Полный текст (844 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
والثالث: كقولنا: أطعم ربيعة وأطعم مضرًا إلا الطوال، فاتفقا في الحكم دون سماع الاسم عكس الذي قبله، فإن الذي قبله متفق الاسم مختلف الحكم، وحكمه كحكمه؛ لأن كل واحدة من الجملتين مستقلة، فالظاهر أنه لم ينتقل إلى الثانية إلا وقد تم عرضه منها بالكلية.
وأما إن كانت إحدى الجملتين متعلقة بالأخرى: فإما أن يكون حكم الأولى مضمرًا في الثانية كقولنا: أكرم ربيعة واخلع عليهم إلا الطوال، فيرجع الاستثناء في القسمين إلى الجملتين؛ لأن الثانية لا تستقل إلا مع الأولى، فوجب رجوع حكم الاستثناء إليهما.
وأما إن كانت الجملتان نوعين من الكلام: فإما أن تكون القضية واحدة أو مختلفة فإن كانت مختلفة فهو كقولنا: أكرم العلماء وهم المتكلمون إلا أهل البلدة الفلانية، فالاستثناء راجع إلى ما يليه؛ لاستقلال كل واحد من تلك الجملتين بنفسها، / (١٦١/ ب) (وأما إن كانت القضية واحدة فكقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا﴾، فالقضية واحدة وأنواع الكلام مختلفة، أمر، ثم نهي، ثم خبر، ثم استثناء، وهو يرجع إلى الجملة الأخيرة، الاستقلال كل واحدة من تلك الجملتين بنفسها).
قال: والإنصاف أن هذا التقسيم حق، لكنا إذا أردنا
стр. 667
المناظرة اخترنا (التوقف) لا بمعنى الاشتراك، بل بمعنى أنا لا نعلم حكمه في اللغة ماذا، وهذا هو اختيار القاضي ﵀.
واحتج الشافعي ﵀ بوجوه:
أحدها: ان الشرط متى تعقب جملًا عاد إلى الكل، وكذلك الاستثناء، والجامع: أن كل واحد منهما لا يستقل بنفسه، وأيضًا فمعناهما واحد؛ لأن قوله تعالى في آية القذف: ﴿إلا الذين تابوا﴾ جار مجرى قوله تعالى: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ إن لم بتوبوا.
ويقرب من هذا الدليل قولهم: أجمعنا على أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى إذا تعقب جملًا عاد إليها، وكذلك الاستثناء.
قلت: وللحنفية أن يفرقوا بأن في عود الشرط إلى الكل خلافًا.
قلنا: أن نمنع بناء على الخلاف، سلمناه، لكن التعاليق اللغوية يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، وهذا هو شأن السبب، بخلاف الشروط العقلية: كالحياة مع العلم، والشرعية: كالطهارة مع صحة الصلاة، والعادية: كنصب السلم لصعود السطح، ولا يلزم من وجود واحد من هذه الثلاثة وجود مشروطه، بل إنما يترتب مشروطه على سبب مع الشرط، لا على الشرط
стр. 668
الواقع في أحد هذه الأبواب الثلاثة، بخلاف الشروط اللغوية هي الأسباب، وهي التي يترتب عليها المشروط، وإذا كانت الشروط اللغوية أسبابًا، والأسباب مواطن المصالح والمقاصد وتكون أشرف وأنفع، فيتناسب عودها على جملة الجمل تكثيرًا للمصلحة التي في ضمن السبب، أما الاستثناء فهو إخراج ما عساه اندرج/ (١٦٢/ أ) في الكلام وليس منه، فهو يلغي غير المقصود عن المقصود ولا يحقق مقصودًا، فضعف عن رتبة الشرط، وظهر الفرق بينهما، فلا يلحق أحدهما بالآخر.
وقوله: "الاستثناء في الآية يجري مجرى الشرط.
قلنا: لا نسلم أن معنى قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ هو معنى: عن لم يتوبوا؛ لأن قوله: إن لم يتوبوا، يقتضي "أن" عدم التوبة بسبب الفسوق، كقولنا لزيد الكافر: مخلد في النار إن لم يسلم، يقتضي أن سبب تخليده هو عدم إسلامه، وها هنا ليس عدم الفسوق هو عدم التوبة، بل القذف السابق، وهو سبب مستقل في ثبوت حكم الفسوق، فلا يحتاج إلى ضم سبب آخر إليه، بل معنى قولنا: إن لم يتوبوا، إشارة إلى نفي المانع من القضاء بالفسوق، ففي هذا الشرط على هذا التقدير توسع بالنسبة إلى قاعدة الشروط وغالبها.
وقوله: "الاستثناء بالمشيئة يعم فكذلك هذا الاستثناء".
فكما فيه خلاف سلمناه، ولكن الفرق أن الاستثناء بالمشيئة جعله الشرع سببًا
стр. 669
رافعًا لليمين لقوله ﵊: "من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف" أي: ارتفع عنه انعقاد اليمين الذي جعل بالحلف موجبًا للكفارة وإذا كان سببًا رافعًا، والأسباب مواطن الحكم ومظان المصالح الشرعية (والعادية)، فناسب التعميم تكثيرًا للمصلحة، بخلاف الاستثناء، كما تقدم تقريره.
وثانيها: أن حرف العطف يصير الجمل المعطوف بعضها على بعض في حكم الجملة الواحدة؛ لأنه لا فرق بين أن يقال: رأيت بكر بن خالد وبكر بن عمرو، وبين أن يقال: رأيت البكرين، وإذا كان الاستثناء الواقع عقيب الجملة راجعًا إليها، فكذلك ما صار بالعطف كالجملة الواحدة.
قلت وليس الأمر كذلك لوجوه:
أحدها: أنا لا نجوز: رأيت زيدًا وعمرًا إلا عمرًا، ويجوز: رأيت العمرين إلا عمرًا، فقد باين المعطوف الجملة الواحدة، وسببه: أنا في
стр. 670
الأول قد رفعنا بالاستثناء جملة منطوق به بخلاف الثاني، أنا رفعنا بعض منطوق به فجاز؛ لأن من شرط الاستثناء أن لا يكون مستغرقًا.
وثانيهما: أن (المعطوفين) لفظ، كل واحد منهما يدل عليه مطابقة استقلالًا، وهو/ (١٦٢/ ب) سبب منع استثنائه بجملته، والدلالة على الواحد المستثنى في الجملة الواحدة إنما هي تضمن، وهذا يناسب ألا يعود في الأول، ويعود في الثاني، لعدم الاستقلال.
وثالثها: أن الفعل كما عمله في الجملة الأولى قبل النطق بالثانية، فهي مستقلة، والثانية لها فعل أو نهي مستقلة أيضًا، بخلاف قولنا: رأيت البكرين، فإن الفعل فيهما واحد، ولا استقلال لأحد البكرين بالفعل.
ورابعها: أن الأولى يحسن السكوت عليها، بخلاف بعض الجملة الواحدة، وإذا حصل التباين في هذه الأحكام واللوازم ظهر الاختلاف، والمختلفات لا يجب اشتراكها في جميع اللوازم ولا في لازم معين إلا بدليل منفصل، بل هذه القاعدة لاختلاف التباين في اللوازم، أما التسوية فلا.
وثالثها من حجج الشافعية: قالوا: إنه تعالى لو قال: فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلا الذين تابوا، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا، لكان ركيكًا جدًا، فبتقدير أن يريد لاستثناء من كل الجمل، لا طريق له إلا بذكر الاستثناء عقب الجملة الأخيرة في هذه الصورة، ويكون الاستثناء راجعًا إلى كل الجمل، والأصل في الكلام الحقيقة،
стр. 671
وإذا ثبت كونه حقيقة في هذه الصورة كان كذلك في سائر الصور، دفعًا للاشتراك.
قلت: وهذا أيضًا ضعيف؛ بسبب أن الكلام في اللغة من حيث هي لغة، ما مقتضاها، فإذا دل الدليل على أن ألمتكلم ضرورة، وأراده في عود الاستثناء على الكل، فهذا أمر زائد ودليل منفصل اقتضى العود على الكل.
ونقول حينئذ: إن هذه الضرورة بسبب المجاز، ولا يلزم الاشتراك، بل استعمال الاستثناء عائد على جملة الجمل عند الخصم، مجاز في التركيب، ولا يلزم من الحمل المجاز لدليل منفصل أن يحمل عليه في بقية الصور، ولا يكون الوضع من حيث هو وضع اقتضى ذلك.
ورابعها: قالوا: لو قال: لفلان على خمسة وخمسة إلا سبعة، كان الاستثناء ها هنا عائدًا على الجملتين، والأصل في الكلام الحقيقة، وإذا ثبت ذلك في صورة، فكذلك/ في غيرها، دفعًا للاشتراك. (١٦٣/ أ)
وأجاب الإمام فخر الدين عن هذا في المحصول بأن قال: إنما رجع الاستثناء إلى الجملتين؛ لأنه لابد من اعتبار (كلام العاقل)، ولما تعذر رجوعه إلى إحدى الجملتين؛ لأنه أريد منها _والاستثناء المستغرق باطل_ وجب رجوعه إليهما، وهذه الضرورة غير حاصلة في بقية الصور.
احتجت الحنفية بوجوه:
أحدها: أن الدليل ينفي العمل بالاستثناء، تركنا العمل بالدليل باعتبار
стр. 672
الجملة الواحدة فيعمل به في بقية الجمل.
بيان أن الدليل ينفي العمل بالاستثناء: أن الاستثناء يقتضي إزالة العموم عن ظاهره، وهو خلاف الأصل.
بيان الفارق بين الأخيرة وغيرها، والجملة الواحدة والجمل: أن الاستثناء غير مستقل بالدلالة على الحكم، فلابد من تعليقه بشيء، لئلا يصير لغوًا، والتعليق بالجملة الواحدة يكفي في خروجه عن كونه لغوًا، فلا حاجة إلى تعليقه بسائر الجملة.
وإذا ثبت النافي والفارق، ثبت أنه لا يجوز عوده إلى الجمل الكثيرة.
والخصم قال، فصار محجوجًا.
بقي أن يقال: فلم خصصتموه بالجملة الأخيرة؟ ، فنقول: ذلك لوجهين:
الأول: أن أهل اللغة اتفقوا على أن القرب يوجب الرجحان، ويدل عليه بأمور أربعة: الأول: اتفاق أهل اللغة من البصريين على أنه إذا قال: ضربت وضربني زيد، واجتمع عاملان على معمول واحد، أن إعمال الأقرب أولى، وهو "ضربني"، فيرفعه بأنه فاعل، ولا ينصبه بأنه مفعول، خلافًا للكوفيين.
الثاني: أنهم قالوا في: ضرب زيد عمرًا وضربته، أن هذا الضمير الأخير
стр. 673
يرجع إلى "عمر" المضروب، دون زيد؛ لأنه أقرب إلى الفعل.
الثالث: أنهم قالوا في قولنا: (ضربت سلمى سعدى): أنه ليس في إعراب اللفظ ولا في معناه ما يعين إحداهما للفاعلية والأخرى للمفعولية، فيتعين أن نجعل الفاعل ما هو أقرب إلى الفعل وهو سلمى، ترجيحًا بالقرب.
الرابع: أنهم قالوا في قولهم: أعطي زيدًا عمرًا وبكرًا: أنه لما احتمل أن يكون كل واحد من بكر وعمر مفعولًا أولًا _وليس في اللفظ ما يقتضي الترجيح_ وجب اعتبار القرب.
الوجه الثاني: أن كل من صرف الاستثناء إلى جملة/ (١٦٣/ ب) واحدة، خصصه بالجملة الأخيرة، فصرفه إلى غيرها خلاف الإجماع، وثانيها: أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل لو رجع (إليها لم) يخل: إما أن يضمر مع كل جملة استثناء عقيبها، أو لا يضمر ذلك، بل الاستثناء المصرح به في آخر الجمل هو الراجع إلى جميعها، والأول باطل؛ لأن الإضمار خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لضرورة، ولا ضرورة ها هنا، والثاني أيضًا باطل؛ لأن العامل في نصب ما بعد الاستثناء هو ما قبله من فعل أو تقدير فعل، فإذا فرضنا رجوع ذلك الاستثناء إلى كل الجمل، كان العامل في نصب المستثنى أكثر من عامل واحد، لكن لا يجوز أن يعمل عاملان في إعراب واحد، أما أولا؛ فلأن سيبويه نص عليه، وقوله حجة، وأما ثانيًا؛ فلأنه يجتمع على الأثر الواحد
стр. 674
مؤثران مستقلان، وهو محال.
قلت: اختلف النحاة في العامل في نصب ما بعد الاستثناء، وهو "زيد" إذا قلنا: قام القوم إلا زيدًا، هل الفعل السابق (عدته إلا فنصبت زيدًا)، ويكون الأمر من جملة المعديات كالهمزة أول الفعل وغيرها من المعديات المذكورة في كتب النحو، أو العامل فعل مقدر يدل عليه الظاهر، أو إلا هي الناصبة، أو انتصبت بتمام الكلام كالتمييز، وحكي هذا القول عن سيبويه، وقيل: هو مذهبه، وإذا كانت الأقوال في ذلك أربعة، منعنا على أحدها مقدمة الحنفية.
وأجاب الإمام فخر الدين في المحصول بجوابين:
أحدهما: أن نص سيبويه معارض بنص الكسائي.
وثانيهما: أن العوامل في الإعراب ليست مؤثرات، بل معرفات، واجتماع المعرفات الكثيرة على المعرف الواحد ليس بمحال، كما أن كل جزء من أجزاء
стр. 675
العالم معرف لنا بوجود الله تعالى وصفاته، إنما المحال اجتماع المؤثرات.
وثالثها: أن الاستثناء من الاستثناء يختص بما يليه، فكذا في سائر الصور دفعًا للاشتراك.
قلت: وأشار الإمام فخر الدين إلى الجواب، وأنا أبسطه فأقول: الفرق أن الاستثناء بعد الاستثناء لو عاد إلى أصل الكلام وإلى الاستثناء لزم لغو الكلام، بخلاف ها هنا، فإذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين، لو أعدنا قولنا: "إلا اثنين" على الثلاثة كان إثباتًا لهما، وعوده/ (١٦٤/ أ) على أصل الكلام يكون نفيًا لهما، فينجبر النفي بالإثبات، ويعود الكلام إلى حاله الأول قبل قوله: "إلا اثنين" فإنه كان الإقرار حينئذ بسبعة، وهو الآن على هذا التقدير سبعة، فيصير قوله: "إلا اثنين لغوًا، أما ها هنا لو أعدناه على الجمل كلها لم يكن لغوًا بل زيادة إخراج على إخراج، وذلك من مقاصد العقلاء.
ورابعها: أن الجمل إذا كان كل واحد منها مستقلًا بنفسه، والظاهر أنه لم ينتقل عن واحد منها إلى غيرها إلا وقد تم غرضه منها؛ لأن السكوت لما كان يدل على كمال الغرض من الكلام، فكذلك الشروع في كلام آخر لا
стр. 676
تعلق له بالأول، إذا ثبت ذلك، فلو حملنا الاستثناء على جملة الجمل المتقدمة (نقض ذلك قولنا: "إنه لما انتقل عن الكلام الأول تم غرضه").
قلت: والإمام فخر الدين منع قولهم: "إنه لم ينتقل إلا بعد تمام غرضه"، وقال: إن عنيتم أنه فرغ من جميع الأحكام المتعلقة بالأولى فهو ممنوع؛ لأنه أول المسألة؛ لأن من أحكامها عند الخصم هذا الاستثناء المذكور عقيب الجمل، وإن عنيتم شيئًا آخر فاذكروه لننظر فيه.
واحتج الشريف المرتضى على الاشتراك بوجوه:
أحدها: أن القائل إذا قال: ضربت غلماني وأكرمت أصدقائي إلا واحدًا، جاز استفهامه عن ذلك، هل أراد استثناء واحد من الجملتين أم لا؟ والاستفهام دليل الاشتراك، وقد تقدم الكلام على الاستفهام في أن صيغة العموم مشتركة بين العموم والخصوص، وأنه يكون لأغراض أخرى غير الإجمال الناشئ عن الاشتراك فلا يدل على الاشتراك؛ لأنه أعم من الاشتراك، والأعم لا يستلزم الأخص ولا يدل عليه.
وثانيها: أنا وجدنا الاستثناء في القرآن والعربية عائدًا إلى كل (الجمل) تارة، وإلى الأخيرة أخرى، والأصل في الكلام الحقيقة، فوجب القول بالاشتراك.
стр. 677
قلت: وجوابه أن الجواز أولى من الاشتراك.
وثالثها: أن القائل إذا قال: ضربت غلماني وأكرمت جيراني قائمًا أو في الدار أو يوم الجمعة, احتمل فيما ذكروه من الحال والظرفية أن يكون المتعلق به جميع (الأفعال المتقدمة, وأن يكون ما هو) الأقرب, والعلم باحتمال الاشتراك وتجويز الأمرين (من مذهب) أهل اللغة ضروري, وإذا صح ذلك في الحالين والظرفين صح في الاستثناء, (والجامع) أن كل واحد منهما فضلة تأتي بعد تمام الكلام.
وأجاب الإمام فخر الدين عن هذا بأن قال: لا نسلم التوقف في الحال والظرفين, بل نخصهما بالجملة الأخيرة على قول أبي حنيفة ﵀, أو بالكل على قول الشافعي ﵁.
سلمنا التوقف, لكن لا على سبيل أنا لا ندري أن الحق ما هو عند أهل اللغة, فإن تمسكهم على الاشتراك بالاستفهام والاستعمال, كان ذلك منه عودا إلى الطريقين الأولين.
سلمنا, فلم قلت: إنه يجب أن يكون الأمر كذلك في الاستثناء؟ .
قوله: (الجامع): كون كل واحد من هذه الثلاثة فضلة تأتي بعد تمام الكلام.
قلنا: الاشتراك من بعض الوجوه لا يقتضي التساوي من كل الوجوه.
стр. 678
فائدة:
مثال عود الاستثناء على الكل- كما قاله في الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ , هذا في آل عمران, وفي المائدة (قوله تعالى): ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾ , فقيل: منقطع وتقديره: لكن ما ذكيتم من غير المذكور, وقيل: متصل يعود على المنخنقة وما بعد, أي ما أدركتم ذكاته من هذه المذكورات.
ومثال العائد على جملة واحدة قوله تعالى: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ , قرئ بالرفع والنصب, فعلى
стр. 679
النصب هي مستثناة من الجملة الأولى, لأنها موجبة, وعلى الرفع هي مستثناة من الثانية, وهي منفية, وتكون قد خرجت معهم ثم رجعت فهلكت.
(قال المفسرون): وقوله تعالى: ﴿إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده﴾ , فهذا يتعين عوده على الجملة الأولى دون الثانية؛ لأن مناسبة المعنى تقتضيه.
وما هو محتمل للوجهين قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا﴾ , فيتخيل أنه من الجملة السابقة, وإنما هو من لفظ (من) , لأنه أبدل مما تقدم وهو مفرد.
سؤال:
قال النقشواني: إذا سلمنا العود على الكل تارة وعلى البعض أخرى, لا يلزم الاشتراك ولا المجاز, بل يكون اللفظ موضوعًا للإخراج كيف كان, وهذه أنواع المخرج, كما يكون الإخراج في الحيوان تارة, (وفي النبات
стр. 680
تارة) , وفي الجماد أخرى.
تنبيه:
لا يستقيم حكاية الخلاف في هذه المسألة مطلقًا, ولا في الشرط, ولا في الصفة الواردين عقيب الجمل؛ لأن الجمل المعطوفة قد تعطف بالحروف الجامعة كالواو, والفاء, وثم, فيكون هذا موطن الخلاف, وتكون الحروف العاطفة الستة الباقية ليس موطنًا للخلاف, ولا تستقيم حكاية الخلاف فيها اتفاقا؛ لأن المراد بها إحدى الشيئين, فكيف يعمها الاستثناء على القول بتعميمه؟ بل ينبغي التوقف (في حتى التي هي حرف عطف)؛ لأنها تتمة وغاية
стр. 681
لغيرها, فينتفي التعميم فيها اتفاقًا, فلا يختلف فيها, أو يقال فيها أمران يشملهما الحكم, فيجزي الخلاف فيها موضع (احتمال) للنظر.
أما ما يقتضي أحد الشيئين بعينه وهي ثلاثة: لا, وبل, ولكن, أو لأحد الشيئين لا بعينه نحو: أو, وأم, وأما, فلا يتأتى ذلك فيها؛ لأن المعتبر واحدة من الجمل في ذلك الحكم فقط, فيكون الاستثناء لذلك مختص بمورد الحكم, فتأمل ذلك, ولذلك لما فهرس الشيخ سيف الدين الآمدي هذه المسألة في كتابه الإحكام قال: الجمل المتعاقبة بالواو, ولم يطلق كما أطلق الإمام فخر الدين وغيره كابن برهان في كتابه (الأوسط).
стр. 682
تنبيه:
في الكتاب والسنة اتفق الناس على أنه (عائد) على الجملة الأولى, وليس ذلك خلاف الإجماع في هذه المسألة, إنما هو في اللفظ اللغوي من حيث الوضع, ماذا يقتضي لغة؟ - ما لم يعرض له معارض يعارضه- هل يعود على جميع الجمل, أو يختص بالجملة الأخيرة؟ , ولم يقل أحد بالأولى, أما إذا كان المعارض, فذلك من غير صورة النزاع, فلا يرد عليها, كما في قوله تعالى: ﴿إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾ , فهذا يتعين عوده على الجملة الأولى فإن الاستثناء إنما يكون مما نهي عنه وهو الشرب, ولا ينتظم الاستثناء مع قوله تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ , فهذه المناسبة هي الموجبة لتعيين الاستثناء للجملة الأولى.
ونظير ذلك أيضًا, الأمر للوجوب, وقد ورد بخمسة عشر محملا, ولم لم يقل أكثر بأكثرها, بل ذلك لعارض خارج عن موجب الأمر لغة اقتضى التجوز لتلك المحامل من التكوين والسخرية, وغير ذلك من تلك المحامل المذكورة في بعضها.
стр. 683
المخصص الثاني المتصل: الشرط
وقد تقدم أن هذه المخصصات المتصلة لا يتعين أن تكون مخصصات, بل لا تكاد تقع في غالب الأمر إلا مقيدات, وإن وقعت مخصصة فهي لخصوص تلك المادة إلا للشرط مثلا من حيث هو شرط.
وإذا فرعنا على قول الجماعة وأنها مخصصة, فالمراد من الشرط الشرط اللغوي, دون العقلي والعادي والشرعي, وقد تقدم الفرق بينهما, وأن الشرط اللغوي ليس في الحقيقة شرطًا, بل سببًا؛ لأنه يلزم من وجوده الوجود, وشأن الشرط أن لا يلزم من وجوده شيء كالحياة مع العلم, لا يلزم من وجودها وجود العلم البتة, والعام إنما يتصل به الشرط اللغوي, فليكن ملاحظته من حيث هو سبب, ولذلك حده يكون حد السبب, لا حد الشرط, ويكون لفظ الشرط مشتركًا بين الشرط وبعض أنواع الأسباب وهي التعاليق اللغوية, واللفظ المشترك يكون لكل واحد من مسمياته حد يخصه.
وحد السبب من حيث هو سبب, الذي يشمل التعاليق اللغوية وغيرها: أنه يلزم من وجوده الوجود, ومن عدمه العدم لذاته.
فالقيد الأول احترازًا من الشرط العقلي أو الشرعي أو العادي, فإنه لا يلزم من وجود الطهارة وجود صحة الصلاة, ولا من السلم صعود السطح, وإن كان شرطًا فيه.
والقيد الثاني احترازًا من المانع, فإنه لا يلزم من عدمه شيء, فإذا قلنا:
стр. 684
الدين مانع من وجوب الزكاة, لا يلزم من عدم الدين الزكاة؛ لاحتمال عدم النصاب, ولا عدم وجوب الزكاة؛ لاحتمال وجود النصاب ووجوبها, وكذلك سائر الموانع العقلية والعادية.
والقيد الثالث احتراز من أن يخلفه سبب حالة عدمه فيلزم الوجود, لكن ذلك ليس لذاته, بل لأمر خارجي, وهو كونه له خلف وبدل, كما تقول: القتل سبب القتل, فإذا عدم قد يقتل الإنسان بالردة, وهو سبب آخر خلف القتل, والأسباب الشرعية والعادية والعقلية يخلف بعضها بعضا.
واحترازا أيضا من أن يكون له شرط أو مانع, فلا يلزم من وجوده الوجود كملك النصاب سبب وجوب الزكاة, ولا يلزم من وجوده وجوب الزكاة؛ لأنه قد جعل له شرط وهو دوران الحول, ومانع وهو الدين, لكن تأخر الوجوب ها هنا لأمر خارج, وهو كونه له مانع أو شرط, أما بالنظر إلى ذاته فهو يقتضي أن يترتب عليه وجوب مسببه من حيث هو لو سلمنا من دلالة الدليل على هذه الأمور الخارجية.
وفي هذا المخصص ثمان مسائل:
المسألة الأولى.
قال الإمام سيف الدين الآمدي: الشرط شرطان, شرط السبب, وشرط الحكم, فما كان عدمه (مخلا) بحكمة السبب (فهو) شرط السبب,
стр. 685
كالقدرة على التسليم في (باب) البيع, وما كان عدمه مشتملا على حكمة مقتضاها نقيض حكمة السبب, مع بقاء حكم السبب, فهو شرط الحكم, كعدم الطهارة في الصلاة مع الإتيان بمسمى الصلاة.
كما أن المانع مانعان, مانع السبب, ومانع الحكم, فمانع السبب: كل وصف يخل وجوده بحمة السبب يقينًا, كالدين في باب الزكاة مع ملك النصاب, ومانع الحكم: هو كل وصف وجودي حكمته مقتضاها نقيض حكمة السبب كالأبوة في باب القصاص مع القتل العدوان.
قلت: الطهارة مع الصلاة شرط شرعي, ليس من هذا الباب, بل كثير من المصنفين اغتروا بالاشتراك اللفظي الذي هو موضع للشرط المعروف وبعض أنواع الأسباب الذي هو التعاليق اللغوية, والكل يسمى شرطًا, فجعلوا الباب واحدًا, وليس كذلك.
المسألة الثانية:
صيغة الشرط أصلها (إن) , وقد تضمنها غيرها من الألفاظ نحو (إذا) في بعض أحوالها نحو: إذا جاء زيد فأكرمه, وقد لا يكون للشرط بل ظرفا محضا, نحو قوله تعالى: ﴿والليل إذا يغشى, والنهار إذا تجلى﴾ , فهي ها هنا حال صرف لا شرط فيها, وتقدير الكلام, أقسم بالليل حالة غشيانه, وبالنهار حالة تجليه.
ونحو: متى, ومتى ما, وكيف, وكيفما, وأين , وأينما, وقد تقدم سردها في باب صيغ العموم مستوعبة هنالك, فليكتف بذلك.
стр. 686
قال الإمام فخر الدين: (إن) و (إذا) وإن استويا في أن كل واحد منهما صيغة شرط, لكنهما يفترقان في أن (إن) تدخل على المحتمل لا على المحقق, و (إذا) تدخل عليهما, تقول: أنت طالق إذا احمر البسر وإن دخلت الدار, فالأول محقق, والثاني محتمل, ولا تقول: أنت حر إن احمر البسر, إلا إذا لم يتيقن ذلك.
سؤال:
إذا قلتم: إن (إن) لا يعلق عليها إلا المحتمل, كيف يرد في كتاب الله تعالى, والله تعالى بكل شيء عليم؟ فكان يلزم أن لا يرد التعليق في كتاب الله تعالى إلا بـ (إذا) ونحوها, أما بـ (إن) فلا, وقد قال الله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ , وفي آية أخرى: ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك﴾ , وهو كثير.
فإن قلت: قول العلماء: (إن) لا يعلق عليها المعلوم, لا يريدون المعلوم
стр. 687
للمتكلم, بل للسامع, والله تعالى بكل شيء عليم. غير أن الخلق لا يعلمون متعلق علمه تعالى, فصح التعليق في كتاب الله تعالى باعتبار السامعين, لا باعتبار المتكلم.
قلت: المفهوم من كلامهم أن المقصود بالمعلوم المحقق إنما هو عند المتكلم مع أنه قد وقع التعليق في الكتاب العزيز فيما هو معلوم للمتكلم والسامع معا كقوله تعالى: ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك﴾ , وقد قال الله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ , فهو ﵊ يعلم بهذا الإخبار الرباني وبغيره من قرائن الأحوال أنهم يكذبوه- والله تعالى بكل شيء عليم- فقد وقع التعليق فيما هو معلوم للمتكلم والسامع, وهو محقق مقطوع به.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ , الله تعالى يعلم أنهم في ريب, وهم يعلمون أنهم في ريب, فقد علق المعلوم للمتكلم والسامع, وتعين الإشكال حينئذ.
جوابه: أن القرآن عربي, فكلما يحسن من العربي استعماله يرد القرآن به
стр. 688
على منوال العرب, ليكون الكلام عربيًا, فكلما لو كان العربي هو المعلق علق فيه بـ (إن) , فإنه يأتي في القرآن بـ (إن) , وكلما لو كان المعلق عربيًا لا يأتي فيه بـ (إن) , لا يأتي في القرآن بـ (إن) تحقيقًا؛ لكونه عربيًا, ولا يأخذ وصف الربوبية في كونه قرآنا عربيًا, بل (على) منوال العرب فقط.
بل ينبغي أن ينبه بحرف آخر, وهو أن يكون الشيء المعلق, شأنه أن يكون مشكوكًا فيه فقط, وقد يكون معلومًا للمتكلم والسامع, كما يقول زيد لعمرو: إن جاء خالد فأكرمه, وزيد وعمرو يعلمان أن خالدًا يجيء, وعملهما بذلك لا يقبح التعليق على (إن) , بسبب أن شأن مجيء خالد أن يكون مشكوكًا فيه.
وعلى هذا يتضح الجواب أكثر, فإن المعلق في القرآن, وإن كان معلومًا للسامع والمتكلم, لكن شأن ذلك المعلق أن يكون مشكوكًا فيه, فاندفع الإشكال اندفاعًا بينًا, وهذه قاعدة حسنة يحتاج إليها في عدة مواطن من كتاب الله تعالى, فاضبطها تنتفع بها.
стр. 689
ونظير (إن) في أنه لا يعلق عليها إلا غير المعلوم, (متى) , لا يسأل أبها إلا عن زمان مبهم, فلا تقل: متى تطلع الشمس؟ , وكذلك لا يعلق عليها معلومًا, فلا تقل: متى زالت الشمس, وبقية صيغ العموم لا تكاد تدخل إلا على غير المعلوم.
قاعدة:
عشرة ألفاظ وضعت لعشر حقائق, لا تتعلق بالمعدوم والمستقبل من الزمان: الشرط, وجزاؤه, والأمر, والنهي, والدعاء, والوعد, والوعيد, والترجي, والتمني, والإباحة, فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق, لا يريد دخلة مضت ولا طلاقا متقدم, بل الجميع مستقبل, وكذلك بقية العشرة لا تتعلق إلا بمعدوم, احترازًا من الحاضر, والمستقبل من الزمان, احترازًا من الماضي, وهذه القاعدة جليلة, ولها فوائد كثيرة, وينحل بمعرفتها إشكالات عظيمة, ويتخرج بها مسائل عديدة.
المسألة الثالثة: في أن المشروط متى يحصل ؟
قال الإمام فخر الدين في المحصول: ذلك يستدعي مقدمة وهي: أن الشرط على أقسام ثلاثة.
أحدها: الذي يستحيل أن يدخل في الوجود (إلا) دفعة واحدة بتمامه, سواء كان ذلك في نفسه واحدًا لا تركيب فيه, أو كان مركبًا لا يدخل شيء من أجزائه الوجود إلا مع الآخر.
стр. 690
مثال الأول: مطلق البتة, لا يدخل إلا في زمن فرد دفعة واحدة من غير تعدد.
مثال المركب الذي لا يدخل إلا دفعة: هو كل حقيقة مركبة من جزءين يكونان معلولي علة واحدة, متى تحققت تلك العلة تحقق معلولاتها. وهذانك الجزءان يستحيل أن يتقدم أحدهما على الآخر؛ لأن شأن العلة أن لا يتقدم أحد جزئي معلولها قبلها ولا يتأخر عنها كالبنوة والأبوة, هما جزءان معلولان لعلة واحدة هي الوطء الخاص, لا يتقدم أحدهما على الآخر في الوجود, ولا يقعان إلا في زمن واحد.
ففي الزمان الذي صدق على الوالد أنه أب, صدق على الآخر أنه ابن.
والإشراق والإحراق معلولا النار, فلا يتقدم أحدهما على الآخر في الوجود, بل يتحققان عند تحقق النار, نعم قد يعلم أحدهما قبل الآخر, والعالمية والمعلومية معلولا العلم, فلا يتقدم أحدهما على الآخر البتة.
فهذه الأجزاء متى اعتبرها العقل حقيقة واحدة, استحال دخول هذا المركب في الوجود إلا دفعة, ومتى لم يعتبرها العقل حقيقة واحدة, كانا حقيقتين متباينتين من غير تركيب.
وثانيها: ما يستحيل أن يدخل بجميع أجزائه في الوجود كالكلام, فإن الحروف لا يمكن النطق منها بحرفين جملة, بل عند النطق بالزاي من زيد
стр. 691
لا ينطق بالياء ولا بالدال, وعند النطق بالدال لا ينطق بالزاي. فلا يمكن أن يوجد كلام مجتمع الحروف البتة, بل لا يدخل الكلام في الوجود إلا مندرجًا.
وثالثها: ما يصح أن يدخل في الوجود تارة بمجموعه, وتارة متفرقا, كقوله لعبده: إن أعطيتني عشرة دنانير فأنت حر, فيجوز أن يعطيها له جملة, ويجوز أن يعطيها له دينارًا بعد دينار.
إذا تقررت الأقسام الثلاثة, فالمجعول شرطًا حينئذ, إما وجود هذه الأقسام أو عدمها, فإن كان الشرط عدمها, حصل المقصود في الأقسام الثلاثة في أول زمان عدمها, قاله الإمام في المحصول.
وفيه نظر؛ بسبب أنه إذا قال لعبده: إن لم تقرأ الفاتحة فأنت حر, فمضى زمن فرد ولم يقراها فقد تحقق الشرط كما قاله الإمام, فإنه علق على العدم, وقد تحقق العدم. وكذلك إذا قال له: إن لم تعطني عشرة دنانير, فمضى زمن فرد ولم يعطه العشرة, تحقق الشرط الذي هو العدم, فالتعليق على العدم يستوي الأقسام الثلاثة في أن الزمن الفرد كاف في تحقق العدم, وهو الشرط, غير أن عادة لسان العرب والأحكام الشرعية تقتضي أن يكون مقصود المعلق أن يكون ذلك العدم شاملا لجميع العمر, ولذلك قال الفقهاء: إذا قال: إن لم أعطك دينارًا فعبدي حر, لا ينجز عليه العتق حتى ينقضي عمره, إلا أن تكون هناك نية أو قرينة أو لفظ مضاف للفظ التعليق يقتضي تعيين زمان معين معجلا
стр. 692
أو مؤجلا, فمتى تحقق العدم في ذلك الزمان المعين ترتب المشروط. غير أن بحثا في هذه المسألة في التعليق من حيث هو تعليق, لا في صميمة أخرى إليه, قال الإمام فخر الدين: وإن كان الشرط وجود هذه الأقسام الثلاثة فنقول: أما القسم الأول, فالحكم يحصل مقارنًا لأول زمان حصول الشرط.
وأما القسم الثاني, فإنه يحصل عند حصول آخر جزء من أجزاء الشرط في الوجود, فإنه الذي يعد حصولا لذلك الشرط في اللغة والعادة والشريعة, فإذا نطق بالدال من زيد بعد نطقه بالزاي والياء, يقال: نطق باسم زيد, ولا يحكم أهل العرف بوجود هذه المركبات إلا عند وجود آخر جزء من أجزائها في الوجود, والحكم كان معلقا على وجوده, فوجب أن يحصل الحكم في ذلك الوقت.
وأما في القسم الثالث فنقول: وجوده حقيقة إنما يتحقق عند دخول جميع أجزائه في الوجود دفعة واحدة, لكنا في القسم الثاني عدلنا عن هذه الحقيقة للضرورة, وهي مفقودة في هذا القسم, فوجب اعتبار الحقيقة (حتى) إنه (إن) حصل مجموع أجزائها دفعة واحدة ترتب الجزاء عليه, وإلا فلا.
هذا مقتضى البحث الأصولي, إلا إذا قام دليل شرعي يقتضي العدول عنه.
قلت: وقد قام الدليل الشرعي على عدم اعتبار ذلك, فإن السيد إذا قال لعبده: إن أعطيتني عشرة دنانير فأنت حر, فأعطاه إياها في أزمنة متعددة عتق,
стр. 693
حتى يصرح بقوله: إن أعطيتني إياها مجتمعة, وكذلك يصدق لغة أيضا أنه أعطاه عشرة, فإن إعطاء العشرة يعرض لها وصفان, الاجتماع والافتراق, وهي من حيث هي أعم من كونها مجتمعة أو متفرقة, والتعليق إنما وقع عليها من حيث هي, فيعتق بإعطائها مجتمعة ومفترقة.
وبهذا التقرير ننازع الإمام رحمة الله في أن هذا هو مقتضى البحث الأصولي, فإن الأصول مبنية على اللغة.
وقوله- أيضًا-: إن المشروط يحصل مقارنًا لأول أزمنة حصول الشرط.
وهي مسألة مختلف فيها بين العلماء, هل يحصل المشروط مع الشرط أو بعده؟ .
وجه الأول: أن الشرط غايته أن يكون كالعلة العقلية, والعلة العقلية يحصل معها معلولها معًا في الزمان, وإن كانت متقدمة عليه بالذات, ففي الزمان الذي قام بك العلم فيه حصلت لك العالمية, وإن كان العلم قبل العلمية بالذات لا بالزمان.
ووجه الثاني: أنه لو حصل معه لم يكن أحدهما مترتبا على الآخر بأولى من العكس, فيجب أن يوجد الشرط في زمان ويترتب عليه المشروط في الزمان الثاني, وعليه يتخرج: إن بعتك فأنت حر, إن قلنا بعده فلا يعتق عليه؛ لأنه بعد البيع يصير في ملك المشتري, وهو لا يعتق عليه ملك غيره, وعلى الأول يقع العتق مع البيع, فلا يصادف ملك المشتري.
стр. 694
المسألة الرابعة:
الشرطان إذا دخلا على جزاء واحد , فإن كانا شرطين على الجمع لم يحصل المشروط إلا عند حصولهما معًا كقوله: إن دخلت الدار وكلمت زيدًا فأنت حر.
ولو رتب عليهما جزاءين كان كل واحد من الشرطين معتبرًا في كل واحد من الجزاءين, لا على التوزيع, بل على سبيل الجمع؛ لأن القاعدة أن الفرق حاصل بين الشروط والعلل والأسباب فمتى كان للشيء ألف شرط لا يحصل إلا عند دخول الجميع, وإذا كانت له علل وأسباب, فتحقق واحد منها تحقق عند ذلك السبب وحده وإن لم يوجد معه غيره كنواقض الطهارة, وهو نحو العشرين, ويكفي منها واحد, والطهارة والسترة والنية واستقبال القبلة وغير ذلك شروط, ولا يكفي (في) صحة الصلاة منها واحد, بل لابد من حصول الجميع في صحة الصلاة.
وإن جعل الشرطان على سبيل البدل, كان كل واحد منهما كافيا في الحكم لأن الشرط هو المشترك بينهما, وهو مفهوم أحدهما كقوله: إن دخلت الدار أو كلمت زيدًا فأنت حر, وإذا حصل أحدهما عتق.
قلت: هذا قول الإمام فخر الدين في المحصول, وبقي عليه قسم آخر, وهو قول القائل: إن دخلت الدار إن كلمت زيدًا فأنت حرة, ولم يأت بشيء من حروف العطف.
стр. 695
قال الفضلاء: هذه مسألة صعبة التصور على أذهان الضعفاء, فإنها إن دخلت ثم كلمت زيدًا لم تعتق, وتعتق إن كلمت زيدًا ثم دخلت (الدار).
وفي تحقيق الفرق سر المسألة, فإنه لما قال: إن دخلت الدار, جعل دخول الدار شرطًا وسببا لطلاق امرأته, ثم إنه جعل لهذا الشرط شرطًا ف اعتباره وهو كلام زيد, وكذلك يسمون الثاني شرط الشرط, فيكون كلام زيد سببًا وشرطًا في اعتبار دخول الدار, وسببًا لعتقها.
والقاعدة: أن الشيء إذا وجد قبل سببه سقط اعتباره, كوقوع الصلاة قبل الزوال, فإذا وقع دخول الدار قبل كلام زيد, لا يكون معتبرًا, بل وجوده وعدمه سواء, فإذا كلمت زيدا بعد ذلك لا يلزمه عتق؛ لأنه لم يوجد سببه الذي هو دخول الدار المعتبر, فإذا كلمت زيدا أولا ثم دخلت الدار, وقع دخول الدار بعد سبب اعتباره, فيصير كوقوع الصلاة بعد الزوال, فيلزمه العتق أو الطلاق, أي شيء علقه على هذا الوجه الذي صدرا في التعليق المتقدم في اللفظ متقدم على الوقوع, والمتأخر في اللفظ متأخر في الوقوع ولم يلزم المشروط ومتى عكس فجعل المتقدم متأخرا في الوقوع, والمتأخر في اللفظ متقدمًا في الوقوع لزم المشروط, فهذا (هو) ضابط هذه المسألة وسرها, والفرق بين
стр. 696
حالتيها, وهي من المسائل التي يطرحها الفضلاء بعضهم على بعض, مع أن إمام الحرمين في النهاية اختار فيها أن يكون الحكم فيها كالحكم في الشرطين المعطوفين بالواو, فإن صورتها صورة عطف البيان, وهو ملحق بعطف النسق بالحروف وللمتكلم أن يورد شرطًا على شرط, ويجعل المشروط موقوفا على ورودهما, تقدم الأول أو تأخر, وكون الثاني شرط الشرط أمر يحتاج إلى نية, والأصل عدم ذلك, والكلام في هذه المسألة حيث لا نية.
المسألة الخامسة:
الشرط الواحد إذا دخل على مشروطين: فإما أن يدخل عليهما على سبيل الجمع, أو على البدل.
فالأول كقولك: إن دخلت الدار فعبدي حر, وعلي صدقة دينار, ومقتضى هذا التعليق لزومهما عند حصول الشرط.
والثاني كقولك: (إن دخلت الدار فعبدي حر, أو علي صدقة دينار) , ومقتضى هذا التعليق أحدهما لا يعنيه, وللقائل أن يعين ما شاء منهما؛ لأنه علق بصفة التخيير, فيختار, هذا كلام الإمام فخر الدين في المحصول.
وقال الشيخ سيف الدين الآمدي في الإحكام, وأبو الحسين البصري في كتاب المعتمد: هذه المسألة تسعة أقسام؛ لأن الشرط والمشروط: - إما أن يتحدا, أو يتعدد أحدهما, وما يتعدد منهما: - فإما على الجمع, أو على البدل, فهذه تسعة أقسام.
الأول: إن جاء زيد, وسلم عليك, فأعطه دينارًا ودرهمًا, فإذا فعلهما
стр. 697
أعطيته إياهما، وإن اختل أحدهما لم تعطه شيئًا.
الثاني: إن جاءك، وسلم عليك، فأعطه دينارًا أو درهمًا، فإن فعلهما أعطيته أحدهما، وإن اختل أحدهما، لم تعطه شيئًا.
الثالث: أن يقول: إن جاءك، أو سلم عليك، فأعطه دينارًا ودرهمًا، فإن فعل أحدهما أعطيته إياهما معًا، وإن لم يفعل شيئًا لم يستحق شيئًا.
الرابع: أن يقول: إن جاءك، أو سلم عليك، فأعطه دينارًا، أو درهمًا، فإن فعل أحدهما أعطيته درهمًا، وإن لم يفعل أحدهما لم يستحق شيئًا.
الخامس: أن يقول: إن جاءك، وسلم عليك، فأعطه دينارًا، فإن فعلهما استحقه، وإن لم يفعلهما معًا لم يستحق شيئًا.
السادس: أن يقول: إن جاء أو سلم عليك فأعطه دينارًا، أو درهمًا، فإن فعل أحدهما، استحقه وإن لم يفعل شيئًا لم يستحق شيئًا.
السابع: أن يقول: إن جاءك فأعطه دينارًا، أو درهمًا، فإن جاءك استحق أحدهما وإن لم يفعل، لم يستحق شيئًا.
الثامن: أن يقول: إن جاءك فأعطه دينارًا ودرهمًا، فإن فعل المجيء استحقهما وإن لم يفعل لم يستحق شيئًا.
التاسع: أن يقول: إن جاءك فأعطه درهمًا، فإن جاءك استحقه، وإلا فلا.
فهذه تسعة: إذا تعددا معًا، فيه أربعة مسائل: أن يكون الشرط وجزاؤه بالواو، وأن يكونا معًا بأو، وأن يكون الشرط وحده بالواو وجزاؤه بأو، وأن يكون الشرط بأو وجزاؤه بالواو.
стр. 698
وإن تعدد الشرط وحده ففيه مسألتان: - أن يكون الشرط بالواو، وبأو.
وإن تعدد الجزاء وحده ففيه مسألتان: - أن يكون بالواو، وبأو.
وإن اتحدا معًا، فهي التاسعة.
فرع:
فلو قال: إن جاء زيد فزينب طالق أو عمرة، بصيغة (أو) التي تقضي طلاق إحداهما، بعينها، ينبغي أن يجري فيه الخلاف الذي بين العلماء فيما إذا قال: إحداكما طالق وظاهر مذهب مالك ﵀ تعميم الطلاق فيهما معًا؛ لأن (أو) هي التي تفيد معنى إحداهما.
المسألة السادسة:
اختلفوا في الشرط الداخل على الجمل، هل يرجع إلى جملتها أم لا؟
فاتفق الإمامان الشافعي، وأبو حنيفة رحمهما الله: على رجوع حكمه إلى جميع الجمل- وإن كان أبو حنيفة قد منع في عود الاستثناء إلى الجمل، وخصه بالجملة الأخيرة.
وقال بعض العلماء: تختص بالجملة التي تليه، حتى إنه إن كان متأخرًا
стр. 699
اختص بالأخيرة، وإن كان متقدمًا (اختص) بالأولى.
واختار الإمام فخر الدين التوقف، كما اختاره في الاستثناء.
والفرق على قول أبي حنيفة بين الاستثناء والشرط: أن التعاليق اللغوية أسباب، والأسباب مظان الحكم والمصالح والمقاصد، فيتعين تعميمه تكثيرًا للمصلحة والحكمة، والاستثناء إنما هو إخراج لما هو غير مراد، ولعله لو بقي لم يخل بحكمه المذكور الذي هو مراد، فأمر الاستثناء ضعيف، وهو يكر على اللفظ بالتخصيص، فيختص بالأخيرة، تقليلًا لمفسدة التخصيص.
حجة القول بعودة على ما يليه خاصة: أن القرب يوجب الرجحان، فيختص بالجملة التي هي أقرب إليه كما في الاستثناء، وهو فيه- أيضًا- مفذة التخصيص، بل قد يبطل الكلام بالكلية، ألا ترى إذا قال: أكرم بني تميم واخلع على خزاعة إن أطاعوا الله تعالى، فإطلاق الكلام أولًا يقتضي تعميم الحكم في القبيلتين، فإذا علق، أمكن ألا يطيع إحداهما، فيبطل الحكم في حقها وألا يطيعا معًا، فيبطل الحكم في حقهما معًا، وأن يطيعا معًا فيثبت الحكم لهما معًا، والشرط بصدد التخصيص (والاتصال وهما مفدتان، فيقتصر على أقل ما يمكن في ذلك وهو الجملة الواحدة، ويتعين) القرينة للقرب.
المسألة السابعة:
اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، ودليله ما مر في الاستثناء.
стр. 700
واتفقوا على أنه يحسن التقييد به وإن كان الخارج بسببه أكثر من الباقي، وإن اختلفوا في ذلك في الاستثناء، وعلى أنه يبطل جملة الكلام بالتقييد به، وإن اتفقوا على أن ذلك باطل في الاستثناء.
ووجه ما تقدم: أنه سبب، فهو موضع الحكمة والمصلحة، والمصلحة يتعين التعجيل في التنصيص عليها والاهتمام بذكرها، فلذلك اتفقوا على وجوب الاتصال، بخلاف الاستثناء فقد يجوز تأخيره، لضعف الداعية لذكره؛ لأنه إخراج لما ليس فيه مصلحة الكلام، وقد لا يخل بقاؤه مع المقصود، هذا إذا فسرنا الاستثناء بإلا وأخواتها، وإن فسرناه بمشيئة الله والتعليق عليها- كما هو المروي عن ابن عباس ﵄ فالفرق، وإن كان كل واحد منهما تعليق وسبب متضمن للحكمة كما (تقدم): أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى رافع لما تقدم ومعارض له ومضاد، وهذه الأمور على خلاف الأصل، والشرط اللاحق للجمل لم تتعين مخالفة الأصل في التعليق بالشرط، بل جاز حصول الشرط في جميعها، فلا يحصل إبطال لشيء مما اقتضاه اللفظ، ويكون الشرط زائدًا في المصالح، لا معارضًا لشيء منها، بخلاف المشيئة المعارضة الرافعة لحكم ما تقدم من اليمين، فضعف عن رتبة الشرط العام، فلم تتوفر العناية به على تعجيل النطق به عند ذكر الحكم على رأي من يرى ذلك.
стр. 701
والفرق- أيضًا- في إخراج الأكثر وإبطال الكل كما إذا قال: أكرم بني تميم واخلع على خزاعة إن أطاعوا الله تعالى، فلا يطيع الأكثر، (فيبطل الحكم فيه، بسبب الشرط، أو لا يطيع الكل) فيبطل الحكم في الكل، بسبب الشرط، فيجوز اتفاقًا، بخلاف الاستثناء؛ لأن الاستثناء إذا أخرج به أكثر ما نطق به نحو: له عشرة إلا تسعة، عد أهل العرف المتكلم مقدمًا على النطق بما لا يحتاجه لغير ضرورة، وأنه أقر ثم أنكر، وأنه يناقض لفظه، واشتغل بما لا فائدة فيه وهو النطق بلفظ لم يرد معناه، وهو يعلم بذلك، وهو مقدم عليه، فيعاب ذلك عليه على رأي القاضي وغيره.
فأما الشرط، فلم يتعين فيه شيء من ذلك، فإذا قال: (أكرم قريشًا، فهذا يقتضي إكرام جميعهم، فإذا قال): إن أطاعوا الله تعالى: يحتمل أنهم كلهم يطيعون الله، فلا ينخزم من الكلام الأول شيء، ويحتمل ألا يطيع منهم أحد، فلا يبقى من الكلام الأول شيء، ويحتمل البعض والبعض، لكن عند النطق، لم يتعين الإبطال في فرد منهم، بل يكون ذلك قبيحًا، ولا يعده أهل العرف مشتغلًا بالهذر من الكلام ولا قاصدًا لما لا فائدة فيه،
стр. 702
ولا ناطقًا بما لا يحتاجه لعدم يقين الإبطال، فلذلك حسن الشرط، وإن أبطل جملة الكلام بل كله، بخلاف الاستثناء.
المسألة الثامنة:
اتفقوا على جواز تأخير النطق بالشرط وتعجيل النطق بلفظه، واختلفوا في أي ذلك أولى؟ فقال الفراء: تأخير النطق به أولى؛ لأن الشرط لا يستقل بنفسه، فأشبه الحال والتمييز والمفاعيل؛ لأن الكل فضلة في الكلام، وهذه الأمور كلها الأحسن تأخيرها، فكذلك الشرط يكون- أيضًا- كالغاية والصفة، وهذه المواطن حصل فيها الاتفاق.
ويرد عليه أن الفرق بين الشرط وغيره: أن الشرط سبب متضمن للحكمة والمصلحة بخلاف هذه الأمور، لأن النحاة يقولون: الشرط له صدر الكلام وإن تأخر في النطق، وأن جوابه لا يتقدم عليه، وأنا إذا قلنا: أنت حر (إن دخلت الدار، فقولنا: حر) سد مسد الجواب عندهم، وليس بجواب في الحقيقة؛ لأن جواب الشرط لا يتقدم عليه، بل وضعه أن يكون متأخرًا، وبالغوا في ذلك فقالوا: المفعول إذا تقدم مفعول متقدم، ولم يقولوا في جواب الشرط: جواب متقدم، مع أن كليهما على خلاف الأصل، بل قالوا: سد مسد الجواب، ولم يقولوا: جواب متقدم، فقد سامحوا في المفعول ما لم يسامحوا في جواب الشرط، وذلك يدل على أن الشرط يقتضي هذه الرتبة اقتضاء قويًا أشد من اقتضائه تأخير المفعول عن الفاعل وعن الفعل وهذا كله يؤكد قول القائل بالتقديم.
стр. 703
حجة القول بالتقديم: أن الشرط سبب، والأسباب مؤثرة في مسبباتها، ووضع المؤثر وطبعه أن يكون متقدمًا على الأثر بالذات. وما كان متقدمًا طبعًا وجب أن يتقدم وضعًا؛ تسوية بين التقدم الطبعي والتقدم الوضعي، وهو متجه.
стр. 704
المخصص الثالث المتصل: الغاية
وغاية الشيء طرفه ومنقطعه، و فيه ثلاث مسائل
المسألة الأولى:
ألفاظ الغاية وهي: حتى، وإلى، كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، وقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾.
واختلف في مدلول هذه الصيغ، هل هو وجودي؟ وهذا يرجع إلى الخلاف بين العلماء في سطح الشيء هل هي وجودي أو عدمي؟ بناء على أن سطح الجسم (آخر أجزاء) الجسم، فيكون وجوديًا؛ لأن آخر أجزائه هو الجزء الأخير، والجزء الأخير وجود، فالسطح وجودي، أو سطح الجسم فناء أجزائه وانقضاؤها وهو أول عدم غيرها، فيكون السطح عدميًا، والغاية والنهاية والسطح معنى الجميع واحد فيكون الخلاف فيها واحدًا.
стр. 705
المسألة الثانية:
التقييد بالغاية يقتضي أن يكون الحكم فيما وراء الغاية وهو نقيض الحكم الذي قبلها؛ لأن الحكم لو بقي فيما وراء الغاية لم تكن الغاية منقطعًا، فلم تكن الغاية غاية، وهذا معنى قول العلماء: إن الغاية لها مفهوم وهو أحد أقسام مفهوم المخالفة.
وأما ما جعل غاية في نفسه، فهل يندرج في حكم المغيا أم لا؟ أربعة مذاهب:
أحدها: ما يندرج، كما في قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ والمرافق تغسل مع اليد.
وثانيها: لا يندرج، كما في قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، فالليل لا يصام مع النهار إجماعًا.
وثالثها: التفصيل بين أن يكون من جنس المغيا فيندرج، أو من غير جنسه فلا يندرج كما في قوله: بعتك هذا الرمان من هذه الشجرة إلى هذه
следующие страницы →