"إن اللَّه كتب الذكر" فقال المحتج علي: إن اللَّه خلق الذكر.
فقلت: حدثناه غير واحد: "إن اللَّه كتب الذكر".
قال أبو عبد اللَّه: وما كان في القوم أرأف بي ولا أرحم من أبى إسحاق، فأما الباقون فأرادوا قتلي، وشاركوا فيه لو أطاعهم أو أجابهم إلى ذلك.
قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: كان القوم إذا انقطعوا عن الحجة، عرض ابن أبى دؤاد، فتكلم، فلما كان في اليوم الثاني من آخر النهار، قال لهم أبو إسحاق: انصرفوا. واحتبس عبد الرحمن بن إسحاق، فخلا بي وبعبد الرحمن، وقال أبو عبد اللَّه: واحتج أبو إسحاق علي بصالح الرشيدي، وكان مؤدبه، وكان صالح صاحب سنة، فقال لي أبو إسحاق: كان صالح في هذا الموضع جالسًا، وأشار إلى موضع من الدار، وتكلم بكلام في القرآن، فأمرت به فسحب ووطئ.
قال أبو عبد اللَّه: فقال له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين، أنا وأحمد هذا، منذ ثلاثين سنة، نبدي طاعتكم والحج معكم والجهاد معكم، ولعله يجيب بعد ليلته.
فقال أبو إسحاق: واللَّه إنه لفقيه، واللَّه إنه لعالم، ولوددت أنه معي يصلح من شأني، فإن أجابني إلى ما أريد لأطلقن عنه. ثم قال لي: يا أحمد ويحك، لقد غمني أمرك ولقد أسهرت ليلي، ولولا أنك كنت في يدي من كان قبلي، ما عرضت لك، ولا امتحنت أحدًا بعدك، ولو أنه وراء حائطي هذا. ثم التفت إلي وقال: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول له: يا أمير المؤمنين، ما أعطوني شيئا من كتاب اللَّه ولا سنة عن رسول اللَّه ﷺ .
فلما طال ذلك قام، فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه، ووجه الرجلين الشافعي وغسان، فكانا معي فلما حضر الإفطار جيء بالطعام، فأكلا ولم آكل إلا تعللا، ولم آكل إلا الشيء الذي أقيم به رمقي من التلف، وجعلته عندي
стр. 457
بمنزلة المضطر.
فقال له أبو بكر بن عبيد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، فلم تخافهم على نفسك في مثل هذا؟ قال: الأمر الذي كنت فيه أعظم، فلم يلتفتوا إلى هذا مني، أعانني اللَّه على ذلك.
قال حنبل: فبينا نحن في ليلة خمس وعشرين من شهر رمضان في مسجدنا نصلى التراويح، إذا رسول إسحاق بن إبراهيم قد وافانا، فأخذ أبي وحمله على دابة، وذهبنا معه والناس يصلون التراويح، فذهبنا معه إلى دار إسحاق، فمضوا به إلى دار أبي إسحاق في المحرم، فبتنا تلك الليلة وفى صبيحتها ضُرب أبو عبد اللَّه، فقال لي: إني لما أصبحت أتاني ابن حماد بن دنقش وهو صاحب أبي إسحاق، فقال لي: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول لك: ابن أخيك إذا كانت له حجة انساب عليهم، فإذا كانت الحجة عليه، قال: لست بصاحب كلام إنما أنا صاحب أثر، فكلمه فليجبني.
قال أبي: فصرت إلى أبي عبد اللَّه، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، قد عرف الأمر، وقد أبليت عذرا فيما بينك وبين ربك وأنت أعلم، قال أبى: فسكت أبو عبد اللَّه، فلم يرد علي شيئا، وجاء ابن أبي دؤاد، فدخل علينا، وقد كان غسان قال لأبي إسحاق: يا أمير المؤمنين، إن أحمد من بلادي، يعني من مرو، فإن رأيت أن تأذن لي حتى أكلمه وأناظره، فأذن له، فكان غسان والشافعي الأعمى يكلمانه، وجاء ابن أبي دؤاد، فجلس، فقال: يا أحمد، إني عليك مشفق، ولقد غمني حيث وجدت اسمك مع هؤلاء، فأجبني.
فقال له أبو عبد اللَّه: علام أجبيكم؟ لا أمر من كتاب اللَّه وسنة عن رسول اللَّه ﷺ -
стр. 458
قال له ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا بما كان عن رسول اللَّه وفي كتاب اللَّه! يا أحمد، واللَّه ما هو القتل بالسيف، يا أحمد، إنما هو ضرب بعد ضرب، ثم قام ابن أبي دؤاد، فالتفت إلي، فقال لي: كلمه.
فقلت له: تنح حتى أكلمه، إنه واللَّه ليس السيف، الأمر أدهى من ذلك. فقام وأمر به فأخرج، وذلك في اليوم الثالث من مناظرته، فقال لي أبي: فخرجت، مع أبي عبد اللَّه، فلما صرنا في الدار، قلت لابن أبي دؤاد: مر البواب ألا يعرض لي، فالتفت ابن أبي دؤاد إلى ابن دنقش، فقال: هذا مالكم وله؟ هذا محبوس، هذا ماله ولهذا الأمر.
ثم التفت أبو عبد اللَّه إلي، فقال لي: يا عمي، أين تذهب؟ انتظر حتى ننظر ما يكون من أمري.
فقلت له: وأين أذهب؟ أنا هاهنا قاعد، يقول: وإنما أردت ألا يكون علي سبيل، وأراد أبو عبد اللَّه يقول: لعله القتل، فأكون بالحضرة فأحمله، لأنه أُعلم أنهم أجمعوا على قتله.
قال أبي: فجلست عند الستر، وجاء عبد الرحمن فجلس إلى جنبي، وأدخل أبو عبد اللَّه، فقال عبد الرحمن: سألني أمير المؤمنين أمس، فقال: عمه -يعني: عم أبي عبد اللَّه- في أي الرجال هو؟
قلت: يا أمير المؤمنين، من أدبه زهيبته كذا وكذا، وهم يا أمير المؤمنين أهل بيت لهم قدر وقديم، فإن سألك أمير المؤمنين عن شيء فلا تخالفه.
قال أبي: فورد علي أمر أنساني أمر ابن أخي، وصرت، أفكر في أمري وما قد بليت، ففرج اللَّه ولم أدخل عليه، وجاء النوفلي فجلس، فقال لأصحاب ابن أبي دؤاد: هذا الجاهل -يعني: أبا عبد اللَّه- يقول: العلم، وما العلم والقرآن!
قال أبي: فسكت، فلم أجب أحدا منهم.
стр. 459
قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: لما احتج علي عبد الرحمن بابن عرعرة واليمامي، قطعني، فسكت.
فقال برغوث: يا أمير المؤمنين، كافر حلال الدم اضرب عنقه، ودمه في عنقي. وقال شعيب كذلك أيضا.
فقلت: أعلا دمي، فلم يلتفت إلى قولهما. قال: وسمعت أبا عبد اللَّه أيضا يقول: أما برغوث وشعيب فإنهما تعللا قتلي، وقالا له: يا أمير المؤمنين، اضرب عنقه ودمه في أعناقنا، ولم يكن في القوم أشد تكفيرا ولا أخبث منهما، وأما ابن سماعة فجعل يكلمني بكلام رقيق، وقال له ابن سماعة: يا أمير المؤمنين إنه في أهل بيت شرف، ولهم قديم، ولعله يصير إلى الذي يحبه أمير المؤمنين. فكأنه رق عند ذلك.
وكان أبو إسحاق ألين علي، قال لي: أنا عليك شفيق، لقد أسهرت ليلي، كيف بليت بك؟ ويحك، أتق اللَّه في نفسك وفي دمك.
قال أبو عبد اللَّه: وكان إذا كلمني ابن أبي دؤاد لم أجبه ولم ألتفت إلى كلامه، وإذا كلمني أبو إسحاق ألنت له القول والكلام، فلم يكن لهم علي حجة. فقال لي أبو إسحاق في اليوم الثالث: أجبني يا أحمد إلى ما أدعوك إليه، قد بلغني أنك تحب الرياسة. وذلك لما أوغروا قلبه علي وأعطوه العشوة، ثم قال لي: إن أجبتني إلى ما يكون فيه خلاص لك، أطلقت عنك ولآتينك في حشمي وموالي، ولأطأن بساطك ولأنوهن باسمك يا أحمد، اللَّه اللَّه في نفسك.
قلت له: يا أمير المؤمنين، هذا القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ ، وأخباره فما وضح علي من حجة صرت إليها.
قال: فيتكلم هذا ويتكلم هذا، وهم جماعة كبيرة، فأرد على هذا وأكلم هذا، فإذا تكلم بشيء من الكلام مما ليس في كتاب اللَّه ولا سنة الرسول ﷺ -
стр. 460
ولا عندي خبر، قلت: ما أدري ما هذا؟ ما أعرف هذا، فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت له الحجة علينا وثب علينا، وإذا كانت عليه قال: لا أدري ما هذا.
قال أبو عبد اللَّه: وكان أبو إسحاق لا يعلم ولا يعرف ويظن أن القول قولهم ولا يدري فيقول: يا أحمد، اتق اللَّه في نفسك، إني عليك مشفق.
قال حنبل: ست أبا عبد اللَّه يقول: قال له ابن أبي دؤاد -يعنى لأبي إسحاق- لما انقطع أصحابه: واللَّه الذي لا إله إلا هو، يا أمير المؤمنين، لئن أجابك لهو أحب إليَّ من مائة ألف، ومائة ألف عدد مرارا كثيرة، وكان شعيب وبرغوث أشدهما لإباحة دمي، وكان عبد الرحمن ألينهم قولًا.
قال أبو عبد اللَّه: وقد كنت في اليوم الذي حدث من أمري ما حدث -يعني: اليوم الثالث جاءني ابن أبي دؤاد فقال: يا أحمد، إنه قد حلف أن يضربك ضربًا شديدًا، وأن يحبسك في أضيق الحبوس، فكلمت رجلا، فطلب لي خيطا، فجعلته في تكتي، وخشيت أن تتفلت السراويل، لما لم يكن فيه تكة، ولما أدخلت عليه في اليوم الثالث، وعنده ابن أبي دؤاد وأصحابه، قال: ناظروه وكلموه، فدار بيننا كلام كثير.
قال: واحتجوا علي يومئذ، فقالوا: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١).
فقلت له: يا أمير المؤمنين ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، هذا يا أمير المؤمنين ينصرف على غير القرآن، وليست فيه ألف ولا لام، ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فهذا هو القرآن يا أمير المؤمنين، ليس عندهم تمييز لهذا ولا بيان، فعلام تدعوني إليه؟ لا من كتاب اللَّه ولا من سنة نبيه، تأويل
стр. 461
تأولوه، ورأي رأوه، وقد نهى النبي ﷺ عن جدال في القرآن، وقال: "المراء في القرآن كفر" (١). ولست صاحب مراء ولا كلام، وإنما أنا صاحب آثار وأخبار، فاللَّه اللَّه في أمري، فارجع إلى اللَّه، فوالله لو رأيت أمرًا وضح لي وتبينته، لصرت إليه.
فأمسك، وكان أمره قد لان، لما سمع كلامي ومحاورتي عرف فلم يترك، وكان أحلمهم وأوقرهم وأشدهم عليَّ تحننا، إلا أنهم لم يتركوه، واكتنفه إسحاق وابن أبي دؤاد، فقالا له: ليس هو من التدبير تخليته هكذا، يا أمير المؤمنين ابل فيه عذرا، يا أمير المؤمنين هذا يناوئ خليفتين، هذا هلاك العامة، وقال له الخبيث: يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل، وتكلم أهل البصرة المعتزلة فقالوا: يا أمير المؤمنين، كافر، يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل، وقال له إسحاق: ليس من تدبير الخلافة تخليته هكذا، يغلب خليفتين؟ فعند ذلك اشتد علي وغلظ وعزم على ضربي، وكان من أمره ما كان.
قال حنبل: سمعت ابن عمي عبد اللَّه بن حنبل قال: قلت لأبي عبد اللَّه، في الحبس إلي أي شيء دعيتم؟ قال: دعينا إلى الكفر باللَّه.
قال أبو عبد اللَّه: حتى إذا كان ذاك وانقطع ابن أبي دؤاد، وأصحابه، نحاني وخلا بي وبعبد الرحمن، فقال: يا أحمد، إني عليك مشفق، فأجبني، واللَّه لوددت أني لم أكن عرفتك. يا أحمد، اللَّه اللَّه في دمك
стр. 462
ونفسك، إني لأشفق عليك كشفقي على هارون ابني، فأجبني. قلت: يا أمير المؤمنين، ما أعطوني شيئا من كتاب اللَّه ولا سنة رسول اللَّه. فلما كان في آخر ذلك. قال لي: لعنك اللَّه، لقد طمعت فيك أن تجيبني. ثم قال: خذوه خلعوه واسحبوه.
قال: فأخذت ثم خلعت، ثم قال: العقابين والأسياط، فجيء بعقابين وأسياط. قال أبو عبد اللَّه: وأنا انظر، وكان معي شعر النبي ﷺ أعطانيه ابن الفضل بن الربيع، وكان في صرة من قميص. فقال: انزعوا عنه قيمصه ولا تحرقوه، ثم قال: ما هذا في ثوبه؟
فقالوا لي: ما هذا في ثوبك؟ قلت: هذا شعر من شعر النبي ﷺ .
قال: صُيرت بين العقابين فقلت: يا أمير المؤمنين: اللَّه اللَّه، إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد ألا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، إلا بإحدى ثلاث" (١) وتلوت الحديث، وقال رسول اللَّه ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" (٢). فبم تستحل دمي ولم آتِ شيئا من هذا يا أمير المؤمنين، اللَّه اللَّه، لا يكفي اللَّه وبيني وبينك مطالبة يا أمير المؤمنين، اذكر وقوفك بين يدي اللَّه كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين راقب اللَّه، فكأنه أمسك ولم يترك.
فقال ابن أبي دؤاد وخاف أن يكون منه عطف أو رأفة: يا أمير المؤمنين، إنه ضال مضل كافر باللَّه.
стр. 463
قلت: يا أمير المؤمنين، اتق اللَّه في دمي ونفسي.
فقال: هذا كافر. فأمرني حينئذ فأقمت بين العقابين وجيء بكرسي فوضع له، فجلس عليه وابن أبى دؤاد وأصحابه قيام على رأسه، فقال لي إنسان: خذ الخشبتين بيدك وشد عليهما فلم أفهم منه ذلك، فتخلعت يداي، ثم
قال أبو إسحاق للجلادين: أروني سياطكم فنظر، فقال: ائتوني بغيرها فأتوه بغيرها، ثم قال لهم: تقدموا. وقال لهم: ادنوا واحدا واحدا، ثم قال: أوجع قطع اللَّه يدك، فتقدم فضربني سوطين، ثم تأخر، ثم قال لآخر: ادنو شد، قطع اللَّه يدك، فضربني سوطين، ثم جاء آخر، فلم يزل كذلك فأغمي علي لما ضربني أسواطا، فلم أعقل حتى أرخى عني، فجاء فوقف وهم محدقين به، فقال: يا أحمد، ويلك تقتل نفسك، ويحكك أجبني، أطلق عنك، وقال لي بعضهم: ويلك أمير المؤمنين قائم، ويلك إمامك على رأسك قائم، يعجني عجيف بقائمة سيفه، فقال لي: يريد يغلب هؤلاء كلهم. وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول لي: ويلك الخليفة على رأسك قائم، وهذا يقول: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي. ثم يرجع فيجلس على الكرسي ثم يقول للجلاد: ادنه، أوجع، قطع اللَّه يدك، ولم يزل يدعو واحدا وحدا حتى يضربني سوطين سوطين، ويتنحى وهو يقول: شد، قطع اللَّه يدك، أوجع. قال: ثم قام إليَّ الثالثة وما أعقل، فجعل يقول: يا أحمد أجبني، قال: وجعل عبد الرحمن يقول لي: أصحابك يحيى وفلان وفلان، أليس قد أجابوا، قال للجلاد: أوجع، وذهب عقلي، فما عقلت واسترخيت. فلما أحس أني ميت، كأنه أرعبه ذلك، فأمر بتخليتي حينئذ، وأنا على ذلك لا أعقل، فما عقلت إلا وأنا في حجرة مطلق عني الأقياد.
قال أبو عبد اللَّه: ذهب عقلي مرارا، فإذا رفع عني الضرب رجعت
стр. 464
إلي نفسي، وإذا استرخيت وسقطت رفع عني الضرب. أصابني ذلك مرارا لا أعقل.
قال: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: وكان ابن أبي دؤاد قبل أن أضرب يختلف إلي فأخذه القلق وهو ذاهب إلى أبي إسحاق، وجاء إلي بالوعيد والتهديد، وحاجبه ابن دنقش أيضا يأتيني برسالة أبي إسحاق يقول لك كذا، فلما لم يروا الأمر يصير إلى الذي أرادوا عزموا على أن ينالوني بما نالوني به، فقال له أبو بكر بن عبيد: يا أبا عبد اللَّه، فكيف رأيته هو -يعني: أبا إسحاق- قال: رأيته في الشمس قاعدا بغير ظلة يطلب ويتكلم، فربما لم أعقل وربما عقلت، فإذا عاد الضرب، ذهب عقلي فلا أدري، فيرفع عني الضرب، فسمعته يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتبكت في أمر هذا الرجل.
فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه واللَّه كافر مشرك، قد أشرك من غير وجه، فلا يزال به، حتى يصرفه عما يريد، وقد أراد تخليتي بغير ضرب، فلم يدعه هو ولا إسحاق بن إبراهيم، وعزم حينئذ على ضربي.
قال حنبل: وبلغني عن النوفلي قال: قال أبو إسحاق لابن أبي دؤاد، بعد ما ضرب أحمد وهو يسأله كم ضرب الرجل؟
فقال له ابن أبي دؤاد: نيف وثلاثين، ثلاثة أو أربعة وثلاثين سوطًا.
قال لي أبو عبد اللَّه: وقال لي إنسان ممن كان هنالك: ثم ألقينا على صدرك بارية وأكببناك على وجهك ودسناك، قال أبو عبد اللَّه: وما عقلت بهذا كل، وأمر بإطلاقي، فلم أعلم حتى أخرج القيد من رجلي.
"ذكر المحنة" لحنبل ص ٤١ - ٥٨
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: لما حُملتُ إلى الدار مكثت يومين لم أطعم، فلما ضُربت جاءوني بسويق، فلم أشرب وأتممت
стр. 465
صومي، قال لي أبو عبد اللَّه: قد كنت أمكث في السجن يومين لا أشرب الماء.
"الورع" للمروذي (٢٧٢)، (٢٧٣)
قال عبد اللَّه بن محمد بن الفضل الأسدي: كنا عند ابن عائشة -يعني: عبيد اللَّه بن محمد القرشي- فساره إنسان بخبر أحمد بن حنبل أنه قد حمل إلى الضرب، وسأله إنسان حديثا وهو على هذِه الحالة فقال:
رويدك حتى تنظري عم تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق
"الجرح والتعديل" ١/ ٣١١
قال إبراهيم بن محمد بن الحسن: أدخل أحمد بن حنبل على الخليفة وعنده ابن أبي دُؤاد وأبو عبد الرحمن الشافعي، فأجلس بين يدي الخليفة، وكانوا هوَّلوا عليه، وقد كانوا ضربوا عنق رجلين، فنظر أحمد إلى أبي عبد الرحمن الشافعي فقال: أي شيء تحفظ عن الشافعي في المسح؟ فقال ابن أبي دُؤاد: انظروا رجلًا هو ذا يقدم به لضرب العنق يناظر في الفقه.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٨٦، "المناقب" لابن الجوزي ص ٣٩٩
قال عبد اللَّه: كتب إلي الفتح بن شُخْرُف بخط يديه قال: قال ابن حطيط -رجل قد سماه من أهل الفضل من أهل خراسان- حبس أحمد بن حنبل وبعض أصحابه في المحنة في دار قبل أن يضرب.
قال أحمد بن حنبل: فلما كان الليل نام من كان معي من أصحابي وأنا متفكر في أمري، قال: فإذا أن برجل طويل يتخطى الناس حتى دنا مني. فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ فسكتُّ، فقالها ثانية، فسكتُّ، فقالها ثالثة: أنت أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل؟ فقلت: نعم. قال: اصبر ولك الجنة. قال أحمد: فلما مسني حَرُّ السوط ذكرت قول الرجل.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٩٣، "المناقب" لابن الجوزي ص ٤٠٤
قال أبو غالب ابن بنت معاوية: ضرب أحمد بن حنبل بالسياط في اللَّه
стр. 466
فقام مقام الصديقين، في العشر الأواخر من رمضان سنة عشرين ومائتين. ومات سنة إحدى وأربعين.
"تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢١، "المناقب" ص ٤١٩، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٦
قال أبو بكر السهروردي بمكة قال: رأيت أبا ذر بسهرورد، وقد قدم مع واليها وكان منقطعا بالبرص -يعني: وكان ممن ضرب أحمد بن حنبل بين يدي المعتصم. قال: دعينا في تلك الليلة ونحن خمسون ومائة جلاد، فلما أمرنا بضربه كنا نغدو حتى نضربه، ونمر ثم يجيء الآخر على أثره ثم يضرب.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣١٣، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦١، "طبقات الشافعية" ٢/ ٣٧
قال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي: ذكروا أن المعتصم رق في أمر أحمد لما علق في العقابين، ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره، حتى أغراه ابن أبي دؤاد. وقال له: إن تركته قيل: إنك تركت مذهب المأمون وسخطتَ قوله، فهاجه ذلك على ضربه.
"المناقب" ص ٤٠٥، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٥١
قال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي: قدم المعتصم من بلاد الروم بغداد في شهر رمضان سنة ثمان عشرة، فامتحن فيها أحمد وضرب بين يديه. فحدثني من أثق به من أصحابنا عن محمد بن إبراهيم بن مصعب -وهو يومئذ على الشرط للمعتصم، خليفة إسحاق بن إبراهيم- أنه قال: ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان ولا خالط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب.
"المناقب" ص ٤٠٨، "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٥٤، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٤٠
قال داود بن عرفه: حدثنا ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد، فسمعت ضجة، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يُمْتَحَن. فأتيت منزلي فأخذت مالًا له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس، فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد جُرِّدت، وبالرماح قد رُكزت، وبالتراس قد نصبت، وبالسياط
стр. 467
قد طرحت، فألبسوني قباء أسود ومِنْطَقَة وسيفًا، ووقفوني حيث أسمع الكلام، فأتى أمير المؤمنين فجلس على كرسي، وأُتي بأحمد بن حنبل، فقال له: وقرابتي من رسول اللَّه ﷺ لأضربنك بالسياط، أو تقول كما أقول، ثم التفت إلى جلاد فقال: خذه إليك، فأخذه.
فلما ضرب سوطًا قال: بسم اللَّه.
فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
فلما ضرب الثالث قال: الكلام كلام اللَّه غير مخلوق.
فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] فضربه تسعة وعشرين سوطًا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت، فنزل السراويل إلى عانته، فقلت: الساعةَ ينهتك، فرمى أحمد طرفه نحو السماءِ وحرَّك شفتيه، فما كان بأسرع من أن ارتقى السراويل ولم ينزل، قال ميمون: فدخلت إليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد اللَّه رأيتك يوم ضربوك قد انحل سراويلك فرفعتَ طرفك نحو السماء، ورأيتك تحرك شفتيك فأي شيء قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا (١).
"المناقب" ص ٤٠٩، "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٧٣ - ٧٦، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٥٤، "الجوهر المحصل" ص ٦٨٨ "المنهج الأحمد" ١/ ١٠٥
قال يحيى بن نعيم: لما أخرج أحمد بن حنبل إلى المعتصم يوم ضرب، قال له العون الموكل به: ادع على ظالمك.
فقال: ليس بصابر من دعا على ظالم.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤١٤
стр. 468
قال البَغَويّ: رأيت أحمد بن حنبل داخلا إلى جامع المدينة وعليه كساء أخضر، وبيده نعلاه، حاسر الرأس، فرأيت شيخًا آدم طوالا، أبيض اللحية، وكان على دكة المنارة قوم من أصحاب السلطان، فنزلوا واستقبلوه، وقبلوا رأسه ويده، وقالوا له: ادع على من ظلمك. فقال: ليس بصابر من دعا على ظالم.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤١٤
قال عبد اللَّه: قال لي أبي: يا بني لقد أعطيتُ المجهودَ من نفسي -يعني: في المحنة.
قال: وكتب أهل المطامير إلى أحمد بن حنبل: إن رجعت عن مقالتك ارتددنا عن الإسلام.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤١٩، "المحنة" لعبد الغني المقدسى ص ١٥٢، "المنهج الأحمد" ١/ ١٠٧
قال جعفر بن أبي هاشم: مكث أحمد بن حنبل في السجن سنة سبع عشرة وثماني عشرة وتسع عشرة، وأخرج في رمضان.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤١٩
قال عبد الرحمن بن محمد الحنفي: سمعت أبي يقول: كنت في الدار وقت أدخل أحمد بن حنبل وغيره من العلماء، فلما أن مد أحمد ليضرب بالسوط، دنا منه رجل وقال له: يا أبا عبد اللَّه، أنا رسول خالد الحداد من الحبس يقول لك: اثبت على ما أنت عليه، وإياك أن تجزع من الضرب، واصبر فإني ضربت ألف حد في الشيطان، وأنت تضرب في اللَّه.
"تهذيب الكمال" ١/ ٤٦١
стр. 469
٢٦ - فصل في خروجه من دار المعتصم
قال حنبل: قال أبو عبد اللَّه: وقال له ابن أبي دؤاد، بعد ما ضربت وأمر بتخليتي: يا أمير المؤمنين، احبسه فإنه فتنة، يا أمير المؤمنين، احبسه فإنه فتنة، يا أمير المؤمنين، إنه ضال مضل، وإن أخليته فتنت به الناس. فقال: يا إسحاق أطلقه. وقام أبو إسحاق فدخل وما عقلت إلا بالقيد وقد نزع من رجلي. وقام أبو إسحاق من مجلسه ذلك، فلم يجد بدًّا من أن يخلي عني، ولولا ذلك كان قد حبسني، وجاءوني بسويق، فقالوا لي: اشرب، فأبيت، فقلت: لا أفطر.
قال حنبل: وبلغني أن أبا عبد اللَّه قال: لي ولهم موقف بين يدي اللَّه ، فكتب بها إليه، فقال: يخلى سبيله الساعة.
قال حنبل: وأخبرني أبي: قال لي بعض من حضر يومئذ: وكان أحمد في دهره مثل صاحب بني إسرائيل في دهره، كان هؤلاء يحتجون عليه، وهؤلاء يحتجون عليه فيحتج على هؤلاء، ويحتج على هؤلاء بقلب ثابت وفهم، ليس ثَمَّ شيء ينكر. وقال لهم أبو إسحاق: ليس هذا كما وصفتم لي، وذاك من قدره عنده، وقللوه وصغروه عنده، فلما شاهده ورأى ما عنده عرف له فضله.
ولما أمر أبو إسحاق بتخلية أبا عبد اللَّه خلع عليه مبطنةً وقيمصًا وطيلسانًا وخفًّا وقلنسوة، فبينا نحن على باب أبي إسحاق في الدهليز، والناس في ذلك الوقت مجتمعين في الميدان وفي الدروب وغيرها، وأغلقت الأسواق واجتمع الناس فنحن كذلك إذ خرج أبو عبد اللَّه على دابة من دار أبي إسحاق، وقد ألبس تلك الثياب، وابن أبي دؤاد عن يمينه وإسحاق بن إبراهيم عن يساره، فلما صار في دهليز أبي إسحاق قبل أن يخرج إلى الطريق، قال لهم ابن أبي دؤاد: اكشفوا رأسه فكشفوه، وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان
стр. 470
نحو طريق الجسر، فقال لهم إسحاق: خذوا به هاهنا، يريد دجلة، فذهبت به إلى الزورق فحمل إلى دار إسحاق، ومع غسان والشافعي، فأتي به دار إسحاق، فأقامه عنده إلى أن صليت الظهر، وبعث إلى أبي وإلى جيراننا ومشايخ المجالس، فجمعوا وأدخلوا عليه، فقال لهم: هذا أحمد بن حنبل، إن كان فيكم من يعرفه وإلا فليعرف، وجاء ابن سماعة فدخل. فقال ابن سماعة: هذا أحمد بن حنبل، فإن أمير المؤمنين ناظره في أمر، وقد خلى سبيله، وها هو ذا، فأخرج على دابة لإسحاق بن إبراهيم عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه السلطان، فلما صار إلى الباب سمعت عياشًا صاحب الجسر لما رأى أبا عبد اللَّه قد أقيل، فقال عياش لصاحب إسحاق والناس قيام: تازية تازية -يعني: عربي عربي- فدخل أبو عبد اللَّه، ودخلت معه من باب الزقاق، وهو منحنٍ على الضربة التي كانت قد أجافت، ولم تنقب بحمد اللَّه، وكان عليه أن ينحني، فلما صار إلى باب الدار، وذهب لينزل فاحتضنته، ولم أعلم، فوقعت يدي على موضع الضربة، فصاح وآلمه ذلك ولم أعلم فنحيت يدي، فنزل متوكئًا علي، وأغلق الباب ودخلنا معه، ورمى أبو عبد اللَّه بنفسه على وجهه، ولا يقدر يتحرك هكذا ولا هكذا إلا بجهد، وخلع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع وأخذ ثمنه فتصدق به.
وكان أبو إسحاق أمر إسحاق بن إبراهيم ألا يقطع عنه خبره، وذلك أنه تركه فيما حكي لنا عند الإياس منه، وبلغنا أن أبا إسحاق ندم بجد ذلك وأسقط في يده حتى صلح، وكان صاحب خبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا في كل يوم، يتعرف خبره حتى صح وبرأ بعد العلاج، وخرج للصلاة والحمد للَّه رب العالمين وبقيت يده وإبهاماه متخلعتين يضربان عليه، إذا أصابه البرد حتى يسخن له الماء، وأصاب سوط من الضرب في خاصرته، وظنوا أنها قد
стр. 471
نقبت، فسلمه اللَّه من ذلك ورزقه العافية.
قال حنبل: جاء رجل من أهل السجن يقال له: أبو الصبح ممن يبصر الضرب والجراحات، فقال: قد رأيت من ضرب الضرب العظيم، ما رأيت ضربا مثل هذا ولا أشد، فهذا ضرب التلف. ولقد جر عليه الجلادون، قطع اللَّه أيديهم، من قدامه ومن خلفه، وإنما أريد قتله، ثم سبره بالميل مخافة أن تكون نقبت، فلم تكن نقبت.
قال: ورأيت أبا عبد اللَّه وقد أصابت أذنه ضربة فقطعت الجلد، فأنتنت أذنه، فأصابت وجهه غير ضربة مما كان يضطرب. وقال أبو عبد اللَّه: وقال لي بعضهم: يا أبا عبد اللَّه لا تتحرك وانتصب.
قال حنبل: ولما أردنا علاجه خفنا أن يدس ابن أبي دؤاد إلى المعالج فيلقي في دوائه سمًّا يقتله، فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا وكان في برينة عندنا، فكان إذا جاء المعالج ليعالجه منها، فإذا فرغ رفعناها، وكان في ضربه شيء من اللحم قد مات فقطعه بسكين، فلم يزل أثر الضرب في ظهره، وكان إذا أصابه البرد ضرب عليه، وإذا آذاه الدم، بعث إلى الحجام في أي وقت فيخرج الدم حتى يسكن عنه ضربان كتفه، وكان يسخن له الماء ليصب عليها. قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه بعد هذا يقول: ظننت أني قد أعطيت من نفسي المجهود، واللَّه أعلم.
قال حنبل: حضرت أبا عبد اللَّه وإياه رجل وهو في مسجدنا، وكان الرجل حسن الهيبة كأنه كان مع السلطان، فجلس حتى انصرف من كان عند أبي عبد اللَّه ثم دنا منه، فرفعه أبو عبد اللَّه، لما رأى من هيبته، فقال له: يا أبا عبد اللَّه اجعلني في حل.
فقال: ماذا؟ قال: كنت حاضرا يوم ضربت، وما أعنت ولا تكلمت على ضربك، إلا أني حضرت ذلك. فأطرق أبو عبد اللَّه، ثم رفع رأسه إليه فقال:
стр. 472
أحدث للَّه ولا تعد إلى مثل ذلك الموقف.
فقال له: يا أبا عبد اللَّه، أنا تائب إلى اللَّه السلطان.
قال له أبو عبد اللَّه: فأنت في حل، وكل من ذكرني إلا مبتدع.
وقال أبو عبد اللَّه: وقد جعلت أبا إسحاق في حل، ورأيت اللَّه يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح (١).
قال أبو عبد اللَّه: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم في سبيلك، ولكن تعفو أو تصفح عنه، فيغفر اللَّه لك، كما وعدك.
قال أبو عبد اللَّه: وقد قال اللَّه : ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
"ذكر المحنة" لحنبل ص ٥٧ - ٦٥
قال المروذي: قال لي أبو عبد اللَّه: قد سألني إسحاق بن إبراهيم أن أجعل أبا إسحاق في حل، قال: قلت له: قد كنت جعلته في حل، ثم قال أبو عبد اللَّه: تفكرت في الحديث: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد لا يقم إلا من عفا" (٢). وذكرت قول الشَّعْبي: إن تعف عنه مرة يكن لك من الأجر مرتين.
"الورع" للمروذي (٢٦٥)
قال مُهَنَّا: رأيت يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري حين أخرج أحمد من الحبس وهو يقبل جبهة أحمد ووجهه، ورأيت سليمان بن داود الهاشمي يقبل جبهة أحمد ورأسه.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٧٢، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣١٩، "المناقب" ص ٤٢٠
стр. 473
قال ميمون بن الأصبغ: أخرج أحمد بن حنبل بعد أن اجتمع الناس على الباب وضجوا حتى خاف السلطان فخرج.
"المناقب" ص ٤٢٠، "الجوهر المحصل" ص ٩٢
قال الحسن بن عبد العزيز الجروي: قلت للحارث بن مسكين: إن هذا الرجل -أعني: أحمد بن حنبل- قد ضرب، فاذهب بنا إليه، فذهبت أنا وهو فدخلنا عليه، فحدثنا حدثان ضربه.
فقال لنا: ضربت فسقطت وسمعت ذاك -يعني: ابن أبي دُؤاد- يقول: يا أمير المؤمنين هو واللَّه ضال مضل. فقال له الحارث: أخبرني يوسف بن عمر ابن يزيد، عن مالك بن أنس: أن الزهري سعى به حتى ضُرب بالسياط، فقيل لمالك بعد ذلك: إن الزهري قد أقيم للناس وعلقت كتبه في عنقه، فقال مالك: قد ضُرب سعيد بن المسَّيب بالسياط وحلق رأسه ولحيته، وضُرب أبو الزناد بالسياط، وضُرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في حمام بالسياط، قال: وقال عمر بن عبد العزيز: لا تغبطوا أحدًا لم يصبه في هذا الأمر أذى، قال: وما ذكر مالك نفسه، فأعجب أحمد بقول الحارث.
"المناقب" ص ٤٢١، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٩٥
قال فُوران: وجَّه إليَّ أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل في الليل فدعاني، فقال لي: كيف أخبرتني عن فَضْل الأنماطي.
قال: قلت: يا أبا عبد اللَّه، قال لي فضل: لا أجعل في حل من أمر بضربي حتى أقول القرآن مخلوق، ولا من تولى الضرب، ولا من سَرَّه ممن حضر وغاب من الجهميَّة.
قال لي أحمد بن حنبل: لكني جعلت المعتصم ومن تولى ضربي ومن غاب ومن حضر، وقلت: لا يعذب فيَّ أحد. وذكرت حديثين يرويان عن النبي ﷺ : "إن اللَّه ينشئ قصورًا فيرفع الناس رؤوسهم فيقولون: لمن
стр. 474
هذِه القصور ما أحسنها؟ فيقال: لمن أعطى ثمنها، قيل: وما ثمنها؟ ، قال: من عفا عن أخيه المسلم" (١)، و"يأمر اللَّه بعقد لواء فينادي مناد ليقم تحت هذا اللواء إلى الجنة من له عند اللَّه عهد. فيقال: بيِّن بيِّن من هو؟ قال: من عفا عن أخيه المسلم" (٢).
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٢٥
قال عبد اللَّه: قرأت على أبي، روح، عن أشعث، عن الحسن: إن للَّه بابا في الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة.
فقال لي: يا بني ما خرجت من دار أبي إسحاق حتى أحللته ومن معه إلا رجلين، ابن أبي دؤاد وعبد الرحمن بن إسحاق فإنهما طلبا دمي، وأنا أهون على اللَّه أن يعذب فيَّ أحدًا، أشهدك أنهما في حِلّ.
"المناقب"ص ٤٢٦
قال أبو حاتم: أتيت أحمد بن حنبل بغدما ضرب بثلاث سنين أو نحوها. فقلت له: ذهب عنك أثر الضرب، فأخرج يده اليسرى على كوعه اليمنى وقال: هذا -كأنه يقول خلع- وأنه يجد منها ألَم ذلك.
"المناقب" ص ٤٢٧، "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٣١، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٥٨
قال أبو الحسين بن المنادي: حدثني جدي قال: لقيت أبا عبد اللَّه بعد ما انكشف ذلك البلاء، فرأيت بين يديه مجمرة فيها جمر يضع خرقة ملفوفة في يديه فيسخنها بالنار، ثم يجعلها على جنبه من الضرب الذي كان ضرب، فالتفت إليَّ فقال: يا أبا جعفر ما كان في القوم أرأف بي من المعتصم.
"المناقب" ص ٤٢٧، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٦٤
стр. 475
قال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي: في سنة سبع وعشرين ومائتين حدث أحمد بن حنبل ببغداد ظاهرًا جهرة، وذلك حين مات المعتصم، بلغنا انبساطه في الحديث ونحن بالكوفة، فرجعت إليه فأدركته في رجب من هذِه السنة وهو يحدث، ثم قطع الحديث لثلاث بقين من شعبان من غير منع من السلطان، ولكن كتب الحسن بن علي بن الجعد -وهو يومئذ قاض ببغداد- إلى ابن أبي دُؤاد: أن أحمد قد انبسط في الحديث. فبلغ ذلك أحمد فأمسك عن الحديث من غير أن يمنع.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٢٨، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٦٥
قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول: واللَّه لو علمت أني أتخلص منهم بهذا المقدار، كان الأمر غير ذا، ولكن قدرت أن لحمي يقرض بالمقاريض حبة حبة.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٢٣
стр. 476
٢٧ - فصل المحنة أيام الواثق
قال حنبل: لم يزل أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل ﵁ بعد أن أطلقه المعتصم، وانقضاء أمر المحنة، وبرأ من ضربه، يحضر الجمعة والجماعة ويفتي ويحدث أصحابه حتى مات أبو إسحاق، وولي هارون ابنه وهو الذي يدعى الواثق فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه، فلما اشتد الأمر على أهل بغداد، وأظهر القضاة المحنة، وفرق بين الأنماطي وامرأته، وبين أبي صالح وامرأته.
وكان أبو عبد اللَّه يأتي الجمعة في أيام الواثق، وكان يصلي بنا رجل من ولد عيسى بن جعفر، فقيل لأبي عبد اللَّه: إنه يقول هذا القول، فكان أبو عبد اللَّه يعيد الصلاة، ثم ولي آخر له لقب، فكان يعيد إلى أن ولي المتوكل، فرفع هذا الكلام، فكان لا يعيد بعد ذلك، فكنت ربما ذهبت معه في يوم الجمعة، أمشي وراءه، فكان يتخلل الدروب حتى لا يعرف، فيمضي، فيصلي وينصرف.
فلما أظهر الواثق هذِه المقالة، وضرب عليها وحبس جاء نفر إلى أبي عبد اللَّه من فقهاء أهل بغداد، فيهم بكر بن عبد اللَّه، وإبراهيم بن علي المطبخي، وفضل بن عاصم، وغيرهم، فأتوا أبا عبد اللَّه وسألوا أن يدخلوا عليه، فاستأذنت لهم، فأذن لهم فدخلوا عليه، فقالوا له: يا أبا عبد اللَّه إن هذا الأمر قد فشا وتفاقم، وهذا الرجل يفعل ويفعل وقد أظهر ما أظهر، ونحن نخافه على أكثر من هذا وذكروا له ابن أبي دؤاد على أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في الكتاب مع القرآن كذا وكذا.
فقال لهم أبو عبد اللَّه: وماذا تريدون؟
قالوا: أتيناك نشاورك فيما نريد. قال لهم: فيما تريدون؟
стр. 477
قالوا: لا نرضى بإمرته ولا بسلطانه.
فناظرهم أبو عبد اللَّه ساعة، حتى قال لهم -وأنا حاضرهم: أرأيتم إن لم يبق لكم هذا الأمر، أليس قد صرتم من ذلك إلى المكروه؟ عليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ولا دماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم ولا تعجلوا، واصبروا حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر، ودار بينهم في ذلك كلام كثير لم أحفظه، واحتج عليهم أبو عبد اللَّه بهذا.
فقال له بعضهم: إنا نخاف على أولادنا إذا ظهر هذا لم يعرفوا غيره ويُمحَى الإسلام ويدرس.
فقال لهم أبو عبد اللَّه: كلا إن اللَّه ناصر دينه، وإن هذا الأمر له رب ينصره، وإن الإسلام عزيز منيع.
فخرجوا من عند أبي عبد اللَّه، ولم يجبهم إلى شيء، مما عزموا عليه أكثر من النهي عن ذلك، والاحتجاج عليهم بالسمع والطاعة، حتى يفرج اللَّه عن الأمة، فلم يقبلوا منه.
فلما خرجوا، قال لي بعضهم: امضِ معنا إلى منزل فلان، رجل سموه حتى نوعده لأمر نريده، فذكرت ذلك لأبي، فقال لي أبي: لا تذهب، واعتل عليهم، فإني لا آمن أن يغمسوك معهم، فيكون لأبي عبد اللَّه في ذلك ذكر، فاعتللت عليهم، ولم أمض معهم. فلما انصرفوا دخلت أنا وأبي على أبي عبد اللَّه، فقال أبو عبد اللَّه لأبي: يا أبا يوسف هؤلاء قوم أشرب قلوبهم ما يخرج منها فيما أحسب فنسأل اللَّه السلامة، ما لنا ولهذه الأمة، وما أحب لأحد أن يفعل هذا.
فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، وهذا عندك صواب؟
قال: لا، هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها بالصبر، ثم قال أبو عبد اللَّه:
стр. 478
قال النبي ﷺ : "إن حرمك فاصبر، وإن وليت أمره فاصبر" (١)، وقال عبد اللَّه ابن مسعود كذا، وذكر أبو عبد اللَّه كلاما لم أحفظه.
قال حنبل: فمضى القوم، فكان من أمرهم أنهم لم يحمدوا، ولم ينالوا ما أرادوا، واختفوا من السلطان، وهربوا، وأخذ بعضهم فحبس، ومات في الحبس. فبينا نحن في أيام الواثق، في تلك الشدة، وما نزل بالناس منه إذ جاء يعقوب بن بحر، في جوف الليل برسالة إسحاق بن براهيم إلى أبي عبد اللَّه، فقال له: يقول لك الأمير إسحاق بن إبراهيم إن أمير المؤمنين قد ذكرك. فلا يجتمعن إليك، ولا يأتينك أحد، ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها، فاذهب حيث شئت من أرض اللَّه.
فاختفى أبو عبد اللَّه بقية حياة الواثق وولايته، وكانت تلك النائبة وتلك الفتنة. وقتل أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي، فلم يزل أبو عبد اللَّه مختفيا، في غير منزله في القرب، يعني بمنزل أبي محمد فوران، ثم عاد منزله بعد أشهر أو سنة لما طفا خبره، فلم يزل مختفيًا في البيت لا يخرج إلى الصلاة ولا إلى غيرها، حتى هلك الواثق (٢).
"ذكر المحنة" لحنبل ص ٦٥ - ٧٣
قال إبراهيم بن هانئ: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام، ثم قال: اطلب لي موضعا حتى أتحول إليه.
قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد اللَّه.
قال: إذا فعلت أفدتك، فطلبت له موضعا، فلما خرج قال لي: اختفى رسول اللَّه ﷺ في الغار ثلاثة أيام ثم تحول (١)، وليس ينبغي أن نتبع رسول اللَّه ﷺ في الرخاء ونتركه في الشدة.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٨٠، " طبقات الحنابلة" ١/ ٢٥٢، "المناقب" لابن الجوزي ص ٤٣٠، "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٦٧، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٦٤، "المنهج الأحمد" ١/ ١١٠
قال أبو زرعة: قلت لأحمد بن حنبل: كيف تخلصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال: لو وضع الصدق على جراح لبرئ.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٠، ٣٢١، "المناقب" ص ٤٣٠، "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٤٣
стр. 483
٢٨ - فصل: قصته مع المتوكل
قال صالح: وجه المتوكل إلى أبي إسحاقَ بنَ إبراهيم (١) يأمره بحمل أبي إلى العسكر. فوجه إسحاق إلي أبي، فقال: إن أمير المؤمنين قد كتب إلي يأمرني بإشخاصك إليه، فتأهب لذلك.
قال أبي: فقال لي إسحاق بن إبراهيم: اجعلني في حل.
فقلت: قد جعلتك وكل من حضر في حل.
قال أبي: فقال لي إسحاق: أسألك عن القرآن مسألة مسترشد لا مسألة امتحان، وليكن ذلك عندك مستورًا، ما تقول في القرآن؟
قال أبي: فقلت: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق.
قال: فقل لي: من أين قلت غير مخلوق؟
قال أبي: فقلت له: قال اللَّه ﵎: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرق بين الخلق والأمر.
فقال إسحاق: الأمر مخلوق؟
فقال أبي: فقلت له: يا إسحاق، إن اللَّه يخلق خلقا (٢).
فقال أبي: فقال لي: وعمن تحكي، أنه ليس بمخلوق؟
قال: فقلت: جعفر بن محمد قال: ليس بخالق ولا مخلوق. قال: فسكت.
قال أبي: فلما كانت الليلة الثانية، وجه إليَّ: ما تقول في الخروج؟
قال: فقلت: ذلك إليك.
فقال: الذي حكيت هو عن محمد بن الحنفية؟
стр. 484
فقلت: لا، حكيت عن جعفر بن محمد، عن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب. قال: فسكت.
قال صالح: ثم أخرج أبي حتى إذا صرنا بموضع يقال له: بصرى، بات أبي في مسجد، ونحن معه، فلما كان في جوف الليل، جاءه النيسابوري، فقال: يقول لك الأمير ارجع.
فقلت له: يا أبه، أرجو أن يكون فيه خيرا.
فقال: لم أزل الليلة أدعو اللَّه.
"السيرة" لصالح ص ٨٣ - ٨٥
قال أبو علي حنبل: ثم ولي جعفر المتوكل، فلما ولي انكشف ذلك عن المسلمين وأظهر اللَّه السنة، وفرج عن الناس، فكان أبو عبد اللَّه يحدثنا، ويحدث أصحابه، في أول أيام المتوكل، وسمعته يقول: ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم في زماننا هذا، ثم إن المتوكل ذكره، وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم في إخراجه إليه، فجاء رسول إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبد اللَّه بالحضور، فمضى أبو عبد اللَّه عند صلاة العصر، وجئنا معه، فدخل عليه، وجلسنا بالباب، فلما خرج أبو عبد اللَّه، رجعنا معه، فقال له أبي، وسأله عما دعي له.
فقال أبو عبد اللَّه: قرأ علي كتاب جعفر، يأمرني بالخروج إلى العسكر.
قال أبو عبد اللَّه: وقال لي إسحاق بن إبراهيم: ما تقول في القرآن؟
فقلت: إن أمير المؤمنين، قد نهى عن هذا.
فقال: لا تعلم أحدا بما جرى بيني وبينك في هذا.
فقلت لإسحاق: مسألة مسترشد أو مسألة متعنت؟
قال: بل مسألة مسترشد.
فقلت له: القرآن كلام اللَّه ، وليس بمخلوق على كل الجهات، وقد
стр. 485
نهى أمير المؤمنين عن هذا.
وخرج إسحاق إلى العسكر، وقدّم ابنه محمد خليفة ببغداد، ولم يكن عند أبي عبد اللَّه ما يتحمل به وينفقه. فقال لي أبي -وكنت في تلك الأيام أختلف إلى السوق: إن عمك ليس عنده ما يتحمل به وينفقه وكانت عندي مائة درهم، فأتيت بها إليه فذهب بها إلى أبي عبد اللَّه. فقال له: يا أبا عبد اللَّه: هذِه الدراهم من عند أبي عليّ فتحمل بها، فأخذها أبو عبد اللَّه وأصلح بها ما احتاج، واكترى منه، وخرج ولم يلق محمد بن إسحاق -أي: ابن إبراهيم- أبيه بالعسكر، فحقدها إسحاق عليه [أي: على الإمام أحمد] مع ما قد تقدم منه، فيما كان جرى بينهما، في مسألته إياه عن القرآن، فقال إسحاق بن إبراهيم للمتوكل: يا أمير المؤمنين، إن أحمد بن حنبل خرج من بغداد، ولم يأت محمدا مولاك، ولم يسلم عليه.
فقال المتوكل: يُرَدُّ ولو وطأ بساطي.
وكان أبو عبد اللَّه قد بلغ بصرى، فوجه إليه رسولًا وقد بات ببصرى يأمره بالرجوع، فرجع أبو عبد اللَّه، وامتنع من الحديث إلا لولده ولنا، وربما قرأ في منزلنا.
"ذكر المحنة" لحنبل ص ٨ - ٨٦٤
стр. 486
٢٩ - فصل اتهامه بأنه يخفي بعض العلوليين
قال صالح: لما تُوفي إسحاق بن إبراهيم وابنه محمد، وولي عبد اللَّه بن إسحاق (١) كتب المتوكل إليه، أن وجه إلى أحمد بن حنبل: إن عندك طلبة أمير المؤمنين، فوجهه بحاجبه مظفر، وحضر صاحب البريد، وكان يعرف بابن الكلبي، وكتب إليه أيضًا.
قال مظفر: يقول لك الأمير: قد كتب إلي أمير المؤمنين: إن عندك طلبته؟ وقال له ابن الكلبي: مثل ذلك. وكان قد نام الناس، فدق الباب، وكان على أبي إزار، ففتح لهم الباب، وقعدوا على بابه، ومعهم شيء، فلما قُرئ عليه الكتاب.
فقال لهم أبي: ما أعرف هذا، وإني لأرى طاعته في العسر واليسر، والمنشط والمكره والأثرة، وإني لآسف عن تخلفي عن الصلاة جماعة، وعن حضور الجمعة ودعوة المسلمين.
قال صالح: وقد كان إسحاق بن إبراهيم وجه إلى أبي: الزم بيتك، ولا تخرج إلى جمعة ولا جماعة! وإلا نزل بك ما نزل بك في أيام أبي إسحاق.
قال ابن الكلبي: قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلفك ما عندك طلبته، فتحلف. قال: إن استحلفني حلفت، فأحلفه باللَّه وبالطلاق: أن ما عندك طلبة أمير المؤمنين، وكأنهم أومَئُوا إلى أن عنده علويًّا.
ثم قال له: أريد أن أفتش منزلك؟ قال صالح: وكنت حاضرا، فقال: ومنزل ابنك.
فقام مظفر وابن الكلبي، وامرأتان معهما، فدخلا ففتشا البيت، ثم فتشتا
стр. 487
المرأتان النساء، ثم دخلوا إلى منزلي ففتشوا الحريم ثم خرجوا.
فلما كان بعد يومين ورد كتاب علي بن الجهم: إن أمير المؤمنين قد صح عنده براءتك مما قذفت به.
"السيرة" لصالح ص ٨٩ - ٩١
قال حنبل: إن رافعا رفع إلى المتوكل على أبي عبد اللَّه أن أحمد بن حنبل قد ربض علويا في منزله، وأنه يريد أن يخرجه ويبايع له، وكان الذي دسه رجل من أهل بغداد، وكان الرافع من أهل الجبل، ولم يكن عند أبي عبد اللَّه ولا عندنا من ذلك علم، وعلمنا بذلك بعد. فبتنا نحن ذات ليلة نيام، وذلك في الصيف، ونحن فوق السطوح سمعنا الجلبة، ورأينا النيران في دار أبي عبد اللَّه، فقال لي أبي: ما هذا في دار أبي عبد اللَّه؟ فقلت: ما أدري، وأشرفت من السطح، فإذا النيران والشمع، فنزلنا سريعا، فبلغنا رسول مظفر إلى أبي وإلينا. فجئنا فدخلت فسألنا عن الخبر.
فقال أبو عبد اللَّه: ما علمت أنا نائم إذا الباب يدق، فقلت: من هذا؟ قال: أنا. قلت: من أنت؟
قال: أنا، افتح، فنزلت فعجبت، فهجموا علي ودخلوا.
وكان أبو عبد اللَّه قاعدا في الدار في إزاء فراشه، ومظفر وابن الكلبي صاحب الخبر، وجماعة معه، فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل: ورد على أمير المؤمنين أن عندك علويًّا ربضته لتبايع له، وتظهره، في كلام طويل وكلام كثير. فلما فرغ ابن الكلبي من قراءة الكتاب، وأبو عبد اللَّه يسمع، قال له مظفر: ما تقول؟ وما ترد؟
فقال أبو عبد اللَّه: ما أعرف من هذا شيئا، وإني لأرى له السمع والطاعة في عسري ويسري، ومنشطي ومكرهي وآثرة علي، وإني لأدعو اللَّه له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار، في كلام كثير غير هذا قاله أبو عبد اللَّه.
стр. 488
فقال مظفر لصاحب الخبر: اكتب ما سمعت.
فقال صاحب الخبر: ما أكتب من هذا.
فقال له مظفر: فأنا أكتب ما سمعت وأرفعه إلى صاحبي إسحاق بن إبراهيم.
وقال أبو عبد اللَّه لمظفر فيما يقول: ما خلعت يدا من طاعة، وإني لأرى له الطاعة، في كل أحوالي، في عسري ومنشطي ومكرهي.
ففتشوا منزل أبي عبد اللَّه، والبيوت والغرف والسطوح، وفتشوا تابوت الكتب وكان معهم نساء ومناخيس، فجعلوا ينخسون بها الأرض، ونزل النساء إلى منزلنا ومنزل صالح، ففتشوا النساء والمنازل، فلم يروا شيئا، ولم يحسوا بشيء ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] وكتب بذلك إلى المتوكل، فوقع منه موقعا حسنا، وعلم أن أبا عبد اللَّه مكذوب عليه عنده. وكان الذي دس من رفع إلى أبي عبد اللَّه، رجل من أهل البدع والخلاف، ولم يمت حتى بين اللَّه أمره للمسلمين، وهو ابن الثلجي.
"ذكر المحنة" لحنبل ص ٧٥
قال أبو جعفر بن ذريح العُكْبَري: طلبت أحمد بن حنبل في سنة ست وثلاثين ومائتين لأسأله عن مسألة، فسألت عنه فقالوا: خرج يصلي، فجلست حتى جاء فسلمت عليه فرد عليَّ السلام، فدخل الزقاق وأنا أماشيه، فلما بلغنا آخر الدرب إذا بابٌ يفرج، فدفعه وصار خلفه. وقال: اذهب عافاك اللَّه! فثنيت عليه. فقال: اذهب عافاك اللَّه، فخرج رجل، فسألته عن تخلفه عن كلامي.
فقال: ادعي عليه عند السلطان أن عنده علويا، فجاء محمد بن نصر فأحاط بالمحلة ففتشت فلم يوجد فيها شيء مما ذكر، فأحجم عن كلام العامة.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٤٣
стр. 489
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: قد جاءني أبو علي يحيى بن خاقان فقال لي: إن كتابًا جاءَه فيه أن أمير المؤمنين يُقْرِئك السلام ويقول لك: لو سَلِمَ أحدٌ من الناس سلمت أنت، هاهنا رجل قد وقع عليك وهو في أيدينا محبوس، رفع عليك أن عَلويًّا قد توجه من قبل خراسان، وقد بعثت برجل من أصحابك يتلقاه وهو ذا محبوس، فإن شئت ضربته وإن شئت حبسته، وإن شئت بعثت به إليك.
قال: فقلت له: ما أعرف مما قال شيئًا، أرى أن تطلقوه ولا تعرضوا له.
فقلت لأبي عبد اللَّه: سفك اللَّه دمه قد أشاط بدمائكم.
فقال: ما أراد إلا استئصالنا، ولكن قلتُ: لعل له والدة أو أخوات أو بنات أرى أن تخلوا سبيله ولا تعرضوا له.
"المناقب" ص ٤٤٣ - ٤٤٤، "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٨٢، "الجوهر المحصل" ص ١٠٤
قال إبراهيم بن إسحاق: أن المتوكل أخذ العلوي الذي سعى بأبي عبد اللَّه إلى السلطان، فأرسله إلى أبي عبد اللَّه ليقول فيه مقاله للسلطان، فعفا عنه، وقال: لعله يكون له صبيان يحزنهم قتله.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٤٤٤
стр. 490
٣٠ - فصل: خروجه إلى العسكر بعد انقضاء هذِه التهمة
قال الكوسج: قلت لأحمد: أَوَ يَسَعُك أن لا تحدِّث؟ قال: لم لا يسعني، أنا قد حدَّثت.
"مسائل الكوسج" (٣٣٨)
قال صالح: فلما كان بعد يومين ورد كتاب علي بن الجهم: إن أمير المؤمنين قد صح عنده براءتك مما قذفت به، وقد كان أهل البدع قد مدُّوا أعينهم، فالحمد للَّه الذي لم يشمتهم بك، وقد وجه إليك أمير المؤمنين بيعقوب المعروف بقوصرة، ومعه جائزة، ويأمرك بالخروج، فاللَّه اللَّه، أن تستعفي أو ترد المال.
"السيرة" لصالح ص ٩١
قال صالح: ثم ورد من الغد يعقوب قَوْصَرَة، فدخل إلى أبي فقال له: يا أبا عبد اللَّه، أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، يقول: قد صح عندنا نقاء ساحتك، وقد أحببت أن أسر بقربك، وأتبرك بدعائك، وقد وجهت إليك عشرة آلاف درهم معونة على سفرك، وأخرج بَدْرَة فيها صرة نحو مئتي دينار، والباقي دراهم صحاح، فلم ينظر إليها، ثم شدها يعقوب، وقال له: أعود غدا حتى انظر ما تعزم عليه، وقال له: يا أبا عبد اللَّه، الحمد للَّه الذي لم يشمت بك أهل البدع. وانصرف.
فجئت بإجانة خضراء أكبها على البدرة، فلما كان عند المغرب، قال: يا صالح، خذ هذِه الصرة عندك، فصيرتها عند رأسي فوق البيت، فلما كان سحرا، إذ هو ينادي: يا صالح، فقمت، فصعدت إليه.
فقال: يا صالح ما نمتُ ليلتي هذِه؟ فقلت له: يا أبه لم؟ فجعل يبكي. وقال: سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري بُليتُ بهم، قد عزمت على أن تفرق هذا الشيء إذا أصبحت. فقلت: ذلك إليك.
فلما أصبح جاءه الحسن بن البزار، فقال: يا صالح، جئني بميزان،
стр. 491
وجهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار، ثم قال: وجه إلى فلان حتى يفرق في ناحيته، وإلى فلان، فلم يزل حتى فرقها كلها، ونفض الكيس، ونحن في حالة اللَّه بها عليم، فجاءني ابن لي فقال له: يا أبه أعطني درهما، فنظر إلي، فأخرجت قطعة أعطيته.
فكتب صاحب البريد: إنه تصدق بالدراهم من يومه حتى تصدق بالكيس.
قال علي بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد تصدق بها، وعلم الناس أنه قد قبل منك، ما يصنع أحمد بالمال؟ وإنما قوته رغيف! قال: فقال لي: صدقت يا علي.
"السيرة" لصالح ص ٩٢ - ٩٣
قال صالح: ثم أخرج أبي ﵀ ليلا، ومعنا حراس معهم النفاطات، فلما أصبح وأضاء الفجر، قال لي: يا صالح أمعك دراهم؟
قلت: نعم. قال: أعطهم، فأعطيتهم درهمًا درهمًا.
فلما أصبحنا جعل يعقوب يسير معه، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، ابن الثلجي، بلغني أنه كان يذكرك.
فقال له: يا أبا يوسف، سَل اللَّه العافية.
فقال له: يا أبا عبد اللَّه، أريد أن أؤدي عنك فيه رسالة إلى أمير المؤمنين، فسكت. فقال له: إن عبد اللَّه بن إسحاق أخبرني أن الوَابصِي قال له: إني أشهد عليه أنه قال: إن أحمد يعبدُ ماني! !
فقال: يا أبا يوسف، يكفي اللَّه.
فغضب يعقوب، فالتفت إليَّ، فقال: ما رأيت أعجب مما نحن فيه، أسأله أن يطلق لي كلمة أخبر أمير المؤمنين، فلا يفعل!
قال صالح: وقصر أبي الصلاة في خروجه إلى العسكر، وقال: تقصر الصلاة في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا، فصليت يوما به العصر،
стр. 492
فقال لي: طولت بنا العصر، تقرأ في الركعة مقدار خمس عشرة آية، وكنت أصلي به في العسكر.
قال صالح: فلما صرنا بين الحائطين قال لنا يعقوب: أقيموا، ثم وجه إلى المتوكل بما عمل، فدخلنا العسكر، وأبي منكس الرأس ورأسه مغطى، فقال له يعقوب: اكشف رأسك يا أبا عبد اللَّه فكشفه، ثم جاء وصيف يريد الدار، فلما نظر إلى الناس وجمعهم قال: ما هؤلاء؟ قالوا: أحمد بن حنبل. فوجه إليه بعدما جاز بيحيى بن هَرْثَمة، فقال: يُقرئك الأمير السلام، ويقول: الحمد للَّه الذي لم يشمت بك أهل البدع، قد علمت ما كان من حال ابن أبي دؤاد، فينبغي أن تتكلم بما يجب للَّه، ومضى يحيى.
"السيرة" لصالح ص ٩٤ - ٩٥
قال صالح: أنزل أبي دار إيتاخ، فجاء علي بن الجهم، فقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التي فرقها، وأمر أن لا يعلم شيخكم بذلك فيغتم، ثم جاءه محمد بن معاوية، فقال: إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك، ويقول: تقيم هاهنا تُحَدِّث.
فقال: أنا ضعيف، ثم وضع أصبعه على بعض أسنانه، فقال: إن بعض أسناني يتحرك، وما أخبرت بذلك ولدي.
ثم وجه إليه، فقال: ما تقول في بهيمتين انتطحتا، فعقرت إحداهما الأخرى، فسقطت فذبحت؟
فقال: إن كان أطرف بعينه أو مَصَع بذنبه، وسال دمه، يؤكل.
قال صالح: ثم صار إليه يحيى بن خاقان، فقال: يا أبا عبد اللَّه، قد أمر أمير المؤمنين أن أصير إليك لتركب إلى أبي عبد اللَّه. ثم قال لي: أمرني أن أقطع له سوادًا وطيلسانًا وقلنسوةً، فأي قلنسوة يلبس؟
فقلت له: ما رأيته لبس قلنسوة قط.
стр. 493
فقال له: إن أمير المؤمنين قد أمر أن يُصَيَّر لَك مرتبةً في أعلى المراتب، ويصير أبو عبد اللَّه في حجرك، ثم قال: قد أمرني أمير المؤمنين أن يُجْرى عليكم، وعلى قراباتك أربعة آلاف درهم، تفرقها عليهم. ثم أعاد يحيى من الغد. فقال: يا أبا عبد اللَّه، تركب؟
قال: ذاك إليكم. فقال: أستخير اللَّه، فلبس إزاره وخُفَّيه، وقد كان خفه قد أتى عنده نحو من خمس عشرة سنة، قد رقع برقاع عدة، فأشار يحيى إلى أن يلبس قلنسوة. فقال: كيف يدخل عليه حاسرا؟ ! ويحيى قائم، فطلبنا له دابة يركبها، فقال يحيى يصلي، فجلس على التراب، وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، ثم ركب بغل بعض التجار، فمضينا معه حتى دخل دار المعتز، فأجلس في بيت الدهليز، ثم جاء يحيى فأخذ بيده حتى أدخله، ورفع لنا الستر ونحن ننظر.
وكان المعتز قاعدًا على دكان في الدار، وكان قد تقدم يحيى إليه، فقال: لا تمد يدك إليه، فلما صعد الدكان قعد. فقال له يحيى: يا أبا عبد اللَّه، إن أمير المؤمنين جاء ليأنس بقربك، يصير أبا عبد اللَّه في حجرك.
فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعدًا وراء ستر، فلما دخل الدار قال لأمه: يا أماه، قد أنارت الدار. ثم جاء خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وأخرج منه مبطنة فيها قميص، فأدخل يده في جيب القميص والمبطنة، ثم أخذ بيد أبي فأقامه، ثم أدخل القميص والمبطنة في رأسه، ثم أدخل يده اليمنى وكذلك اليسار، وهو لا يحرك يده، تم أخذ قلنسوة فوضعها على رأسه، وألبسه طيلسانا ولحفه به، ولم يجيئوا بخف فبقي الخف عليه، ثم انصرف، وكانوا قد تحدثوا أنه لا يخلع عليه السواد، فلما صار إلى الدار نزع الثياب عنه، ثم جعل يبكي، ثم قال: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان آخر عمري، بُليت بهم، ما أحسبني
стр. 494
سلمت من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب علي نصحه، من وقت تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟
ثم قال: يا صالح، وجه بهذِه الثياب إلى بغداد تباع، ويتصدق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم منها شيئًا.
قال صالح: فوجهت بها إلى يعقوب بن بختان، فباعها، وفرق ثمنها، وبقيت عندي القلنسوة. ثم أخبرناه أن الدار التي هو فيها كانت لإيتاخ.
فقال: اكتب رقعة إلى محمد بن الجراح ليُعفى لي من هذِه الدار. فكتبنا رقعة، فأمر المتوكل أن يُعفى منها، ووجه إلى قوم ليخرجوا من منازلهم، فسأل أن يعفى من ذلك، واكتريت له دار بمائتي درهم، فصار إليها. وأجرى لنا مائدة وثلج، وضرب الخيش فلما رأى الخيش والطبرى، نحى نفسه عن ذلك الموضع، وألقى نفسه على مضربة له، واشتكت عينه وبرئت. قال: ألا تعجب، كانت عيني تشتكي فمكثت حينا حتى تبرأ، ثم قد برئت في سرعة، وجعل يواصل، يفطر في كل ثلاث على تمر وسويق، فمكث بذلك خمس عشرة، يفطر في كل ثلاث، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلة وليلة، لا يفطر إلا على رغيف، وكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز لكي لا يراها، فيأكل من حضر، وكان إذا أجهده الحر بلَّ خرقة، فيضعها على صدره، وفي كل يوم يوجه المتوكل إليه بابن ماسَوَيْه، فينظر إليه، ويقول له: يا أبا عبد اللَّه، أنا أميل إليك وإلى أصحابك، وما بك علة إلا الضعف وقلة الدد (١)، إنا أمرنا عبادنا بأكل دهن الخل، فإنه يلين، وجعل يجيئه بالشيء ليشربه، فيصبه.
وقطع له يحيى: دراعة، وطيلسانًا سوادًا. وجعل يعقوب وغياث يصيران
стр. 495
إليه، فيقولان له: يقول لك أمير المؤمنين، ما تقول في ابن أبي دؤاد في ماله؟ فلا يجيب في ذلك. وجعل يعقوب وغياث يخبرانه بما يحدث من أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم. ثم انحدر ابن أبي دؤاد إلى بغداد، فأشهد عليه ببيع ضياعه، وكان ربما صار إليه يحيى بن خاقان وهو يصلي، فيجلس في الدهليز حتى يفرغ. ويجيء علي بن الجهم فينزع سيفه وقلنسوته ويدخل عليه.
وأمر المتوكل أن يشتري لنا دارًا.
فقال: يا صالح. قلت: لبيك.
قال: لئن أقررت لهم بشراء دار لتكونن القطيعة بيني وبينكم، إنما يريدون أن يصيروا هذا البلد لي مأوى ومسكنا. فلم يزل يدفع شراء الدار حتى اندفع، وصار إلي صاحب المنزل فقال: أعطيك كلَّ شهر ثلاثة آلاف مكان المائدة؟ فقلت: لا أفعل. وجعلت رسل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره، فيصيرون إليه، ويقولون له: هو ضعيف، وفي خلال ذلك يقولون: يا أبا عبد اللَّه لابد من أن يراك، فيسكت، فإذا خرجوا قال: ألا تعجب من قولهم: لابد من أن يراك، وما عليهم من أن يراني؟
وكان في هذِه الدار حجرة صغيرة فيها بيتان، فقال: أدخلوني تلك الحجرة ولا تسرجوا سراجا، فأدخلناه إليها فجاءه يعقوب، فقال: يا أبا عبد اللَّه، أمير المؤمنين مشتاق إليك، ويقول: انظر إلى اليوم الذي تصير إليه فيه أي يوم هو حتى أعرفه؟ فقال: ذاك إليكم.
فقال: يوم الأربعاء يوم خال. وخرج يعقوب، فلما كان الغد، جاء فقال: البشرى يا أبا عبد اللَّه، أمير المؤمنين، يقرأ عليك السلام، ويقول: قد أعفيتك من لبس السواد، والركوب إلي وإلى ولاة العهود، وإلى الدار، فإن شئت فالبس القطن، وإن شئت فالبس الصوف، فجعل يحمد اللَّه على ذلك.
وقال له يعقوب: إن لي ابنا، وأنا معجب، وله في قلبي موقع، فأحب أن