← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20860

العقد المنظوم في الخصوص والعموم

القرافي

Полный текст (844 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فائدة: يقع في (بعض) نسخ الأصول، ابن العاص، بالعين المهملة، وهو تصحيف، وإنما هو القاص بالقاف والصاد المهملة، اسمه: أحمد، واشتهر بأبي العباس، من الفقهاء الشافعية، وهو: أبو العباس (بن أبي) أحمد، المعروف بابن القاص الطبري، صاحب أبي العباس ب سريج، مات سنة خمس وثلاثمائة، وله مصنفات كثيرة: (المفتاح)، و (أدب القضاة)، و (المواقيت)، و (التلخيص)، وفيه يقول الشاعر: عقم النساء فلم يلدن شبيهه *** إن النساء بمثله عقم وعنه أخذ أهل طبرستان، ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء وتصحف (بابن الفارض) بالفاء واحدة من فوقها، والراء المهملة. و"بالعارض" بالعين، وإنما هو القاص بالقاف والصاد المهملة.

стр. 772

وأما إذا (لم يعلم) التأريخ، فعند الشافعي- ﵁ إنما الخاص منهما يخص العام. وعند أبي حنيفة- ﵁ يتوقف فيهما، ويرجع إلى غيرهما، أو إلى ما يرجع أحدهما على الآخر، وهذا هو مقتضى أصله؛ لأن الخاص دائر ين أن يكون منسوخًا، أو مخصصًا، وناسخًا مقبولًا، وناسخًا مردودًا، وعند حصول التردد يجب التوقف؛ لأن الخاص يحتمل عند الجهل بالتأريخ أن يكون متقدمًا، فيكون منسوخًا عنده بالعام المتأخر، فمقتضى قاعدته. وإن كان متأخرًا وورد قبل العمل بالعام، كان مخصصًا، أو بعد العمل فيكون ناسخًا مقبولًا، إن كان مساويًا له أو أقوى منه من جهة السند، فإن المتقدم إن كان متواترًا لا ننسخه بالآحاد المتأخر، وإن كان متواترًا نسخ العام المتقدم في الأفراد التي يتناولها الخاص، فلم (تعارضت الاحتمالات) وجب التوقف على قاعدته. واحتج أصحابنا على مذهبهم بوجهين: أحدهما: أنه ليس للخاص مع العام إلا أن يقارنه، أو يتقدمه، أو يتأخر عنه، وقد ثبت تخصيص العام بالخاص على التقديرات الثلاثة، فعند الجهل بالتأريخ يكون الحكم أيضًا كذلك، وهذا الوجه الضعيف، بسبب أن الخاص المتأخر عن العام- إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، كان تخصيصًا، وإن ورد بعده كان ناسخًا.

стр. 773

وعلى هذا يقول: إن كان العام والخاص مقطوعين، أو مظنونين، أو العام مظنونًا والخاص مقطوعًا-: وجب ترجيح الخاص على العام؛ لأن الخاص دائر ين أن يكون ناسخًا، أو مخصصًا. وعلى التقديرين: فالخاص مقدم في هذه الصورة. وأما إذا كان العام مقطوعًا، والخاص مظنونًا- فبتقدير أن يكون الخاص مخصصًا- وجب العمل به؛ (لأن تخصيص الكتاب بخبر الواحد حائز، لكن بتقدير أن يكون ناسخًا، لا يجب العمل به)؛ لأن نسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز. والحاصل: أن الخاص دائر بين أن يكون مخصصًا، وبين أن يكون ناسخًا مقبولًا، (أو ناسخًا مردودًا، وإذا كان كذلك، لم يجب تقديم الخاص على العام مطلقًا، بل يفصل في النصوص، ويقال: هل هما حالة النطق مقطوعين، أو مظنونين، أو أحدهما؟ وتخرج أحكامها على هذه القواعد المتقدمة، ولا يجزم بالتقديم مطلقًا، بل يقدم العام المقطوع على الخاص المظنون؛ لاحتمال تأخره عن وقت العمل بالعام، ويقدم الخاص المقطوع على العام المظنون السند؛ لأن أسوأ حالة أن يكون ناسخًا، وهو يصلح لذلك. وثانيهما: قالوا: العموم يخص بالقياس مطلقًا؛ فلأن يخص بخبر الواحد أولى.

стр. 774

وهذا الوجه- أيضًا- ضعيف؛ لأن القياس يقتضي أصلا يقاس عليه- فذلك الأصل إن كان متقدمًا على العام، لم يجز القياس عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه خاص متقدم على عام، فيكون منسوخًا بالعام على قاعدته، والقياس على المنسوخ باطل. فكذلك إذا جهل تقدمه وتأخره، لا يجوز القياس عليه؛ لأنه دائر عنده بين أن يكون منسوخًا، فيبطل القياس، أو لا، فيصلح القياس، والدائر بين الصحيح والباطل باطل. ولأبي حنيفة- ﵀ أن يمنع هذه الطريقة التي للأصحاب على أصله، فلا يستقيم تمسك الأصحاب بها. قال الإمام فخر الدين: إن فقهاء الأمصار- في هذه الأعصار- لم يزالوا يخصصون أعم الخبرين بأخصهما، مع فقد علمهم بالتأريخ، مع أن ابن عمر لم يخص قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، بقوله ﷺ : (لا تحرم

стр. 775

الرضعة والرضعتان﴾، وعنه أيضًا لما سئل عن نكاح النصرانية حرمه محتجًا بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾، وجعل العام رافعًا لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ مع خصوصه. ويمكن الجواب عنه (من وجهين): أحدهما: أنا (لا) ندعي الإجماع إلا بعده في الأعصار المتأخرة، ولا تنافي بين تقدم الخلاف وتأخر الإجماع. وثانيهما: أن القاعدة المتقدمة (أن العام في الأشخاص، مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات)، ومن جملة الأحوال: خمس رضعات، والرضعة

стр. 776

الواحدة، فيكون التعيين تقييدًا لتلك التي هي المفهومة من قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، ولعله كان لا يرى بتقييد المطلق، ويرى بتخصيص العام. والكل مختلف فيه. فلعل مدركه عدم التقييد، لا عدم التخصيص. وكذلك﴾ والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم﴾ إنما هي حالة خاصة، ولم يرد التقييد بها، بل بقى المطلق على إطلاقه. ويحتمل أن يكون امتنع من ذلك الدليل وحده، منعه من التخصيص في هذه الصورة. تنبيه: الحنفية لما اعتقدوا: أن الواجب (في) مثل هذا العام والخاص، إما التوقف، وأما الترجيح، ذكر عيسى بن أبان ثلاثة أوجه في الترجيح. أحدها: اتفاق الأمة على العمل بأحدهما. وثانيها: عمل أكثر الأمة بأحد الخبرين، وتعيينهم على من لم يعمل به، كعملهم بخبر أبي سعيد، وعيبهم على ابن عباس حين نفى الربا في الزيادة، وخصصه بالنسيئة معتمدًا على قوله ﷺ (إنما الربا في

стр. 777

النسيئة). وثالثها: أن تكون الرواية لأحدهما أشهر. وزاد أبو عبد الله البصري وجهين (آخرين): أحدهما: أن يتضمن أحد الخبرين حكمًا شرعيًا، والآخر مضمونه حكم عقلي؛ لأنه ﷺ إنما بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان العقليات. وثانيهما: أن يكون (أحد) الخبرين بيانًا للآخر بالاتفاق، كاتفاقهم على أن قوله ﷺ : (لا قطع إلا في ثمن المجن)، بيانًا لآية السرقة،

стр. 778

لأنهم لو لم يتفقوا على أنه بيان لما تقدم؛ لأن التخصيص كله بيان، فلولا الإجماع، لوجب التوقف عند هذا القائل بين العموم وهذا المخصص، لكن لما دل الصادق المعصوم الذي هو الإجماع: على أنه بيان له، وجب المصير لما قاله الإجماع اضطرارًا. قال أبو الحسين البصري: وهذه الأمور المرحة أمارة لتأخير أحد الخبرين، إذ لو كان متقدمًا منسوخًا، لما اتفقت الأمة على استعماله، ولما كان نقله أشهر، ولما أجمعوا على كونه بيانًا لناسخه، وكون الحكم غير شرعي يقتضي كون الخبر الذي تضمنه (مصاحبًا) للعقل، وأن الخبر المتضمن للحكم الشرعي متأخر. قال الإمام فخر الدين: وهذا الوجه ضعيف. قال ابن يونس الموصلي- في تعليقه على المحصول-: يزيد أن هذا لا

стр. 779

يفيد اعتقاد أنه متأخر، بل لعل سبب ذلك ما ذكره الجمهور من كونه خاصا، وهو الموجب لتقديمه على العموم. سؤال: قال النقشواني في شرح المحصول: الشهادتان، إذا علم تقدم أحداهما، عمل بها، وقدمت. وإن جهل التأريخ، عمل بهما، مع أن كل واحدة منهما يمكن أن تكون مقبولة ومردودة، فعلى هذا لا ينبغي التوقف عند الجهل بالتأريخ، بل يعمل بهما، فما الفرق بين البابين؟ ومثاله: إذا شهدت إحداهما: أنه أقرضه مائة، وشهدت الأخرى: بأنه أبرأه من خمسين، حتى يبقى فيهما أعم وأخص، فإن علم تقدم الإبراء، لم يعتبر، أو تقدم القرض، اعتبر (وبرئ من خمسين)، وإن جهل التأريخ، اعتبرت البينات، ولزمت خمسون فقط مع جهل التأريخ، ولا يحصل ها هنا توقف أصلا، مع جواز أن يكون الإبراء قبل القرض، فلا يؤثر إسقاطًا، وتبقى المائة

стр. 780

على حالها، لتأخرها عن زمن الإبراء- مع أنه لم يقل به أحد. فكما لم يحصل التوقف في الشهادتين في حالة من الحالات- علم التأريخ أم جهل، فكذلك في الخبرين، وهذا مستندهم في الإعابة على من ترك العمل بخبر أبي سعيد في الربا، وتقديم احتمال التخصيص على احتمال النسخ؛ لأنه أخف، وكما في الشهادتين. * * *

стр. 781

الباب الثالث والعشرون فيما ظن أنه من مخصصات العموم مع أنه ليس كذلك و فيه عشر مسائل: المسألة الأولى: الخطاب الذي يرد جوابًا عن سؤال سائل- إما أن لا يكون مستقلا بنفسه، أو يكون . والأول على قسمين: لأن عدم استقلاله إما أن يكون لأمر يرجع إليه، كقوله ﵊ وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر- فقال: (أينقص إذا جف؟ ) قالوا: نعم، قال: (فلا، إذن). وإما أن يكون الأمر يرجع إلى العادة، كقوله: (والله لا أكلت)، في جواب من يقول: (كل عندي)؛ لأن هذا الجواب مستقل بنفسه، غير أن العرف يقتضي عدم استقلاله، حتى صار مقتصرًا على السبب الذي خرج عليه.

стр. 782

وعدم استقلال: الأول: لأجل اللفظ؛ (لأنه لو نطق عليه ﷺ بقوله): (فلا، إذن) وحده، لم يستقل. وأما (لا أكلت)، فإنه جملة مستقلة، يحسن السكوت عليها، ويستقل العقل بفهم معناها، وإنما العادة منعت فيها الاستقلال، لأجل تقدم قوله: (كل عندي)، أما لو لم يتقدم هذا السؤال، استقل بنفسه، ولم ينضم إلى غيره؛ لا عادة ولا لغة. فائدة: لما سأل رسول الله ﷺ عن الرطب هل ينقص إذا جف؟ (يقتضي) أنه كان لا يعلم ذلك؟ بل كان يعلمه، بل قصد بهذا السؤال تنبيههم على علة المنع، وسبب السؤال والجواب ومحاورة اللفظ، تقرر العلة في أذانهم، ويتضح الحكم أيضًا قويًا، فهذا هو حكم السؤال، لا يحصل العلم بالمسئول عنه. والقسم الثاني: - وهو المستعمل- على ثلاثة أنواع؛ لأن الجواب: إما أن يكون أخص، أو مساويًا، أو أعم. والأعم: إنما يكون أعم مما سئل عنه، كقوله ﷺ وقد سئل عن ماء البحر-: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، فهذا أعم مما سئل عنه، أي ضم إلى جنس السؤال جنس آخر وهو الميتة.

стр. 783

وقد يكون أعم مما سئل عنه في ذلك الجنس خاصة، كقوله ﷺ لما سئل عن بئر بضاعة: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه). والمساوي: كقولك- لمن قال لك: هل في الدار زيد؟ - فتقول: نعم. تنبيه: لم يقض رسول الله ﷺ في بئر بضاعة بشيء، لا بطهارة ولا بنجاسة بل ذكر ضابطًا عامًا للماء، فكأنه قال: أعرضوا بئر بضاعة على هذا الضابط، فإن كان لم يتغير فهو طهور، وإلا فنجس. وقد فهم جماعة من الفقهاء وأئمة الحديث، أن رسول الله ﷺ حكم في بئر بضاعة بالطهورية، حتى قال بعضهم: دخلت على البستان الذي فيه البئر بالمدينة، فوجدته صغيرًا- وذكر مساحته- ثم قال: فمثل هذه المساحة لا يضرها التغيير؛ لأنه ﷺ حكم له بالطهورية، مع قولهم له ﵊: (إنه تلقى فيه الجيف والنتن)، ذكره أبو داود، وهو متجه لمن تأمله.

стр. 784

إذا عرفت هذه الأقسام، فنقول: أما الجواب الذي لا يستقل بنفسه، فإنه يقيد مع سببه، فيكون السبب موجودًا في كلام المجيب تقديرًا، وإلا لم يفد، ولو أن المتكلم أتى بالسبب في كلامه، فقال: (والله لا أكلت عندك)، لكان اليمين مقصورًا على الأكل عنده. وأما الجواب المستقل المساوي، فلا إشكال فيه. وأما الأخص فهو جائز بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون فيما خرج عن الجواب/ تنبيه على ما لم يخرج عنه حتى (لا يحتمل العموم). وثانيها: أن يكون السائل من أهل الاجتهاد، ليكون له أهلية فهم ما بقي مما ذكره. وثالثها: أن (لا) تفوت المصلحة باشتغال السائل بالاجتهاد.

стр. 785

وبدون هذه الشرائط لا يجوز. أما إذا كان الجواب أعم في غير ما سئل عنه، فلا شبهة في أنه يجري على عمومه. أما إذا كان الجواب أعم فيما سئل عنه خاصة، فالحق: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، خلافًا للمزني، وأبي ثور فإنهما زعما أن خصوص السبب يكون مخصصًا لعموم اللفظ، قال إمام الحرمين: وهو الذي صح عن الشافعي ﵁. هذا نقل الإمام فخر الدين ﵀. وقال الإمام في البرهان: لا يجوز تخصيص العموم بسبب؛ لأنه يدخل فيه دخولا أوليًا. ونقل عن أبي حنيفة ﵀ تخصيصه به- وهو بعيد جدًا- وظهر ذلك للناقلين في حديثين:

стр. 786

أحدهما: حديث العجلاني في اللعان فإنه لاعن امرأته وهي حامل، ونفي حملها فانتفى، ومنع أبو حنيفة نفي الحمل باللعان، وإن لم يرد في اللعان غير قضية العجلاني. والحديث الآخر حديث عبد بن زمعة، وكان سأل عن ولد أمه في ملك

стр. 787

اليمين، فقال: ولد على ملك أبي، فقال رسول الله ﷺ : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فألحق أبو حنيفة الولد بالنكاح- وإن استحال الوطء- ولم يلحق ولد المملوكة بمولاها، وإن أقر بالوطء والافتراش، قال: ولا يليق نسبة هذا له، بل يحمل على أن الحديثين لم يبلغاه بتمامهما. لنا وجهان: الأول: أن المقتضي للعموم قائم، وهو اللفظ الموضوع للعموم، والمعارض الموجود- وهو: خصوص السبب- لا يصلح معارضًا؛ لأنه (لا) منافاة بين

стр. 788

عموم اللفظ وخصوص السبب (في عادة لسان العرب، والعلم باجتماع العموم والسبب واندراج السبب فيه) اندراجًا أوليًا من لسان العرب ضروري. الثاني: أن الأمة مجمعة على أن آية اللعان، والظهار، والسرقة، وغيرها إنما نزلت في أقوام معينين، مع أن الأمة عممت أحكامها، والأصل عدم مخالفة الدليل، فيكون حكم الأمة على وفق الدليل، وهو المطلوب. احتج المخالف: بأن المراد من ذلك الخطاب، إما أن يكون ما وقع السؤال عنه أو غيره. فإن/ كان الأول: وجب أن لا يزاد عليه، وذلك يقتضي أن يختص بخصوص السبب. وإن كان الثاني: وجب أن لا يتأخر البيان عن تلك الواقعة، ولا إليها. والجواب: (أن ما ذكروه يقتضي) أن يكون ذلك الحكم مقصورًا على ذلك السائل، وعلى ذلك الزمان، وذلك المكان، وتلك الهيئة. أو يقول: لم لا يجوز أن يقصد بالعموم إنشاء معنى عام يلزم منه بيان جواب السؤال؟ لأنه يقصد به بيان مشكل تقدم حتى يلزم تأخير البيان إلى هذه الواقعة، بل قصد به الإنسان، والبيان في السؤال يحصل ضمنًا. قال الإمام فخر الدين: هذا العام- وإن كان حجة في موضع السؤال وفي غيره- إلا أن دلالته على موضع السؤال أقوى منه على غير ذلك الموضع، وهذا يصلح أن يكون من المرجحات.

стр. 789

المسألة الثانية: الحق أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي ، وهو قول الشافعي ﵀ لأنه قال: (إن كان الراوي حمل الحديث على أحد محمليه: صرت إلى قوله، وإن ترك الظاهر: لم أصر إلى قوله)، خلافًا لعيسى بن أبان. ومنهم من فصل، وقال: إن وجد خبر يقتضي تخصيصه، أو وجد في الأصول ما يقتضي ذلك، لم يخص الحديث بمذهبه، وإلا خص بمذهبه. ومثله إمام الحرمين في البرهان بقوله ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا هاء وهاء) وحمل رواية عمر بن الخطاب ﵁ على التقابض في

стр. 790

المجلس. وحكى القاضي عبد الوهاب المالكي في الملخص، في هذه المسألة- خمس مذاهب: تقديم ظاهر الخبر مطلقًا. وتقديم تفسير الراوي مطلقًا. والثالث: إن عدل عن الظاهر قدم الظاهر، وإن كان تأويلا فالتفسير أولى. والرابع: لبعض المالكية، إن كان مما يعلم بمشاهدة الحال ومخارج الكلام، فهو أولى بالاستدلال، فالخبر أولى. والخامس: زيادة على الرابع- إن كان لا طريق إلا ذلك فهو أولى، وإن احتمل ذلك وغيره، فالخبر أولى. وقال الشيخ شمس الدين الأبياري في شرح البرهان: ما علمت أحدًا يقول بتقديم تفسير الراوي على الخبر، لكن (تفسيره يدل) على دليل تقدم على الخبر وإلا لما قدمه الراوي لعدالته. قلت: وهذا ليس بخلاف للجماعة؛ لأنه مدركهم.

стр. 791

ومثل ابن برهان- في المسألة- في كتابه المسمى بالأوسط/ بقوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، فخصصه راويه بالرجل دون المرأة، وتخرج على الخلاف حجة الحنفية في أن المرأة لا تقتل. ومثله الإمام فخر الدين بقوله ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا) فخصصه راويه أبو هريرة ﵁ بأنه

стр. 792

يغسل ثلاثًا. قلت: وهذا المثال أبعد المثل، بسبب أنه اسم عدد، وأسماء الأعداد لا يدخلها المجاز، لأنها نصوص، والتخصيص مجاز فلا يدخل في لفظ السبع بل يحمل مذهب أبي هريرة (على) أن السبع مندوب إليها، والثلاثة هي الواجبة، فيكون هذا قولا بالمجاز في المقتضي للطلب، وهي صيغة الأمر، لا في لفظ العدد، ولا عموم هاهنا البتة. وكذلك (مثال) إمام الحرمين لا يتجه، بسبب أن التوسع في القبض إلى آخر المجلس حالة من حالات بيع الذهب بالذهب والعام في الأشخاص، مطلق في الأحوال- فلا يلزم من إخراج هذه الحالة الخاصة وتعيين حالة أخرى للحكم أن لا يكون الحكم ثابتًا في جميع الأفراد، ثابتًا في حالة مطلقة، بل ثبوته في حالة خاصة يستلزم ثبوته في حالة مطلقة، لضرورة استلزام الخاص العام.

стр. 793

المسألة الثالثة: لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه خلافًا لأبي ثور . وهذه المسألة مشروطة بالاتفاق في الحكمين، كقولنا: (اقتلوا المشركين، اقتلوا عبدة الأوثان)، وهم بعض المشركين، والحكم في الكلامين (في) وجوب القتل. أما لو اختلف الحكم، كان غير التخصيص، كقولنا: (اقتلوا المشركين، ولا تقتلوا النصارى في حالة ما). ومثل الإمام فخر الدين هذه المسألة بقوله ﵊: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، ثم قال في جلد شاة ميمونة: (دباغه طهوره)، يريد أن التنصيص على جلد شاة

стр. 794

ميمونة) يقتضي اختصاص الحكم الأول بجلود الشياه, وجلود الشياه بعض الأهب. وهذا فيه تكلف من جهة أنا إن حملنا العام على جلد شاة ميمونة خاصة, كان بعدًا شديدًا عن ظاهر اللفظ العام, وإن حملناه على جلود الشياه كلها, فالحديث لم يتعرض له البتة بلفظه. والأحسن تمثيله بنهيه ﷺ عن بيع ما لم يضمن, ونهيه- مع ذلك-عن بيع الطعام قبل قبضه, والطعام بعض المنصوص عليه في الحديث الأول.

стр. 795

فهل يحمل (العموم عليه) خاصة- وهو مذهب مالك ﵀؟ وهو مشكل من جهة أن الصحيح والمشهور: أن العام لا يخص بذكر بعضه, والفرع على الضعيف ضعيف. وتوهم بعضهم: أن هذا من باب حمل المطلق على المقيد, (وليس كذلك, كما سيتضح لك- إن شاء الله- في باب حمل المطلق على المقيد) , وأن من شرطه أن يكون في كل, لا كلية. حجة الجمهور: أن المخصص للعام لابد أن يكون بينه وبين العام منافاة, ولا منافاة بين كل الشيء وبعضه؛ لأن كل الشيء محتاج إلى بعضه, والمحتاج إليه لا ينافي المحتاج. قلت: ويرد عليه أن هذا ليس مدرك الخصم, فإنه لم يجعل الجزء منافيًا لكل الشيء, حتى يلزم من إبطال مدركه إبطال مذهبه. ويتعين المذهب الآخر, بل مدركه: أن ذكر بعض الشيء, وتخصيصه بالذكر, يقتضي أن حكم الكل مغاير للحكم المذكور في البعض, فلا يفهم العرب من قول القائل: قبضت بعض الدين, أو قبضت دينارًا- وله عنده مائة- إلا أن الباقي لم يقبض, فكذلك هاهنا, ففرق بين كل الشيء وبعضه,

стр. 796

وبين كل الشيء وذكر بعضه على وجه الاختصاص, فهو عنده من باب دلالة المفهوم المنافي للمنطوق؛ (لأن المنطوق ينافي المنطوق) , فلا جواب لنا عن حجته. إلا أنا نمنع أن المفهوم حجة, أو نقول: هو حجة, لكن ظاهر العموم أولى تقديمًا للمنطوق على المفهوم, ويؤل الحال في المسألة إلى جواز تخصيص العموم بالمفهوم. وإن سلم تخصيص العام بالمفهوم, أمكن أن نمنع في هذا المفهوم, لا سيما إذا لم يصرح بلفظ البعض, بل ذكر اسم جنس كالطعام, هو بعض أنواع جنس آخر, كما تقدم في بيع ما لم يضمن. ويخصص تخصيص العام بالمفهوم بما إذا كان المفهوم مفهوم صفة, نحو قوله ﷺ (في سائمة الغنم الزكاة) , مع قوله ﷺ : (في كل أربعين شاة شاة) , فإن السائمة بعض الغنم, أو مفهوم الشرط, وغير ذلك من المفهومات القوية. وبهذا يجاب عن النقض إذا ورد على المالكية وغيرهم.

стр. 797

المسألة الرابعة: التخصيص بالعادات تقدم التنبيه على هذه المسألة, لكن إعادتها هاهنا, لبيان تتمات حسنة. منها: أن العادة قد تكون عادة الناس, وقد تكون عادة صاحب الشرع. فإن كانت عادة الناس, خصصت العمومات التي ينطق بها الناس في وصاياهم وأيمانهم ونذورهم وطلاقهم, وغير ذلك من تصرفاتهم, فكل من له عادة في لفظه (حمل لفظه) على عرفه الذي تقدم نطقه, (أما المتأخر عن نطقه) , فلا يخصص لفظه, كانت العادة خاصة به أو عامة في بلده, كالنقود في الأثمان, وتعيين المنافع في الأعيان, أو في جميع الأقاليم, ولا يحمل كلام متكلم على عادة غيره ولا يخصص به, ولا يخصص عموم أهل بلدة بعادة بلد آخر. وكذلك يمتنع التقييد- كما يمتنع التخصيص- بالعوائد المتأخرة مطلقًا, لا تخصيص ولا تقييد, وما علمت في ذلك خلافًا. وأما عرف الشرع وعادته فيحمل لفظه عليها, كما تقول: للشرع عادة في الإيمان- وهو الحلف بالله تعالى- فيحمل عليها قوله ﷺ : (من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف).

стр. 798

وكذلك إذا كانت للناس عادة علم بها ﷺ وأقرهم عليها, كانت معتبرة بتقريره ﷺ . ومتى احتمل في العادة أن تكون متأخرة عن زمن النطق وأن تكون متقدمة, لم تخصص بها؛ لأن الأصل بقاء العموم على عمومه, حتى يتعين المخصص, والمنافاة بينهما. ومن ذلك أن العوائد قسمان: فعلية, وقولية. فالعوائد القولية تخصص وتقيد, بخلاف الفعلية فإنها ملغاة, وهذا موضع صعب تحقيقه على جمع كثير من الفضلاء, وعسر عليهم تصور الفرق بينهما وتحرير معناهما, فاضبطه وتأمله وتحققه, فإنه من نفائس العلم. فالعوائد القولية معناها: أن الناس يطلقون ذلك اللفظ ولا يريدون به في عوائدهم إلا ذلك الشيء المخصوص, كالدابة, لا يريدون بهذا اللفظ إلا الفرس في العراق, والحمار بمصر, مع أنه موضوع في اللغة لمطلق ما دب. وكذلك الغائط والنجو, والخلاء, وغير ذلك من الألفاظ مما جرت العادة أنه يستعمل في غير مسماه, فيحمل ذلك المنقول إليه في الاستعمال الطارئ على اللغة. ثم النقل والعوائد قد تكون في الألفاظ المفردة نحو: الدابة, وقد تكون في الألفاظ المركبة, وله مثل:

стр. 799

أحدها: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، كان أصل هذا التركيب أن يفيد في ظاهرة تحريم الأم نفسها من جهة الوضع؛ لأن مفعوله في الظاهر إنما هو الأمهات، ودل العقل والعادة والشرائع على أن الذات من الأمهات وغيرها لا يتعلق بها تحريم ولا تحليل؛ لأن من شرط الذي يتعلق به حكم شرعي أن يكون فعلا للمكلف، مقدورًا له، والذوات ليست مقدورة للعباد، فلا يتعلق بها حكم شرعي، فيتعين حذف مضاف تقديره: يحرم عليكم استمتاع أمهاتكم، أو وطئ أمهاتكم، (يصح اللفظ، وينتظم التكليف، هذا هو مقتضى اللغة)، ثم صار هذا اللفظ في العرف منقولا لهذا المضاف المحذوف، وبقى هذا اللفظ المركب موضوعًا لتحريم الاستمتاع، لا يفهم منه إلا ذلك، ولا يحتاج إلى حذف مضاف أصلا، بل بقي اللفظ مستقبلا بنفسه في الدلالة على ذلك من غير إضمار شيء. وثانيها: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾، وهذه الأشياء لا تحرم، لما تقدم من تقرير: أن الذوات لا تحرم، فيقدر في كلامه (في ك) واحد منها ما يليق به من الحذف، كما ينتظم

стр. 800

التكليف- كما تقدم- وذلك مقتضى الوضع، لكن صار هذا اللفظ المركب منقولا لتحريم أكل هذه الحقائق وتناولها، ولا يحتاج- مع هذا النقل- إلى مضاف يقدر البتة؛ لأن الوضع الثاني صار يفيده. وثالثها: قول أهل العرف: الخمر حرام، لا يحتاج إلى تقدير مضاف، وهو شربها، بل صار هذا اللفظ المركب موضوعًا لتحريم شربها، ولو أفرد أحد هذه المركبات نحو: الأمهات، وحدها، أو: الخمر، وحده، لم يفد هذا المعنى؛ لأن الذوات أنفسها يصح تركيبها مع أفعال أخرى نحو: الأمهات آدميات، أو ممكنًا، والخمر معتصرة أو مائع، ونحو ذلك لما يصح من غير مضاف محذوف، وإنما يحتاج إلى الحذف أو النقل في الأفعال الخاصة التي لا يصح تركيبها مع الذوات التي لا يقدر عليها الخلق. ورابعها: ما وقع للفقهاء في قول الحالف: والله لا أكلت رؤوسا، هل يحنث برأس كل حيوان كالسمكة والعصفور ونحوهما، أو لا يحنث إلا برؤوس الأنعام؟ . ووجه الأول: أنه مقتضى اللفظ لغة. ووجه الثاني: أن أهل العرف غلب استعمالهم هذا المركب في رؤوس الأنعام خاصة، فلا يكادون ينطقون بلفظ (الرأس) و (الرؤوس) بدون لفظ الأكل مع

стр. 801

غير رؤوس الأنعام، فإذا قالوا: رأينا رأسًا، احتمل رأس آدمي أو حيوان غيره. وكذلك: ضربت، وغيره من الأفعال، بخلاف (أكلت) مع لفظ (الرؤوس). هذا المركب يختص في عرف الاستعمال بالرؤوس من الأنعام. ومنشأ الخلاف بين العلماء: هل وصل الاستعمال في العرف في الكثرة إلى حد يصيره منقولا، أم لم يصل إلى ذلك؟ والحق وصوله، وضابط الوصول: أن يصير الذي يدعي النقل إليه يفهم من اللفظ من غير قرينة. والخامسة: ما وقع للفقهاء من قولهم: (أيمان المسلمين تلزمني)، أي شيء يتعين لزومه له؟ فعينت المالكية الطلاق والعتاق والصدقة، وكفارة يمين الحنث، والحج إلى بيت الله الحرام، ولم يعينوا الاعتكاف ولا الصوم ولا الجهاد ولا الرباط، مع أن هذه الأمور يصح نذرها كما يصح نذر الصدقة، ويلتزم كما يلتزم الطلاق والعتاق وغيرهما. غير أن الفرق: أن أهل العرف عليهم تركيب النذر والأيمان بهذه الأمور التي عينها الفقهاء، دون التي تركوها، فإنها لا تنذر إلا على الندرة، فلم يحصل فيها النقل بسبب قلة الاستعمال، فلما صارت تلك الأمور من الطلاق وغيره، اللفظ منقولا إليها، بسبب غلبة الاستعمال، حمل اللفظ عليها عند الطلاق، دون غيرها. ويغلط كثير من الفقهاء فيقول: إنما حمل على هذه الأمور؛ لأن عادة الناس

стр. 802

يفعلونها، وهو غلط، بل لما ذكرته، ولما ستقف عليه من النقول في العرف الفعلي. وأما العوائد الفعلية: فتظهر بالمثال، فإذا حلف الملك: لا أكلت خبزًا، فأكل خبز الشعير حنث، وإن كانت عادته لا يأكل إلا القمح، أو حلف لا يلبس ثوبًا، يحنث بلبس ثياب الكتان، وإن كانت عادته يلبس ثياب الحرير. والسبب في ذلك: أن العرف القولي ناسخ للغة، وناقل للفظ، والناسخ مقدم على المنسوخ، والفعل لا ينقل؛ لأنه لا يلزم من لباس الثياب الصوم/ دائما تغيير لفظ الثوب عن موضعه، فلا معارضة بين العرف الفعلي والوضع اللغوي، فلذلك لم يخصص ولم يقيد. والعرف القولي معارض للغة، فقضى به عليها، فتأمل الفرق، فكثير من الفقهاء لم يخطر بباله هذا البحث، ولا هذا الفرق. وقد قال الشيخ سيف الدين الآمدي ﵀: إذا كان قوم لا يأكلون طعامًا مخصوصًا- فورد تحريم الطعام بصيغة العموم- حمل على عمومه في المعتاد وغيره عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه قاس أحد العرفين على الآخر، وهو غير متجه، لما تقدم من الفرق، وحكي الغزالي في المستصفى

стр. 803

هذا المثال بعينه، وجزم بعدم التخصيص به، ولم يحك خلافًا، وقال المازري في شرح البرهان: إن العادة الفعلية ليست مخصصة، بخلاف القولية. ومثال الفعلية قوله ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا)، مع أن عادتهم لا يضعون في أوانيهم التي يصل إليها الكلاب إلا الماء، فيختص ذلك بالماء، أو يعم جميع ما يتصور فيه الولوغ، خلاف مذهب مالك، قال: وكأنها عادة قولية، (فلم يجزم بذلك. قلت: وتوقف في موضع التوقف، بل المخصص عادة قولية)؛ لأنهم لم يكونوا يضعوا في الآنية التي يصل إليها الكلاب إلا الماء، فكان الغالب نطقهم (بصيغة (ولغ) في الماء خاصة، فكان ذلك كغلبة نطقهم) بلفظ الدابة في الحمار، ولم يحك (-أيضًا- خلافًا) غير ما عرض به من التردد. وكذلك قال أبو الحسين البصري في كتابه المسمى بالمعتمد، قال: إن العادة قولية، وإن التخصيص إنما يقع بالعادة القولية، دون الفعلية، ولم يحك خلافًا. ولم أر أحدًا حكى الخلاف في العادة الفعلية إلا الشيخ سيف الدين. وأخشى أن يكون ذلك كما أشار إليه المازري وحكاه عن المالكية، ويكون مدرك الحنفية في تلك الفروع وهو عادة قولية، وقد التبست بالفعلية، كما

стр. 804

تقدم بيانه في ولوغ الكلب, فيظن أنهم خالفوا وما خالفوا, وأظن أني سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يحكي الإجماع في عدم اعتبار العادة الفعلية, وقد طالعت على هذه المسألة في شرح المحصول ستة وثلاثين تصنيفا في علم أصول الفقه, فلم أجد أحدًا حكي الخلاف صريحًا إلا الشيخ سيف الدين الآمدي, وما يبعد أن يكون استنبطه من الفتاوى- والمدرك غير ما ظنه- وما زال الناس يستدلون بالفتاوى على المدارك, لكن قد يصادف, وقد لا يصادف. وقد قال العالمي في أصول الفقه له على مذهب أبي حنيفة لأنه حنفي-: العادة الفعلية لا تكون مخصصة إلا أن تجمع الأمة على استحسانها, ثم قال: ولقائل أن يقول: هذا تخصيص بالإجماع, لا بالعادة. ولعل هذا أيضًا مدرك الشيخ سيف الدين في النقل عنهم, ولو أن في مذهب الحنفية خلافًا في ذلك لنقله العالمي وغيره لما صنفوا في هذه المسألة. فلما لم ينقلوه, دل على (أن غيرهم إنما نقله بالتأويل من الفتاوى. والظاهر انعقاد الإجماع في المسألة, وأي) تعارض بين الفعل والوضع حتى يقضى عليه به؟ فإذا وضع اللفظ لمعنى (لا يختل وضعه لذلك المعنى, فعلنا نحن مسماه أو لم نفعله. أما إذا وضع اللفظ لمعنى) , وصار أسبق إلى الفهم بسبب

стр. 805

الوضع, فإنا إذا غلب استعماله في عرفنا لغير ذلك المعنى, بطل ذلك السبق إلى الفهم, وانتقل السبق للفهم للمعنى الذي غلب فيه الاستعمال, فحصل التعارض, والنسخ, والإبطال, في السبق إلى الفهم, وغلبة الظن أنه المراد, فقدم ذلك على الوضع الأول تخصيصًا وتقييدًا. أما العرف الفعلي فلم يوجد فيه شيء من ذلك, فلا معنى لجعله مخصصًا, ولا مقيدًا, ولا ناسخًا مبطلا. فتأمله, فهو من المواضع النفيسة, عظيم النفع في الأصول والفروع الفقهية, فكثير ما يغلط الفقهاء في الفتيا بسببه, وكذلك في التدريس, والتخريج لما ليس بمنصوص على المنصوص.

стр. 806

المسألة الخامسة: كون المتكلم ناطقًا بالخطاب, ومتكلمًا به, لا يقتضي تخصيص العموم بخروجه منه . أما في الخبر, فكقوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾؛ لأن اللفظ عام, ولا مانع من ثبوت حكمه للمتكلم. وأما في الأمر الذي جعل جزاء الشرط- كقوله: من دخل داري فأكرمه, قال الإمام فخر الدين: يشبه أن يكون كونه أمرًا قرينة مخصصة. قلت: وربما (كان) في بعض المواد يختص الجزء- في بعض صور التعاليق- بالمتكلم خاصة, كما لو قال: من دخل داري فعبده حر, أو امرأته طالق, فإن هذا الحكم العام لا يتعداه, ولا تطلق إلا امرأته بالدخول فقط, ولذلك يختص الطلاق بامرأته وحده.

стр. 807

المسألة السادسة: العموم المتناول للنبي ﷺ والأمة كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ ,﴾ يا أيها الذين آمنوا﴾ , يعم الحكم الجميع . وقال بعضهم: يختص بالأمة؛ لأن علو قدره ﷺ يقتضي إفراده بالذكر إذا أريد بالحكم, فحيث لم يفرد لم يكن مرادا, وهي عادة الملوك والعظماء إذا خاطبوا عامة رعيتهم خصصوا وزراءهم, (وكبراء خاصتهم) بخطاب يخصهم, إذا كانوا مرادين بذلك الحكم, وإذا كانت هذه العادة في الخطاب, وكلام الله تعالى يخصص بالعوائد, فيخصص بهذه العادة؛ لأن رسول الله ﷺ أعظم البرية, وسيد الكونين. وأجاب الجمهور عن هذه النكتة: أن عوائد الملوك إنما كانت كذلك؛ لأن عظماء دولتهم يقاربوهم في الجلالة والعظمة, فاقتضى الحال في سياستهم أن

стр. 808

يميزوا عن الرعية, حفظًا لقلوبهم عن الفساد, وما يخشى من غوائلهم في إفساد الممالك. وأما الله , فالعلم كله وجميع المخلوقات بالنسبة إلى عظمة جلاله, لا أقول كالذرة الملقاة في الفلاة, بل كالعدم الصرف, فالتسوية بين أجزاء العالم وجلال الله تعالى ضعيفة جدا, بل ذلك جناب عظيم, كل عظيم بالنسبة إليه ليس بعظيم. فهذا فرق عظيم يمنع من ملاحظة عوائد الملوك في خطاب الله تعالى. وقل الصيرفي: كل خطاب لم يصدر بأمر الرسول ﷺ بتبليغه, يتناوله, وإن صدر بأمره بتبليغه, لم يتناوله, كقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس﴾. وهذا صحيح من اللغة, أما من جهة العوائد فلا, فإن رسول الله ﷺ مأمور بتبليغ الشريعة كلها, وهو داخل فيها كلها بإجماع الأمة إلا ما خصه الدليل.

стр. 809

المسألة السابعة: العموم المتناول لما يندرج فيه السيد والكافر, لا يخصص بخروج هذين الفريقين منه؛ لأن العموم شامل لهما, ولا مانع من بقائه على عمومه . وما يتخيل من أن المانع ما ثبت في وجوب خدمة السيد في كل وقت يستخدمه فيه- وذلك يمنعه من العبادات في هذه الأوقات- فضعيف, بسبب أن الله تعالى إنما ملك السادات ما عدا أوقات العبادات, وثبوت حق السادات على وجه العموم ممنوع, فأوقات الصلوات ونحوها مستثناة من الملك إجماعًا, ولا مقال للسيد فيما أوجبه الله تعالى إلا ما أجمعت (عليه الأمة) كالجمعة والحج ونحوهما, لكن الأصل بقاء العموم على عمومه بحسب الإمكان. وأما كفر الكافر فلا يمنعه من اندراجه في صيغ العموم, كما لم يمنع المحدث حدثه من الاندراج في الخطاب بالصلاة. والدهري مندرج في الخطاب الدال على وجوب الإيمان بالرسل, مع أن الإيمان بهم فرع التصديق بالربوبية, فكذلك هاهنا.

стр. 810

المسألة الثامنة: إذا ورد العموم في سياق المدح والذم, لا يوجب تخصيص العام؛ لأن الموجب للعموم موجود, والجمع بين جميع الأنواع فيه ممكن يوجب التعميم . وقال بعض فقهاء الشافعية بتخصيصه, كقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾. تمسك به المعممون على وجوب الزكاة في الحلي المتخذ لاستعمال مباح. وقالت هذه الفرقة من الشافعية: لا يصح التمسك به؛ لأن مقصود الكلام إلحاق الذم بمن يكنز, لا سيما وقد نص أرباب علم البيان على قاعدة, وهي: أن الكلام إذا سيق لمعنى, لا يستدل به في غير ذلك المعنى؛ لأن المتكلم لا يتوجه إليه, كما قلنا لأبي حنيفة- رضوان الله عليه- لما استدل بقوله ﵊: (فيما سقت السماء العشر) على وجوب الزكاة في الخضروات: إن هذا الكلام إنما سيق لبيان الجزء الواجب, لا لبيان الواجب فيه.
следующие страницы →