Полный текст (844 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
للعموم، فسماها كلية لا كلي، وقد تقدم الفرق بينهما، وخرج أيضا المضاف؛ لأنه للعموم كالمعرف باللام، ولم يبق من المعارف إلا أسماء الإشارة، وقد خرجت بقولي: (لا مبهم) فصار حد النكرة منطبقا عليها.
وأما المعرفة فهي: اللفظ الموضوع لمعنى جزئي أو كلي لا يتردد الذهن فيه، أو كلية، فالجزئي كالأعلام، والكلي كالأسماء المبهمة نحو: هذا، وذاك، وأولئك، فإنها موضوعة لمعنى كلي وهو مفهوم المشار إليه، لكنها لما لم تستعمل إلا مع الإشارة/ لم يقع التردد عند العقل في موارد ذلك المسمى، ولذلك سميت معارف، فخرجت النكرة بهذا القيد.
وقولي: (أو كلية) ليندرج المعرف باللام والإضافة، فإنهما موضوعان للعموم، فهي كلية والنكرات لكلي فافترقا، فصار هذا الحد منطبقا على المعرفة مع اختلاف أنواعها.
فإن قلت: المعرفة بلام العهد معرفة وليس للكلية، بل شخص معين والذي والتي يوصلان بصلة لا يتعدى شخصا معينا، وهي معارف وليست للكلية بل للكلي، وليس في حد ما يخرجها، وإذا قلنا: غلام زيد، أو مال زيد، فإنه معرفة وليس للكلية، فلم يندرج (في الحد).
قلت: أما لام العهد فمجاز عند الفقهاء وجميع المعممين بها، وهي حقيقة في العموم فقط، والحدود إنما تتناول الحقائق ولا ترد المجازات عليها
стр. 72
نقوضا، كما لا يرد الإنسان المصور في الحائط نقضا على حد الإنسان؛ لأنه مجاز.
فأما الذي والتي ونحوهما: فإنها موضوعان لكل من اتصف بتلك الصفة على وجه الشمول.
غاية ما في الباب: أن الواقع من المتصف فرد معين وكون الواقع كذلك لا يمنع أن الصيغة للعموم، فإن صيغة (المشركين) للعموم، وقد لا يكون الواقع منها إلا واحدا ولا يخل ذلك بالعموم، فالحكم الواقع غير الحكم الذي وقع به العموم، وسيتضح ذلك إن شاء الله تعالى في باب خصائص العموم في كون (من) الاستفهامية للعموم، في قولك: من في الدار؟ فيقال لك: زيد، فيكون جوابا مطابقا، مع أن (زيد) لا يطابق العموم، فكيف يجمع بين كونها للعموم مع مطابقة (زيد) في الجواب؟ وسيأتي الجواب عن هذا السؤال، إن شاء الله تعالى فيتضح به الجواب عن الموصولات.
أما (غلام زيد) و (مال زيد) فهو اسم جنس أضيف، فيعم - أيضا- على ما هو منصوص للأصوليين والواقع منه فرد، مع أن الصيغة أصل وضعها للعموم، وقد تقدم أنه لا مناقضة بين العموم وكون الواقع ليس عاما بل لا يقع شيء من العموم ألبتة، فقد يقال لك، من في الدار؟ فتقول: ليس في الدار أحد، وهو جواب مطابق إجماعا، فظهر اندفاع هذه الأسئلة وصحة الحد وهو/ المطلوب.
стр. 73
فائدة عظيمة
بقيت من هذا الباب وهي متعلقة به، من باب ما وضع للجزئي والكلي: وهي لفظ وضع لجزئي وذلك الجزئي بعينه هو كلي، وكون الشيء جزئيا كليا يقتضي اجتماع النقيضين، فإن الكلي هو: الذي لا يمنع تصوره من الشركة، والجزئي: هو الذي يمنع تصوره من الشركة، والمنع وعدمه نقيضان، فمن العجائب اجتماعهما في مسمى واحد.
(وبيان ذلك): أنه علم الجنس وكان الشيخ شمس الدين الخسر وشاهي لما ورد البلاد يدعي أن أحدا لا يعرف حقيقة علم الجنس إلا هو والظاهر صدقه، فإنني لم أر أحدا يحققه إلا هو.
ووجه الإشكال فيه- أيضا- مضافا لما تقدم: أن أسامة مثلا الذي هو علم جنس الأسد يصدق على كل أسد، واسم الجنس الذي هو أسد يصدق على كل أسد، فكيف يقال: إن أسدا اسم جنس وأسامة علم الجنس، مع استوائها في أن كل واحد منهما موضوع لمعنى كلي، وأن كل واحد منهما يصدق على ما لا نهاية له؟ !
стр. 74
فإن قلت: الفرق بينهما أن العرب صرفت لفظ (أسد) ولا صرفت لفظ أسامة، وليس المانع من الصرف إلا العملية والتأنيث، فدل ذلك على أن (أسامة) علم، فهذا هو الفرق.
قلت: المانع من الصرف من آثار العلمية، (فهب أنا استدللنا بالأثر على الأثر، لكن يمكننا أن نتصرف العلمية، والفرق بين ما هو مساء للفظ الأسد الذي هو نكرة، والمساوي للنكرة نكرة، فلا بد من تلخيص نظهر به الفرق بين اسم الجنس ولفظ علم الجنس بحيث يكون واضحا موافقا للقواعد.
ووجه التحرير في ذلك أن نقول: الوضع فرع التصور، فلا يضع الواضع لفظا لمعنى حتى يتصور ذلك المعنى قبل (ذلك) الوضع، فإذا استحضر صورة (الأسد)، - مثلا- ليضع لها، فتلك الصورة الحاصلة في ذهنه فرد مشخص من أفراد تصور (الأسد) ويدلك على ذلك أنه قد يذهل عن هذه الصورة، ثم يتصور الأسد مرة أخرى، فتكون هذه الصورة الثانية فردا آخر مثل الأولى، وكذلك دائما يتكرر على ذهنه/ صورة (الأسد) فردا بعد فرد، وكذلك يكون في ذهن غيره صورة (الأسد) في الزمن الذي يكون هو متصورا (للأسد)، فيكون الذي في ذهن الواضع والذي في ذهن غيره
стр. 75
صورتين متماثلتين، وهما فردان من أفراد تصور (الأسد)، فعلم أن الحاضر في ذهن الواضع حالة الوضع صورة مشخصة من أفراد تصور (الأسد)، وأنها مشتملة على (تصور) مطلق صورة (الأسد)؛ لضرورة اشتمال كل شخص من نوع على ذلك النوع، فهذه الصورة- حينئذ- لها خصوص وهو تشخصها وكونها هذه الصورة ولها عموم، وهو نوعها، وكونه مطلق الصورة إذا تصورت في هذه الصورة ولها عموم، وهو نوعها، وكونه مطلق الصورة إذا تصورت في هذه الصورة جهة عموم وجهة خصوص، فللواضع أن يضع (لها حينئذ) من جهة خصوصها، كما يضع لفظ (زيد) لشخص (زيد) في الخارج، له أن يضع لها من جهة عمومها، كما وضع لفظ (الإنسان) للقدر المشترك من (زيد) و (عمرو) فإن وضع لها من جهة عمومها، فذلك اللفظ الموضوع حينئذ هو اسم جنس نحو (أسد)، إن وضع لها من جهة كونها تلك الصورة الخاصة، ويضم الخصوص للعموم، فهذا اللفظ الموضوع حينئذ هو علم الجنس نحو (أسامة).
فيكون الفرق بين علم الجنس واسم الجنس: أن اسم الجنس: موضوع للقدر المشترك (بين الصور الذهنية، مع قطع النظر عن الخصوص، وعلم الجنس: هو موضوع للقدر المشترك) بقيد الخصوص الذهني الذي هو التشخيص في الذهن.
стр. 76
ويكون الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص: أن علم الشخص: هو الموضوع المشترك بقيد الشخص (الخارجي، وعلم الجنس: هو الموضوع المشترك بقيد التشخيص) الذهني.
وكان هذا التقرير في غاية الجودة من جهة أن التشخص والخصوص لم يفارق العملية، لا في علم الشخص ولا في علم الجنس، فصار محل الإشكال الذي هو علم الجنس في غاية المشابهة للجلي الواضح المعلوم، الذي هو اسم الجنس، وأبعد أحوال المجهول (أن تبين) أنه مساو للعموم وها هنا كذلك، فتأمله.
فإن قلت: إذا كان علم الجنس موضوعا لجزئي مشخص، وهو تلك الصورة، فكيف يمكن أن يقال بعد ذلك، إنه يصدق على كل (أسد)؟ فإن الجزئي لا يقبل الشركة، وهذا جزئي فلا يقبل الشركة، أو يقال: إنه يقبل الشركة/ فلا يصح ما قلتموه إنه وضع لجزئي، فالجمع بين كونه جزئيا ويقبل الشركة لا سبيل إليه، فهذا إشكال قوي لا بد من الجواب عنه، ليتحصل المقصود من التقرير السابق.
قلت: الصورة الذهنية إنما حصلت في الذهن بعد التجريد من الجزئيات،
стр. 77
فصدقت على الجزئيات.
بيانه: أنا إذا جردنا (زيدا) أيضا عن مشخصاته، لم يبق في ذهننا إلا القدر المشترك الذي هو الحيوان الناطق، فإذا جردنا (عمرا) أيضا عن مشخصاته لم يبق في ذهننا إلا الصورة الأولى، فكذلك تجريد بقية الأشخاص، وهذه الصورة الجزئية لما كانت إنما حصلت في الذهن من تجريد (زيد) و) عمرو) وجب أن يصدق على (زيد) و) عمرو)؛ لأنها مجردة منهما، وكذلك الكلام في غيرهما؛ لأن المجرد عن الشيء لا بد أن يصدق على الشخص المجرد بالضرورة، وإلا لما يكن مجرد منه بل مباينا له، فحصل - حينئذ- لهذه الصورة: أنها كلية من جهة صدقها على كثيرين، وأنها جزئية من جهة أنها فرد من أفراد تصور هذا النوع، وتعاقب أمثالها بعدها بسبب تخلل المتعقلات فاجتمع الجزئي والكلي في شيء واحد، وكان الجزئي صادقا على كثيرين، بل ما لا يتناهى وهو جزئي، فكان اللفظ الواحد موضوعا لشيء واحد وهو جزئي، وذلك الجزئي بعينه هو كلي، فهو من غرائب المعقولات وعجائب الموضوعات، ولا تجد له نظيرا من نوعه في الموضوعات، بل كل موضوع في لسان العرب إما لجزئي محض كعلم الشخص، أو كلي محض كاسم الجنس واسم العدد والمضمرات وغيرها من المعارف، كما تقدم أنها موضوعة لكليات.
стр. 78
فإن قلت: فصيغة العموم هي عندك (موضوعة) لكلي أو جزئي، فعلى الأول: يلزم أن تكون مطلقة، وليس كذلك، وعلى الثاني: يلزم أن يكون علما، وليس كذلك، فيتعين أن صيغة العموم قسم آخر، ويبطل ما ذكرته من حصر الموضوعات في الجزئي والكلي.
قلت: نختار أن صيغة العموم موضوعة لجزئي، بناء على قول الكل من أرباب الاصطلاح/ أن الجزئي هو: الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، ونحن إذا تصورنا كلية أفراد الإنسان أو غيره حتى لا يبقى فرد من ذلك النوع، ونحن إذا تصورنا كلية أفراد الإنسان أو غيره حتى لا يبقى فرد من ذلك النوع، وحصرت هذه الكلية في ذهننا مستوعبة استحال أن يقدر على فرد آخر منها، وإذا استحال تثنيتها وجمعها امتنع قبولها للشركة فقد تصور معناها مانعا من قبول الشركة، وهذا هو حد الجزئي، فيكون جزئية فثبت حصر الموضوعات إما لجزئي وإما لكلي، ولم يوضع لهما معا إلا علم الجنس.
стр. 79
وكذلك اسم العدد الذي هو (عشرة) - مثلا- وضع لمرتبة معينة من العدد نجدها تارة عارضة للثياب، وتارة للدنانير، وتارة لغيرهما، وهذا اللفظ الذي هو لفظ (العشرة) موضوع للقدر المشترك بين هذه العوارض.
стр. 80
الباب السابع في الفرق بين العموم اللفظي والعموم المعنوي
اعلم أن العموم اللفظي عكس العموم المعنوي في أحكام النفي والإثبات، وذلك من أربعة أوجه:
الفرق الأول: أن العموم المعنوي مع خصوصه لكل واحد منهما وجود وعدم ، فللحيوان وجود وعدم، وللإنسان وجود وعدم، وهو الخاص المعنوي، والحيوان هو العام المعنوي بالنسبة إليه: فيلزم من نفي العام نفي الخاص، ومن وجود الخاص وجود العام، ولا يلزم من وجود العام وجود الخاص ولا عدمه، ولا من عدم الخاص وجود العام ولا عدمه، فاثنان منتجان واثنان عقيمان، فالمنتجان: عدم العام ووجود الخاص، والعقيمان: وجود العام، وعدم الخاص، فكل ما وجوده منتج فعدمه عقيم، وكل ما عدمه منتج فوجوده عقيم، فيلزم من عدم الحيوان في الدار عدم الإنسان، ويلزم من وجود الإنسان في الدار وجود مطلق الحيوان في الدار، (ولا يلزم من وجود الحيوان في الدار) وجود الإنسان؛ لاحتمال تحققه في الفرس، ولا عدمه؛ لاحتمال تحققه في الإنسان، ولا يلزم من عدم الإنسان من الدار عدم مطلق الحيوان من الدار؛ لاحتمال وجود في الفرس ولا وجود مطلق الحيوان/ في الدار؛ لاحتمال عدم كل حيوان مع عدم الإنسان، فيبقى مطلق الحيوان.
стр. 81
إذا تقرر عندك أحكام العام والخاص المعنويين في أحكام الوجود والعدم فاعلم أن العام اللفظي والخاص اللفظي على العكس من ذلك.
بيانه: أن لفظ (المشركين) عام و) الذميين) خاص بالنسبة إلى المشركين، فيلزم من قتل جميع المشركين من غير تخصيص وثبوت معنى العموم ثبوته في الخصوص الذي هو الذمة وغيرهم، ويلزم من انتفاء الخصوص- وهو انتفاء القتل في بعض المشركين- انتفاء العموم؛ لأنه حينئذ يكون ليس على عمومه، بل مخصوصا، وهذان المنتجان حينئذ كانا عقيمين في العموم والخصوص المعنويين، وهما وجود العام وعدم الخاص، فقد صار هاهنا في اللفظين منتجين، فاستلزم عدم الخاص عدم العام، واستلزم وجود العام وجود الخاص، ولا يلزم من ثبوت الخاص في اللفظي ثبوت العموم، فإن كل عام مخصوص ثبت الحكم فيه للخاص الذي هو بعضه ولم يثبت للعموم الذي هو الكلية، ولا يلزم أيضا من انتفاء العموم اللفظي انتفاء الخصوص، فإن كل عام مخصوص انتفى العموم فيه فليس إذا، ولم ينف الخصوص، بل يثبت الخصوص مع انتفاء العموم، ولم ينتف الخصوص
стр. 82
عند انتفاء العموم، وقد كان الأمر في العموم والخصوص المعنويين على العكس من ذلك، فقد صار المنتجان في العموم والخصوص المعنويين عقيمين في العموم والخصوص اللفظين.
فهذه أحكام أربعة بين البابين قد تعاكس فيها البابان وتباينا؛ بسبب أنه لا يلزم من نفي الموجبة الكلية نفي الموجبة الجزئية، ولا ثبوت الموجبة الجزئية ثبوت الموجبة الكلية، والعموم والخصوص اللفظيان هما من باب الجزئية والكلية، لا من باب الجزئي والكلي، فهذا هو سبب التعاكس في الأحكام، فتأمل ذلك، واحترز أن نختلط عليك الأحكام بسبب الاشتباه في لفظ العموم والخصوص، فترى حكم أحدهما وأنت في الآخر، بل إذا قصدت/ أن تحكم بحكم من هذه الأحكام الأربعة فتأمل هل أنت في اللفظي أو في المعنوي وحينئذ تحكم بما تريده.
الفرق الثاني: أن العموم المعنوي جزء مدلول العموم اللفظي؛ لأن مدلول العموم اللفظي كلية، وأفراد الكلية لا بد أن تشترك في معنى كلي ، وكل معنى كلي هو كلي معنوي، فالكلي والمعنوي جزء مدلول العموم اللفظي.
стр. 83
الفرق الثالث: أن العموم المعنوي يصدق في الوجود بفرد، ويثبت حكمه ويسقط الاستدلال بلفظه على فرد آخر ، وبخرج عن العهدة بذلك، والعموم اللفظي لا يصدق بالفرد في الوجود، ولا يخرج المكلف عن عهدته بفرد، بل لا بد من كل فرد؛ لأن هذا هو شأن الكلية.
الفرق الرابع: أن عدم الحكم في العموم المعنوي في فرد من أفراده لا ينافي صدقه في الوجود؛ لاحتمال ثبوته في فرد آخر وهو كاف فيه ، وعدم الحكم في فرد من الأفراد- أي فرد كان- ينافي ثبوت الحكم لمدلول العموم، فإنه حينئذ يكون مخصصا، بل لا بد من استيعاب تلك المادة في جميع أفرادها، في العموم اللفظي يناقضه مطلق السلب، بل السلب الكلي، بحيث لا يكون الحكم ثابتا في فرد ألبتة.
стр. 84
الباب الثامن في خواص العموم اللفظي
اعلم أن هذا العموم اللفظي له ثمان خواص:
الخاصية الأولى: أن دلالته على ثبوت حكمه لفرد من أفراده خارجة عن الدلالات الثلاث المقررة في الألفاظ وهي: المطابقة، والتضمن، والالتزام، لم يذكروا لها قسما رابعا، وهذه الدلالة في باب العموم قسم رابع وهي نقض عليهم.
وبيانه: أن دلالة لفظ (المشركين) - مثلا- على (زيد) المشرك لا يمكن أن يكون دلالة مطابقة؛ لأن دلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على تمام مسماه، وزيد ليس تمام مسمى اللفظ العام، بل هو موضوع لزيد مع غيره على ما تقدم بيانه، فهو فرد من أفراد الكلية التي هي مسمى المشركين، ولا يكون كمال مسمى لفظ (المشركين).
стр. 85
ولا يمكن أن يكون دلالة لفظ (المشركين) على (زيد) دلالة تضمن؛ لأن دلالة التضمن/ هي دلالة اللفظ على جزء مسماه، وليس (زيد) جزءا من المسمى؛ لأن الجزء هو الذي يقال له قبالة الكل، فلو كان زيد جزءا لكان مسمى العموم كلا، وليس هو كذلك؛ لأن العموم لو كان مسماه كلا لتعذر الاستدلال به على ثبوت حكمه فرد من أفراده حالة النهي أو النفي كما تقدم بياناته في باب حقيقة العموم وحده، وإذا لم يكن كلا لا يكون زيد جزءا بالقياس إليه، فإن جزءا بدون كل محال، كما أن كلا بدون جزء محال، فالجزء والكل من الأمور الإضافية الذي لا يعقل أحدهما بدون الآخر، وإذا بطل أن زيدا جزء بالنسبة إلى مسمى صيغة العموم يطل أن تكون صيغة العموم دالة عليه بالتضمن.
ولا يمكن أن تكون صيغة العموم دالة عليه بالالتزام؛ لأن دلالة الالتزام هي: دلالة اللفظ على لازم مسماه.
ولو كان زيد لازما لمسمى العموم لكان عمرو مثله، وكذلك كل شخص يشير إليه العقل.
وإذا كانت الأفراد كل واحد منها لازما فأي شيء حينئذ هو المسمى؟ فلا نجد مسمى إلا مجموع هذه الأفراد على سبيل الكلية لا على سبيل الكل،
стр. 86
فيتضح حينئذ أن زيدا وغيره من الأفراد ليس لازما للمسمى، وإذا لم يكن لازما للمسمى لا يكون اللفظ دالا عليه بالالتزام، فبطل أن تكون صيغة العموم دالة على فرد من أفرادها بأحد الدلالات المذكورة، وأن هذه دلالة أخرى وهي دلالة لفظ الكلية على الجزئية، وهي غير دلالة لفظ الكل على الجزء؛ لما تقدم من أن الكلية لو كانت كلا لتعذر الاستدلال بها على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها في النفي والنهي، فهذه خاصية من خواص صيغ العموم.
الخاصية الثانية: هي عدم التناهي ، فإن مدلول صيغة العموم كلية غير متناهية الأفراد؛ لأن معناها استيعاب جميع الأفراد التي يصدق عليها (مشترك الأفراد)؛ بحيث لا يبقى فرد إلا شمله الحكم، وهذا لا يمكن أن يعقل مع التناهي، فإنا لو قضينا بالتناهي والوقوف عند حد من الأعداد في الأفراد لكان إذا وجد فرد بعد ذلك العدد فيه ذلك المعنى المشترك/ كمفهوم المشترك مثلا لا يثبت ذلك الحكم فيه، وليس كذلك بإجماع القائلين بالعموم، فلا يستقيم حينئذ القول بالعموم إلا إذا قلنا: بأن مدلول العموم كلية غير متناهية الأفراد ولا يعلم اللفظ وضع في اللغات وهو لفظ مفرد لعدم النهاية بهذا التفسير إلا صيغ العموم، فكان عدم النهاية من خواص صيغ العموم.
فإن قلت: قول القائل: عبيدي أحرار من صيغ العموم عند القائلين به،
стр. 87
مع أن الذي يملكه الإنسان عدد محصور قطعا، وربما كان العبيد ثلاثة فقط، وهذا محصور قطعا، وكذلك قول القائل: أعط هذه الدراهم لمن في الدار، والذي في الدار محصور قطعا، وقد يكون واحدا، ومن المحال أن يكون في الدار عدد غير منضبط، (بل هو منضبط) بعدد محصور قطعا، فبطل القول بأن مسمى صيغ العموم لا بد وأن يكون غير متناه.
نعم، قد يكون غير متناه نحو: اقتلوا المشركين، وقد يكون متناهيا نحو المثل المتقدمة، وكذلك قول القائل: كل من خلقه الله الآن ممكن، فهذا من أبلع صيغ العموم، مع أن محصور في (الآن)، والآن زمن فرد لا يقبل أن يكون فيه من المخلوقات ما لا يتناهى؛ لأنه قد قامت البراهين العقلية على استحالة دخول ما لا يتناهى في الوجود دفعة، فالواقع حينئذ في الزمن الموصوف بقولنا: (الآن) عدد محصور متناه، مع أن هذا اللفظ من أبلغ صيغ العموم، فيبقى حينئذ أن الصيغة العامة قد يكون مسماها محصورا وقد يكون غير محصور، فإطلاق القول بأن مسماها دائما غير متناه لا يستقيم.
قلت: أسئلة حسنة قوية، ومع ذلك فالجواب عنها يبنى على قاعدة، وهو أن الواقع من العموم لا يلزم أن يكون مسمى العموم، بل الواقع له حكم، والعموم من حيث هو عموم حكم، فالواقع دائما متناه والعموم دائما غير متناه، فتأمل ذلك.
стр. 88
فإن قول الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ وجوب القتل، وهو الحكم الذي حصل به العموم في هذه الصيغة شامل لما لا يتناهى عند ورود الصيغة، وقد لا يكون في الوجود ذلك الوقت مشرك ألبتة، ألا ترى إلى قولنا: اقتلوا العنقاء/ أو الآدمي الذي له ألف رأس، لفظ عام في المذكور، وحكم مقرر عند السماع في أفراد غير متناهية وليس في الخارج منه فرد واحد البتة، ولم يناف عدم الوقوع في الخارج ثبوت الحكم للعموم على عمومه من غير تخصيص، وإنما علمنا وجود المشركين في الخارج بالوجدان الحسي، لا من جهة أن الصيغة عامة، والعموم متحقق، وإن لم يكن في الخارج منه فرد ألبتة، فعلمنا أن الحكم الذي يقع به التعميم إنما يتعلق بذلك العدد فقط.
وكذلك قول المستفهم: (من عندك؟ )، عام عند القائلين بصيغ العموم.
стр. 89
ومع ذلك فإنك تقول في الجواب: زيد، ويكون جوابا مطابقا، مع أن (زيدا) لا يمكن أن ينطبق على العموم، وأجمع الناس على أ، هـ جواب صحيح كامل، فيكون حكم الوقوع والكون عندك خاصا بواحد محصور، والحكم الذي وقع به العموم والاستفهام شامل لجميع مراتب العقلاء، الذي يمكن أن يكون عندك، بل أبلغ من ذلك أن تقول (له: ليس) عندي أحد، ويكون جوابا مطابقا، مع أنك لم تذكر زيدا ولا غيره فيعلم بالضرورة أن حكم الكون عندك ليس هو الحكم الذي وقع به التعميم، فإن الكون منفي بالكلية عن جميع الأفراد، والاستفهام شامل وواقع بجميع الأفراد، وإذا ظهر لك أن حكم الكون في الوجود غير الحكم الذي وقع به التعميم، فنقول: قول القائل: عبيدي أحرار، وهو من صيغ العموم، والصفة التي هي القدر المشترك الذي وقع به التعميم هي وصف العبودية المضاف إليه، والحكم المرتب على هذا الوصف المشترك هو الحرية والإعناق، فمقتضى هذه الصيغة: أنه مهما وجدت العبودية المضافة إليه ترتب هذا الحكم، ويتبع كذلك في جميع موارد هذا الوصف المشترك، كما يتبع بوجوب القتل جميع موارد المشترك حيث كان ومتى كان، هذا هو حكم التعميم، وإعطاء الصيغة حقها من حيث هي
стр. 90
صيغة عموم، ولذلك إنا نقول: أي عبد وجد في ملكه يعتق، (إشارة) إلى عدد محصور ألبتة، فقد يكون الواقع/ أنهم ثلاثة، أو مائة ألف، التعميم في الجميع سواء بمقتضى صيغة العموم، لكن الواقع دائما في عدد معين، كما كان الواقع دائما محصورا في عدد معين، فحكم الوقوع غير الحكم الذي وقع به التعميم، ومقتضى الصيغة أنا نعتق ما لا يتناهى من العبيد، غير أن العقل منع أن يقع في ملكه غير متناه في زمن التلفظ، ولا يلزم من منع العقل من وقوع شيء ألا يكون الحكم عاما فيما لا يتناهى، ألا ترى إلى قول القائل: كل عشرة هي فرد من الدنانير [هي] صدقة لوجه الله تعالى أو: كل إنسان هو جماد فإنه ممكن، صيغ عامة لا تختص فيها، متناولة لما لا يتناهى، ومع ذلك فقد دل العقل على استحالة وقوع فرد من هذين العمومين في الوجود، ولم يناف ذلك العموم، وصدق حكمه على العموم، فحكم الوقوع غير الحكم الذي وقع به التعميم.
كذلك مدلول قوله: عبيدي أحرار، عام وغير متناه، ودل العقل على أن الواقع في ملكه لا يكون إلا متناه، ولا ينافي بين الحكمين، فإذا لم يتناف العموم ووقوع عدد محصور، وأصل ذلك كله أن يتقرر عندك أن حكم الوقوع غير الحكم الذي وقع به التعميم، وأنه لا ملازمة بين الوقوع والعموم.
وقد شرع الله- تعالى- حكم اللعان في المتلاعنين، وهم عدد غير متناه بالنظر إلى عموم الصيغة ومع ذلك لم يقع في الوجود من زمن رسول الله من هذا العموم إلا فرد أو فردان فقط، ولم يناف ذلك أن الحكم
стр. 91
عام فيما لا يتناهى من الأزواج.
وكذلك قول القائل: أعط هذه الدراهم من الدار، الوصف الذي يجب تتبعه في موارده ويحصل به العموم هو العاقل الكائن في الدار، وهذا من حيث التعقل يقبل أن يقع في محال غير متناهية لولا دلالة العقل على أن الله تعالى لا يمكن أن يوجد في الدار عددا غير متناه، ولولا هذا الدليل العقلي لعممت فيما لا يتناهى بمقتضى الصيغة، لكن دل العقل في الواقع على شيء ودلت الصيغة على العموم فيما لا يتناهى، فمدلول الصيغة من حيث هو/ مدلولها غير متناه، ومدلول العقل متناه، وقد تقدم أنه لا تنافي بين عدم النهاية في العموم والنهاية في الوقوع، بل العدم الكلي في الوقوع لا يتنافي العموم وعدم النهاية كما تقدم بيانه.
стр. 92
وكذلك قول القائل: كل من خلقه الله تعالى الآن ممكن، صيغة عموم يقتضى أن الموجود المخلوق غير متناه، غير أن الدليل العقلي لما دل على أنه لا يمكن أن يخلق في الزمن الفرد- الذي هو الآن- حوادث غير متناهية، بل متناهية قطعا، فيصير الثابت للصيغة من حيث هي صيغة عموم عدم التناهي، والثابت من حيث الدليل العقلي التناهي، (ولا ينافي) كون الصيغة تستحق لذاتها عدم التناهي ولا يقع ذلك المستحق لمانع عقلي أو غيره كما تقدم، مع أنك ستقف على (أن) المخصصات المتصلة عشرة: أحدها: الظروف، وثانيها: المجرورات، فعلى هذا هذه المثل [إن] اقترنت بها المخصصات منعنا من اعتقاد إرادة ظاهر العموم، وهو عدم النهاية ولا يلزم من عدم اعتقادنا عدم النهاية عند عدم القرينة اعتقادنا النهاية عند القرينة، فمدلول اللفظ قد ينتفي عنه لعارض.
فإن قلت: يدعى عد النهاية في صيغ العموم بتفسير واحد أو بتفسيرين؟
قلت: قولنا: العموم الفلاني غير متناه له تفسيران:
أحدهما: مسلوب النهاية على الإطلاق، ومن هذا التفسير قولنا:
стр. 93
معلومات الله (تعالى) غير متناهية، أي: لا غاية لها ولا طرف، ومنه: الممكنات في مادة الإمكان غير متناهية.
وثانيهما: ما له نهاية في نفسه لكن لا يجب الوقوف عندها، ومن هذا التفسير قولنا: مقدورات الله تعالى غير متناهية، مع أن ما توجه القدرة دائما متناه؛ لأن العالم حادث، فللحوادث أول وآخر، وغايتها الآن الذي نحن فيه، والمحصور بين حاصرين متناه قطعا، فالمقدورات متناهية؛ لأن لها غاية دائما، لكنها لما كانت تلك الغاية لا يجب الوقوف عندها بل يجوز إيجاد أمثال، لكنها لما كانت تلك الغاية لا يجب الوقوف ع ندها بل يجوز إيجاد أمثال ما وجد من الحوادث المقدورة، قيل لذلك: المقدورات غير متناهية.
/ ومن هذا الباب قولنا: نعيم أهل الجنة غير متناه؛ لأن له مبدأ وهو
стр. 94
أول دخولهم، وأي زمن فرضت وصولهم في الخلود إليه كان ذلك هو غاية نعيمهم، لكن لما كان لا يجب الوقوف عند تلك الغاية في حقهم بل ينتقلون (إلى غاية بعد غاية بعد غاية) كذلك دائما، قيل: نعيمهم غير متناه، مع أن لهم غاية دائما، فظهر لك أن قولنا: نعيم أهل الجنة غير متناه: من باب قولنا: المقدورات غير متناهية، لا من باب قولنا: المعلومات (غير) متناهية.
وكذلك قولنا: الأعداد غير متناهية معناه: أنا إذا وصلنا إلى رتبة من العدد فإنه لا يجب الوقوف عندها، بل يجوز انتقالنا إلى رتبة أخرى فوقها، فالعدد دائما له نهاية لكن لما لم يجب الوقوف عند تلك الغاية قيل: العدد غير متناه، ولكل واحد من القسمين نظائر كثيرة فتأملها في مواضعها.
فعلى هذا، المعلومات ثلاثة أقسام:
ما هو متناه بكل تفسير نحو: العشرة، وكل رتبة معينة من العدد فإن لها غاية يجب الوقوف عندها (ومتى كان للشيء غاية يجب الوقوف عندها)
стр. 95
كان متناه بالتفسيرين.
وما هو متناه اتفاقا: وهو ما ليس له غاية كالمعلومات.
وما هو غير متناه على اصطلاح دون اصطلاح: وما له غاية لا يجب الوقوف عندها، (فإذا قلنا): إن المتناهي ما (ليس) له غاية كان هذا القسم متناهيا، (وإذا قلنا): إن غير المتناهي يطلق على ما لا يجب الوقوف (عليه) عند غايته كان هذا القسم غير متناه، وهو متناه بتفسير، غير متناه بتفسير آخر.
إذا علمت هذا التلخيص، فقولنا: كل معلوم لله تعالى مخبر عنه، فهذه صيغة عموم مسلوب النهاية، وهذا كلام عربي حقيقة لا مجازا، واللفظ مستعمل فيما وضع له من العموم، وكذلك قولنا: كل مخبر عنه لله تعالى بالكلام النفساني، معلوم له، وكل ممكن فإنه يصح تعلق القدرة القديمة
стр. 96
به نحو هذه الموارد، فإنها كلها غير متناهية مسلوبة النهاية، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فتكون صيغة العموم موضوعة لما لا يتناهى بهذا التفسير.
стр. 97
وقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ يقتضي أن مهما وجد مشرك في الوجود/ وجب قتله، وإذا وصلنا في القتل إلى غاية لا يجب الوقوف عندها بل يجب الانتقال إلى ما وجد بعدها.
وكذلك قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ و ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وأخواتكم .. ﴾ الآية، ونحو ذلك، فإنه يقتضى أنه مهما وجد ميتة أو فرد من هذه الأجناس المذكورة فإن التحريم يتعلق به، وقبل وجوده لا يحرم، ومهما وصلنا إلى غاية فإنه لا يجب الوقوف عندها، بل نتجاوزها إلى ما يوجد بعدها.
والظاهر: أن (هذا الاستعمال) - أيضا- حقيقة وهو مباين للأول، فهل صيغة العموم مشتركة بين ما لا يتناهى بالتفسيرين المختلفين، أو هي موضوعة للأول عينا من غير اشتراك؟ هذا موضع غريب لم أر أحدا حرك فيه بحثا ولا ادعى فيه شيئا، وللنظر فيه مجال.
والذي يظهر لي أن صيغ العموم ليست مشتركة بين النوعين؛ لأنا نجدها مجملة والإجمال عند عدم القرينة (غير لازم) للاشتراك، وانتفاء
стр. 98
اللازم يقتضي انتفاء اللزوم، فسيكون الاشتراك منتفيا؛ لانتفاء لازمه، وهو المطلوب.
وإذا لم تكن مشتركة بين النوعين اللذين هما نوعا ما لا يتناهى بالتفسيرين المتقدمين، فهي موضوعة للقدر المشترك بينهما، وهو ما لا يتناهى، إما بهذا التفسير أو بالتفسير الآخر، فإن كلا النوعين يصدق عليه ما لا يتناهى.
ووجه تحرير هذا الكلام فيه وبسطه ما تقدم في حقيقة العموم وحده أول الكتاب وهو أنه: موضوع لقدر مشترك بوصف يتبعه في محاله بحكمه، كان ذلك الحكم خبرا أو طلبا أو إباحة أو غير ذلك.
ومعنى هذا التتبع: أنه مهما وجد مسمى اللفظ وهو (مشترك) مثلا في قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ترتب عليه الحكم المذكور في ذلك العموم، ووجود المسمى في موارده له حالتان:
تارة لا يوجد إلا متناه وفي غاية معينة، لكنه لا يجب الوقوف عند تلك الغاية، بل إن وجد بعد لك مشرك آخر وجب قتله أو بيع وجب حله، أو ميتة وجب تحريمها، والواقع دائما من هذا المسمى أفرادا محصورة متناهية.
стр. 99
وتارة يتحقق مسمى اللفظ- أعني: لفظ/ الجنس- قبل دخول أداة العموم عليه في موارده غير (متناه، مسلوب الغاية والطرف في صيغة العموم كقولنا: معلومات الله تعالى غير) متناهية فإن هذه صيغة عموم؛ لأنه جمع مضاف فيعم، نحو: عبيدي أحرار، ومسمى هذا اللفظ قبل دخول أداة العموم عليه، لما دخلت أداة العموم عليه وهي الإضافة مثلا تحقق في موارده يوصف سلب الغاية والنهاية، فإن وصف المعلومية قد شمل في علم الله تعالى ما لا يتناهى بهذا التفسير ولم يقف عند غاية ويتوقع بعدها غيرها كما قلنا في (المشركين) فلما تحقق المسمى في موارد غير متناهية بهذا التفسير وجب أن يتبع حكم هذا العموم وهذا المسمى في جميع تلك الموارد بوصف سلب النهاية، والحكم هاهنا هو الخبر عن معلومات الله تعالى (فلا جرم تناول خبرنا في هذا الخبر عن معلومات الله تعالى) موارد مسلوب الغاية والنهاية من غير انتقال من غاية إلى غاية بل دفعة، لأن المسمى كان متحققا قبل خبرنا، وتحقق المسمى يتبع حكم العموم، وذلك من قولنا: مخبرات الله تعالى بالكلام النفساني معلومة له وغير متناهية، فإن
стр. 100
مخبرات الله تعالى مسلوبة الغاية والنهاية بالفعل، فعم الحكم الذي هو هذا الخبر الخاص أيضا ما هو مسلوب الغاية والنهاية، ومن ذلك قولنا: في الأزل عدمات الممكنات غير متناهية، فإن قولنا: عدمات الممكنات جمع مضاف فيعم، ومسمى هذا الجنس الذي هو عدم قد شمل في الأزل موارد مسلوبة الغاية والنهاية، فكذلك عم هذا الخبر في هذا العموم أفرادا مسلوبة الغاية والنهاية، ونظائره كثيرة في المعقولات.
ونظائر القسم الأول وهو ما لا نهاية لا يجب الوقوف عندها، كثيرة أيضا كما تقدم مثله، واشتراك القسمان في حرف واحد وهو وجوب ترتيب حكم العموم في كل فرد وجد فيه، وتحقق ذلك الوصف الذي هو قدر مشترك بين أفراد العموم وهو مسمى ذلك الجنس قبل دخول أداة العموم عليه، فلما تحقق في أحد القسمين في موارد غير متناهية مسلوبة الغاية ترتب
стр. 101
الحكم كذلك، وبقي ترتبه في الزيادة في فرد آخر زائد على تلك الغاية، متوقفا على تحقق مسمى اللفظ في ذلك الفرد، فلم تنخرم/ القاعدة في وجوب ترتيب حكم العموم على مسمى اللفظ حيث تحقق، فصار ترتب حكم العموم في موارد المسمى حيث تحقق قدرا مشتركا بين القسمين غير أنه اتفق تحققه في قسم في أفراد مسلوبة النهاية، وتحقق في أفراد ثابتة النهاية تتوقع الزيادة عليها، وملازمة الحكم لمسمى اللفظ في أي مورد تحقق، هو القدر المشترك بين القسمين، وهذا القدر المشترك هو مسمى صيغة العموم ع قطع النظر عن خصوص كل واحد من القسمين، فذهب الاشتراك وتحقق أن مسمى العام غير متناه وعدم التناهي متنوع إلى نوعين، واندفع الإشكال وتلخص البحث في تحقيق هذا الموضع بفضل الله تعالى.
وهذا التلخيص أشار إليه أ ﴿باب علم المنطق حيث قالوا: إن الموجبة الكلية نحو قولنا: كل إنسان حيوان، وكل عشرة زوج، معناها: أن كل شيء يفرض اتصافه بكونه إنسانا في الماضي أو الحال أو المستقبل فإنه يجب له أنه حيوان بحيث يكون ذلك الاتصاف بالفعل على رأي الجمهور، وكذلك كل شيء يفرض بالفعل عشرة في أحد الأزمنة الثلاثة فإنه يجب أن يكون
стр. 102
زوجا، وعلى هذا التفسير تكون الموجبة الكلية غير متناهية، بمعنى: أن لها غاية لا يجب الوقوف عندها، فإن الواقع من أفراد الإنسان في الأزمنة الثلاث: الماضي والحال والمستقبل متناه قطعا بناء على حدوث العالم، غير أنه لا يصل إلى غاية يجب الوقوف عندها فلا يتوقع بعدها إنسان لا عشرة، وهذا مساو للعموم في قولنا: أحل الله البيع، وحرم الميتة، ونحوهما.
وقيل: معنى الموجبة الكلية: كل ما يقبل أن يكون إنسانا فإنه حقيقة الموضوع المحكوم عليه، ويلزم على هذا أمران:
أحدهما: بطلان هذه القضية المتقدمة وهي قولنا: كل إنسان حيوان بالضرورة، بل الصادق أنه حيوان بالإمكان فقط، فإن مجرد القابل للإنسان لا يجب أن يكون حيوانا، فإن الجماد يقبل الإنسان ولا تجب له الحيوانية، بل يمكن.
والأمر الآخر الذي يلزم/ أن تكون الموجبة الكلية غير متناهية بالتفسير
стр. 103
الآخر وهو سلب النهاية والغاية، فإن القابل هو الممكن أن يكون إنسانا، والممكن أن يكون إنسانا غير متناه، بل الممكن من كل جنس غير متناه في مادة الإمكان والعدم، وإنما يحصل التناهي في طرف الوجود، فتكون الكلية الموجبة على هذا المذهب هي مدلول صيغة العموم (في النوع) الآخر الذي هو قولنا معلومات الله تعالى أو مخبراته، فإن تحقق الإمكان في موارده لا نهاية لها كتحقق مسمى المعلوم في موارد لانهاية لها، فتأمل هذا تجده عين ما تقدم تلخيصه في صيغ العموم العربية، وأن الصيغ العربية العامة اشتملت في نوعي مسماه في المذهبين الكائنين في علم المنطق، فإذا تأملت ذلك أوضح لك العلم بعضه بعضا فإن العلوم يشرف بعضها ببعض، وبعين بعضها على تحقيق بعض.
الخاصية الثالثة لصيغ العموم: أن مسماها منقسم إلى نوعين كما تقدم بيانه:
أحدهما: لا يقبل الدخول في الوجود ألبتة، ولا يقبل أن يكون فيه أحد
стр. 104
الأحكام الخمسة الشرعية، فإن الحكم الشرعي لا يتعلق إلا بما هو مقدور على إدخاله في الوجود، فما لا يقبل الوجود يتعذر إيجابه لتعذر فعله وإيجاده، ويتعذر تحريمه وإبقاؤه على العدم، فإن إبقاءه على العدم، معناه: أن المكلف يكون له اختيار على تبقيته على العدم كالزنا والسرقة مثلا، فالمستحيلات كلها عدمها من ذاتها لا يتصور فيها إرادة البقاء على العدم، فإن الإرادة هي صفة ترجح أحد طرفي الجائز على الآخر، فحيث لا جوز لا إرادة ولا قدرة، ولذلك قلنا: إن من شرط ما يتعلق به حكم شرعي أن يكون مقدورا على جلبه أو دفعه، إلا إذا فرعنا على جواز تكليف ما لا يطاق.
стр. 105
وإذا كان هذا القسم لا يقبل الدخول في الوجود ولا يقبل تعلق الحكم الشرعي به فلا يتصور وروده إلا في الإخبار دون التكاليف نحو: معلومات الله تعالى/ غير متناهية وجميع المثل المتقدم ذكرها، ويلحق به الاستفهام، وإن كان طلبا لكنه طلب لخبر، والخبر تقبله هذه الموارد، فيقول المستفهم: هل معلومات الله تعالى غير متناهية؟ (فيقول المسئول: معلومات الله تعالى غير متناهية) فيعم خبره ما لا يتناهى بالفعل كما تقدم.
ولو قال قائل: إن مسمى العموم هو خصوص هذا القسم دون المشترك بينه ويبن القسم الآخر للزمه أن تكون صيغة العموم لا يمكن استعمالها في الأحكام الشرعية ألبتة؛ لتعذر وجود مدلولها بهذا التفسير، وإذا تعذر وجوده تعذر تعلق الحكم الشرعي به؛ لأن من شرط الحكم الشرعي ألا يتعلق إلا
стр. 106
بمقدور، فيلزم أن يكون صيغة العموم تستحيل عقلا أن تستعمل حقيقة مع حكم شرعي، وما قال أحد من العقلاء ذلك، بل قال: كل صيغة للعموم وقعت في حكم شرعي فإنه يمكن التعميم فيها عقلا، وقد لا يقع هذا الممكن لمعارض ودليل يدل على عدم الحقيقة ووجوب المصير إلى المجاز، أما الاستحالة: فلم يقل بها أحد، فلا سبيل حينئذ أن يقول أحد: إن مسمى العموم هو غير المتناهي بهذا التفسير، كما أنه لا سبيل إلى القول بأن صيغة العموم حقيقة في غير المتناهي المفسر بما له غاية لا يجب الوقوف عندها؛ لأنه يلزم أ، يكون مجازا في قولنا: معلومات الله تعالى ومخبراته، وعدمات الممكنات، وغيرها مما تقدم من النظائر، ولا يقول أحد من القائلين بالعموم أن صيغة العموم في هذه المواد مجاز، بل هي حقيقة في الجميع، ولهذه الغاية قلت في الخاصية التي قبل هذه: إن صيغة العموم حقيقة في القدر المشترك بين القسمين، حتى تنطبق صيغ العموم على جميع هذه الموارد.
واعلم أنه كما يتعذر تعلق الأحكام الشرعية بمسمى العموم في هذا النوع الذي هو مفسر بمسلوب الغاية فكذلك يتعذر الخبر بوجوده ودخوله في
стр. 107
الوجود، على وجه يكون الخبر صادقا، بل لا يقع الخبر عن وجود هذا النوع إلا كذبا؛ لدلالة البراهين العقلية على استحالة دخول/ مالا يتناهى في الوجود بهذا التفسير، وجميع مسميات الألفاظ العربية ليس فيها شيء يكون أحد نوعية يقبل الوجود والإخبار عن وجوده وتعلق الأحكام الشرعية به، والنوع الآخر لا يقبل ذلك، بل جميع مسميات الألفاظ إما أن تكون قابلة للأحكام الشرعية والخبر عن وجودها وتقبل الوجود في نفسها كالجماد والنبات والحيوان وغيرها من مسميات الأجناس، أو تكون كلها لا تقبل شيئا من ذلك كقولنا: عدم، ومستحيل، ودور، وتسلسل، وغير ذلك مما لا يقبل الوجود بجميع أنواعه وأفراده، ولا يقبل صدق الخبر عن الوجود ولا يقبل حكما شرعيا، إلا أن نفرغ على جواز تكليف ما لا يطاق، فيقبله كله، أما أن يوجد نوع من المسمى يقبل ونوع لا يقبل والمسمى واحد فهذا من خواص صيغ العموم ولا يوجد في غيرها من مسميات الألفاظ.
الخاصية الرابعة لصيغ العموم: انقسام مسماها إلى نوعين:
أحدهما: يمكن تصوره على التفصيل، فالذي يمكن تصوره على
стр. 108
التفصيل هو غير المتناهي المفسر بما له غاية لا يجب الوقوف عندها كالمشركين، والميتة، ونحوهما؛ مما تقدم من مثله، ومنه نعيم أهل الجنة، ومقدورات الله تعالى.
والذي لا يمكن تصوره على التفصيل هو النوع المفسر بمسلوب النهاية والغاية كمعلومات الله تعالى ونحوها، فإن تصورنا لهذه الأفراد مع عدم تناهيها على التفصيل كل فرد على حياله مستحيل عقلا، بل إنما يتصور إجمالا، فتتصوره (من حيث) إنه غير متناهي، فيقع في ذهننا المعلومات مثلا من حيث هي معلومات مع وصف سلب النهاية، فهذان الوصفان يمكن أن يقع مجموعهما في ذهننا، أما الأفراد على التفصيل كل فرد على حياله حتى تستوعب ما لا يتناهى فهذا محال عقلا في حق الخلق، وإنما يحيط بذلك على التفصيل علم الله تعالى.
أما بقية مسميات الألفاظ فهي قسمان:
أحدهما: يمكن تصوره على التفصيل، كأنواع الجماد، والنبات،
стр. 109
والحيوان، فهذا النوع قابل لحصول العلم به في حقنا/ على التفصيل.
والقسم الآخر لا يمكن تصوره ألبتة على التفصيل، بل من حيث الإجمال فقط.
أما التفصيل فمستحيل عقلا وكذلك قسمان:
أحدهما: المستحيلات كلها، فإن القاعدة العقلية: أن كل ما استحال وجوده في الخارج استحال في الذهن، فكما تعذر أن يقع في الخارج ثوب أسود في غاية السواد وهو أبيض في غاية البياض، فكذلك يستحيل تصور ثوب أسود في غاية السواد وهو أبيض في غاية البياض، وكذلك بقية المستحيلات.
القسم الثاني: الأعدام لا يمكن تصورها ألبتة، فإن كل ما يتصوره
стр. 110
الإنسان (لا بد له في الذهن من تحقق) بوجه ما، والعدم نفي صرف، مناف للتحقيق بوجه ما، فالعدم الصرف والنفي المحض لا يمكن تصوره ألبتة.
فإن قلت: يلزمك بطلان إحدى القاعدتين العقليتين القطعيتين:
القاعدة الأولى: أن الحكم على الشيء فرع تصوره، وأخذ الشيء بالرد والقبول فرع كونه معقولا، فما لا يقع في الذهن استحال الحكم عليه.
القاعدة الثانية: أنا نحكم على المستحيلات والعدمات، فنقول: المستحيل لا يقبل الوجود، والعدم يقبل الوجود، إلى غير ذلك من الأحكام، فيبطل حينئذ أحدى القاعدتين، إما أن لا نحكم على المستحيلات والعدمات، وإما أنا نتصور المستحيلات والعدمات، وكلا الأمرين محال، فكيف الخلاص من هذه الورطة؟
قلت: هذه السؤال كان الشيخ شمس الدين الخسر وشاهي يورده ويجيب عنه بأن يقول: الحكم على الشيء إنما يستدعي تصوره من حيث الجملة لا
следующие страницы →