وجهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار، ثم قال: وجه إلى فلان حتى يفرق في ناحيته، وإلى فلان، فلم يزل حتى فرقها كلها، ونفض الكيس، ونحن في حالة اللَّه بها عليم، فجاءني ابن لي فقال له: يا أبه أعطني درهما، فنظر إلي، فأخرجت قطعة أعطيته.
فكتب صاحب البريد: إنه تصدق بالدراهم من يومه حتى تصدق بالكيس.
قال علي بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد تصدق بها، وعلم الناس أنه قد قبل منك، ما يصنع أحمد بالمال؟ وإنما قوته رغيف! قال: فقال لي: صدقت يا علي.
"السيرة" لصالح ص ٩٢ - ٩٣
قال صالح: ثم أخرج أبي ﵀ ليلا، ومعنا حراس معهم النفاطات، فلما أصبح وأضاء الفجر، قال لي: يا صالح أمعك دراهم؟
قلت: نعم. قال: أعطهم، فأعطيتهم درهمًا درهمًا.
فلما أصبحنا جعل يعقوب يسير معه، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، ابن الثلجي، بلغني أنه كان يذكرك.
فقال له: يا أبا يوسف، سَل اللَّه العافية.
فقال له: يا أبا عبد اللَّه، أريد أن أؤدي عنك فيه رسالة إلى أمير المؤمنين، فسكت. فقال له: إن عبد اللَّه بن إسحاق أخبرني أن الوَابصِي قال له: إني أشهد عليه أنه قال: إن أحمد يعبدُ ماني! !
فقال: يا أبا يوسف، يكفي اللَّه.
فغضب يعقوب، فالتفت إليَّ، فقال: ما رأيت أعجب مما نحن فيه، أسأله أن يطلق لي كلمة أخبر أمير المؤمنين، فلا يفعل!
قال صالح: وقصر أبي الصلاة في خروجه إلى العسكر، وقال: تقصر الصلاة في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا، فصليت يوما به العصر،
стр. 492
فقال لي: طولت بنا العصر، تقرأ في الركعة مقدار خمس عشرة آية، وكنت أصلي به في العسكر.
قال صالح: فلما صرنا بين الحائطين قال لنا يعقوب: أقيموا، ثم وجه إلى المتوكل بما عمل، فدخلنا العسكر، وأبي منكس الرأس ورأسه مغطى، فقال له يعقوب: اكشف رأسك يا أبا عبد اللَّه فكشفه، ثم جاء وصيف يريد الدار، فلما نظر إلى الناس وجمعهم قال: ما هؤلاء؟ قالوا: أحمد بن حنبل. فوجه إليه بعدما جاز بيحيى بن هَرْثَمة، فقال: يُقرئك الأمير السلام، ويقول: الحمد للَّه الذي لم يشمت بك أهل البدع، قد علمت ما كان من حال ابن أبي دؤاد، فينبغي أن تتكلم بما يجب للَّه، ومضى يحيى.
"السيرة" لصالح ص ٩٤ - ٩٥
قال صالح: أنزل أبي دار إيتاخ، فجاء علي بن الجهم، فقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التي فرقها، وأمر أن لا يعلم شيخكم بذلك فيغتم، ثم جاءه محمد بن معاوية، فقال: إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك، ويقول: تقيم هاهنا تُحَدِّث.
فقال: أنا ضعيف، ثم وضع أصبعه على بعض أسنانه، فقال: إن بعض أسناني يتحرك، وما أخبرت بذلك ولدي.
ثم وجه إليه، فقال: ما تقول في بهيمتين انتطحتا، فعقرت إحداهما الأخرى، فسقطت فذبحت؟
فقال: إن كان أطرف بعينه أو مَصَع بذنبه، وسال دمه، يؤكل.
قال صالح: ثم صار إليه يحيى بن خاقان، فقال: يا أبا عبد اللَّه، قد أمر أمير المؤمنين أن أصير إليك لتركب إلى أبي عبد اللَّه. ثم قال لي: أمرني أن أقطع له سوادًا وطيلسانًا وقلنسوةً، فأي قلنسوة يلبس؟
فقلت له: ما رأيته لبس قلنسوة قط.
стр. 493
فقال له: إن أمير المؤمنين قد أمر أن يُصَيَّر لَك مرتبةً في أعلى المراتب، ويصير أبو عبد اللَّه في حجرك، ثم قال: قد أمرني أمير المؤمنين أن يُجْرى عليكم، وعلى قراباتك أربعة آلاف درهم، تفرقها عليهم. ثم أعاد يحيى من الغد. فقال: يا أبا عبد اللَّه، تركب؟
قال: ذاك إليكم. فقال: أستخير اللَّه، فلبس إزاره وخُفَّيه، وقد كان خفه قد أتى عنده نحو من خمس عشرة سنة، قد رقع برقاع عدة، فأشار يحيى إلى أن يلبس قلنسوة. فقال: كيف يدخل عليه حاسرا؟ ! ويحيى قائم، فطلبنا له دابة يركبها، فقال يحيى يصلي، فجلس على التراب، وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، ثم ركب بغل بعض التجار، فمضينا معه حتى دخل دار المعتز، فأجلس في بيت الدهليز، ثم جاء يحيى فأخذ بيده حتى أدخله، ورفع لنا الستر ونحن ننظر.
وكان المعتز قاعدًا على دكان في الدار، وكان قد تقدم يحيى إليه، فقال: لا تمد يدك إليه، فلما صعد الدكان قعد. فقال له يحيى: يا أبا عبد اللَّه، إن أمير المؤمنين جاء ليأنس بقربك، يصير أبا عبد اللَّه في حجرك.
فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعدًا وراء ستر، فلما دخل الدار قال لأمه: يا أماه، قد أنارت الدار. ثم جاء خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وأخرج منه مبطنة فيها قميص، فأدخل يده في جيب القميص والمبطنة، ثم أخذ بيد أبي فأقامه، ثم أدخل القميص والمبطنة في رأسه، ثم أدخل يده اليمنى وكذلك اليسار، وهو لا يحرك يده، تم أخذ قلنسوة فوضعها على رأسه، وألبسه طيلسانا ولحفه به، ولم يجيئوا بخف فبقي الخف عليه، ثم انصرف، وكانوا قد تحدثوا أنه لا يخلع عليه السواد، فلما صار إلى الدار نزع الثياب عنه، ثم جعل يبكي، ثم قال: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان آخر عمري، بُليت بهم، ما أحسبني
стр. 494
سلمت من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب علي نصحه، من وقت تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟
ثم قال: يا صالح، وجه بهذِه الثياب إلى بغداد تباع، ويتصدق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم منها شيئًا.
قال صالح: فوجهت بها إلى يعقوب بن بختان، فباعها، وفرق ثمنها، وبقيت عندي القلنسوة. ثم أخبرناه أن الدار التي هو فيها كانت لإيتاخ.
فقال: اكتب رقعة إلى محمد بن الجراح ليُعفى لي من هذِه الدار. فكتبنا رقعة، فأمر المتوكل أن يُعفى منها، ووجه إلى قوم ليخرجوا من منازلهم، فسأل أن يعفى من ذلك، واكتريت له دار بمائتي درهم، فصار إليها. وأجرى لنا مائدة وثلج، وضرب الخيش فلما رأى الخيش والطبرى، نحى نفسه عن ذلك الموضع، وألقى نفسه على مضربة له، واشتكت عينه وبرئت. قال: ألا تعجب، كانت عيني تشتكي فمكثت حينا حتى تبرأ، ثم قد برئت في سرعة، وجعل يواصل، يفطر في كل ثلاث على تمر وسويق، فمكث بذلك خمس عشرة، يفطر في كل ثلاث، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلة وليلة، لا يفطر إلا على رغيف، وكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز لكي لا يراها، فيأكل من حضر، وكان إذا أجهده الحر بلَّ خرقة، فيضعها على صدره، وفي كل يوم يوجه المتوكل إليه بابن ماسَوَيْه، فينظر إليه، ويقول له: يا أبا عبد اللَّه، أنا أميل إليك وإلى أصحابك، وما بك علة إلا الضعف وقلة الدد (١)، إنا أمرنا عبادنا بأكل دهن الخل، فإنه يلين، وجعل يجيئه بالشيء ليشربه، فيصبه.
وقطع له يحيى: دراعة، وطيلسانًا سوادًا. وجعل يعقوب وغياث يصيران
стр. 495
إليه، فيقولان له: يقول لك أمير المؤمنين، ما تقول في ابن أبي دؤاد في ماله؟ فلا يجيب في ذلك. وجعل يعقوب وغياث يخبرانه بما يحدث من أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم. ثم انحدر ابن أبي دؤاد إلى بغداد، فأشهد عليه ببيع ضياعه، وكان ربما صار إليه يحيى بن خاقان وهو يصلي، فيجلس في الدهليز حتى يفرغ. ويجيء علي بن الجهم فينزع سيفه وقلنسوته ويدخل عليه.
وأمر المتوكل أن يشتري لنا دارًا.
فقال: يا صالح. قلت: لبيك.
قال: لئن أقررت لهم بشراء دار لتكونن القطيعة بيني وبينكم، إنما يريدون أن يصيروا هذا البلد لي مأوى ومسكنا. فلم يزل يدفع شراء الدار حتى اندفع، وصار إلي صاحب المنزل فقال: أعطيك كلَّ شهر ثلاثة آلاف مكان المائدة؟ فقلت: لا أفعل. وجعلت رسل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره، فيصيرون إليه، ويقولون له: هو ضعيف، وفي خلال ذلك يقولون: يا أبا عبد اللَّه لابد من أن يراك، فيسكت، فإذا خرجوا قال: ألا تعجب من قولهم: لابد من أن يراك، وما عليهم من أن يراني؟
وكان في هذِه الدار حجرة صغيرة فيها بيتان، فقال: أدخلوني تلك الحجرة ولا تسرجوا سراجا، فأدخلناه إليها فجاءه يعقوب، فقال: يا أبا عبد اللَّه، أمير المؤمنين مشتاق إليك، ويقول: انظر إلى اليوم الذي تصير إليه فيه أي يوم هو حتى أعرفه؟ فقال: ذاك إليكم.
فقال: يوم الأربعاء يوم خال. وخرج يعقوب، فلما كان الغد، جاء فقال: البشرى يا أبا عبد اللَّه، أمير المؤمنين، يقرأ عليك السلام، ويقول: قد أعفيتك من لبس السواد، والركوب إلي وإلى ولاة العهود، وإلى الدار، فإن شئت فالبس القطن، وإن شئت فالبس الصوف، فجعل يحمد اللَّه على ذلك.
وقال له يعقوب: إن لي ابنا، وأنا معجب، وله في قلبي موقع، فأحب أن
стр. 496
تحدثه بأحاديث، فسكت. فلما خرج، قال: أتراه لا يرى ما أنا فيه!
قال صالح: كان أبي يختم من جمعة إلى جمعة، فإذا ختم دعا، فيدعو ونؤمن على دعائه، فلما كان غداة الجمعة، وجه إليَّ وإلى أخي عبد اللَّه، فلما أن ختم، جعل يدعو ونؤمن على دعائه، فلما فرغ جعل يقول: أستخير اللَّه مرارًا. فجعلت أقول: ما تريد؟ ثم قال: إني أعطي اللَّه عهدًا، إن العهد كان مسئولًا، وقد قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] أني لا أحدث حديثًا تاما أبدًا حتى ألقى اللَّه، ولا أستثني منكم أحدًا، فخرجنا، وجاء علي بن الجهم، فقلنا له، فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون. فأخبر المتوكل بذلك.
وقال: إنما يريدون أن أحدث، فيكون هذا البلد حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد لما أعطوا فقبلوا، وأمروا فحدثوا.
وكان يخبرونه، فيتوجع لذلك، وجعل يقول: واللَّه لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان، وإني لأتمنى الموت في هذا وذاك، إن هذا فتنة الدنيا، وكان ذاك فتنة الدين، ثم جعل يضم أصابع يده، ويقول: لو كانت نفسي في يدي لأرسلتها، ثم يفتح أصابعه.
وكان المتوكل يوجه إليه في كل وقت يسأل عن حاله، وكان في خلال ذلك يؤمر لنا بالمال، فيقول: يوصل إليهم ولا يعلم شيخهم فيغتم، ما يريد منهم؟ إن كان هؤلاء يريدون الدنيا فلم يمنعهم؟
وقالوا للمتوكل: إنه كان لا يأكل من طعامك، ولا يجلس على فرشك، ويحرم الذي تشرب. فقال لهم: لو نشر لي المعتصم [وقال لي فيه شيئًا] (١) لم أقبل منه.
"السيرة" لصالح ص ٩٦ - ١٠٢
стр. 497
قال صالح: ثم إني انحدرت إلى بغداد، وخلفت عبد اللَّه عنده، فإذا عبد اللَّه قد قدم وجاءَ بثيابي التي كانت عنده. فقلت: ما جاء بك؟
قال: قال لي: انحدر وقل لصالح: لا تخرج فأنتم كنتم آفتي، واللَّه لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت منكم واحدًا معي، ولولا مكانكم لمن كانت توضع هذِه المائدة؟ ولمن كان يفرش هذا الفرش، ويجري هذا الإجراء؟
قال صالح: فكتبت إليه أعلمه بما قال لي عبد اللَّه، فكتب إلي بخطه:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم أحسن اللَّه عاقبتك ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي حملني على الكتاب إليك والذي قلتُ لعبد اللَّه: لا يأتيني أحد وربما ينقطع ذكري ويَخْمُد، فإنكم إذا كنتم هاهنا فشا ذكري، وكان يجتمع إليك قوم ينقلون أخبارنا، ولم يكن إلا خير، واعلم يا بني إن أقمتَ فلم تأت أنت ولا أخوك فهو رضائي، فلا تجعل في نفسك إلا خيرًا، والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته.
قال صالح: ثم ورد إلي كتاب آخر يذكر فيه: بسم اللَّه الرحيم، أحسن اللَّه عاقبتك، ودفع عنك السوءَ برحمته، كتابي إليك وأنا في نعمة من اللَّه متظاهرة، أسأله تمامها والعون على أداء شكرها، قد انفكَّت عنا عقدة، إنما كان حبس من كان هاهنا لما أعطوا فقبلوا، وأجري عليهم فصاروا في الحد الذي صاروا إليه، وحدثوا ودخلوا عليهم، فهذِه كانت قيودهم، فنسأل اللَّه أن يعيذنا من شرهم ويخلصنا، فقد كان ينبغي لكم لو قربتموني بأموالكم وأهاليكم فهان ذلك عليكم للذي أنا فيه، فلا يكبر عليك ما أكتب به إليكم، فالزموا بيوتكم فلعل اللَّه تعالى أن يخلصني، والسلام عليكم ورحمة اللَّه.
ثم ورد عليَّ غير كتاب إليَّ بخطه بنحو من هذا. فلما خرجنا من العسكر
стр. 498
رُفِعَت المائدة والفرش، وكلُّ ما كان أقيم لنا.
"السيرة" لصالح ص ١٠٢ - ١٠٤
قال صالح: ثم سأَل أبي أن يُحَوَّل من الدار التي اكتريت له، فاكترى هو دارًا وتحوَّل إليها، فسأل المتوكل عنه، فقيل: إنه عليل. فقال: كنت أحب أن يكون في قربي وقد أذنت له، يا عبيد اللَّه احمل إليه ألف دينار ينفقها، وقال لسعيد: تهيئ له حراقة (١) ينحدر فيها. فجاءَه علي بن الجهم في جوف الليل، فأخبره، ثم جاء عبيد اللَّه ومعه ألف دينار. فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لك، وقد أمر لك بهذِه الألف دينار.
فقال: قد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره فردها. وقال: أنا رقيق على البرد، والبر أرفق بي. فكتب إلى محمد بن عبد اللَّه في بره وتعاهده، فقدم علينا بين الظهر والعصر.
"السيرة" لصالح ص ١٠٦ - ١٠٧
قال حنبل: فلما كان بعد أيام من هذِه الفتنة التي رفع على أبي عبد اللَّه في ذكر العلوي، بينا نحن جلوس بباب الدار وقت انتصاف النهار، إذا يعقوب -المعروف بقوصرة، وكان أحد حجاب المتوكل- قد أقبل، فاستأذن على أبي عبد اللَّه، فدخل ودخل أبي وأنا معه، ومع بعض غلمانه بدرة على بغل، فدخل إلى أبي عبد اللَّه ومعه كتاب المتوكل، فقرأه على أبي عبد اللَّه: إنه صح عند أمير المؤمنين براءتك مما رفع عليك عند أمير المؤمنين، وقد وجه إليك هذا المال لتستعين به على حاجتك. فأبى أبو عبد اللَّه أن يقبله، وقال: مالي إليه حاجة، وكلام نحو هذا.
فقال له يعقوب: يا أبا عبد اللَّه، اقبل من أمير المؤمنين ما أمرك به، فإن هذا أخير لك عنده. وقال له أبي: يا أبا عبد اللَّه، أفعل ولا ترده، فإنك إن
стр. 499
رددته خفت أن يظن بك الرجل سوءًا، فاقبله، واصرفه فيما أحببت. فحينئذ قبلها، فلما خرج يعقوب، قال لي أبو عبد اللَّه: يا أبا علي، قلت: لبيك.
قال: ارفع هذِه الإجانة وكانت في هذِه الدار إجانة موضوعة، فرفعتها.
فقال: ضعها تحتها، فوضعتها تختها. وخرجنا من عند أبي عبد اللَّه، وترك المال تحت الإجانة بقية يومه وليلته.
فلما كان من الليل، إذا أم ولد لأبي عبد اللَّه تدق علينا الحائط الذي بينا وبينه، فقلت لها: مالك؟ فقالت: مولاي يدعو عمه، فأعلمت أبي، فخرجنا جميعًا، فدخلنا عليه، وذلك في جوف الليل.
فقال: يا عم، ما أخذني النوم هذِه الليلة.
فقال له أبي: ولم؟ قال: لهذا المال الذي عندي.
وجعل يتوجع لأخذه، وجعل أبي يسكنه ويكلمه ويسهل عليه، وقال له: حتى تصبح وترى فيه رأيك، فإن هذا ليل، والناس في منازلهم، فإذا أصبحت -إن شاء اللَّه- نظرت ما تصنع، فأمسك وخرجنا.
فلما كان في السحر، وجه إلى عبدوس بن مالك، وحسن بن البزاز، فحضرا وحضر جماعة فيهم هارون الجمال، وأحمد بن منيع، وابن الدورقي وغيرهم، وحضرت أنا وأبي وصالح وعبد اللَّه ومن حضر، فجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة وغيرهما، ووجه منها إلى سعيد الأشج، وإلى أبي كريب، وإلى من ذكر من أهل العلم وأهل الستر، ممن يعلم أنه محتاج، ففرقها كلها ما بين الخمسين إلى المائة والمائتين، فما بقي في الكيس درهم واحد. ثم أمر بالكيس فتصدق به على مسكين.
فلما كان بعد ذلك مات إسحاق بن إبراهيم ومات ابنه محمد، وولي بغداد عبد اللَّه بن إسحاق. فجاء رسول عبد اللَّه بن إسحاق إلى أبي عبد اللَّه،
стр. 500
فذهب إليه، فقرأ عليه كتاب المتوكل، وقال له: يأمرك بالخروج.
فقال أبو عبد اللَّه: أنا شيخ ضعيف وأنا عليل.
فقال: اكتب بذلك إلى أمير المؤمنين. فكتب عبد اللَّه بن إسحاق بما رد عليه أبو عبد اللَّه. فورد جواب الكتاب أن أمير المؤمنين يأمره بالخروج. فوجه عبد اللَّه ابن إسحاق برابطة وجنود، فباتت على بابنا أيامًا وليالي، حتى تهيأ أبو عبد اللَّه للخروج، فخرج أبو عبد اللَّه، وخرج صالح وعبد اللَّه، وأبي زميله، فلما صرنا نحو باب الشماسية، قال لي: ارجع فليس في أهلنا رجل، تكون أنت، فرجعت.
"ذكر المحنة" لحنبل ص ٩١ - ١٠٢
قال المروذي: قال لي أبو عبد اللَّه ونحن بالعسكر: ألا تعجب! كان قوتي فيما مضى أربعة أرغفة، أو نحو من أربعة أرغفة، وقد ذهبت عني شهوة الطعام فما أشتهيه، قد كنت في السجن آكل، وذاك عندي زيادة في إيماني، وهذا نقصان، أخاف أن أُفتن بالدنيا، لقد تفكرت البارحة فقلت: هذِه محنتان، امتحنت بالدين، وهذِه محنة بالدنيا.
وقال لنا أبو عبد اللَّه ونحن يوما بالعسكر: لي اليوم ثمان منذ لم آكل شيئًا ولم أشرب إلا أقل من ربع سويق، وكان يمكث ثلاثا لا يطعم وأنا معه، فإذا كان ليلة الرابعة أضع بين يديه قدر نصف ربع سويق، فربما شربه وربما ترك بعضه، فمكث نحوا من خمسة عشرة يوما أو أربعة عشر يوما لم يطعم إلا أقل من ربعين سويقا، وكان إذا ورد عليه أمر يغمه لم يفطر وواصل إلا شربة ماء.
وانتبهت ليلة -وقد كان واصل- فإذا هو قاعد، فقال: هو ذا يدار بي من الجوع، أطعمني شيئا، فجئته بأقل من رغيف، فأكل، ثم قال: لولا أني أخاف العون على نفسي ما أكلت، وكان يقوم من فراشه إلى المخرج، فكان يقعد يستريح من الضعف والجوع والوصال، حتى إن كنت لأبل الخرقة فألقيها على وجهه فيرجع إليه نفسه، حتى أوصى من الضعف من
стр. 501
غير مرض. ثم كُلم أبو عبد اللَّه في أمره، وفي الحمل على نفسه بالضر. فقيل له: لو أمرت بقدر تطبخ لك؛ لترجع إليك نفسك، وتقوى على الصلاة؟ فقال: الطبيخ طعام المبطانين.
"الورع" للمروذي (٢٧٤)، (٢٧٥)
قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: أيش حجتك في ترك الخروج إلى الصلاة ونحن بالعسكر؟
قال: حجتي الحسن وإبراهيم التيمي تخوفا أن يفتنهم الحجاج، وأنا أخاف أن يفتنني هذا بدنياه -يعني: الخليفة.
"الورع" للمروذي (٢٧٨)
قال المروذي: سمعت إسحاق بن حنبل ونحن بالعسكر يناشد أبا عبد اللَّه ويسأله الدخول على الخليفة ليأمره وينهاه، وقال له: إنه يقبل منك، هذا إسحاق بن راهويه يدخل على ابن طاهر فيأمره وينهاه.
فقال له أبو عبد اللَّه: تحتج عليَّ إسحاق! فأنا غير راض بفعاله، ما له في رؤيتي خير، ولا لي في رؤيته خير.
وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: يجب عليَّ إذا رأيته -يعني: الخليفة- أن آمره وأنهاه.
"أخبار الشيوخ وأخلاقهم" للمروذي (١)، (٢)
قال المرُّوذي: سمعت زهير بن محمد يقول: أنا أول من تلقى أبا عبد اللَّه في دار إسحاق، قبل أن يخرج من الحراقة. قال: فخرج وعليه الكساء الذي خلع عليه، قال: فسقط فجعل يجره وما سواه عليه.
"أخبار الشيوخ وأخلاقهم" للمروذي (٢٠٠)
قال عبد اللَّه: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يومًا، ما ذاق شيئًا إلا مقدار ربع سويق، في كل ليلة كان يشرب شربة ماء، وفي كل ثلاث ليال يستف حفنة من السويق، فرجع إلى البيت ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، ورأيت مأْقَيْه قد دخلا في حَدَقيه.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٧٩، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٠١، "المناقب" ص ٤٥٥، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٣٤، "البداية والنهاية" ١٠/ ٧٧٨، ٧٩٠
стр. 502
قال حنبل: وأخبرني أبي -يعني: إسحاق عم أحمد- قال: لما وصلنا العسكر أنزلنا السلطان دارًا لإيتاخ، ولم يعلم أبو عبد اللَّه، فسأل بعد ذلك: لمن هذِه الدار؟ فقالوا: هذِه دار لإيتاخ.
فقال: حولوني واكتروا لي دارًا. قالوا: هذِه دار أنزلكها أمير المؤمنين.
فقال: لا أبيت هاهنا.
فاكترينا له دارًا غيرها وتحول عنها، وكانت تأتينا في كل يوم مائدة أمر بها المتوكل فيها ألوان الطعام والفاكهة والثلج وغير ذلك، فما نظر إليها أبو عبد اللَّه ولا ذاق منها شيئًا، وكانت نفقة المائدة في كل يوم مائة وعشرين درهمًا، فما نظر إليها أبو عبد اللَّه، ودامت العلة بأبي عبد اللَّه وضعف ضعفًا شديدًا، وكان يواصل فمكث ثمانية أيام مواصلًا لا يأكل ولا يشرب، فلما كان في اليوم الثامن كاد أن يطفأ، فقلت: يا أبا عبد اللَّه ابن الزبير كان يواصل سبعة أيام وهذا لك اليوم ثمانية أيام.
فقال: إني مطيق. قلت: بحقي عليك.
فقال: إذ حلفتني بحقك فإني أفعل، فأتيته بسويق فشرب.
وأجرى المتوكل على ولده وأهله أربعة آلاف درهم في كل شهر، فبعث إليه أبو عبد اللَّه: إنهم في كفاية، فبعث إليه المتوكل: إنما هذا لولدك مالك ولهذا! ؟
فقال له أحمد: يا عم ما بقي من أعمارنا، كأنك بالأمر قد نزل بنا، فاللَّه اللَّه، فإن أولادنا إنما يريدون يتأكلون بنا، وإنما هي أيام قلائل، لو كشف للعبد عما قد حجب عنه لعرف ما هو عليه من خير أو شر، صبر قليل وثواب طويل إنما هذِه فتنة.
فلما طالت علة أحمد كان المتوكل يبعث بابن ماسويه المتطبب فيصف له الأدوية فلا يتعالج، فدخل ابن ماسويه على المتوكل، فقال له المتوكل:
стр. 503
ويحك، ابن حنبل ما نجح فيه الدواء.
فقال له: يا أمير المؤمنين إن أحمد بن حنبل ليست به علة في بدنه، إنما هذا من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة، فسكت المتوكل.
وبلغ أم المتوكل خبر أبي عبد اللَّه، فقالت لابنها: أشتهي أن أرى هذا الرجل، فوجه المتوكل إلى أبي عبد اللَّه، يسأله أن يدخل على ابنه المعتز ويدعو له ويسلم عليه، ويجعله في حجره. فامتنع، ثم أجاب رجاء أن يطلق، وينحدر إلى بغداد، فوجه إليه المتوكل خلعة، وأتوه بدابة يركبها إلى المعتز، فامتنع، وكانت عليه ميثرة نمور، فقدم إليه بغل لتاجر، فركبه، وجلس المتوكل مع أمه في مجلس من المكان، وعلى المجلس ستر رقيق. فدخل أبو عبد اللَّه على المعتز، ونظر إليه المتوكل وأمه، فلما رأته، قالت: يا بني، اللَّه اللَّه في هذا الرجل، فليس هذا ممن يريد ما عندكم، ولا المصلحة أن تحبسه عن منزله، فائذن له ليذهب، فدخل أبو عبد اللَّه على المعتز، فقال: السلام عليكم، وجلس، ولم يسلم عليه بالإمرة.
فسمعت أبا عبد اللَّه بعد يقول: لما دخلت عليه، وجلست، قال مؤدبه: أصلح اللَّه الأمير، هذا هو الذي أمره أمير المؤمنين يؤدبك ويعلمك.
فقال الصبي: إن علمني شيئًا؟ تعلمته.
قال أبو عبد اللَّه: فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره، وكان صغيرا.
ودامت علة أبي عبد اللَّه، وبلغ المتوكل ما هو فيه، وكلمه يحيى بن خاقان أيضا، وأخبره أنه رجل لا يريد الدنيا، فأذن له في الانصراف، فجاء عبيد اللَّه بن يحيى وقت العصر، فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لك، وأمر أن يفرش لك حراقة تنحدر فيها.
فقال أبو عبد اللَّه: اطلبوا لي زورقا أنحدر الساعة، فطلبوا له زورقا،
стр. 504
فانحدر لوقته.
قال حنبل: فما علمنا بقدومه حتى قيل: إنه قد وافى، فاستقبلته بناحية القطيعة، وقد خرج من الزورق، فمشيت معه، فقال لي: تقدم لا يراك الناس فيعرفوني، فتقدمته. قال: فلما وصل، ألقى نفسه على قفاه من التعب والعياء.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٢٥ - ٢٦، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٦٩ - ٢٧٢، "المنهج الأحمد" ١/ ٧٨
قال أبو الحسين بن المنادي: امتنع أحمد من الحديث قبل أن يموت عثمان بثمان سنين أقل أو أكثر، وذلك أن المتوكل وجه إليه -فيما بلغنا- يقرأ ﵇ ويجعل المعتز في حجره ويعلمه العلم، فقال للرسول: اقرأ على أمير المؤمنين السلام وأعلمه أن عليَّ يمينا مقفلة أني لا أتم حديثا حتى أموت. وقد كان أمير المؤمنين أعفاني مما أكره، وهذا مما أكره فقام الرسول من عنده.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٢٧، "المناقب" ص ٤٥٨، "الجوهر المحصل" ص ١٠٩
قال المرُّوذي: سمعت يعقوب -رسول الخليفة- يقول لأبي عبد اللَّه: يجيئك ابني بين المغرب والعشاء فتحدثه بحديث واحد أو حديثين.
فقال: لا، لا يجيء، فلما خرج سمعته يقول: ترى لو بلغ أنفه طرف السماء حدثته، أنا أحدث! حتى يوضع الحبل في عنقي.
"المناقب" ص ٤٥١
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: أنا منذ كذا وكذا أستخير اللَّه أن أحلف أن لا أحدِّث، وقال: قد تركنا الحديث وليس يتركونا.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٥٢
قال المرُّوذي: كان أبو عبد اللَّه بالعسكر يقول: انظر هل تجد لي ماء الباقلاء؟ فكنت ربما بللت خبزه بالماء فيأكله بالملح، ومنذ دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاق طبيخًا ولا دسمًا.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٥٥، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٨٠
стр. 505
قال أبو داود: كتب المتوكل إلى خليفته أن يحمل أحمد إليه، فحمل إليه، فلما قدم أحمد أمر أن يفرغ له قصر ويبسط له فيه ويجري على مائدته كل يوم كذا وكذا، وأراد أن يسمع ولده الحديث فأبى أحمد ولم يجلس على بساطه، ولم ينظر إلى مائدته وكان صائما، فإذا كان عند الإفطار أمر رفيقه الذي معه أن يشتري له ماء الباقلاء فيفطر عليه، فبقي أياما على هذِه الحال، وكان علي بن الجهم من أهل السنة حسن الرأي في أحمد، فكلم أمير المؤمنين فيه وقال: هذا رجل زاهد لا ينتفع به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن له؟ ففعل. ورجع أحمد إلى منزله.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٥٧، "الجوهر المحصل" ص ٤٧
قال عبد اللَّه: سمعت أبي سنة سبع وثلاثين ومائتين يقول: قد استخرت اللَّه أن لا أحدث حديثا على تمامه أبدا، ثم قال: إن اللَّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وإني أعاهد اللَّه أن لا أحدث بحديث على تمامه أبدا، ثم قال: ولا لك، وإن كنت تشتهي. فقلت له بعد ذلك بأشهر: أليس يروى عن شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن ابن عباس قال: العهد يمين؟
قال: نعم. ثم سكت، فظننت أنه سيكفر. فلما كان بعد أيام، قلت له في ذلك، فلم ينشط للكفارة، ثم لم أسمعه يحدث بحديث على تمامه.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٠٩ - ٣١٠
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه في العسكر، يقول لولده: قال اللَّه تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أتدرون ما العقود؟ إنما هو العهود، وإني أعاهد اللَّه ، ثم قال: واللَّه، واللَّه، واللَّه، وعلي عهد اللَّه وميثاقه ألا حدثت بحديث لقريب ولا لبعيد حديثا تاما، حتى ألقى اللَّه، ثم التفت إلى ولده، وقال: وإن كان هذا يشتهي منه ما يشتهي، ثم بلغه عن رجل من
стр. 506
الدولة وهو ابن أكثم، أنه قال: قد أردت أن يأمره الخليفة أن يكفر عن يمينه، ويحدث. فسمعت أبا عبد اللَّه يقول لرجل من قبل صاحب الكلام: لو ضربت ظهري بالسياط، ما حدثت.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣١٠
٣١ - فصل في عودته من العسكر
قال صالح: وجاء رسول المتوكل إلى أبي يقول: لو سلم أحد من الناس سلمت، رفع رجل إلى وقت كذا أن عَلويا قدم من خراسان، وأنك وجهت إليه بمن يلقاه، وقد حبست الرجل وأردت ضربه وكرهت أن تغتم، فمر فيه. فقال: هذا باطل، تخلي سبيله.
قال: وكان رسول المتوكل يأتي أبي يبلغه السلام ويسأله عن حاله فنسر نحن بذلك، وتأخذه نفضة حتى ندثره. ويقول: واللَّه لو أن نفسي في يدي لأرسلتها، ويضم أصابعه ويفتحها.
"السيرة" لصالح ص ١١١
قال صالح: وقدم المتوكل فنزل الشماسية يريد المدائن. فقال أبي: يا صالح أحب ألا تذهب اليوم ولا تنبه علي. فلما كان بعد يوم، وأنا قاعد خارجًا وكان يومًا مطيرًا إذا يحيى بن خاقان قد جاء والمطر عليه في موكب عظيم فقال: سبحان اللَّه لم تصل إلينا حتى تبلغ أمير المؤمنين عن شيخك حتى وجَّه بي. ثم نزل خارج الزقاق فجهدت به أن يدخل على الدابة فلم يفعل، فجعل يخوض في المطر، فلما صار إلى الباب نزع جرموقه، وكان على خفه ودخل، وأبي في الزاوية قاعد عليه كساء مرقع وعمامة، والستر الذي على باب البيت قطعة خيش، فسلم عليه وقبل جبهته وسأله عن حاله. وقال: أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول: كيف أنت في نفسك، وكيف حالك؟ قد أنست بقربك، ويسألك أن تدعو له.
стр. 507
فقال: ما يأتي علي يوم إلا وأنا أدعو اللَّه له.
ثم قال: قد وجه معي ألف دينار تفرقها على أهل الحاجة.
فقال له: يا أبا زكريا أنا في البيت منقطع عن الناس، وقد أعفاني من كل أكرهه. فقال: يا أبا عبد اللَّه الخلفاء لا يتحملون هذا.
فقال: يا أبا زكريا تلطف في ذلك. فدعا له ثم قام، فلما صار إلى الدار رجع وقال: أهكذا كنت لو وجه إليك بعض إخوانك تفعل؟ قال: نعم.
فلما صرنا إلى الدهليز قال: أمرني أمير المؤمنين أن أدفعها إليك تفرقها. فقلت: تكون عندك إلى أن تمضي هذِه الأيام.
"السيرة" لصالح ص ١١٨ - ١١٩
قال صالح: وقد كان وجه محمد بن عبد اللَّه بن طاهر إلى أبي في وقت قدومه بالعسكر: أحبُّ أن تصير إليَّ وتعلمني الذي تعزم عليه حتى لا يكون عندي أحد. فوجَّه إليه: أنا رجل لم أخالط السلطان، وقد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره، وهذا مما أكره، فجهد أن يصير إليه، فأبى.
"السيرة" لصالح ص ١٢٠
قال صالح: وكان أبي قد أدمن الصوم لما قدم، وجعل لا يأكل الدسم، وكان قبل ذلك يشتري له شحم بدرهم فيأكل منه شهرا، فترك أكل الشحم، وأدام الصوم والعمل، وتوهمت أنه قد كان جعل على نفسه ذلك إن سلم. وكان قد حمل أبي إلى المتوكل سنة سبع وثلاثين ومائتين ثم مكث إلى سنة إحدى وأربعين، وقلَّ يوم يمضي إلا ورسول المتوكل يأتيه.
"السيرة" لصالح ص ١٢١
قال حنبل (١): سمعت أبا عبد اللَّه ﵁، وذكر المحنة، فقال: رأيت في
стр. 508
المنام علي بن عاصم [قبل أن يؤذن لي بالانحدار، يعني من العسكر أيام المتوكل بليلتين فسألته عن شيء نسيته] (١) فأولها: علي علوًا، وعاصم عصمة من اللَّه، والحمد للَّه على ذلك.
"ذكر المحنة" لحنبل ص ٣٤
قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول: لقد تمنيت الموت وهذا أمر أشد علي من ذلك، ذاك فتنة الدين الضرب والحبس كنت أحتمله في نفسي، وهذِه فتنة الدنيا. أو كما قال.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٨٤، "المناقب" ص ٤٦٠، "السير" ١١/ ٢١٥
قال صالح: وكتب إلي إسحاق بن راهويه إني دخلت على طاهر بن عبد اللَّه فقال: يا أبا يعقوب كتب إلي محمد أنه وجه إلى أحمد ليصير إليه فلم يأته. فقلت: أصلح اللَّه الأمير، إن أحمد قد حلف أن لا يحدث فلعله كره أن يصير إليه فيسأله أن يحدثه.
فقال: ما تقول؟ قال: فقلت: نعم.
قال صالح: فأخبرت أبي بذلك، فسكت.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٦٣
قال عبد اللَّه: لما أطلق أبي من المحنة خشي أن يجيءَ إليه إسحاق ابن راهويه. فرحل بي إليه، فلما بلغ الريَّ دخل إلى مسجد فجاءه مطر كأفواه القرب فلما كانت العتمة قالوا له: اخرج من المسجد فإنا نريد أن نغلقه. فقال لهم: هذا مسجد اللَّه وأنا عبد اللَّه.
فقيل له: أيما أحب إليك أن تخرج أو تجرَّ برجْلك؟
قال أحمد: فقلت: سلاما. فخرجت من المسجد والمطر والرعد والبرق فلا أدري أين أضع رجلي ولا أين أتوجه، فإذا رجل قد خرج من داره فقال
стр. 509
لي: يا هذا، أين تمر في هذا الوقت؟
فقلت: لا أدري أين أمر؟
فقال لي: ادخل! فأدخلني دارًا، ونزع ثيابي وأعطوني ثيابا جافة، وتطهرت للصلاة، فدخلت إلى بيت فيه كانون فحم ولبود ومائدة منصوبة. فقيل لي: كُلْ، فأكلت معهم فقال لي: من أين أنت؟
قلت: أنا من بغداد. فقال لي: تعرف رجلًا يقال له: أحمد بن حنبل؟ فقلت: أنا أحمد بن حنبل.
فقال لي: وأنا إسحاق بن راهويه (١).
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٦٤
قال إبراهيم بن أبي طالب: دخلت على أحمد بن حنبل بعد المحنة غير مرة، وذاكرته رجاء أن آخذ عنه حديثا، إلى أن قلت: يا أبا عبد اللَّه، حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "امرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار" (٢).
فقال: قيل: عن الزهري، عن أبي سلمة.
فقلت: من عن الزهري؟ قال: أبو الجهم.
فقلت: من رواه عن أبي الجهم؟ فسكت، فلما عاودته فيه.
قال: اللهم سلم.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٦٠
стр. 510
باب في مرضه وموته
٣٢ - فصل في مرض موته
قال صالح: وكان أبي قد أدمن الصوم لما قدم، وجعل لا يأكل الدسم، وكان قبل ذلك يشتري له شحم بدرهم فيأكل منه شهرا، فترك أكل الشحم، وأدام الصوم والعمل، وتوهمت أنه قد كان جعل على نفسه ذلك إن سلم. وكان قد حمل أبي إلى المتوكل سنة سبع وثلاثين ومائتين ثم مكث إلى سنة إحدى وأربعين، وكان قل يوم يمضي إلا ورسول المتوكل يأتيه، فلما كان في أول يوم من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين حُمَّ أبي ليلة الأربعاء فدخلت عليه يوم الأربعاء وهو محموم يتنفس نفسًا شديدًا، وكنت قد عرفت علتَه، وكنت أُمَرِّضه إذا اعتلَّ، فقلت له: يا أَبَهْ على ما أفطرتَ البارحة؟
قال: على ماءِ باقلاء، ثم أراد القيام فقال: خذ بيدي، فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعفت رجلاه حتى توكأَ عليَّ.
وكان يختلف إليه غيرُ متطبب، كلهم مسلمون، فوصف له متطبب -يقال له عبد الرحمن- قرعةً تُشوى ويُسقى ماءها -وهذا يوم الثلاثاء وتوفي يوم الجمعة- فقال: يا صالح.
قلت: لبيك. قال: لا تُشوى في منزلك ولا في منزل عبد اللَّه أخيك.
وصار الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده، فحجبته، وأتى علي بن الجعد فحجبته، وكثر الناس فقلت: يا أَبَهْ، قد كثر الناس.
قال: فأي شيءٍ ترى؟ قلت: تأذن لهم فيدعون لك.
قال: أستخير اللَّه.
فجعلوا يدخلون عليه أفواجًا حتى تمتلئ الدار، فيسألونه ويدعون له، ثم
стр. 511
يخرجون، ويدخل فوج آخر. وكثر الناس، وامتلأَ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق.
وجاء رجل من جيراننا قد خضب، فدخل عليه، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأَفْرَحُ به، فدخل فجعل يدعو له، فجعل يقول له: ولجميع المسلمين.
وجاء رجل فقال: تلطف لي بالإذن عليه، فإني قد حضرتُ ضربه يوم الدار، وأُريد أن أستحله، فقلت له، فأمسك، فلم أزل به حتى قال: أدخله. فادخلته، فقام بين يديه وجعل يبكي، وقال: يا أبا عبد اللَّه، أنا كنتُ ممن حضر ضربَك يوم الدار، وقد أتيتك، فإن أحببتَ القصاص فأنا بين يديك، وإن رأيتَ أن تحلني فعلتَ.
فقال: على أن لا تعود لمثل ذلك. قال: نعم.
قال: إني جعلتك في حل، فخرج يبكي، وبكى من حضر من الناس، وكان له في خُرَيقةٍ قُطيعات، فإذا أراد الشيء أعطينا من يشتري له.
فقال لي يوم الثلاثاء وأنا عنده: انظر في خُرَيْقتي شيء، فنظرت فإذا فيها درهم، فقال: وجِّه فاقْتَضِ بعضَ السكان. فوجهت فأعطيت شيئًا.
فقال: وجِّه فاشتر تمرًا وكفِّر عني كفارةَ يمين.
فوجهتُ فاشتريت وكفرت عنه كفارة يمين وبقي ثلاثة دراهم، أو نحو ذلك، فأخبرته.
فقال: الحمد للَّه! وقال: اقرأ علي الوصية، فقرأتها عليه، فأقرها.
قال صالح: لم يزل أبي يصلي في مرضه قائمًا أمسكه فيركع ويسجد، وأرفعه في ركوعه وسجوده، ودخل عليه مجاهد بن موسى فقال: يا أبا عبد اللَّه، قد جاءتك البشرى، هذا الخلق يشهدون لك. ما تبالي لو وردت على اللَّه الساعة، وجعل يقبل يده ويبكي، وجعل يقول:
стр. 512
أوصني يا أبا عبد اللَّه، فأشار إلى لسانه.
ودخل سوار القاضي فجعل يبشره ويخبره بالرخص وذكر له عن معتمر، أنه قال: قال أبي عند موته حدِّثني بالرخص (١)، واجتمعت عليه أوجاع الحصر وغير ذلك ولم يزل عقله ثابتا، وهو في خلال ذلك يقول: كم اليوم في الشهر؟ فأخبره. وكنت أنام بالليل إلى جنبه، فإذا أراد حاجة حركني فأناولُه، وقال لي: جئني بالكتاب الذي فيه حديث ابن إدريس، عن ليث، عن طاوس، أنه كان يكره الأنين (٢)، فقرأته عليه فلم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها.
"السيرة" لصالح ص ١٢١ - ١٢٣
قال المروذي: سمعت فتح بن أبي الفتح يقول لأبي عبد اللَّه في مرضه الذي مات فيه: ادع اللَّه أن يحسن الخلافة علينا بعدك، وقال له: من نسأل بعدك؟ فقال: سل عبد الوهاب.
"الورع" للمروذي (٤)
قال أحمد بن محمد بن عمر: سئل عبد اللَّه بن أحمد: عقل أبوك عند المعاينة؟ فقال: نعم، كنا نوصيه فكان يشير بيده. فقال صالح: أيش يقول؟
فقلت: هو ذا يقول: خللوا أصابعي. فخللنا أصابعه، ثم ترك الإشارة، فمات من ساعته.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٨٣، "المناقب" ص ٤٩٥، "السير" ١١/ ٣٤٢، "الجوهر المحصل" ص ١٢٧
قال عبد اللَّه: قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه: أخرج كتاب عبد اللَّه ابن إدريس، فأخرجت الكتاب.
فقال: أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم، فأخرجت أحاديث ليث.
стр. 513
فقال: اقرأ علي حديث ليث، قال: قلت لطلحة: إن طاوسا كان يكره الأنين في المرض، فما سُمِع له أدين حتى مات ﵀، فقرأت الحديث على أبي، فما سُمع أبي يئن في مرضه ذلك إلى أن توفي، ﵀.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٨٣، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٥، "المناقب" ص ٤٩٤، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤١، "الجوهر المحصل" ص ١٢٦
قال عبد اللَّه: لما حضرت أبي الوفَاةُ جلستُ عنده وبيدي الخِرْقَة لأَشُدَّ بها لحييه، فجعل يغرق ثم يفيق ثم يفتح عينيه ويقول بيده هكذا: لا بَعْدُ، لا بَعْدُ، لا بَعْدُ، ثلاث مرات، ففعل هذا مرة وثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبت أي شيءٍ هذا؟ قد لهجت به في هذا الوقت، تغرق حتى نقول: قد قَضيْتَ، ثم تعود فتقول: لا بَعْدُ، لا بَعْدُ.
فقال لي: يا بني ما تدري؟ فقلت: لا.
فقال: إبليس لعنه اللَّه قائم حذائي عاضٌّ على أنامله يقول لي: يا أحمد، فُتَّني، وأنا أقول له: لا بَعْدُ، حتى أموت (١).
"شرح أصول الاعتقاد" للالكائي ٧/ ١٢٩٣ (٢٢٨٤)، "حلية الأولياء" ٩/ ١٨٣، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٥، ٣٢٤، "المناقب" ص ٤٩٤، "المحنة" ص ١٢٨، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤١، "البداية والنهاية" ١٠/ ٧٩٢، "الجوهر المحصل" ص ١٢٧، "المنهج الأحمد" ١/ ١١٤
قال المروذي: مرض أبو عبد اللَّه ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأولط سنة إحدى وأربعين ومائتين، ومرض تسعة أيام، فلما اشتدت علته وتسامع الناس أقبلوا لعيادته فكثروا، ولزموا الباب الليل والنهار يبيتون، وسمع السلطان بكثرة الناس، فوكل السلطان ببابه وبباب الزقاق الرابطةَ وأصحاب الأخبار.
стр. 514
وكان أبو عبد اللَّه ربما أذن للناس فيدخلون أفواجًا أفواخا يسلمون عليه، فيرد عليهم بيده. فلما جاءت الرابطةُ مُنع الناس من ذلك وأغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد، حتى تعطل بعض الباعة، وحيل بينهم وبين البيع والشراءِ، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل عليه ربما أدخل من بعض الدور وطرر الحاكة، وربما تسلق، وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الباب من قبل إبراهيم بن عطاء، وكان ابن عطاء يتعاهده بالغداة والعشي، وربما لم يجتمعا، وأصحاب الأخبار من قبل ابن طاهر يسألون عن خبره.
وقال أبو عبد اللَّه: جاءني حاجبُ ابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام، وهو يشتهي أن يراك.
قال: فقلت له: هذا مما أكرهُ، وأميرُ المؤمنين قد أعفاني مما أكره.
وجاء حاجب ابن طاهر بالليل فسأل من يختلف إليه من المتطببين؟ وأصحاب الأخبار يكتبون بخبره إلى العسكر، والبُرُد تختلف كل يوم، وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه، وجعلوا يبكون عليه، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم، وجاء غلام لأبي يوسف عمه ليروحه فأشار إليه بيده ألا يفعل لأنه كان اشتراه من الشيء الذي يكره.
وقال: لا تبرح قد تغيرت. فقلت: لا أبرح.
فكان إذا أراد الشيء مما يتعالج أخرج خريقة فيها قطيعات فيعطيني منها فأشتري له، وكان قد كتب وصيته بالعسكر، وأشهدنا عليه، فبلغني أنه قال: اقرءُوها، فقرئت عليه، ثم أمر بكفارة يمين، فاشترينا له تمرًا فبقي عليه منه دانق ونصف أو أرجح، فلما جئت قال: ما صنعتم؟ قلت: أخذنا التمر، وقد بعثنا به، فأشار برأسه إلى السماء وجعل يحمد اللَّه.
وجاء عبد الوهاب، فلما استأذنوا له، قال أبو عبد اللَّه: عزَّ عليَّ بمجيئه
стр. 515
في الحرِّ، فلما دخل عليه أكب عليه فأخذ بيده، فلم تزل يده في يده حتى قام.
ودخل عليه جماعة فيهم شيخ مخضوب، فنظر إليه، فقال: إني لأسر أن أرى الشيخ قد خضب، أو نحو هذا من الكلام.
وقال له رجل ممن دخل عليه: أعطاك اللَّه ما كنت تريده لأهل الإسلام.
فقال: استجاب اللَّه لك. وجعلوا يخصونه بالدعاء، فجعل يقول: قولوا: ولجميع المسلمين.
وربما دخل عليه الرجل الذي في قلبه منه شيء، فإذا رآه غمض عينه كالمعرض، وربما سلم عليه الرجل منهم، فلا يرد عليه.
ودخل عليه شيخ فكلمه. وقال: أذكر وقوفك بين يدي اللَّه. فشهق أبو عبد اللَّه، وسالت الدموع على خديه، فلما كان قبيل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا الصبيان، بلسان ثقيل، يعني الصغار، فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ويمسح بيده على رؤوسهم، وعينه تدمع. فقال له رجل: لا تغتم لهم يا أبا عبد اللَّه، فأشار بيده، فظننا أن معناه: أني لم أُرد هذا المعنى.
وكان يصلي قاعدًا، ويصلي وهو مضطجع، لا يكاد يفتر، ويرفع يديه في إيماء الركوع، وأدخلت الطست تحته فرأيت بوله دمًا عبيطًا ليس فيه بول، فقلت للطبيب.
فقال: هذا الرجل قد فتت الحزن والغم جوفه.
واشتدت به العلة يوم الخميس ووضأته، فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثقل، فظننت أنه قد قبض، وأردنا أن نمدده، فجعل يقبض قدميه وهو موجه، وجعلنا نلقنه فنقول: لا إله إلا اللَّه، ونردد ذلك عليه، وهو يهلل، وتوجه إلى القبلة واستقبلها بقدميه، فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس حتى ملئوا السكك والشوارع، فلما كان صدر النهار قبض ﵀، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا
стр. 516
قد ارتَجَّت، وقعد الناس فخفنا أن ندع الجمعة فأشرفت عليهم فأخبرتهم: أنا نخرجه بعد صلاة الجمعة.
"المناقب" ص ٤٩٠ - ٤٩٣، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٢٧، ٣٣٦، "طبقات الشافعية" ٢/ ٣٤، "الجوهر المحصل" ص ١٢٨، "المنهج الأحمد" ١/ ١١٤
قال حنبل: أعطى بعض ولد الفضل بن الربيع أبا عبد اللَّه وهو في الحبس ثلاث شعرات. فقال: هذا من شعر النبي ﷺ ، فأوصى أبو عبد اللَّه عند موته أن يجعل على كل عين شعرة، وشعرة على لسانه، ففعل به ذلك عند موته.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٩٣، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٣٧
قال صالح: جعل أبي يحرك لسانه إلى أن توفي.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٩٥، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٢
٣٣ - فصل في تاريخ موته ومبلغ سنه
قال البخاري: مات أحمد بن محمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين، يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الآخر (١).
"التاريخ الكبير" ٢/ ٥، "التاريخ الصغير" ٢/ ٣٤٥
قال صالح: توفي أبي ﵀ في يوم الجمعة لاثنتي (٢) عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول لساعتين من النهار أو أكثر أو أقل، من سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكان سنه من يوم ولد إلى أن توفي سبعة وسبعين رحمة اللَّه عليه.
"السيرة" لصالح ص ٣٠
قال المرُّوذي: مولد أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل سنة أربع وستين ومائة، وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد يوم الجمعة [لاثنتي عشرة ليلة خلت
стр. 517
من شهر ربيع الأول، وأخرجت جنازته بعد منصرف الناس من جمعتهم.] (١) فكان سنه يوم مات سبعا وسبعين سنة.
"الورع" للمروذي ص ٩٥
قال يعقوب بن سفيان: وماتَ أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بن حنبلٍ في شهر ربيعٍ الآخرِ يوم الجمعة، وسار رسولٌ من الكرخِ إلى نيسابور ثمانية أيام ينعاه.
"المعرفة والتاريخ" ١/ ٢١٢
قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول: استكملت سبعًا وسبعين، ودخلت في ثمان وسبعين. فحُمَّ من ليلته، ومات يوم العاشر يوم الجمعة ﵀.
"العلل" رواية عبد اللَّه (١٨١٥)
قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول: ولدت في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة. ومات في [يوم الجمعة ضحوة، ودفناه بعد العصر لاثنتي عشرة ليلة خلت من] (٢) شهر ربيع الآخر (٣) سنة إحدى وأربعين ومائتين، وهو في ثمان وسبعين سنة.
"العلل" رواية عبد اللَّه (٥١٧٨)
قال حنبل: مات أبو عبد اللَّه في يوم الجمعة في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين، وهو ابن سبع وسبعين سنة.
"تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢٢، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٧، "المناقب" ص ٤٩٦، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٥
قال محمد بن عبد اللَّه الحضرمي مطين: مات أحمد بن حنبل لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين.
"تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢٢، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٧، "المناقب" ص ٤٩٦، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٥، "السير" ١١/ ٣٣٧
قال نصر بن القاسم الفرائضي: مات أحمد بن حنبل يوم الجمعة لثلاث
стр. 518
عشرة بقين من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين.
"تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢٢، "تاريخ دمشق" ٨/ ٣٢٨، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٦
قال الفضل بن زياد: توفي أبو عبد اللَّه يوم الجمعة ضحوة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وقد أتى له سبع وسبعون سنة.
"تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢٢، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٩، تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٥
قال ابن أبي خيثمة: ولد أحمد في شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائة، ومات في رجب يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين ومائتين، صلى عليه محمد بن عبد اللَّه بن طاهر أمير بغداد، ودفن بباب حرب.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٢٥٩
قال علي بن أحمد بن النضر، أبو غالب ابن ابنة معاوية: نا أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وولد سنة أربع وستين ومائة، وضرب السياط في اللَّه فقام مقام الصديقين في عشر الأواخر من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين، ومات سنة إحدى وأربعين.
"تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢١، "المناقب" لابن الجوزي ص ٤١٩، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٦
قال عباس الدوري: توفي أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل ببغداد يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ومات وله سبع وسبعون سنة وأيام.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٧، ٣٣٠، ٣٢٩، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٥، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٣٧
قال البغوي: مات أحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٨
قال أبو الحسن أحمد بن عمران الأشناني: مات أحمد بن حنبل في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٩، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٦
قال عبد اللَّه بن جعفر: نا يعقوب قال: مات أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد
стр. 519
ابن حنبل في شهر ربيع الآخر يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين ومائتين.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣٣٠
قال عبد الباقي بن قانع: أن أحمد بن محمد بن حنبل مات في شهر ربيع الآخر (١) سنة إحدى وأربعين ومائتين.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣٣٠
قال أحمد بن داود الأحْمَسِي: مات أحمد بن حنبل في سنة إحدى وأربعين ومائتين يوم الجمعة مع طلوع الشمس ورفعنا جنازته مع العصر، ودفناه مع غروب الشمس.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٩٧
قال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي: مات أحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٩٨
قال صالح: توفي أبي وله سبع وسبعون سنة.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٩٨
قال عبد الرحمن بن زاذان: مات أحمد بن حنبل في سنة إحدى وأربعين ومائتين.
"تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٥
٣٤ - فصل في غسله والصلاة عليه ودفنه
قال صالح: لما توفي أبي واجتمع الناس في الشوارع، وجهت إليهم أعلمهم بوفاته، وأني أخرجه بعد العصر، ووجَّه ابن طاهر بحاجبه مظفَّر ومعه غلامان معهما مناديل فيها ثياب وطيب، فقالوا: الأمير يُقْرِئك السلام ويقول: قد فعلتُ ما لو كان أميرُ المؤمنين حاضرَه كان يفعل ذلك له.
فقلت له: أَقْرِئه السلام وقل له: إن أمير المؤمنين قد أعفاه في حياته مما كان يكره، ولا أحب أن أُتْبِعَه بعد موته بما كان يكرهه في حياته.
стр. 520
فعاد وقال: يكون شعارَه ولا يكون دثاره، فأعدت عليه مثل ذلك. وقد كان غَزَلت له الجارية ثوبًا عُشاريا قُوِّم ثمانية وعشرين درهمًا ليَقْطع منه قميصين، فقطعنا له لفافتين، وأخذنا من فوران لفافة أخرى فأدرجناه في ثلاث لفائف، واشترينا حَنُوطًا، وقد كان بعض أصحابنا من العطارين سألني أن يوجه بحنوط فلم أفعل، وصب في جُبٍّ لنا ماء، فقلت: قولوا لأبي محمد يشتري رواية ويصب الماءَ في الجُبِّ الذي كان يشرب منه، فإنه كان يكره أن يدخل من منازلنا إليه بشيء، وفُرغ من غسله وكفنَّاه، وحضر نحو من مائة من بني هاشم ونحن نكفِّنه، وجعلوا يقبلون جبهته حين رفعناه على السرير.
"السيرة" لصالح ص ١٢٤
قال صالح: لما توفى أبي وجَّه إليَّ ابن طاهر من يصلي عليه؟
قلت: أنا. فلما صرنا إلى الصحراء إذا ابن طاهر واقف. فخطا إلينا خطوات، وعزانا، ووُضع السرير. فلما انتظرت هُنَيهةً تقدمتُ وجعلتُ أسوِّي الناس، فجاءني ابن طالوت ومحمد بن نصر فقبض هذا على يدي وهذا على يدي، وقالوا: الأمير! فمانعتهم، فنَحياني فصلى، ولم يعلم الناسُ بذلك، فلما كان الغد علم الناسُ فجعلوا يجيئون ويصلون عليه على القبر، ومكث الناس ما شاء اللَّه يأتون فيصلون على القبر.
"السيرة" لصالح ص ١٢٥
قال أحمد بن سنان: بعث ابن طاهر حين مات أحمد بن حنبل بصينيتين عظيمتين عليهما كفنه وحنوطه، فأبى صالح أن يقبلها، وقال: إن أبا عبد اللَّه قد أعد كفنه -فرد صالح ما بعث به ابن طاهر، قال: فرد ابن طاهر مرة أخرى وقال: إني أكره أن يجد أمير المؤمنين علي، فقال له صالح: إن أمير المؤمنين أعفى أبا عبد اللَّه مما يكره، وهذا مما يكره، فلست أقبله. فرده صالح.
"الجرح والتعديل" ١/ ٣٠١، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٠٦.
стр. 521
قال أبو زُرْعَة: بلغني أن المتوكل أمر أن يُمْسَح الموضعُ الذي وقف عليه الناس، حيث صُلِّي على أحمد بن حنبل، فبلغ مقام ألف ألف وخمسمائة ألف.
"الجرح والتعديل" ١/ ٣١٢، "المناقب" ص ٥٠٥، "السير" ١١/ ٣٤٠، "طبقات الشافعية" ٢/ ٣٥، "البداية والنهاية" ١٠/ ٧٩٣، "الجوهر المحصل" ص ١٣٠
قال محمد بن عباس المكي: سمعت الوركاني (١) يقول: أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرة آلاف من اليهود والنصارى والمجوس. وقال: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف من الناس المسلمين واليهود والنصارى والمجوس.
"الجرح والتعديل" ١/ ٣١٣، "حلية الأولياء" ٩/ ١٨٠، "طبقات الحنابلة" ١/ ٣٤، "تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢٢، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٣٣، "المناقب" ص ٥١٠، "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٢١٢، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٨، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٢، ٧٩٣، "الوافي بالوفيات" ٦/ ٣٦٨، "طبقات الشافعية" ٢/ ٣٥، "المقصد الأرشد" ١/ ٧٠، "الجوهر المحصل" ص ١٣١
قال عبد اللَّه: توفي أبي يوم الجمعة ضحوة، ودفناه بعد العصر، وصلى عليه محمَّد بن عبد اللَّه بن طاهر، غَلبَنَا على الصلاة عليه، وقد كنا صلينا عليه نحن والهاشميون داخل الدار.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٦٢، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٨، "المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠١، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٦، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٣٨، "الجوهر المحصل" ص ١٢٩
قال أحمد بن علي الأبار: سمعت محمد بن يحيى النيسابوري حين بلغه
стр. 522
وفاة أحمد بن حنبل يقول: ينبغي لكل أهل دار ببغداد أن يقيموا على أحمد بن حنبل النياحة في دورهم (١).
"حلية الأولياء" ٩/ ١٧٠، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٠٣
قال محمد بن خُشْنَام بن سعد: أخبرني الفتح بن الحجاج -أو غيره- قال: بعث أمير المؤمنين عشرين حازرًا ليحزروا كَمْ صَلى على أحمد بن حنبل، فحزروا ألف ألف وثلاثمائة ألف سوى من كان في السفن.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٨٠ "المناقب" ص ٥٠٤، "السير" ١١/ ٣٤٠، "طبقات الشافعية" ٢/ ٣٥
قال بُنَان بن أحمد بن أبي خالد القصباني: حضرت الصلاة على جنازة أحمد يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكان الإمام عليه محمد بن عبد اللَّه بن طاهر، فأخرجت جنازة أحمد بن محمد بن حنبل فوضعت في صحراء أبي قيراط، وكان الناس خلفه إلى عمارة سوق الرقيق، فلما انقضت الصلاة قال محمد بن عبد اللَّه بن طاهر: انظروا كم صلى عليه ورائي؟ قال: فنظروا، فكانوا ثمانمائة ألف رجل وستين ألف امرأة، ونظروا من صلى في مسجد الرصافة العصر، فكانوا نيفا وعشرين ألف رجل.
"تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢٢، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٣١، ٣٣٤، "المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٣، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٦، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٣٩
قال أبو بكر بن الرواس: سمعت عبد الوهاب الورَّاق يقول: ما بلغنا أنه كان للمسلمين جمع أكثر منهم على جنازة أحمد بن حنبل إلا جنازة كانت في بني إسرائيل. قال أبو بكر: فحدثت أبا جعفر بن فروخ صاحب التفسير بقول عبد الوهاب. فقال: صدق عبد الوهاب هذِه جنازة كانت في بني إسرائيل.
"تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢٢، "طبقات الحنابلة" ١/ ٣٤، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٣٢، "المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٤، "المقصد الأرشد" ٩/ ٧٠، "المنهج الأحمد" ١/ ١١٥
стр. 523
قال فتح بن الحجاج: سمعت في دار الأمير أبي محمد عبد اللَّه بن طاهر أن الأمير بعث عشرين رجلًا فحزروا كم صلى على أحمد بن حنبل قال: فحزروا، فبلغ ألف ألف وثمانين ألفا سوى من كان في السفن في الماء.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣٣٢، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٧، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٠
قال المروذي: لما أردت غسله جاء بنو هاشم فاجتمعوا في الدار خلقًا كثيرًا، فأدخلناه البيت وأرخينا الستر وجللته بثوب حتى فرغنا من أمره، ولم يحضره أحد من الغرباء ونحن نغسله. فلما فرغنا من غسله وأردنا أن نكفنه، غلبنا عليه بنو هاشم، وجعلوا يبكون عليه ويأتون بأولادهم فيبكونهم عليه ويقبلونه، فوضعناه على سريره وشددناه بالعمائم.
وأرسل ابن طاهر بأكفان فرددتها. وقال عمه للرسول: هو لم يدع غلامي يروحه. وقال له رجل: قد أوصى أن يكفن في ثيابه.
فكفناه فى ثوب كان له مَرَوي، أراد أن يقطعه فزدنا فيه وصيَّرناه ثلاث لفائف (١).
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٠، "المنهج الأحمد" ١/ ١١٥
قال الهيثم بن خلف: دفنا أحمد بن حنبل يوم الجمعة بعد العصر سنة إحدى وأربعين وما رأيت جمعًا قط أكثر من ذلك.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٣
قال الخلال: سمعت ابن أبي صالح القنطري يقول: شهدت الموسم أربعين عاما، ما رأيت جمعًا قط مثل هذا.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٣، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٢
قال عبد الوهاب الورَّاق: ما بلغنا أن جمعًا كان في الجاهلية والإسلام مثله، حتى بلغنا أن الموضع مُسح وحُزر على التصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألفٍ، وحزَرنا على السور نحوًا من ستين ألف امرأة.
стр. 524
وفتح الناس أبوابَ المنازل في الشوارع والدروب، ينادون من أراد الوضوء، وكثر ما اشترى الناس من الماء فسقوه.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٣، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٣٩، "الوافي بالوفيات" ٦/ ٣٦٨، "البداية والنهاية" ١٠/ ٧٩٣، "الجوهر المحصل" ص ١٢٩
قال موسى بن هارون: يقال إن أحمد بن حنبل لما مات مُسِحَت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس عليها للصلاة عليه، فحُزِر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر، سوى ما كان في الأطراف والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة، أكثر من ألف ألف.
"المناقب" ص ٥٠٤، "السير" ١١/ ٣٣٩، "طبقات الشافعية" ٢/ ٣٥
قال أحمد بن الحسن المَقَانِعي: قال أبي: كنت ببغداد وأنا في بستان لصديق لي -وأنا وحدي- فإذا بشيخ وشاب وعليهما طمران من شعر فسلمت عليهما. وقلت لهما: أراكما من غير هذا البلد. قالا: نعم نحن من جبل اللكام حضرنا جنازة أحمد بن حنبل، وما بقي أحد من الأولياء إلا شاهد هذا المكان.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٥، "المنهج الأحمد" ١/ ١١٦
قال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي: صلوا على أحمد بن حنبل في المصلى، وظهر اللعن على الكَرَابيسي. فأخبر بذلك المتوكل فقال: من الكرابيسي؟
فقيل: إنه رجل أحدث قولا لم يتقدمه أحد فأمره بلزوم بيته حتى مات.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٦
قال جعفر بن محمد النَّسَوِي: شهدت جنازة أحمد بن حنبل وفيها بشر كثير، والكرابيسي يلعن لعنًا كثيرًا بأصوات عالية، والمريسي أيضا.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٦
قال المروذي: سمعت علي بن مهرويه يقول: سمعت خالتي -وهي امرأة
стр. 525
حارث المُحَاسِبي- قالت: ما صلوا ببغداد في مسجد العصر يوم مات أحمد ابن حنبل إلا في مسجد حارث.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٧، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٢
قال أبو الحسن التميمي، عن أبيه، عن جده، أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل، قال: فمكثت طول الأسبوع رجاء أن أصل إلى قبره فلم أصل من ازدحام الناس عليه، فلما كان بعد أسبوع وصلت إلى القبر.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٠٨، "المنهج الأحمد" ١/ ١١٦
قال علي بن حريث: ما من أهل بيت لم يدخل عليهم الحزن يوم موت أحمد بن حنبل إلا بيت سوء.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥١١
قال أبو القاسم البغوي أن ابن طاهر أمر أن يحزر الخلق الذين في جنازة أحمد، فاتفقوا على سبع مائة ألف نفس.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٠
قال أبو همام السكوني: حضرت جنازة شريك، وجنازة أبي بكر بن عياش، ورأيت حضور الناس، فما رأيت جمعا قط مثل هذا -يعني: جنازة أبي عبد اللَّه.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٠
قال أحمد بن داود الأحمسي: رفعنا جنازة أحمد مع العصر، ودفناه مع الغروب.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٢
قال عبد الوهاب الوراق: أظهر الناس في جنازة أحمد بن حنبل السنة والطعن على أهل البدع، فسر اللَّه المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة لما رأوا من العز وعلو الإسلام، وكبت أهل الزيغ.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٢، "الجوهر المحصل" ص ١٣٠
قال علي بن الجهم: لما قدمت من عمان، أرسينا إلى جزيرة، وقوم جاءوا من العراق، إنما نستعذب الماء. قال: فسمعت صيحة وتكبيرا
стр. 526
وصياحا. قلت: ما هذا؟
قال: فقال: قد مات خير البغداديين -يعنون: عالمهم أحمد بن حنبل.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٥٣
قال محمد بن حصين: بلغني أن أحمد بن حنبل لما مات فوصل الخبر إلى الشاش (١)، سعى بعضهم إلى بعض، فقال: قوموا حتى نصلي على أحمد ابن حنبل كما صلى النبي ﷺ على النجاشي، فخرجوا إلى المصلى، فصفوا، فصلوا عليه.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٥٤
стр. 527
٣٥ - فصل في وصيته وتركته
روى صالح عن أبيه أنه أوصى وصِيَّةً:
بسم اللَّه الرحمن، هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا اللَّه في العابدين، ويحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأُوصي أني قد رضيت باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ ثبيًّا، وأُوصي أن لعبد اللَّه بن محمد المعروف بفُوران عليَّ نحو خمسين دينارًا، وهو مصدَّق فيما قال، فيُقْضَى ما له عليَّ من غلة الدار إن شاءَ اللَّه، فإذا استوفى أُعطي ولد صالحٍ وعبد اللَّه ابني أحمد بن محمد بن حنبل كل ذكر وأُنثى عشرة دراهم، بعد وفاء ما علي لأبي محمد.
شهد أبو يوسف، وصالح وعبد اللَّه ابنا أحمد بن محمد بن حنبل.
"السيرة" لصالح ص ١٠٥
قال صالح: كان له في خُرَيقة قُطيعاتٌ فإذا أراد الشيء أعطينا من يشتري له، فقال لي يوم الثلاثاء وأنا عنده: انظر في خُرَيْقتي شيء، فنظرت فإذا فيها درهم.
فقال: وجِّه فاقْتَضِ بعضَ السكان، وقال: اقرأ عليَّ الوصية، فقرأتها عليه، فأقرها.
"السيرة" لصالح ص ١٢٢ - ١٢٣
قال ابن هانئ: مات أحمد بن حنبل وما خلف إلا ست قطع، أو سبعًا، كانت في خرقة كان يمسح بها وجهه قدر دانق ونصف، ومات وعليه دين خمسة وأربعون دينارًا، أوصى بها إلى فوران.
"مسائل ابن هانئ" (٢٠١٠)
стр. 528
قال المروذي: وجعل يضعف -يعني: أبا عبد اللَّه- من الجوع والوصال، حتى إن كنت لأَبلُّ الخرقة، فألقيها على وجهه، فترجع إليه نفسه، حتى أوصى من الضعف من غير مرض، فسمعته وهو يوصي ونحن بالعسكر يقول -وأشهدنا عليها:
هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل، أوصى: أنه يشهد ألا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وأوصى لمن أطاعه من أهله وقرابته أن يحمدوا اللَّه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وإني رضيت باللَّه ربا وبالإسلام دينًا [وبمحمد ﷺ نبيًّا] (١) وأوصى أن عليه خمسين دينارًا -يعني: لأبي عبد اللَّه فوران- يعطى من الغلة حتى يستوفى.
"الورع" للمروذي (٢٧٥)
قال عبد اللَّه، وذكر موت أبيه، قال: ترك أقل من درهم قطعات. وقال: كفروا بها عني يمينًا أظن أني قد حنثت.
"الزهد" رواية عبد اللَّه ص ٢٣٤
قال عبد اللَّه: أوصى أبي هذِه: هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا اللَّه، إلى أن قال: وأوصي أن علي لفوران نحوا من خمسين دينارا، وهو مصدق فيما قال، فيقضى من غلة الدار، فإذا استوفى، أعطي ولد عبد اللَّه وصالح، كل ذكر وأنثى عشرة دراهم.
شهد أبو يوسف، وعبد اللَّه وصالح ابنا أحمد.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٨١
стр. 529
أخطاء طباعية واستدراكات
لوحظ الأخطاء الآتية في "الجامع لعلوم الإمام" بعد الطباعة (*)
المجلد الثاني
صـ ٢٨٨ / س ١: "نحر" تعدل: "نحو".
صـ ٣١٩ / س ١٥: "بالعكسر" تعدل: "بالعسكر".
صـ ٣١٩: "محمد بن عبيد اللَّه اليمامي" يوضع عليها هامش: لم أجده في أصحاب الإمام، ولعله: عبد اللَّه بن محمد، أبو محمد اليمامي.
صـ ٣٦٣ / س ٤: يحذف هامش واحد من على سمعت ويوضع هامش على الخلال: هو العباس بن محمد بن موسى الخلال.
صـ ٣٩٥ / س ٢٠: "إسحاق بن أبى" تعديل: "إسحاق بن أبي".
صـ ٥٣١ / س ١٠: "ماله على" تعدل: "ما له علي".