لها مع الاستثناء حتى يكون لفظها إقرارًا، بل مجموع اللفظين وضع لما بقي حقيقة، ويؤكد ذلك ما تقدم من القاعدة وهي: "أن ما لا يستقل بنفسه إذا اتصل بما هو مستقل بنفسه صير
стр. 647
المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه" والاستثناء غير مستقل بنفسه، فتصير العشرة غير مستقلة بنفسها، فلا يكون إقرارًا.
وللقاضي ﵀ أن يقول: لا نسلم أن الجميع لفظة/ (١٥٦/ ب) واحدة، بل لفظ العشرة موضوع لمعنى، ولفظ "إلا" موضوع للإخراج مما قبله، وهذا الكلام الذي يقولونه توسع غير (مساعد عليه)، ويلزم أن يقولوا مثله في كل مجاز معه قرينة لفظية: غير مستقل، نحو: رأيت أسدًا قرشيًا أو مؤمنًا، في كلام عام (معه) مخصص لفظي متصل من صفة أو غاية أو شرط أو غيرها، أن الجميع حقيقة فيما بقي، وهو ظاهر البطلان لوجهين:
الأول: أنه يلزم الترادف بين قولنا: زيد، وأسد مؤمن، فإن المراد بهما واحد، والثاني عندكم موضوع لما وضع له زيد إن التزمتموه، وكذلك قولنا: اقتلوا المشركين المحاربين، وقولنا: اقتلوا الحربيين، يكونان مترادفين.
الثاني: (أنه يبطل) معنى الاستثناء، فلا يبقى موضوعًا للإخراج، بل المجموع موضوع لحقيقة واحدة، بل لا إخراج، وكذلك لا يبقى لفظ الصفة موضوعًا للصفة، لأن الصفة تعتمد موصوفًا تقدم لفظه، حتى تجري
стр. 648
هذه الصفة عليه.
وإذا كان اللفظ موضوعًا لمعنى واحد، فلا صفة ولا موصوف، وحينئذ قال الأبياري في شرح البرهان: نظير أن الاستثناء والمستثنى منه كاللفظة الواحدة قولك: زيد، فيكون مدلوله مفردًا، وتزيد عليه واوًا ونونًا فتقول: الزيدون، فيصير مدلوله الجمع، ويكون المجموع الثاني موضوعًا وضعًا مستقلًا.
قلت: الفرق أن مدلول زيد، وهو ذلك الشخص المعين حاصل في الجمع بالضرورة، ولم تبطل هذه الزيادة شيئًا مما تقدم، بل زادت، وفي الاستثناء (الطلب إلا) بعض ما دل عليه لفظ العشرة، لو انفرد بقي الاستثناء مقتضى ينافي معنى، فوجب بقاؤه عليه، والقول بأن الجميع وضع لمعنى واحد يبطل بقاؤه عليه، بخلاف لفظ الإفراد والجمع.
ومن وجه آخر أن "إلا" موضوعة للإخراج ومعها أخواتها نحو
стр. 649
اثني عشر، موضوعة للإخراج، كما هو مستوعب في كتب الاستثناء. وأما الواو والنون فليس له مفهوم إلا مع ما يضافان إليه. فوجب أن يكون الجميع هو الموضوع لمعنى واحد.
وأحسن من هذا التشبيه، (التشبيه) بقولنا: قام زيد، ثم يدخل عليه "هل" للاستفهام، فيصير موضوعًا للاستخبار، بعد/ (١٥٧/ أ) أن كان موضوعًا للخبر، ويبطل المعنى الأول، وكذلك يدخل عليه الشرط فتقول: إن قام زيد، فتبطل الإفادة، ويصير غير مفيد بعد أن كان مفيدًا، وغير مجزوم بوقوعه بعد أن كان مجزومًا بوقوعه، وكلا اللفظين "هل"، و"إن" وضعا لمعنى مستقل كلفظ "إلا"، وانتقل المعنى في الجميع لمعنى آخر غير الأول، ومع صحة التشبيه لا يحصل المقصود للخصم؛ بسبب أن مسمى "إلا" للإخراج، والإخراج لا يتحقق إلا مع تقرر معنى يصح الإخراج منه، أما الاستفهام والشرط فلا يقتضيان تقرر المعنى الأول، ومفهوم الإخراج يتقاضاه، فافترقت هذه الموارد، ويلزم القائلين بأن الخمسة لها عبارتان: خمسة، وعشرة إلا خمسة، أن القائل إذا قال: ما له عندي عشرة.
* * *
стр. 650
المسألة الخامسة: الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات
مثال الأول: قوله ﴾ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾.
مثال الثاني: قوله : ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾.
وقال أبو حنيفة ﵀: إن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتًا؛ لأن بين الحكم بالنفي والحكم بالإثبات واسطة وهي عدم الحكم، فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالإثبات.
واختلف النقل عنه في الاستثناء من الإثبات، فقال الإمام فخر الدين: الاستثناء من الإثبات نفي إجماعًا حكاه في المعالم، وسألت عظماء الحنفية وكبار مشائخهم عن ذلك فقالوا بأجمعهم: البابان عندنا سواء والاستثناء من الإثبات نفي كالاستثناء من النفي إثبات، والاستثناء في الحالين غير محكوم
стр. 651
عليه بشيء، وأشد من ذلك قالوا: الاستثناء المفرغ، كذلك أيضًا نحو قولنا: (ما قام إلا زيد) قالوا: زيد غير محكوم عليه بالإثبات.
واعلم أن ها هنا قواعد حصل الاتفاق عليها بين الناس.
أحدها: أن "إلأا" مخرجة.
وثانيها: أن "زيدًا" مخرج المستثنى بها.
وثالثها: أن من خرج من نقيض دخل في نقيضه، فمن خرج من النفي دخل في الإثبات، ومن خرج من الإثبات دخل في النفي.
ورابعها: أنه تقدم قبل ("إلا" أمران) / في مثل قولنا: (ما) قام القوم إلا زيدًا، القيام والحكم به، فأحدهما مخرج منه اتفاقًا. (١٥٧/ ب)
غير أن الحنفية يقولون: إن "زيدًا" مخرج من الحكم بالقيام، فيدخل في نقيضه وهو عدم الحكم، فيكون غير محكوم عليه بشيء. ونحن نقول: هو مخرج من القيام لا من الحكم به، فيخرج بنقيض القيام، فيكون غير قائم.
وإن قلنا: لم يقم القوم إلا زيدًا، خرج من عدم القيام، فيدخل نقيضه وهو القيام، فيكون قائمًا، هذا في غير المفرغ.
أما المفرغ، فإذا قلنا: ما قام إلا زيد، فيقول الحنفية: تقدير الكلام: ما
стр. 652
قام أحد إلا زيد؛ لأن المعنى نقيضه، فيصير كغير المفرغ حرفًا بحرف، ونحن نقول: زيد فاعل بالفعل المنفي السابق قبل "إلا"، وهو الذي أسند إليه عدم القيام، فهو غير قائم، واللازم من مذهب الحنفية أن يعربوه بدلًا، لا فاعلًا، ويكون الفاعل مضمرًا تقديره: ما قام أحد، فلا يكون زيد فاعلًا.
وهذا ينكره جمهور النحاة _أعني: حذف الفاعل_ ما أجازه إلا الشذوذ منهم، فهذا هو تلخيص صورة النزاع، والشافعية والحنبلية والمالكية على خلاف الحنفية في هذه المسألة.
احتج الجمهور بأمور:
أحدها: أن ما ذكرناه هو المتبادر عرفًا، فوجب أن يكون لغة كذلك؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير، فلا يفهم أهل العرف من قولنا: ما قام القوم إلا زيدًا، إلا أن زيدًا قائم. وكذلك: قام القوم إلا زيدًا، لا يفهمون إلا أنه غير قائم، وفي المفرغ: ما قام إلا زيد، لا يفهمون إلا أنه قام.
وثانيها: أن الاستثناء من النفي لو لم يكن إثباتًا، لما كان قولنا: لا إله إلا الله موجبًا لثبوت الألوهية (لله ، بل كان معناه: نفي الألهية عن غيره، فأما ثبوب الألهية له) فلا؛ لأن المستثنى غير محكوم
стр. 653
عليه بشيء عندهم، ولو كان كذلك لما تم الإسلام بكلمة الشهادة، ولما تم الإسلام بها، علمنا أن الاستثناء من النفيي إثبات.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾، ولا يفهم أحد من هذه الآية (إلا) أن الله تعالى أخبر عن نفسه بأنه يعلم الغيب، وعلى رأي/ الحنفية يكون المعنى: أن الله تعالى لم يتعرض للإخبار عن كونه عالمًا بالغيب، بل مسكوت عن ذلك في حقه. (١٥٨/ أ)
وأجاب الحنفية عن ذلك كله بحرف واحد، وهو أن هذه الأمور كلها إنما تفهم بالقرائن، وأهل العرف يفهمون ذلك بالقرائن المحتفة بمقاصدتهم، وأما كلمة الشهادة فإن المتلفظ بها في العادة إنما يقصد الدخول في الإسلام، مع أن الوحدانية ثابتة بالضرورة، فلما كان هذا هو المقصود منها، أفادته قرائن أحوال المتكلم وحال الربوبية أيضًا وظهور جلالها وربوبيتها وصفاتها العلية.
أما علم الغيب من الآية الأخرى، فلقرينة السياق، وأن الكلام إنما سيق لإثبات العلم بالغيب لله تعالى، فلذلك فهم.
قلت: وهذه تعسفات، والظاهر أن الفهم مضاف للفظ.
احتج الحنفية بأمور:
أحدها: أن الألفاظ إنما وضعت للصور الذهنية، دون الأمور الخارجية، كما تقرر في كتب اللغات، فقولنا: قام القوم، أو: ما
стр. 654
قام القوم: إنما يفيد في الرتبة الأولى أن المتكلم يعتقد ذلك، فيفيد بالصورة الحاصلة في ذهنه، والتصديق الذي أخبر عنه، وأن ذلك التصديق في ذهنه، ثم أنا نستدل بظاهر حاله على أن ما حكم به وأخبر عنه حق، عملًا بظاهر الحال، فيستفاد حينئذ قيام القوم أو عدم قيامهم من اللفظ بواسطة الصورة الذهنية بغير واسطة ولا تفيد (الأمور) الخارجية إلا بواسطة، كان صرف لفظ الاستثناء إلى ما هو مستفاد بغير واسطة أولى، وهو الصورة الذهنية، وهي الحكم الذهني، وإذا خرج "زيد" من الحكم الذهني بقي غير محكوم عليه بشيء، وغير المحكوم عليه بالقيام محتمل للقيام وعدمه، فلا يتعين الإثبات، فلا يكون الاستثناء من النفي إثباتًا، وهو المطلوب.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿إلا إبليس لم يكن من الساجدين﴾، فلو كان الاستثناء من الإثبات نفيًا، لم يذكر النفي بعد "إلا"؛ لئلا يلزم التكرار، / (١٥٨/ ب) فإن مجرد الاستثناء يفيد أنه لم يكن من الساجدين، فقوله تعالى _بعد ذلك_
стр. 655
﴿لم يكن من الساجدين﴾، يكون تكرارًا، لكن الأصل في كلام (العرب الإنشاء) دون التكرار، فوجب أن يقال: إن عدم السجود إنما هو مستفاد من قوله تعالى: ﴿لم يكن من الساجدين﴾، لا من الاستثناء، وهو المطلوب.
وثالثها: قوله ﵊: "لا صلاة إلا بطهور"، و"لا نكاح إلا بولي"، فلو كان الاستثناء من النفي إثباتًا، لكانت صحة الصلاة حاصلة من الطهارة وعندها، وصحة النكاح حاصلة عند الولي، وليس كذلك، بل إن تطهر الإنسان أمكن أن يصلي، وأمكن أن لا يصلي، وإذا صلى أمكن أن تكون صلاته صحيحة، وأمكن أن تكون باطلة، لعدم شرط أو ركن، وليس في اللفظ إشعار بشيء من ذلك، بل فائدة اللفظ بطلان الصلاة عند عدم الطهارة، أما عند وجودها _كيف يكون الحال؟ _ لم يتعرض اللفظ إليه ألبتة. وكذلك القول في النكاح، وسائر النظائر كذلك.
стр. 656
فلو كان الاستثناء من النفي إثباتًا، لزم ترك العمل (بالدليل) في هذه الصورة، لكن الأصل ألا يترك الدليل، فلا يكون الاستثناء من النفي إثباتًا، وهو المطلوب، وإذا ثبت الحكم في أحد هذه المسائل من النفي أو الإثبات، لزم الثبوت في بقيتها؛ لأنه لا قائل بالفرق.
والجواب عن الأول: أن معتمد اللغات السبق إلى الفهم، فكل شيء سبق إلى الفهم يكون هو مسمى اللفظ، وإن كان الاستدلال من حيث المناسبة يقتضي غير ذلك، فلا عبرة بالمناسبة مع سبق الفهم، ألا ترى أن أسماء الأجناس لما كان الذي يسبق إلى الفهم منها هو القدر المشترك ومطلق الحقيقة، لم يمكن أن يجعل للعموم؛ لأن العموم أكثر فائدة وأنسب من المطلق. وكذلك أسماء الأنواع كلفظ الإنسان والفرس، لما كان الذي يسبق إلى الفهم منها الأنواع، لم يمكن جعلها أسماء الأجناس بالمناسبة؛ لأن الجنس أكثر أفرادًا، وأعم فائدة، وكذلك كلما سبق إلى الفهم لا يعرج على ما سواه، بل يقدم السبق إلى الفهم على غيره وإن كان مناسبًا، فكذلك ها هنا/ الذي يسبق إلى الفهم هو ما ذكرناه، دون ما ذكرتموه، فلا نرجع لما ذكرتموه لمجرد المناسبة.
وعلى الثاني: أن الآية (لا) حجة لكم فيها، فإنها أفادت فائدة زائدة على عدم السجود، فإن العرب قد فرقت بين قولنا: لم يسجد، وبين قولنا: لم يكن من الساجدين. فالصيغة الأولى يقتصر (فيها) على مجرد السلب.
стр. 657
والصيغة الثانية تقتضي السلب وصفًا آخر وهو أن شأنه أن لا يفعل ذلك بجبلته وسجيته، وكذلك قوله تعالى: ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾، أي ليس وسعكم ولا شأنكم ذلك، والاستثناء إنما كان يفيد مجرد السلب، أما هذه الزيادة، فالآية أفادت هذه الزيادة، فلم يكن تكرارًا.
وعن الثالث: أن معنى قول العلماء: أن الاستثناء من النفي إثبات، يجب أن يكون مخصوصًا بما عدا الشروط، فإن الاستثناء يرد على الأحكام، نحو: قام القوم إلا زيدًا، وعلى الأسباب، نحو: لا عقوبة إلا بجناية، وعلى الموانع، نحو قولنا: لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض، وعلى الشروط نحو: لا صلاة إلا بطهور.
ولما كان الشرط: يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كان قول العلماء: الاستثناء من النفي إثباتًا، خاصًا بما عدا الشروط، فنحن إنما ندعي ذلك في غير الشروط، فلا ترد الشروط علينا نقضًا؛ لأنهالم تندرج فيما ادعيناه، ولا يلزم من قضائنا بالنفي قبل "إلا" على المشروط لعدم شرطه، القضاء بعد "إلا" بوجود المشروط، لأجل شرطه؛ لأن الشرط لا يلزم من وجوده شيء ألبتة، فعلم أن هذا السؤال ساقط عنا؛ لأنه ليس من الباب الذي ادعيناه ألبتة، فتأمل ذلك، وتحقق أن قول العلماء: الاستثناء من النفي إثبات، ليس على عمومه، بل يجب أن يكون مرادهم فيما عدا الشروط، كما تقدم تقريره.
стр. 658
المسألة السادسة
الاستثناءات إذا تعددت
هل تعود إلى أصل الكلام أو تعود للاستثناء الثاني على الأول، والثالث على الثاني، والرابع على الثالث، فيعود كل استثناء على ما قبله لا على أصل الكلام، بالغة ما بلغت، في ذلك تفصيل وخلاف، ويتضح ذلك بقواعد خمس:
القاعدة الأولى: أن العرب لا تجمع بين إلا وواو العطف، / فلا تقول: قام القوم وإلا زيدًا؛ لأن إلا (مخرجة والواو) جامعة، فهما متناقضتان، فلا يجمع بينهما، بل لا تجتمع الواو العاطفة مع "إلا" ألبتة، إلا إذا عطفت استثناء على استثناء، فإنها حينئذ تكون جامعة بين الاستثنائين، أما مع الاستثناء الواحد فلا.
القاعدة الثانية: أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، وقد تقدم تقريره.
القاعدة الثالثة: أن الاستثناء المستغرق لا يجوز، وقد تقدم أيضًا.
القاعدة الرابعة: أن القرب يوجب الرجحان؛ لأنك إذا قلت أعطى
стр. 659
زيد عمرًا بكرًا، كان الأقرب إلى الفعل هو الفاعل في الأخذ، وإن كان مفعولًا من جهة فعل الإعطاء، فيكون عمر مثلًا هو الآخذ لبكر، وبكر هو المأخوذ وكذلك إذا قلت: ضرب زيد عمرًا وضربته، كان الضمير في ضرته عائدًا على عمر الأقرب، للضمير من زيد، وكذلك: أكرمت جيراني وضرت غلماني، فإنما يعود هذا الحال على ضرب الغلمان دون الجيران؛ لأنه أقر، ونظائره كثيرة في اللغة.
القاعدة الخامسة: أن الكلام إذا دار بين الإلغاء والإعمال، فالإعمال أولى؛ لأنه شأن العقلاء، والكلام بالهذر المطرح لا يليق.
إذا تقررت هذه القواعد الخمس فأقول: إذا قلت: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، تعين عود الاستثناء الثاني على أصل الكلام؛ لأنه مستغرق وأكثر (منه)، وكذلك (إلا ثلاثة)؛ لأنه مستغرق، فيكون قد اعترف بثلاثة. وإذا قلت: له عندي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين، تعين عوده أيضًا على أصل الكلام؛ لأن العرب لا تجمع بين إلا والواو العاطفة، وهي غير عاطفة، وهو مع كونه أقل وغير مستغرق، فيتعين عوده على أصل الكلام، فيكون قد اعترف بخمسة.
стр. 660
وإن قلت: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين، فقد ذه المانع من جهة كونه مستغرقًا، ومن جهة الواو، فهو موضع الخلاف، والأقسام المتقدمة متفق عليها.
فقيل: يعود الاستثناء الثاني، وهو قولك: إلا اثنين على أصل الكلم، لأنه [هو] موضوع الاستثناء والإخراج، لتطرق الاحتمال إليه، فإنه دخله الاستثناء الأول، ولا يعود على الاستثناء الأول؛ بسبب/ أن الاستثناء الأول جزم فيه بأنه مخرج غير مراد، ولم يدخله استثناء ولا تخصيص، ففيه من القوة ما يدفع عن نفسه، بخلاف أصل النحاة.
قال بعض النحاة: وقيل يعود على الاستثناء؛ لأنه أقر إليه من أصل الكلام، والقرب موجب للرجحان، وكما كان أصل الكلام محتملًا للاستثناء فهذا أيضًا قابل للاستثناء أيضًا، وهذا هو المشهور، وهو الذي أفتى به الإمام في المحصول والمعالم، ووافقه جماعة من النحاة والأصوليين على ذلك.
стр. 661
فعلى المذهب الأول: تكون قد اعترفت بخمسة، لأنك أخرجت من العشرة ثلاثة ثم اثنين، فبقيت خمسة، وعلى المذهب الثاني: تكون قد اعترفت بتسعة؛ لأنك أخرجت أولًا من العشرة ثلاثة، بقيت سبعة، وهذه الثلاثة منفية؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وأخرجت بعد ذلك من هذه الثلاثة اثنين، فتكون منفية مضافة لتلك السبعة؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فيصير المتحصل تسعة.
وقرر الإمام فخر الدين ﵀ هذا المذهب بأن قال: قولك ثانيًا: "إلا اثنين"، إما أن يعود على أصل الكلام، أو على الاستثناء الأول، وهو قولك: إلا ثلاثة، أو عليهما، أو لا عليهما، فهذه أقسام أربعة.
والأول: باطل؛ لأن القرب يوج الرجحان، فلا يرجح البعيد على القريب.
والثاني: هو المطلوب.
والثالث: يلزم منه أن يكون الكلام لغوًا، بسبب أن الاستثناء الثاني إذا عاد عليهما فباعتباره عوده على أصل الكلام تكون قد أخرجت من السعة اثنين وأبطلتهما، فيبقى بعدها خمسة، وباعتبار عوده على الثلاثة تكون قد رددت من الثلاثة اثنين؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فتجبر بهذين الاثنين المثبتين الاثنين الذاهبين من السبعة، فتصير الخمسة بهما سبعة، وينجبر
стр. 662
النقصان بالزيادة، والسبعة هي كانت حاصلة قبل قولك: (إلا اثنين) من قولك: له "عندي" عشرة إلا ثلاثة، فيصير قولك: "إلا اثنين" لغوًا، أما عوده على الثلاثة وحدها لا يكون لغوًا، والإعمال أولى من الإلغاء، للقاعدة المتقدمة.
والرابع: باطل وهو أن لا يعود على واحد منهما؛ لأنه يصير لغوًا حينئذ، واللغو لا سبيل إليه مع إمكان الإعمال.
فائدة:
قال العلماء: إذا قال على النمط المتقدم، وهو عود الاستثناء على ما قبله: له عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحد، يكون المتحصل من هذا الاعتراف مع هذه الاستثناءات في آخرها خمسة، بناء على أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي؛ لأن قوله: "إلا تسعة" منفية؛ لأنها استثناء من إثبات، فيكون الاعتراف بواحد، وقوله: "إلا ثمانية" إثبات؛ لأنها مستثناة من نفي، فتضاف إلى الواحد الباقي بعد استثناء التسعة، فيكون المتحصل تسعة، وقوله: "إلا سبعة" منفية، فيكون الاعتراف باثنين، و"إلا ستة مثبتة، فيكون الاعتراف بثمانية، وقوله: "إلا خمسة" منفية، فيكون الاعتراف بثلاثة. وقوله: "إلا أربعة" مثبتة، فيكون الاعتراف بسعة وقوله: "إلا ثلاثة" منفية،
стр. 663
يكون الاعتراف بأربعة، وقوله: "إلا اثنين" مثبتة، يكون الاعتراف بستة، وقوله: "إلا واحدًا" منفي، يكون الاعتراف بخمسة، وهو المطلوب إذا ابتدأنا بعشرة مثبتة، حصل في آخر الأمر، فاستثناء واحد يزداد أبدًا على المقدار الأول ثبوت خمسة.
فإن ابتدأ بعشرة منفية، فقال: ما له عندي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا، يكون الاعتراف بخمسة أيضًا؛ لأن التسعة ها هنا مثبتة؛ لأنها من النفي، والثمانية منفية فيتعين الاعتراف بواحد، والسبعة مثبتة، فيكون الاعتراف بثمانية، والستة منفية، فيتعين الاعتراف باثنين، والخمسة مثبتة، فيكون الاعتراف بسبعة، والأربعة منفية، فيكون الاعتراف بثلاثة، (وإلا الثلاثة مثبتة، فيصير الاعتراف بستة)، والاثنان منفيان، فيصير الاعتراف بأربعة، والواحد مثبت، فيصير الاعتراف بخمسة.
وعلى هاتين القاعدتين تتفرع الأعداد _وإن كثرت_ نفيًا أو إثباتًا.
* * *
стр. 664
المسألة السابعة: الاستثناء المذكور عقب الجمل ، هل يعود إليها بأسرها أم لا؟
مذهب الشافعي ﵁: عوده إلى الكل، ومذهب أبي حنيفة ﵁: اختصاصه بالجملة الأخيرة، ومذهب القاضي منا والمرتضى من الشيعة التوقف، إلا أن المرتضى توقف للاشتراك، والقاضي لم يقطع بذلك أيضًا، ومنهم/ من فصل في ذلك، وذكروا وجوهًا. (١٦١/ أ)
وأدخلها في التحقيق ما قيل: إن الجملتين، إما أن يكونا من نوع
стр. 665
واحد، أو من نوعين.
فإن كان الأول: فإما أن تكون إحدى الجملتين متعلقة بالأخرى أو لا تكون.
فإن كان الثاني: فإما أن يكونا مختلفي الاسم والحكم، أو متفقي الاسم مختلفي الحكم، أو مختلفي الاسم متفقي الحكم.
(ونعني بالنوع الواحد): إما أن يكونا أمرين، أو خبرين، أو نهيين.
وبالنوعيين: أن يكون أحدهما من الأمر، والآخر من الخبر أو النهي، ونعني بتعلق إحدى الجملتين بالأخرى: أن يكون فعل الثانية لا يفهم إلا من الأولى بالعطف نحو: أكرم قريشًا وبني هاشم، أو اسمهما مضمر يفسره اسم الأولى نحو: أكرم قريشًا واخلع عليهم.
قال الإمام فخر الدين: فإذا قال في الأولى: أطعم ربيعة واخلع على مضر إلا الطوال، فالأظهر هاهنا اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة؛ لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة المستقلة بنفسها إلى جملة أخرى مستقلة بنفسها إلا وقد تم غرضه من الأولى، فلو كان الاستثناء راجعًا إلى الجملتين، لم يكن قد تم مقصوده من الجملة الأولى.
وأما الثاني: فقولنا: أطعم ربيعة واخلع على مضر إلا الطوال.
стр. 666
والثالث: كقولنا: أطعم ربيعة وأطعم مضرًا إلا الطوال، فاتفقا في الحكم دون سماع الاسم عكس الذي قبله، فإن الذي قبله متفق الاسم مختلف الحكم، وحكمه كحكمه؛ لأن كل واحدة من الجملتين مستقلة، فالظاهر أنه لم ينتقل إلى الثانية إلا وقد تم عرضه منها بالكلية.
وأما إن كانت إحدى الجملتين متعلقة بالأخرى: فإما أن يكون حكم الأولى مضمرًا في الثانية كقولنا: أكرم ربيعة واخلع عليهم إلا الطوال، فيرجع الاستثناء في القسمين إلى الجملتين؛ لأن الثانية لا تستقل إلا مع الأولى، فوجب رجوع حكم الاستثناء إليهما.
وأما إن كانت الجملتان نوعين من الكلام: فإما أن تكون القضية واحدة أو مختلفة فإن كانت مختلفة فهو كقولنا: أكرم العلماء وهم المتكلمون إلا أهل البلدة الفلانية، فالاستثناء راجع إلى ما يليه؛ لاستقلال كل واحد من تلك الجملتين بنفسها، / (١٦١/ ب) (وأما إن كانت القضية واحدة فكقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا﴾، فالقضية واحدة وأنواع الكلام مختلفة، أمر، ثم نهي، ثم خبر، ثم استثناء، وهو يرجع إلى الجملة الأخيرة، الاستقلال كل واحدة من تلك الجملتين بنفسها).
قال: والإنصاف أن هذا التقسيم حق، لكنا إذا أردنا
стр. 667
المناظرة اخترنا (التوقف) لا بمعنى الاشتراك، بل بمعنى أنا لا نعلم حكمه في اللغة ماذا، وهذا هو اختيار القاضي ﵀.
واحتج الشافعي ﵀ بوجوه:
أحدها: ان الشرط متى تعقب جملًا عاد إلى الكل، وكذلك الاستثناء، والجامع: أن كل واحد منهما لا يستقل بنفسه، وأيضًا فمعناهما واحد؛ لأن قوله تعالى في آية القذف: ﴿إلا الذين تابوا﴾ جار مجرى قوله تعالى: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ إن لم بتوبوا.
ويقرب من هذا الدليل قولهم: أجمعنا على أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى إذا تعقب جملًا عاد إليها، وكذلك الاستثناء.
قلت: وللحنفية أن يفرقوا بأن في عود الشرط إلى الكل خلافًا.
قلنا: أن نمنع بناء على الخلاف، سلمناه، لكن التعاليق اللغوية يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، وهذا هو شأن السبب، بخلاف الشروط العقلية: كالحياة مع العلم، والشرعية: كالطهارة مع صحة الصلاة، والعادية: كنصب السلم لصعود السطح، ولا يلزم من وجود واحد من هذه الثلاثة وجود مشروطه، بل إنما يترتب مشروطه على سبب مع الشرط، لا على الشرط
стр. 668
الواقع في أحد هذه الأبواب الثلاثة، بخلاف الشروط اللغوية هي الأسباب، وهي التي يترتب عليها المشروط، وإذا كانت الشروط اللغوية أسبابًا، والأسباب مواطن المصالح والمقاصد وتكون أشرف وأنفع، فيتناسب عودها على جملة الجمل تكثيرًا للمصلحة التي في ضمن السبب، أما الاستثناء فهو إخراج ما عساه اندرج/ (١٦٢/ أ) في الكلام وليس منه، فهو يلغي غير المقصود عن المقصود ولا يحقق مقصودًا، فضعف عن رتبة الشرط، وظهر الفرق بينهما، فلا يلحق أحدهما بالآخر.
وقوله: "الاستثناء في الآية يجري مجرى الشرط.
قلنا: لا نسلم أن معنى قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ هو معنى: عن لم يتوبوا؛ لأن قوله: إن لم يتوبوا، يقتضي "أن" عدم التوبة بسبب الفسوق، كقولنا لزيد الكافر: مخلد في النار إن لم يسلم، يقتضي أن سبب تخليده هو عدم إسلامه، وها هنا ليس عدم الفسوق هو عدم التوبة، بل القذف السابق، وهو سبب مستقل في ثبوت حكم الفسوق، فلا يحتاج إلى ضم سبب آخر إليه، بل معنى قولنا: إن لم يتوبوا، إشارة إلى نفي المانع من القضاء بالفسوق، ففي هذا الشرط على هذا التقدير توسع بالنسبة إلى قاعدة الشروط وغالبها.
وقوله: "الاستثناء بالمشيئة يعم فكذلك هذا الاستثناء".
فكما فيه خلاف سلمناه، ولكن الفرق أن الاستثناء بالمشيئة جعله الشرع سببًا
стр. 669
رافعًا لليمين لقوله ﵊: "من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف" أي: ارتفع عنه انعقاد اليمين الذي جعل بالحلف موجبًا للكفارة وإذا كان سببًا رافعًا، والأسباب مواطن الحكم ومظان المصالح الشرعية (والعادية)، فناسب التعميم تكثيرًا للمصلحة، بخلاف الاستثناء، كما تقدم تقريره.
وثانيها: أن حرف العطف يصير الجمل المعطوف بعضها على بعض في حكم الجملة الواحدة؛ لأنه لا فرق بين أن يقال: رأيت بكر بن خالد وبكر بن عمرو، وبين أن يقال: رأيت البكرين، وإذا كان الاستثناء الواقع عقيب الجملة راجعًا إليها، فكذلك ما صار بالعطف كالجملة الواحدة.
قلت وليس الأمر كذلك لوجوه:
أحدها: أنا لا نجوز: رأيت زيدًا وعمرًا إلا عمرًا، ويجوز: رأيت العمرين إلا عمرًا، فقد باين المعطوف الجملة الواحدة، وسببه: أنا في
стр. 670
الأول قد رفعنا بالاستثناء جملة منطوق به بخلاف الثاني، أنا رفعنا بعض منطوق به فجاز؛ لأن من شرط الاستثناء أن لا يكون مستغرقًا.
وثانيهما: أن (المعطوفين) لفظ، كل واحد منهما يدل عليه مطابقة استقلالًا، وهو/ (١٦٢/ ب) سبب منع استثنائه بجملته، والدلالة على الواحد المستثنى في الجملة الواحدة إنما هي تضمن، وهذا يناسب ألا يعود في الأول، ويعود في الثاني، لعدم الاستقلال.
وثالثها: أن الفعل كما عمله في الجملة الأولى قبل النطق بالثانية، فهي مستقلة، والثانية لها فعل أو نهي مستقلة أيضًا، بخلاف قولنا: رأيت البكرين، فإن الفعل فيهما واحد، ولا استقلال لأحد البكرين بالفعل.
ورابعها: أن الأولى يحسن السكوت عليها، بخلاف بعض الجملة الواحدة، وإذا حصل التباين في هذه الأحكام واللوازم ظهر الاختلاف، والمختلفات لا يجب اشتراكها في جميع اللوازم ولا في لازم معين إلا بدليل منفصل، بل هذه القاعدة لاختلاف التباين في اللوازم، أما التسوية فلا.
وثالثها من حجج الشافعية: قالوا: إنه تعالى لو قال: فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلا الذين تابوا، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا، لكان ركيكًا جدًا، فبتقدير أن يريد لاستثناء من كل الجمل، لا طريق له إلا بذكر الاستثناء عقب الجملة الأخيرة في هذه الصورة، ويكون الاستثناء راجعًا إلى كل الجمل، والأصل في الكلام الحقيقة،
следующие страницы →