← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20860

العقد المنظوم في الخصوص والعموم

القرافي

Полный текст (844 стр.). Показаны 806–844 · переход к 811.

стр. 806

المسألة الخامسة: كون المتكلم ناطقًا بالخطاب, ومتكلمًا به, لا يقتضي تخصيص العموم بخروجه منه . أما في الخبر, فكقوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾؛ لأن اللفظ عام, ولا مانع من ثبوت حكمه للمتكلم. وأما في الأمر الذي جعل جزاء الشرط- كقوله: من دخل داري فأكرمه, قال الإمام فخر الدين: يشبه أن يكون كونه أمرًا قرينة مخصصة. قلت: وربما (كان) في بعض المواد يختص الجزء- في بعض صور التعاليق- بالمتكلم خاصة, كما لو قال: من دخل داري فعبده حر, أو امرأته طالق, فإن هذا الحكم العام لا يتعداه, ولا تطلق إلا امرأته بالدخول فقط, ولذلك يختص الطلاق بامرأته وحده.

стр. 807

المسألة السادسة: العموم المتناول للنبي ﷺ والأمة كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ ,﴾ يا أيها الذين آمنوا﴾ , يعم الحكم الجميع . وقال بعضهم: يختص بالأمة؛ لأن علو قدره ﷺ يقتضي إفراده بالذكر إذا أريد بالحكم, فحيث لم يفرد لم يكن مرادا, وهي عادة الملوك والعظماء إذا خاطبوا عامة رعيتهم خصصوا وزراءهم, (وكبراء خاصتهم) بخطاب يخصهم, إذا كانوا مرادين بذلك الحكم, وإذا كانت هذه العادة في الخطاب, وكلام الله تعالى يخصص بالعوائد, فيخصص بهذه العادة؛ لأن رسول الله ﷺ أعظم البرية, وسيد الكونين. وأجاب الجمهور عن هذه النكتة: أن عوائد الملوك إنما كانت كذلك؛ لأن عظماء دولتهم يقاربوهم في الجلالة والعظمة, فاقتضى الحال في سياستهم أن

стр. 808

يميزوا عن الرعية, حفظًا لقلوبهم عن الفساد, وما يخشى من غوائلهم في إفساد الممالك. وأما الله , فالعلم كله وجميع المخلوقات بالنسبة إلى عظمة جلاله, لا أقول كالذرة الملقاة في الفلاة, بل كالعدم الصرف, فالتسوية بين أجزاء العالم وجلال الله تعالى ضعيفة جدا, بل ذلك جناب عظيم, كل عظيم بالنسبة إليه ليس بعظيم. فهذا فرق عظيم يمنع من ملاحظة عوائد الملوك في خطاب الله تعالى. وقل الصيرفي: كل خطاب لم يصدر بأمر الرسول ﷺ بتبليغه, يتناوله, وإن صدر بأمره بتبليغه, لم يتناوله, كقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس﴾. وهذا صحيح من اللغة, أما من جهة العوائد فلا, فإن رسول الله ﷺ مأمور بتبليغ الشريعة كلها, وهو داخل فيها كلها بإجماع الأمة إلا ما خصه الدليل.

стр. 809

المسألة السابعة: العموم المتناول لما يندرج فيه السيد والكافر, لا يخصص بخروج هذين الفريقين منه؛ لأن العموم شامل لهما, ولا مانع من بقائه على عمومه . وما يتخيل من أن المانع ما ثبت في وجوب خدمة السيد في كل وقت يستخدمه فيه- وذلك يمنعه من العبادات في هذه الأوقات- فضعيف, بسبب أن الله تعالى إنما ملك السادات ما عدا أوقات العبادات, وثبوت حق السادات على وجه العموم ممنوع, فأوقات الصلوات ونحوها مستثناة من الملك إجماعًا, ولا مقال للسيد فيما أوجبه الله تعالى إلا ما أجمعت (عليه الأمة) كالجمعة والحج ونحوهما, لكن الأصل بقاء العموم على عمومه بحسب الإمكان. وأما كفر الكافر فلا يمنعه من اندراجه في صيغ العموم, كما لم يمنع المحدث حدثه من الاندراج في الخطاب بالصلاة. والدهري مندرج في الخطاب الدال على وجوب الإيمان بالرسل, مع أن الإيمان بهم فرع التصديق بالربوبية, فكذلك هاهنا.

стр. 810

المسألة الثامنة: إذا ورد العموم في سياق المدح والذم, لا يوجب تخصيص العام؛ لأن الموجب للعموم موجود, والجمع بين جميع الأنواع فيه ممكن يوجب التعميم . وقال بعض فقهاء الشافعية بتخصيصه, كقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾. تمسك به المعممون على وجوب الزكاة في الحلي المتخذ لاستعمال مباح. وقالت هذه الفرقة من الشافعية: لا يصح التمسك به؛ لأن مقصود الكلام إلحاق الذم بمن يكنز, لا سيما وقد نص أرباب علم البيان على قاعدة, وهي: أن الكلام إذا سيق لمعنى, لا يستدل به في غير ذلك المعنى؛ لأن المتكلم لا يتوجه إليه, كما قلنا لأبي حنيفة- رضوان الله عليه- لما استدل بقوله ﵊: (فيما سقت السماء العشر) على وجوب الزكاة في الخضروات: إن هذا الكلام إنما سيق لبيان الجزء الواجب, لا لبيان الواجب فيه.

стр. 811

وكذلك قوله ﷺ : (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) , سيق لبيان أن المجوس يسوى بينهم وبين أهل الكتاب في أخذ الجزية, فلا يستدل به على جواز نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم, نظرًا لاسم الجنس إذا أضيف وهو قوله ﷺ : (سنة أهل الكتاب) , أضيفت السنة لما بعدها, فيوجب ذلك العموم, كما تقدم بيانه في بيان صيغ العموم. وبالجملة, فهذه قاعدة مشهورة: (إذا سيق الكلام لمعنى, لا يستدل به في غيره) , مع أن فيها خلافًا, وحكاها القاضي عبد الوهاب المالكي في الملخص مسألة مستقلة, وفهرسها بوقف العموم على المقصود منه, وحكي عن متقدمي المالكية وبعض الشافعية منهم القفال: أنه توقف على ما سيق الكلام لأجله, ويخص به وإن كان عامًا, وحكي عن متأخري المالكية القول بإجرائه على عمومه. فالتمسك بالمنع على الآية ظاهر, وإنما في المسألة غور آخر, وهو أن العام إن تقدمه ذكر قوم, نحو: أكلة الربا ظلموا أنفسهم, ثم يقول: إنه لا يفلح الظالمون, فهل يحمل اللفظ على عمومه؟ وتقول: لا يفلح كل ظالم كيف كان من هؤلاء أو من غيرهم, وكذلك إذا قال: أحسنوا لأقاربكم, وصلوا أرحامكم, ثم يقول: إن الله مع المحسنين, هل يحمل على كل محسن, أو يختص بمن تقدم ذكره؟ ونحو هذه السياقات التي يتجه فيها أن المدح والذم لا يوجب تخصيص العام. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام- ﵀: ويتعين أن يستثنى من

стр. 812

غير هذه القاعدة إذا كان المتقدم شرطًا, كقوله تعالى: ﴿إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا﴾ فإنه يتعين أن الوعد بالغفران هاهنا مختص بمن تقدم ذكره, من المخاطبين في قوله تعالى: ﴿إن تكونوا﴾ , ولا يعم هذا الحكم جميع الخلائق, ولا جميع الأمم الماضية, بسبب أن التعاليق اللغوية أسباب, والجزاءات المترتبة عليها مسببات, والمسبب ناشئ عن سببه, وصلاحنا نحن لا يكون سببًا لمغفرة ذنوب الأمم السالفة في عادة الله تعالى في خلقه, وإن صلاح كل أمة يختص بها, ولا يتعد إصلاح أحد لغيره إلا أن يكون له في ذلك سبب أو معونة, لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ , وقوله ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث, صدقة جارية , أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له, فإذا لم يكن شرطا, فالصحيح الحمل على العموم.

стр. 813

المسألة التاسعة: اختلفوا في العموم إذا تعقبه استثناء أو صفة حكم, وكان ذلك لا يتأتى في (بعض ما تناوله) العموم, هل يجب أن يكون المراد بذلك العموم ذلك البعض فقط أو لا ؟ . مثال الاستثناء قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾ إلى قوله: ﴿إلا أن يعفون﴾ , فاستثنى العفو, وأضافه للضمير الراجع للنساء, ومعلوم أن العفو لا يصح إلا من الرشيدات المالكات أمرهن, دون المحجور عليهن, فهل يجب أن يقال: المحجور عليهن لجنون أو صغر ونحوهن غير مرادات بلفظ النساء؟ وهو العموم السابق في أول الكلام؛ لأن القاعدة العربية: (أن الضمير هو عين الظاهر) , فإذا كان الضمير المراد به الرشيدات, كان الظاهر كذلك, وإلا اختلف الظاهر والمضمر, وهو خلاف القاعدة الموجبة لاتحادهما في المعنى, حتى يدل الدليل على خلافه, أو يقال: كما يلزم مخالفة الظاهر بعدم اتحاد المعنى في اللفظ الظاهر, فيلزم- أيضًا- مخالفة الظاهر (في تخصيص العموم؟ وهو خلاف الظاهر) , بل مراعاة العموم أولى

стр. 814

بسبب أنه يصير اللفظ مجازًا بالتخصيص، ويكون مجازًا في الإفراد. وأما عود الضمير على معنى تضمنه الظاهر فليس مجازًا في الإفراد، فإن الضمير حينئذ يستعمل في موضعه. نعم يلزم المجاز في التراكيب، فإن العرب لم تضع لفظ الضمير يركب إلا مع ظاهر معناه، هو معناه، فإذا رأيته مع لفظ ليس معناه، كان مجازًا في التركيب، والمجاز في التركيب أخف من المجاز في الإفراد، لاختلاف العلماء في أن العرب وضعت المركبات أم لا. فعلى القول بعدم الوضع: لا يكون مجازًا في التركيب البتة؛ لأن الحقيقة والمجاز فرعا الوضع، فحيث لا وضع، لا حقيقة ولا مجاز البتة. فمجاز التركيب أضعف حينئذ وأقرب إلى عدم مخالفة الأصول، فوجب التزامه دون مجاز الإفراد. ومثال الصفة: قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾، ثم قال تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾، يعني الرغبة في الرجعية/ والرغبة في الرجعية- صفة للمطلق- حكم شرعي، ومعلوم أن ذلك خاص بالرجعيات، فهل يقال: هذا الضمير لما اختص بالرجعيات وجب أن يكون العموم السابق المراد به الرجعيات، حتى يعمل بقاعدة (عود الضمائر على الظواهر)، وأن معناها يجب أن يكون واحدًا، أو نقول: التزام العموم والمجاز في التركيب أولى من الإفراد، كما تقدم تقريره؟ .

стр. 815

ومثال التقييد بالحكم الشرعي قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، ثم قال: ﴿وبعولتهن احق بردهن في ذلك﴾، وكونهم أحق: حكم شرعي؛ لأنه تقديم من قبل صاحب الشرع، وإباحة الأزواج المطلقات طلاقًا رجعيًا، وهذا الحكم لا يتأتى إلا في الرجعيات، ولا يتناول هذا الضمير من جهة المعنى غيرهن، فيتعارض القاعدتان السابقتان، والترجيح المتقدم كما تقدم تقريره. إذا عرفت ذلك، فنقول: ذهب القاضي عبد الجبار ﵀ إلى أنه لا يجب تخصيص العموم بهذه الأشياء. ومنهم من قطع بالتخصيص. ومنهم من وقف، وهو اختيار الإمام فخر الدين ﵀ محتجًا بأن ظاهر العموم المتقدم يقتضي الاستغراق، وظاهر الضمير يقتضي الرجوع إلى كل ما تقدم؛ لأنه شأن الضمائر؛ لأن الإنسان إذا قال: من دخل الدار من عبيدي ضربته، يقتضي ذلك عود الضمير على كل العبيد، وجرى ذلك مجرى قوله في الضمير: ضربت عبيدي، فليس أحد الظاهرين أولى من الآخر، وقد تقدم جوابه، وأن أحدهما أولى بالمراعاة. فائدة: مثل عود هذه الضمائر على غير ظواهرها قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾، فالضمير في

стр. 816

قوله تعالى: ﴿أو تركتموها﴾ ظاهره لفظ لينة وهي النخلة، وقد وصفها بالقطع بقوله: (قطعتم)، النخلة المقطوعة من المحال أن يتركها قائمة على أصولها، فإن القطع ضد البقاء، وإذا قطعت تعذر عودها عادة، فيتعين عود الضمير على غير اللينة المقطوعة. قال العلماء: فيعود على الجنس الذي دل عليه لفظ اللينة، وجنس اللينة/ يقبل أن يبقى منه البعض، إذا قطع البعض، فقد عاد الضمير على غير ظاهره، بل على بعض معناه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾، (والمعمر لا ينقص من عمره، فيكون الضمير في قوله (من عمره) عائدًا على جنس الإنسان الذي دل عليه لفظ (معمر) دون خصوص العمر، كما تقدم في اللينة. وقد يعود الضمير على معلوم غير مذكور البتة كقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، والضمير عائد على القرآن، ولم يتقدم له ذكر؛ لأن هذا الكلام أول السورة، فتعين أن يكون عائدًا على غير معلوم عند السامع، ليس بمذكور.

стр. 817

وكذلك قوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾، الضمير المستتر في توارت (عائد) على الشمس- ولم يتقدم لها ذكر-بل عاد الضمير على معلوم، وهو كثير في القرآن والسنة وكلام العرب، وهو يؤكد القول بحمل اللفظ على عمومه؛ لأجل كثرة المسامحة في الضمائر.

стр. 818

المسألة العاشرة: عطف الخاص على العام هل يقتضي تخصيصه ؟ هذه مسألة وقع فيها البحث بين الفرق مع الحنفية وهي (قتل المسلم بالذمي)، قال به الحنفية، دون بقية الفرق. احتج الجمهور بقوله ﷺ (ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده). فقال الحنفية: صدر الحديث وإن كان لكم، فآخره عليكم، وتقريره بثلاثة قواعد: القاعدة الأولى: أن المعاهد أدنى رتبة من الذمي، ومساو لمعاهد مثله، وإنما الذي هو دونه الحربي خاصة. القاعدة الثانية: أن الأدنى يقتل بالأعلى إجماعًا. القاعدة الثالثة: أن العطف يقتضي التسوية. إذا تقررت هذه القواعد فنقول: قوله ﷺ : (ولا ذو عهد في عهده)، يتعين أن يكون معناه بحربي، ولا يمكن حمله على الذمي ونحوه؛ لأنه يقتل بهما إجماعًا، عملا بالقاعدة الثانية، وهو أدنى، عملا بالقاعدة الأولى. وإذا تقرر أن الذي لا يقتل به هو الحربي، تعين أن يكون المسلم كذلك؛ لأنه معطوف عليه، والعطف يقتضي التسوية- وهي القاعدة الثالثة- وحينئذ تسقط الدلالة من الحديث؛ لأن المقصود هو الذمي، أما الحربي فمجمع عليه.

стр. 819

أجاب الجمهور بأربعة أجوبة: أحدها: لا نسلم أن هذه الواو معناها العطف، بل هي للاستئناف، وحينئذ يبطل التشريك بين ذي العهد والمسلم فيما ذكرتموه. وثانيها: سلمنا أنها للعطف، لكن القاعدة المنقولة عن النحاة: (أن العطف يقتضي التشريك في أصل المعنى الذي سيق الكلام لأجله، دون متعلقاته وظروفه وأحواله، فإذا قلت: اشتريت ثوبًا بدرهم وفرسًا، لا يلزم أنك اشتريت الفرس بدرهم أيضًا، فلم يحصل التشريك إلا في أصل الشراء، دون متعلقاته الذي هو الثمن، وإذا قلت: مررت بزيد يوم الجمعة أو في الدار أو قائمًا، ثم تقول: وبعمرو، لا يلزم مشاركة زيد لعمرو إلا في أصل المرور، دون الظرفين والحال. إذا تقررت هذه القاعدة، فنقول: اللفظ يقتضي أن ذا العهد لا يقتل كالمسلم، أما بمن؟ فهذا هو متعلق القتل الذي لا تلزم الشركة فيه، وعلى هذا يندفع السؤال، ويصح الاستدلال. وثالثها: سلمنا أن العطف يقتضي التسوية في جميع الأمور، غير أنا لا نسلم أن (في) للظرفية، بل للسببية.

стр. 820

وتقريره: أن صاحب الشرع أراد إعلامنا أن المعاهد بسبب (العهد) العصمة، وأن من عاهدناه يحرم دمه، بسبب المعاهدة خاصة، ولم يرد صاحب الشرع أن المعاهد إذا قتل أحدًا يقتل به أو لا يقتل، بل التنصيص على سببية المعاهدة خاصة، ودل على ذلك بلفظ (في)، كما قال ﷺ : (في النفس المؤمنة مائة من الإبل)؛ لأن الظرفية متعذرة هاهنا، وكذلك قوله ﷺ في حديث الإسراء: (أنه ﷺ وجد امرأة حميرية عجل بروحها إلى النار، بسبب أنها حبست هرة حتى ماتت جوعًا وعطشًا، فدخلت النار فيها)، أي بسببها، وهو

стр. 821

كثير في الكتاب والسنة، فكذلك هذا الحديث: أي لا يقتل المعاهد، بسبب عهده، وعلى هذا التقدير يسقط السؤال أيضًا. ورابعها: سلمنا أن (في) للظرفية، لا للسببية، لكن مقصود هذا الحديث في المعاهد، أن المعاهد لا يقتل في زمن معاهدته خاصة، وقال ذلك ﷺ نفيًا، لتوهم (ما) يحصل للناس- أن عقد المهادنة يدوم كما يدوم عقد الذمة، فنبه ﵊ أن عدم قتله/ وعصمته إنما هي في زمن المعاهدة خاصة دون ما بعدها. فهذه أربعة أجوبة سديدة حاسمة لمادة السؤال، ودافعة للإشكال، ونفي الحديث حينئذ يدل على مذهب الجمهور من غير معارض. سؤال: قال النقشواني: هذا المثال هو المذكور في المسألة في جميع كتب الأصوليين، وعليه مناقشة، وذلك أن عطف الخاص على العام له صورتان: إحداهما: عام معطوف على عام، ونعلم بالدليل أن الثاني دخله التخصيص، فهل يلحق هذا بالأول الذي هو المعطوف عليه كقوله: لا تضرب رجلا ولا امرأة، ثم بين أن (المرأة غير القاذفة) وشاربة الخمر.

стр. 822

والصورة الثانية: تعطف خاصًا بلفظه على عام، فهل يقتضي ذلك تخصيص العام الأول كقوله: لا تضرب رجلا ولا امرأة كهلة، فالمرأة الكهلة أخص من المرأة، فهل يخصص الرجل بالكهل؟ والمثال الذي هو من القسم الأول لم يتعين سؤاله.

стр. 823

الباب الرابع والعشرون في حمل المطلق الكلي على المقيد إنما قلت: المطلق الكلي، احترازًا من تقييد العمومات، وأريد به- أيضًا- أن لا يكون في نفي ولا نهي فإن هذه المطلقات- أعني العمومات والنفي والنهي- أفرد له بابًا بعد هذا- إن شاء الله تعالى- وأبين فيه أن ما قاله الأصوليون من إطلاق القول في الجميع لا يستقيم، وأن الذي يستقيم هو هذا الذي عينته خاصة. وإنما وضع الأصوليون حمل المطلق على المقيد في كتاب الخصوص والعموم، بسبب أن المطلق هو قسم العام، التقييد قسيم التخصيص. وهذه الأقسام تلتبس- جدًا- على كثير من الفضلاء، وربما اعتقدوا المطلق عامًا، والتبس عموم الصلاحية والبدل بعموم الشمول، والتبس التقييد بالتخصيص من جهة أن التقييد يقتضي إبطال الحكم في صورة عدم القيد، فدعت الضرورة لبيان ذلك قي باب العموم والخصوص، ليتميز البابان-وبضدها تتميز الأشياء- فتستقر القواعد عند طالب العلم من غير لبس. وقد تقدم في هذا الكتاب باب مفرد في الفرق بين المطلق والعام، وإنما المقصود ها هنا حمل المطلق على المقيد.

стр. 824

قال الشيخ أبو بكر بن العربي- ﵀ في كتابه المحصول: الحكم وسببه إما أن يتفقا، أو يختلفا، أو يختلف أحدهما دون الآخر، فهذه أقسام أربعة. القسم الأول: أن يختلف الحكم والسبب معًا ، فلا حمل لأحدهما على الآخر كتقييد الرقبة بالإيمان، وإطلاق الشاة في الزكاة، فلا حمل ولا تقييد، بل يبقى المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده، لا يتعدى للمطلق، لحصول التباين من كل وجه. القسم الثاني: أن يتفقا معًا ، كقوله ﷺ : (في كل أربعين شاة شاة)، فهذا مطلق، وقال ﷺ : (في الغنم السائمة الزكاة)، فهذا مقيد بالسوم، فيتخرج هذا القسم على القول بأن المفهوم حجة، وأنه يخصص به العموم. وفي المقامين خلاف، فإن قلنا بهما، خصصنا الحديث الأول بالسائمة وأخرجنا المعلوفة، والسبب في الصورتين واحد، وهو المتعة ونعمته، والحكم واحد، وهو وجوب الزكاة. القسم الثالث: أن يكون السبب مختلفًا والحكم واحدًا ، كالظهار والقتل سببان مختلفان والحكم واحد، وهو وجوب الإعتاق لرقبة، قيد في أحدهما بالإيمان، وأطلق في الظهار.

стр. 825

القسم الرابع: أن يكون الحكم مختلفًا والسبب واحد ، كقوله تعالى في الوضوء: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾، فقيد غسل اليدين بالمرافق، وأطلق في آية التيمم فقال تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فأطلق اليد ولم يقيدها، فهل يحمل التيمم على الوضوء، فيجب إلى المرافق؟ . فيه خلاف. وقال المازري في شرح البرهان: إن اختلف السبب والحكم، لم يختلف فيه، وإن اختلف السبب وحده، فهو موضع الخلاف، قال: واختلف العلماء في تمثيله والجمهور مثلوه بآيتي الظهار والقتل والإعتاق، ومثله بعضهم بالوضوء والتيمم، وأنكره الأبهري، وقال: التقييد- ها هنا- بعضو وهو الذراع، والمقصود: التقييد بصفة، وقال بعضهم: الكل سواء. قال: ويمكن تمثيل اختلاف السبب دون الحكم ويكون القيد صفة بقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾، فأطلق في هذه الآية السبب، وقيد في الآية الأخرى بقوله تعالى: ﴿ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.

стр. 826

فمالك أبقى المطلق على إطلاقه، وأفتى بحبوط العمل بمجرد الردة مات عليها، أو تاب ورجع إلى الإسلام. وحمل الشافعي- ﵁ المطلق على المقيد، فلم يقل بحبوط العمل في حق من أسلم من المرتدين، بل إذا مات على الكفر. قال: ويمكن أن يقال: المطلق ها هنا خطاب خاص بالنبي ﷺ ، والمقيد عام، فما استوى البابان. قلت: وها هنا بحث آخر حسن، وهو أنه عليه سؤالان آخران. أحدهما: أن النبي ﷺ أعظم منصبًا، ومن عظم منصبه عظمت مؤاخذته، كما قال تعالى في حقه ﷺ : ﴿إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾، أي نعذبك مثل ما نعذب غيرك على هذا الذنب مرتين في الحياة والممات، وقال تعالى في حق أزواج رسول الله ﷺ : ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾، وذلك كثير وردت به الشريعة.

стр. 827

وثانيهما: سلمنا أن المراد أمته ﷺ ، لكن المقيد فيه أمران، وهما جزآن مرتبان على شرط مركب، فرتب الحبوط والخلود على الردة والوفاة عليها، فأمكن التوزيع، فلا يحصل في ذلك المطلق تقييد. وهذا كما تقول: من شرب الخمر وسرق، جلد وقطعت يده، فالشرط المتقدم مركب، والمشروط مركب، والتوزيع واقع، وأحد أجزاء المشروط مرتب على أحد أجزاء الشرط، والآخر على الآخر، فالجلد مرتب على الشرب، والقطع على السرقة. ونظائره كثيرة، فما تعين أنه من باب التقييد والإطلاق، وإذا حصل الشك والاحتمال، بقي المطلق على إطلاقه؛ لأن الأصل، وبهذا اندفع عن المالكية سؤال صعب، فإنهم يرون بحمل المطلق (على المقيد)، وها هنا خالفوا أصولهم، وبهذا البيان لم يكونوا قد خالفوا أصولهم. إذا تقرر تمثيل المسألة من حيث الجملة، فنقول: أما إذا كان السبب واحدًا، وجب حمل المطلق على المقيد؛ لأن المطلق جزء من المقيد، والآتي بالكل آت بالجزء ولا محالة، فالآتي بالمقيد يكون قد عمل بالدليلين معًا، والآتي بغير ذلك المقيد لا يكون عاملًا بالدليلين، بل تاركًا لأحدهما، والعمل بالدليلين عند إمكان العمل بهما أولى من العمل بأحدهما وترك الآخر. فإن قيل: لا نسلم أن المطلق جزء من المقيد. بيانه: أن الإطلاق والتقييد ضدان، والضدان لا يجتمعان. سلمنا ذلك، لكن المطلق له عند عدم التقييد حكم، وهو تمكن المكلف من

стр. 828

الإتيان بأي فرد شاء من أفراد ذلك الجنس وتلك الحقيقة، والتقييد ينافي ذلك، فليس تقييد المطلق أولى من حمل المطلق على الندب، وعليكم الترجيح. قلنا: أما أن المطلق جزء من المقيد، فإنه قد تقدم في (باب من) هذا الكتاب قبل هذا، وأن المطلق هو الماهية من حيث هي هي، لا يعتبر فيها قيد السلب ولا قيد الثبوت، فهي حينئذ من حيث هي هي تحتمل سلب القيد وثبوته، وإذا احتملت القيد، لا ينافيه، فلا يكون بينهما تضاد ولا منافاة، وإنما يلزم التضاد والمنافاة من جهة أنكم أخذتم المطلق بوصف عدم القيد، وعدم القيد مناف للقيد؛ لأنه يقتضيه فحصل التنافي حينئذ بين المطلق والمقيد، والإطلاق والتقييد. أما إذا حرر ذلك على ما قلناه، فلا تنافي ولا تضاد حينئذ، ونحن لا نريد بالمطلق والإطلاق إلا هذا المفهوم، وفرق بين الحقيقة بشرط وبين الحقيقة بلا شرط، فالتنافي في الأول دون الثاني، ونحن نري بالثاني دون الأول، فإن شرط العدم غير عدم الشرط، وأيضًا فشرط الخلو عن جميع القيود غير معقول؛ لأن هذا الخلو قيد. وأما قولكم: (المطلق له حكم حالة عدم التقييد، وهو التمكن من الإتيان بأي فرد شاء من أفراد تلك الحقيقة).

стр. 829

فجوابه: أن هذا الحكم غير مدلول عليه باللفظ، وإنما اللفظ لما دل على طلب المطلب، والمطلق هو الحقيقة المشتركة بين جميع الأفراد، وأي فرد تحقق، تحققت تلك الحقيقة فيه، فلا جرم، قال العقل: المكلف مخير بين جميع الأفراد في الإتيان بهذه الحقيقة، فهذا التمكن إنما جاء من جهة العقل، دون اللفظ. أما ثبوت القيد مع المطلق، فهو مدلول باللفظ الدال على القيد، ومراعاة ما هو مدلول باللفظ أولى مما دل عليه العقل. وأما إذا كان السبب مختلفًا كالظهار والقتل، والعتق في الرقبة مقيد في القتل بالإيمان، مطلق في الظهار، وفي هذا القسم مذاهب ثلاثة: اثنان طرفان، والثالث هو الوسط. أما الطرفان، فأحدهما: قول جماعة من المالكية والشافعية. وثانيهما: قول كافية الحنفية: أنه لا يجوز تقييد هذا المطلق بطريق ما ألبتة. وثالثها: المذهب المتوسط وهو قول جماعة من الشافعية: أنه يجوز تقييد المطلق بالقياس على ذلك القيد، وإلا فلا يدعون وجوب هذا القياس، بل يدعون أنه حصل قياس صحيح، ثبت التقييد، وإلا فلا. احتجوا على القول الأول: بأن القرآن كالكلمة الواحدة، فكان التقييد

стр. 830

في أحد الموضعين كالمنطوق به في الموضع الآخر، فإن الشهادة لما قيدت بالعدالة مرة واحدة وأطلقت في سائر الصور، حملنا المطلق على المقيد، فكذلك هاهنا. وأجاب الحنفية- القائلون بالقياس- عن الأول: بأن القرائن كالكلمة الواحدة، بأن لا تناقض في كل شيء، ولولا ذلك لوجب تقييد كل مطلق بتقييد المطلق في موضع واحد، وتخصيص كل عام بتخصيص عام واحد، وليس كذلك. وعن الثاني: أنا إنما قيدنا بالإجماع، لا بما ذكرتموه من القاعدة؛ ولأن سبب الاحتياج للثبات عام في جميع الصور، وهو ضبط الحقوق، وهذا لا تختلف فيه الصور، وسبب قبول قولها وتصديقها هو ظاهر حالها، وهو أن الغالب على العاقل البالغ المسلم الصدق، وهذا واحد في جميع الصور. وإذا اتحد سبب الحاجة وسبب القبول، ظهر الفرق بين صورة النزاع وهذه الصورة؛ لأن صورة النزاع الأسباب فيها مختلفة، واختلاف الأسباب يقتضي اختلاف الأحكام بالتقييد والإطلاق، فتناسب في القتل لعظم مفسدته بكثير الشروط والتغليظ في الجوائز، بخلاف الظهار، مفسدته إنما هي الكذب وقول

стр. 831

الزور، وأين الكذب من قتل النفس في المفسدة؟ فاختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأحكام، فلا يحمل المطلق على القيد، بل يبقى المطلق على إطلاقه. أما مع اتحاد السبب كالشهادة، فإن موجب اشتراط العدالة هو ضبط الحقوق وصونها عن الضياع بقول الفساق، وهذا معنى عام في جميع الصور. فلا جرم عم التقييد جميع الصور، فهذا فرق عظيم بين صورة النزاع وصورة الشهادة، فلا تلحق أحدهما بالآخر. احتجت الحنفية على بطلان التقييد مطلقًا: بأن النص دل على التمكن من الإتيان بأي فرد شاء المكلف، وهذه المكنة ثابتة بالنص، وما هو ثابت بالنص لا يبطل بالقياس؛ لأن النص مقدم على القياس، ويلزم النسخ النص بالقياس، وهو باطل. وأجاب الشافعية: بأن هذه المكنة عقلية، لا ثابتة بالنص، حتى يلزم رفعه بالقياس، والثابت بالنص إنما هو إيجاب المشترك، والقياس قيد هذا المدلول، وزاد عليه القيد، ولم يبطله، فبطل ما ذكرتموه. ونقضوا عليهم أصلهم، بأنهم اشترطوا في الرقبة السلامة من العيوب. وهذا قيد زادوه على المطلق، وإذا جوزوا ذلك في السلامة من العيوب، ولم يكن إبطالًا ولا نسخًا، فليفعلوا ذلك في التقييد بالإيمان، إذا دل (القياس عليه)؛ ولأن قوله: (اعتق رقبة)، لا يزيد في الدلالة على قوله باللفظ العام: (اعتق الرقاب)، وإذا جاز التخصيص بالقياس- مع مخالفته لصريح

стр. 832

العموم وإخراج بعض ما تناوله اللفظ العام- فأولى أن يجوز هاهنا، بسبب أن التقييد زيادة على موجب اللفظ، لا ينقص من موجب اللفظ والتخصيص منقص، فإذا جاز التخصيص فليجز التقييد بطريق الأولى. وأجاب الحنفية عن الوجه الأول: بأن التقييد بالإيمان (ليس) مثل التقييد بالسلامة من الغيوب، بسبب أن لفظ الإنسان وجميع ألفاظ الأجناب إنما وضع للسليم من ذلك الجنس، ألا ترى أنك إذا سمعت قول القائل: جاء لزيد ولد، فإنما يفهم منه أول الأمر أنه ذو عينين ورجلين ويدين وغير ذلك من أعضائه، والمتبادر للفهم هو الذي وضع له اللفظ، عملا بسائر الألفاظ؛ ولأن الأصل في الاستعمال الحقيقة، وأن السابق إلى الفهم عند التجرد هو مسمى اللفظ، فحينئذ الوضع إنما هو السليم، فشرط السلامة من العيوب أفاده اللفظ بوضعه، فلم يزد على مسمى اللفظ شيء، فليس تقييدًا في المعنى. أما شرط الإيمان فلم يتناوله اللفظ إجماعًا، فكان التقييد به تقييدًا زائدًا على مسمى اللفظ- وهو موضع النزاع- بخلاف القيود الداخلية في مسمى اللفظ. قلت: هذا كلام حسن، غير أنه يشكل عليه شيء وهو أنه إذا أطلق لفظ الإنسان على الأعمى، أو الأقطع، أو من فقد بعض أعضائه، أن ذلك يكون مجازًا، وأن لا يصدق الإنسان حقيقة إلا على الكامل المطلق، وكذلك الفرس المقطوع الأذن، يلزم أن لا يستحق اسم الفرس لغة، وهو بعيد، وحينئذ يكون في هذا المقام مخالفة إحدى القاعدتين، إما أن تستحق هذه الحيوانات

стр. 833

أسماءها عند فقد بعض أعضائها- وهو خلال الظاهر- وإما أن لا تكون المبادرة للفهم دليل الحقيقة- وهو خلاف الظاهر، فينظر في ذلك. والأظهر عندي: أن لفظ الحقيقة صادق على المعيب من الحيوانات، وأن سبق السلامة للذهن إنما هو لأصل الغلبة؛ لأن الغالب من الحيوانات السلامة، فسبق ذلك للفهم، ومدرك هذا اسبق الغلبة؛ لاختصاص اللفظ في الوضع بالسليم. وهذا- أيضًا- يصح أن يكون جوابًا للحنفية، فيقولون: إنما شرطنا السلامة من العيوب لدلالة الغالب عليها، لا لأن اللفظ وضع لها، ولأصل حمل المطلق على المقيد، فلم ينتقض أصلنا في ذلك. قال المازري في شرح البرهان: ورد على الحنفية نقوض: أحدها: اشتراط السلامة من العيوب في الرقبة. وثانيها: اشتراط الفقر في ذوي القربى. وثالثها: أنه يجزي عندهم الأقطع دون الأخرس. ورابعها: لو حلف لا يشتري رقبة، فاشترى رقبة معيبة، فلم تعتبر السلامة في الحنث، يخالف قاعدة الشيخ- لأن الزيادة عنده نسخ، وهنا نسخ القرآن بغير دليل قاطع. مسألة: إذا أطلق الحكم في موضع، وقيد في موضعين بقيدين متضادين .

стр. 834

مثاله: قضاء رمضان الوارد مطلقًا في قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، وصوم التمتع الوارد مقيدًا بالتفريق في قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾، وصوم كفارة الظهار الوارد مقيدًا بصوم التتابع في قوله : ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾. اختلفوا في هذه المسألة على حسب ما تقدم. من قال: إن المطلق (يحمل على المقيد من جهة) اللفظ، ترك المطلق- هاهنا- على إطلاقه؛ لأنه ليس تقييده بأحد القيدين أولى من الآخر. ومن حمل المطلق على المقيد بالقياس، حمله هاهنا- على ما كان القياس عليه أولى. ومن قال بعدم الحمل مطلقًا، قال به هاهنا. واتفق لي مع قاضي القضاة صدر الدين الحنفي- حمه الله- حكى لي يومًا: أنه اجتمع في دمشق مع السيد الشريف شمس الدين، قاضي

стр. 835

العسكر، نقيب الأشراف في الدولة الكاملية، قال: فقلت له: إن الشافعية نقضوا أصلهم، بأنهم قالوا: (يحمل المطلق على المقيد)، وقد ورد في قوله ﷺ في غسل الإناء في ولوغ الكلب سبعًا (إحداهن بالتراب) ورد مقيدًا، أعني لفظ: (إحداهن)، فقال ﵊ في حديث آخر: (أولاهن بالتراب)، ومع ذلك فلم يحملوا المطلق على المقيد، بل أبقوا المطلق على إطلاقه، قال: فلم يجد جوابًا، ولا يمكنهم الجواب عنه. فقلت له: لنا قاعدة وهي: أن المطلق إذا قيد بقيدين متضادين، سقط القيدان، وبقي المطلق على إطلاقه باتفاق الفريقين، وهاهنا كذلك؛ لأنه ورد في الحديث أيضًا: (أخراهن بالتراب)، فسقط القيدان (أولاهن)،

стр. 836

و (أخراهن)، لتضادهما، فليس الحمل على أحدهما أولى من الآخر، وبقي المطلق الذي هو: (إحداهن بالتراب) على إطلاقه. وهذا أحسن ما مثلث به المسألة، فإن السبب واحد، والحكم واحد، والقيود متضادة. تنبيه: كيف يصح تقييد المطلق بالقياس مع اختلاف الأسباب، واختلاف الأسباب يوجب اختلاف المصالح، ومع اختلاف المصالح كيف يصح القياس؟ وجوابه: أن الأسباب قد تختلف وتختلف مصالحها- كما تقدم في القتل والظهار- وقد تتفق مصالحها، فيتجه القياس، كالأسباب النواقض للطهارة الصغرى والكبرى، كانت حكمتها واحدة، وإلا لما كان حكمها واحدًا. وكشرب الخمر والقذف حدهما واحد، وذلك يقتضي أن تكون حكمتها واحدة، وإلا اختلف الحد، ولذلك قال علي-﵁ لما أراد أن (يسوي بينهما في الحد، إشارة) إلى تقارب الحكمة بقوله: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فأرى عليه حد المفتري.

стр. 837

فجاز أن يقع التقييد والإطلاق فيما حكمتهما واحدة، وهما مختلفان في الصورة. فائدة: التقييد والإطلاق اسمان للألفاظ باعتبار معانيهما ، لا أسماء للمعاني باعتبار ألفاظها، ولذلك تقول: لفظ مطلق، ولا تقول: معنى مطلق، ونظيره من أسماء الألفاظ: لفظ نكرة، ومعرفة، ومترادف، ومتواطئ، ومجمل، ونحو ذلك من أسماء الألفاظ.

стр. 838

الباب الخامس والعشرون في تحقيق الفرق بين حمل المطلق على المقيد في الأمر والنهي ، والخبر (في الثبوت)، والخبر في النفي، وبين أن يكون المطلق والمقيد كليًا، أو كلا، أو كلية. فإن هذه الحقائق مختلفة الأحكام في حمل المطلق على المقيد، وقد وقعت التسوية بينها في كتب الأصول، والتسوية لا يعضدها الدليل في بعض المواطن. فأردت في هذا الباب بيان ما لا يكون من باب حمل المطلق على المقيد- وإن جعله منه الدليل الذي ذكروه- وهو أن العامل بالمقيد عامل بالدليلين، دليل الإطلاق ودليل التقييد. ولا شك أن هذا الجمع بين الدليلين ميسر في الأمر والمأمور به كلي، نحو: اعتق رقبة، اعتق رقبة مؤمنة، فإن مفهوم قولنا: (رقبة) حاصل في قوله: (رقبة مؤمنة) فإن الثابت مع صفة، ثابت- بالضرورة- بالعامل، فقولنا: (رقبة مؤمنة) عامل بالدليلين. وكذلك: خبر الثبوت، إذا كان مخبره كليًا، كقولنا: بعث الله في آخر الزمان رجلا للخلق كافة، ثم نقول: بعث الله تعالى رجلا نبيًا، فإن مفهوم الأول داخل في الثاني، ولا ينافي أحدهما الآخر، وكذلك: مررت اليوم برجل، مررت برجل صالح، لا يتنافيان، فإذا اعتقدنا أن الذي وقع به المرور هو الرجل الصالح، يكون قد أعملنا الدليلين.

стр. 839

وكذلك الأمر إذا كان مأموره كليًا، نحو: صم عشرة أيام، فإن لفظ (العشرة) موضع في لسان العرب لمفهوم هو (كل)، وهو مجموع العشرة- وقد تقدم الفرق بين الكلي والكلية والكل، والجزء والجزئية والجزئي- فإذا قال- بعد ذلك-: صم عشرة أيام متتابعات، فصامها متتابعات، كان قد عمل بالدليلين؛ لأن مفهوم قولنا: (عشرة) داخل في مفهوم قولنا: (عشرة أيام متتابعات). وكذلك الخبر إذا كان خبرًا كلًا، نحو: رأيت عشرة رجال، رأيت عشرة رجال صالحين، فالمطلق الأول حاصل في المقيد، فإذا اعتقدنا: أنه رأى عشرة رجال صالحين، فقد أعملنا الخبرين، واعتبرنا الدليلين. فهذه أربعة أقسام يتجه فيها العمل بالدليلين. أما إذا كان الأمر مأموره كلية، نحو: زكوا عن الغنم، فإن صيغة الغنم صيغة عموم؛ لأجل لام التعريف، فإذا قال- بعد ذلك-: زكوا عن الغنم السائمة، فهذا مقيد بالسوم، ويلزم من حمل المطلق الأول عليه خروج المعلوفة عن وجوب الزكاة، ولا يحصل مفهوم العموم الحاصل من الإطلاق في مفهوم المقيد، بل بعضه خاصة، وهو السائمة، فهذا تنقيص وتخصيص وتناف

стр. 840

بين الدليلين، بل هذا من باب التخصيص، لا من باب التقييد، وقد تقدم أن التخصيص عكس التقييد، وأن التخصيص تنقيص، والتقييد زيادة، وأين الزيادة من النقص؟ . فتأمل ذلك. وكذلك إذا كان خبر الثبوت متعلقًا بكلية، كقولنا: رأيت قريشًا، فهذا عام كلية، أو رأيت إخوتك، فإذا قال- بعد ذلك-: رأيت إخوتك الصالحين، أو: قريشًا الصالحين، خرج الصالحون من هذا المطلق الأول، وحصل التخصيص، ولم يحصل مفهوم المطلق الأول في مفهوم المقيد الثاني البتة، بل بعضه، فهو من باب التخصيص، لا من باب التقييد. وكذلك النهي إذا تعلق بكلي، نحو: لا تعتق رقبة، فإنه حينئذ يكون من صيغ العموم، فإن النكرة في النهي مثلها في النفي، فكما أن النكرة في سياق النفي تعم، كذلك النكرة في النهي تعم؛ لأن معنى النهي في النكرة: أن لا تدخل تلك الحقيقة الوجود البتة، وذك يقتضي نفي جميع أفرادها، فلو دخل فرد (منها لدخلت الحقيقة) في الوجود، وهو خلاف ما دل عليه النهي، فحينئذ النهي إذا تعلق بنكرة، اتبعت جميع أفرادها، وحصل العموم من هذا الوجه، واستوى النفي والنهي، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء﴾، فاقتضى ذلك عموم النهي في الفاعل والمفعول جميعًا، فلا يحل لأحد أن يسخر من أحد البتة، رجلا كان أو امرأة، فالنهي إذا تعلق بكلي حصل العموم، فإذا قال: لا تعتق رقبة، اقتضى ذلك النهي عن جميع الرقاب، فإذا قال- بعد

стр. 841

ذلك-: لا تعتق رقبة كافرة، خرجت الرقبة المؤمنة من النهي بهذا التقييد، وبقيت الكافرة خاصة، قد حصل التخصيص في العموم الأول، ولم يحصل مفهوم المطلق في المقيد البتة، بل تنافيا وتصادما. وكذلك إذا كان متعلق النهي كلية، كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾، فهذا عام في كل نفس، والقضاء فيه بالسلب على كل فرد فرد من أفراد النفوس، فإذا قال- بعد ذلك-: لا تقتلوا النفس القرشية التي حرم الله إلا بالحق، خرج من النهي من ليس بقرشي، ولم يحصل مفهوم العموم الأول الذي في ضمن المقيد البتة، بل حصل التنافي بين النصين والتنافر، وتعذر الجمع بين مفهوم المطلق والمقيد. وكذلك إذا كان متعلق النهي كلا، نحو قولنا: (لا تضرب عشرة رجال، فهذا المطلق مدلوله (كل) فإذا قلنا- بعد ذلك): لا تضرب عشرة رجال مؤمنين، تنافى النصان، بسبب أن الصيغة الأولى اقتضت العموم، فإن (عشرة) نكرة في سياق النهي، وقد تقدم أن النكرة في سياق النهي كالنكرة في سياق النفي، تعم فيهما، وإذا كان الأول للعموم، فقال- بعد ذلك-: (عشرة مؤمنين)، خرج الكفار من هذا العموم، وتنافر النصان وتضادا، ولم يمكن الجمع بينهما البتة، وكان هذا تخصيصًا، لا تقييدًا، وقد تقدم الفرق بين التخصيص والتقييد. وكذلك خبر النفي، إذا كان متعلقه كليًا، نحو قولنا: ما رأيت أحدًا، فهذا

стр. 842

الكلي في هذا الخبر يقتضي العموم؛ لأنه نكرة في سياق النفي، فإذا قال- بعد ذلك-: ما رأيت أحدًا نبيًا، خرج من العموم من ليس بنبي، ولا يحصل الأول في هذا المقيد البتة، بل بعضه، وهو الأنبياء ﵈. فقد تنافر اللفظان، وتنافى الدليلان، وتعذر الجمع بينهما البتة، وحصل التخصيص دون التقييد، فلا سبيل إلى الجمع البتة. وكذلك خبر النفي إذا كان مخبره كلية، نحو: ما رأيت الرجال، فالمفعول هنا كلية وصيغة عموم، فإذا قال- بعد ذلك-: ما رأيت رجالا صالحين، خرج من هذا المقيد من ليس برجل صالح، وهو مندرج في الأول، فقد تنافر اللفظان في الإطلاق والتقييد، وتعذر الجمع بينهما، لحصول التخصيص دون التقييد. وكذلك إذا كان متعلق خبر النفي كلا، نحو: ما رأيت عشرة، فإن هذا اللفظ المطلق اقتضى العموم أيضًا، فإن قولنا: (عشرة)، نكرة في سياق النفي فتعم- كما تقدم- فإذا قال- بعد ذلك-: ما رأيت عشرة صالحين، كان هذا المقيد متناولا لبعض ما تناوله المطلق، وهو الرجال الصالحون دون الصالحين، فلم يمكن الجمع بين مدلول المطلق ومدلول المقيد البتة، بل تنافر اللفظان، وحصل التخصيص دون التقييد. وتقريب هذا المرام أن نقول: أقسام الصيغ الدالة في الرتبة الأولى أربعة: (أمر، نهي، وخبر ثبوت، وخبر نفي)، وكل واحد من هذه الأربعة إما أن

стр. 843

يتعلق بـ (كلي)، أو (كل)، أو (كلية)، فيكون مع كل واحد ثلاثة، وثلاثة في أربعة باثني عشر، فينقسم هذا الباب إلى اثني عشر قسمًا. الذي نحن فيه أن يقال: هو من باب حمل المطلق على المقيد أربعة من هذه الاثنى عشر قسمًا وهي: الأمر بكلي أو كل، وخبر الثبوت بكلي أو كل خاصة، وتبقى ثمانية أقسام لا تكون من باب حمل المطلق على المقيد، بل من حمل العام على الخاص وهي: الأمر بالكلية، نحو: زكوا عن الغنم، والنهي عن الكلي، نحو: لا تضرب رجلا، والكل، نحو: لا تضرب عشرة، والكلية، نحو: لا تقتل النفس، وخبر الثبوت عن الكلية، نحو: رأيت الرجال، ثم تقول: رأيت الرجال الصالحين، وخبر النفي عن الكلي، نحو: ما رأيت رجلا، وخبر النفي عن الكل، نحو: ما رأيت عشرة، وخبر النفي عن الكلية، نحو ما رأيت إخوتك. ثم تقول- بعد ذلك في الجميع-: اللفظ المتقدم مع زيادة صفة وعقيب كل مطلق من هذه المطلقات بمقيد يناسبه. فإذا أحطت بهذه الاثنى عشر قسمًا، فقد أحطت بجميع ما يمكن أن يتوهم أنه من هذا الباب، بحيث لا يبقى منه قسم البتة، وظهر- حينئذ- ما هو من باب التقييد وما هو من باب التخصيص، ويتجه لك من هذا الاطلاع على ذلك مباحث وفروق وأسئلة وأجوبة في علم الأصول والفروع.

стр. 844

وإذا حصل التعارض بين قسمين من هذه الأقسام، أمكن الترجيح بأن أحدهما حصل فيه الجمع بين الدليلين، والآخر (ما) حصل فيه ذلك، بل مدلول المطلق فائت ومتعذر، ولم أر أحدًا تعرض لذلك، بل يسوون في الأصول والفروع بين هذه المثل، ويجعلون البحث واحدًا، وليس كذلك. بل ينبغي لك أن تحيط بجميع هذه التفاصيل علمًا؛ لتخرجها على هذه القوانين المتقدمة، ولا تسوي بين المختلفات، فيحصل لك الغلط، وقد بسطت لك ذلك بسطًا شافيًا كافيًا بفضل الله تعالى، بحيث اتضح في غاية الوضوح، والحمد لله على ذلك. وهذا التلخيص هو المقصود من هذا الباب الذي أنا فيه، ولذلك أفردته بالذكر حتى يتضح عند الناظر في هذا الكتاب إيضاحًا جيدًا. وهذا آخر ما تيسر لي في كتاب (العقد المنظوم في الخصوص والعموم)، وهو من نعمة الله تعالى وفضله، نفع الله تعالى به قارئه وكاتبه ومن كان السبب فيه، بمنه وكرمه، إنه على ما يشاء قدير، وحسبنا الله، ونعم الوكيل.