٣٤٥٢ - قال: وسمعته يقول: «إن رجلًا حضره الموت، فلما يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مُت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا وأوقدوا فيه نارًا، حتى إذا أكلَت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت، فخذوها فاطحنوها ثم انظروا يومًا واحدًا فاذروه في اليمِّ: ففعلوا. فجمعه الله فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك. فغفر الله له» (١) قال عقبة بن عمرو «وأنا سمعته يقول ذاك، وكان نبّاشًا».
٣٤٥٣، ٣٤٥٤ - عن عائشة وابن عباس ﵃ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا غمَّ كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يُحذِّر ما صَنَعوا» (٢).
٣٤٥٥ - عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يحدِّث عن النبي ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسُهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفة نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا:
стр. 1122
فما تأمُرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم (١)، فإن الله سائلهم عما استرعاهم».
٣٤٥٨ - عن عائشة ﵂ كانت تكره أن يجعل المصلِّي يده في خاصرته (٢) وتقول: إن اليهود تفعله» (٣).
٣٤٥٩ - عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «إنما أجلكم -في أجل من خلا من الأمم- ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس. وإنما مَثَلُكم ومَثَلُ اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالًا ... قال الله: هل ظلمتُكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنه فضلي، أعطيه من شئت» (٤).
٣٤٦١ - عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذَب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٥).
٣٤٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم» (٦).
стр. 1123
٥١ - باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل
٣٤٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ قال: «إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليك؟ قال: لونٌ حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس. قال فمسحه فذهب عنه، فأُعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل -أو قال البقر، هو شكَّ في ذلك: إن الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل، وقال الآخر البقر- فأُعطي ناقة عُشراء، فقال يبارك لك فيها ... الحديث» (١).
٥٣ - باب حديث الغار
٣٤٦٥ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا يُنجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه. فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرَق من أرُز، فذهب وتركه، وأني عمدت إلى ذلك الفرَق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرًا،
стр. 1124
وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسُقها (١)، فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفرق فساقها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرِّج عنا. فانساخت عنهم الصخرة. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عنهما ليلة، فجئت وقد رقدا؛ وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع (٢)، وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنّا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرِّج عنا. فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحبِّ الناس إليَّ، وأني راودتُها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتُها حتى قدرتُ، فأتيتُها بها فدفعتُها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدتُ بين رجلَيها فقالت (٣)
اتَّق الله ولا تفُض الخاتم إلا
стр. 1125
بحقه، فقمت وتركت المائة الدينار. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرِّج عنا، ففرَّج الله عنهم فخرجوا» (١).
قال الحافظ: ... قوله (يمشون) في حديث عقبة وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن حبان والبزار أنهم خرجوا يرتادون لأهليهم (٢).
قال الحافظ: ... فأجابت في الثالثة بعد أن استأذنت زوجها (٣) فأذن لها وقال لها أغني عيالك ..
قال الحافظ: ... وفي حديث ابن أبي أوفى «فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة أذكرت (٤) النار فقمت عنها».
قال الحافظ: ... وقد استشكل تركه أولاده الصغار يبكون من الجوع طول ليلتهما مع قدرته على تسكين (٥) جوعهم.
стр. 1126
قال الحافظ: ... وعن النعمان بن بشير من ثلاثة أوجه حسان أحدها عند أحمد (١) والبزار وكلها عند الطبراني (٢) ...
قال الحافظ: ... ففيه بدل الأجير أن الثالث قال: «كنت في غنم أرعاها فحضرت الصلاة فقمت أصلي فجاء الذئب فدخل الغنم فكرهت أن أقطع صلاتي فصبرت حتى فرغت» فلو كان إسناده قويًا (٣) لحمل على تعدد القصة.
قال الحافظ: ... وفي حديث علي وابن أبي أوفى معًا المرأة ثم الأجير ثم الأبوين (٤) وفي اختلافهم دلالة على أن الرواية بالمعنى عندهم سائغة شائعة.
٥٤ - باب
٣٤٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «بينا امرأة تُرضع ابنها إذ مر بها راكب وهي تُرضعه فقالت: اللهم لا تمت ابني حتى يكون مثل هذا. فقال: اللهم لا تجعلني مثله (٥). ثم رجع في الثدي. ومُرَّ بامرأة تجرَّر ويُلعب به، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فقال: اللهم اجعلني مثلها. فقال: أما الراكب فإنه كافر، وأما المرأة
стр. 1127
فإنهم يقولون لها: تزني، وتقول: حسبي الله. ويقولون: تسرق، وتقول حسبي الله» (١).
٣٤٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «بينما كلب يُطيف بركيَّة كاد يقتله العطش إذ رأته بغيُّ بني إسرائيل، فنزعت موقَها فسقته، فغُفر لها به» (٢).
٣٤٦٨ - عن حُميد بن عبد الرحمن أنه «سمع معاوية بن أبي سفيان -عام الحج- على المنبر، فتناول قصة من شعر -وكانت في يد حَرَسيّ- فقال: يا أهل المدينة، أين عُلماؤكم؟ سمعت النبي ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هَلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم» (٣).
٣٤٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمَّتي هذه منهم فإنه عمر ابن الخطاب» (٤).
٣٤٧٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كان
стр. 1128
في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبًا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال: لا، فقتله (١). فجعل يسأل، فقال له رجل أئت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقرَّبي، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوُجد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له» (٢)(٣).
٣٤٧١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نُخلق لهذا، إنما خُلقنا للحرث. فقال الناس: سبحان الله، بقرة تكلَّم؟ فقال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر. وما هما ثمَّ. وبينما رجل في غنمه إذا عدا الذئب فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري؟ فقال الناس: سبحان الله، ذئب يتكلم؟ قال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر. ما هم ثمَّ» (٤).
стр. 1129
٣٤٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «اشترى رجل من رجل عقارًا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب. وقال الذي له الأرض: إنما بعتُك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه، وتصدَّقا» (١).
٣٤٧٣ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة ابن زيد: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ في الطاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله ﷺ : «الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل -أو على من كان قبلكم- فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» (٢) قال أبو النضر «لا يخرجكم إلا فرارًا منه».
٣٤٧٥ - عن عائشة ﵂ «أن قريشًا أهمَّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلَّم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حبُّ رسول الله ﷺ ؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك الذي قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق
стр. 1130
فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١).
٣٤٧٦ - عن ابن مسعود ﵁ قال: «سمعت رجلًا قرأ آية وسمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فجئت به النبي ﷺ فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» (٢).
٣٤٧٧ - عن عبد الله قال: «كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٣).
٣٤٧٨ - عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ «أن رجلًا كان قبلكم رَغَسه الله مالًا، فقال لبنيه لما حُضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب.
стр. 1131
قال فإني لم أعمل خيرًا قط (١)، فإذا متُّ فأحرقوني، ثم اسحقوني ثم ذرُّوني في يوم عاصف. ففعلوا، فجمعه الله فقال: ما حملَك؟ قال: مخافتك. فتلقاه برحمته» (٢).
٣٤٧٩ - عن ربعيِّ بن حراش قال: قال عقبة لحذيفة: ألا تُحدَّثنا ما سمعت من النبي ﷺ ؟ قال: سمعته يقول: «إن رجلًا حضره الموت لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا متُّ فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أوروا نارًا، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها فذرُّوني في اليم في يوم حار -أو راح- فجمعه الله فقال: لم فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له (٣). قال عقبة: وأنا سمعته يقول.
٣٤٨٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كان الرجل يُداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت مُعسرًا فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا. قال: فلقي الله فتجاوز عنه» (٤).
٣٤٨١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كان رجل
стр. 1132
يسرف (١) على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا متُّ فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذرُّوني في الريح، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليُعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا. فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي (٢) ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا ربِّ خشيتك. فغفر له» وقال غيره «مخافتك يا رب» (٣).
٣٤٨٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «عُذِّبت امرأة في هرَّة ربطتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (٤).
٣٤٨٣ - عن أبي مسعود عقبة قال: قال النبي ﷺ «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة (٥): إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (٦).
стр. 1133
٣٤٨٦ - حدثنا بشر بن محمد أخبرنا عبيد الله (١) أخبرنا يونس عن الزهري أخبرني سالم أن ابن عمر حدثه أن النبي ﷺ قال: «بينما رجل يجُرُّ إزاره من الخُيلاء خُسف به، فهو يُجلجَل (٢) في الأرض إلى يوم القيامة» (٣).
٣٤٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ كلُّ أمة أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتينا من بعدهم، فهذا اليوم (٤) الذي اختلفوا فيه، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى».
قال الحافظ: ... والحكم في شرعنا على هذا في مثل ذلك أن القول قول المشتري وأن الذهب باق على ملك البائع (٥).
قال الحافظ: ... قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من
стр. 1134
المسلمين فلا يكفرون بذلك، ورده ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا (١).
قال الحافظ: ... وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه، وأبعد الأقوال قول من قال إنه كان في شرعهم (٢) جواز المغفرة للكافر.
стр. 1135
٦١ - كتاب المناقب
١ - باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ... ﴾ [الحجرات: ١٣]
٣٤٩٢ - عن ربيبة النبي ﷺ وأظنها زينب - قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الدُّباء والحنتم والمقيِّر والمزَفَّت. فممَّن كان إلا من مُضر؟ كان من ولد النضر ابن كنانة» (١).
٣٤٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «تجدون الناس معادن: خيارُهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدَّهم له كراهية» (٢).
٣٤٩٦ - «والناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، تجدون من خير الناس أشد الناس كراهية (٣) لهذا الشأن حتى يقع فيه».
٣٤٩٨ - عن أبي مسعود يبلُغ به النبي ﷺ قال: «من ها هنا جاءت الفتن نحو المشرق، والجفاء وغلظ القلوب في الفدّادين أهل الوَبَر عند أصول أناب الإبل والبقر في ربيعة ومُضر» (٤).
стр. 1136
٣٤٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: الفخر والخُيلاء في الفدّادين أهل (١) الوَبَر، والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يمان والحكمة يمانية».
قال أبو عبد الله: سميت اليمن لأنها عن يمين الكعبة، والشام عن يسار الكعبة، والمشأمة الميسرة، واليد اليسرى: الشؤمى، والجانب الأيس الأشأم.
قال الحافظ: ... قول (ويجدون خير الناس في هذا الشأن) (٢).
٢ - باب مناقب قُريش
٣٥٠٠ - عن شعيب عن الزهري قال: «كان محمد بن جُبير بن مُطعم يُحدِّث أنه بلغ معاوية -وهو عنده في وفد من قريش- أن عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث أنه سيكون ملك من قحطان (٣)، فغضب معاوية، فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالًا منكم
стр. 1137
يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثر عن رسول الله ﷺ ، فأولئك جُهّالكم، فإياكم والأماني التي تُضل أهلها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن هذا الأمر في قريش، لا يُعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين» (١).
٣٥٠١ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» (٢).
٣٥٠٢ - عن جُبير بن مُطعم قال: «مشيت أنا وعثمان بن عفان فقال: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة. فقال النبي ﷺ : إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» (٣).
٣٥٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قريش والأنصار وجُهينة وأسلم وأشجع وغفار مواليَّ، ليس لهم مولى دون الله ورسوله» (٤).
٣٥٠٥ - عن عروة بن الزبير قال: «كان عبد الله بن الزبير أحب البشر إلى
стр. 1138
عائشة بعد النبي ﷺ وأبي بكر، وكان أبر الناس بها، وكانت لا تمسك شيئًا مما جاءها من رزق الله تصدقت. فقال ابن الزبير: ينبغي أن يؤخذ على يديها، فقالت: أيؤخذ على يدي؟ عليَّ نذر إن كلَّمته. فاستشفع إليها برجال من قريش، وبأخوال رسول الله ﷺ خاصة، فامتنعت فقال له الزهريون أخوال النبي ﷺ منهم عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث والمسور بن مخرمة-: إذا استأذنا فاقتحم الحجاب، ففعل، فأرسل إليها بعشر رقاب، فأعتقتهم، ثم لم تزل تُعتقهم حتى بلغت أربعين، فقالت: وددت أني جعلت -حين حلفت- عملًا أعمله فأفرُغ منه» (١).
قال الحافظ: ... قال الكرماني: ليست الحكومة في زمننا لقريش فكيف يطابق الحديث؟ وأجاب عن ذلك بأن في بلاد الغرب خليفة من قريش وكذا في مصر، وتعقب بأن الذي في الغرب هو الحفصي صاحب تونس وغيرها وهو منسوب إلى أبي حفص رقيق عبد المؤمن صاحب ابن تومرت الذي كان على رأس المائة السادسة ادعى أنه المهدي ثم غلب أتباعه على معظم الغرب وسموا بالخلافة وهم عبد المؤمن وذريته، ثم انتقل ذلك إلى ذرية أبي حفص ولم يكن عبد المؤمن من قريش، وقد تسمى بالخلافة هو وأهل بيته. وأما أبو حفص فلم يكن يدعي أنه من قريش في زمانه، وإنما ادعاه بعض ولده لما غلبوا على الأمر فزعموا أنهم من ذرية أبي حفص عمر ابن الخطاب، وليس بيدهم الآن إلا المغرب الأدنى، وأما الأقصى فمع بني
стр. 1139
الأحمر وهم منسوبون إلى الأنصار، وأما الأوسط فمع بني مرين وهم من البربر. وأما قوله (فخليفة من مصر) فصحيح ولكنه لا حل بيده ولا ربط وإنما له من الخلافة الاسم فقط، وحينئذ هو خبر بمعنى الأمر (١). وإلا فقد خرج هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد، ويحتمل حمله على ظاهره وأن المتغلبين على النظر في أمر الرعية في معظم الأقطار وإن كانوا من غير قريش لكنهم معترفون أن الخلافة في قريش ويكون المراد بالأمر مجرد التسمية بالخلافة لا الاستقلال بالحكم والأول أظهر والله أعلم.
٣ - باب نزل القرآن بلسان قريش
٣٥٠٦ - عن ابن شهاب عن أنس «أن عثمان دعا زيد بن ثابت وعبد الله ابن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد ابن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا ذلك» (٢).
٤ - باب نسبة اليمن إلى إسماعيل
٣٥٠٧ - عن سلمة ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ على قوم من أسلم يتناضلون بالسوق فقال: ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا، وأنا مع بني فلان -لأحد الفريقين- فأمسكوا بأيديهم. فقال: ما
стр. 1140
لهم؟ قالوا: وكيف نرمي وأنت مع بني فلان؟ قال: ارموا، وأنا معكم كلكم» (١).
قال الحافظ: ... وقد وقع في ذلك اضطراب شديد واختلاف متفاوت حتى أعرض الأكثر عن سياق النسب بين عدنان وإسماعيل (٢).
٥ - باب
٣٥٠٨ - عن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول «ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر بالله، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار» (٣).
٣٥٠٩ - عن عبد الواحد بن عبد الله النصريُّ قال سمعت واثلة بن الأسقع يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن من أعظم الفِرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يرى عينه ما لم ترَ، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل» (٤).
٣٥١٠ - عن ابن عباس ﵄ يقول «قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا هذا الحي من ربيعة، قد حالت بيننا وبينك كُفار مُضر، فلسنا نخلص إليك إلا في كل شهر حرام، فلو أمرتنا بأمر نأخذه عنك، ونُبلِّغه من وراءنا. قال ﷺ : آمركم بأربعة وأنهاكم
стр. 1141
عن أربعة: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تُؤدُّوا إلى الله خُمُس ما غنتم. وأنهاكم عن الدُّباء، والحنتم، والنَّفير، والمزفَّت» (١).
٣٥١١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ألا إن الفتنة هاهنا -يشير إلى المشرق- من حيث يطلع قرنُ الشيطان» (٢).
٦ - باب ذكر أسلم وغفار ومُزينة وجهينة وأشجع
٣٥١٦ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه «أن الأقرع بن حابس قال للنبي ﷺ : إنما بايعك سُرّاق الحجيج من أسلم وغفار ومُزينة -وأحسبه وجُهينة، ابن أبي يعقوب شك- قال النبي ﷺ : أرأيت إن كان أسلم وغفار ومُزينة وأحسبه وجُهينة خيرًا من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفان خابوا وخسروا؟ قال: نعم. قال: والذي نفسي بيده إنهم لأخير منهم» (٣).
٣٥٢٣ - عن محمد [بن سيرين] عن أبي هريرة ﵁ قال: «قال (٤):
стр. 1142
أسلم وغِفار وشيء من مُزينة وجهينة- أو قال: شيء من جُهينة أو مزينة -خيرٌ عند الله- أو قال: يوم القيامة- من أسد وتميم وهوزان وغطفان».
٧ - باب ذكر قحطان
٣٥١٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه» (١).
قال الحافظ: .... قوله (يسوق الناس بعصاه) وهو كناية عن الملك (٢).
قال الحافظ: ... ويجاب بجواز أن يقيمه عيسى نائبًا عنه في أمور مهمة عامة (٣).
٨ - باب ما ينهى من دعوى الجاهلية
٣٥١٧ - عن جابر ﵁ قال: «غزونا مع النبي ﷺ وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعّاب فكسع (٤)
стр. 1143
أنصاريًا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فخرج النبي ﷺ فقال: ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجريِّ الأنصاري ... الحديث».
٣٥١٩ - عن مسروق عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ وعن سفيان بن زُبيد عن إبراهيم عن مسروق عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» (١).
١٠ - باب قصة إسلام أبي ذر الغفاري ﵁ -
٣٥٢٢ - عن أبي جمرة قال: «قال لنا ابن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال: قلنا: بلى. قال قال أبو ذر: كنت رجلًا من غفار، فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعمُ أنه نبيّ، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل، كلمه ... الحديث ... فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصُنع بي مثل ما صنع بالأمس، وأدركني العباس فأكبَّ عليَّ وقال مثل مقالته بالأمس. قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر ﵀» (٢).
стр. 1144
١٣ - باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية
٣٥٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله. يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله. يا أم الزُّبير بن العوام عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئًا سلاني من مالي ما شئتما» (١).
١٥ - باب قصة الحبش، وقول النبي ﷺ «يا بني أرفدة»
٣٥٢٩ - عن عائشة أن أبا بكر ﵁ دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تُدَقِّقان وتضربان، والنبي ﷺ مُتغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد. وتلك الأيام أيام منى» (٢).
٣٥٣٠ - وقالت عائشة «رأيت النبي ﷺ يستُرني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر فقال النبي ﷺ : دعهم، أمنًا بني أرفدة. يعني من الأمن» (٣).
стр. 1145
قال الحافظ: ... واستدل قوم من الصوفية بحديث الباب على جواز الرقص وسماع آلات الملاهي (١).
١٧ - باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ -
٣٥٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مُذمَّمًا، وأنا محمد» (٢).
١٨ - باب خاتم النبيين ﷺ -
٣٥٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلاّ وُضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (٣).
٢٠ - باب كُنية النبي ﷺ -
٣٥٣٩ - عن ابن سيرين قال: سمعت أبا هريرة يقول: «قال أبو القاسم ﷺ : سمُّوا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي» (٤).
стр. 1146
٢٣ - باب صفة النبي ﷺ -
٣٥٦٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كان النبي ﷺ أشدَّ حياء من العذراء في خدرها» (١).
٣٥٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «ما عاب النبي ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه» (٢).
٣٥٦٤ - عن عبد الله بن مالك بن بُحينة الأسدي قال: «كان النبي ﷺ إذا سجد فرَّج بين يديه حتى نرى إبطيه» (٣).
قال: وقال ابن كثير حدثنا بكر «بياض إبطيه».
٣٥٦٥ - عن قتادة أن أنسًا ﵁ حدثهم «أن رسول الله ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه. وقال أبو موسى «دعا النبي ﷺ ورفع يديه» (٤).
стр. 1147
٣٥٦٦ - عن عون بن أبي جُحيفة ذكر عن أبيه قال: «دُفعت إلى النبي ﷺ وهو بالأبطح في قبة كان بالهاجرة، فخرج بلال فنادى بالصلاة، ثم دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله ﷺ فوقع الناس عليه يأخذون منه، ثم دخل فأخرج العنزة، وخرج رسول الله ﷺ كأني أنظر إلى وبيص ساقيه، فركز العنزة ثم صلَّى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمرُّ بين يديه الحمار والمرأة» (١).
٣٥٦٧ - عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان يحدَّث لو عدَّه العادُّ لأحصاه» (٢).
٣٥٦٨ - عن عائشة أنها قالت «ألا يعجبك أبو فلان جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ يُسمعني ذلك، وكنت أسبَّح، فقام قبل أن أقضيَ سُبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لك يكن يسرُد الحديث كسردكم» (٣).
قال الحافظ: ... قوله (وكنت أسبح) أي أصلي نافلة، أو على ظاهره أي أذكر الله، والأول أوجه (٤).
стр. 1148
٢٤ - باب كان النبي ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه
٣٥٦٩ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن «أنه سأل عائشة ﵂: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة (١): يصلَّي أربع (٢) ركعات فلا تسأل عن حُسنهن وطولهن، ثم أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلَّي ثلاثًا. فقلت: يا رسول الله تنام قبل أن تُوتر؟ قال: تنام عيني ولا ينام قلبي».
٣٥٧٠ - عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر «سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أسريَ بالنبي ﷺ من مسجد الكعبة: جاءه ثلاثة نفر قبل أن يُوحي (٣) إليه -وهو نائم في المسجد الحرام- فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم. وقال آخرهم: خذوا خيرهم فكانت تلك. فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه، والنبي ﷺ نائمة عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينُهم ولا تنام قلوبهم. فتولاه جبريل، ثم عَرَج به إلى السماء» (٤).
стр. 1149
قال الحافظ: ... قوله (حتى جاءوا إليه ليلة أخرى) أي بعد ذلك، ومن هنا يحصل رفع الإشكال في قوله «قبل أن يوحى إليه» (١).
٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام
٣٥٧١ - عن أبي رجاء قال «حدثنا عمران بن حُصين أنهم كانوا مع النبي ﷺ في مسير فأدلَجوا ليلتهم، حتى إذا كان وجه الصبح عَرَّسوا، فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس، فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر -وكان لا يوقَظ رسول الله ﷺ من منامه حتى يستيقظ- فاستيقظ عمر، فقعد أبو بكر عند رأسه فجعل يكبَّر ويرفع صوته حتى استيقظ (٢) النبي ﷺ فنزل وصلى بنا الغداة، فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا، فلما انصرف قال: يا فلان ما يمنعك أن تصلي معنا؟ قال: أصابتني جنابة، فأمره أن يتيمم بالصعيد ثم صلَّى، وجعلني رسول الله ﷺ في رَكوب بين يديه وقد عطشنا عطشًا شديدًا، فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين، فقلنا لها: أين الماء؟ فقالت إنه لا ماء. فقلنا: كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: يوم وليلة. فقلنا: انطلقي إلى رسول الله ﷺ . قالت: وما رسول الله؟ فلم نُملِّكها حتى استقبلنا بها النبي ﷺ ، فحدَّثته بمثل الذي حدَّثتنا، غير أنها حدثته أنها مؤتمة، فأمر بمزادتيها فسمح في العَزلاوَين، فشربنا عطاشًا أربعون رجلًا حتى روينا (٣)، فملأنا كل قربة
стр. 1150
معنا وإداوة غير أنه لم نَسق بعيرًا، وهي تكاد تنضُّ من المِل. ثم قال: هاتوا ما عندكم، فجمع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها قالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبيٌّ كما زعموا. فهدى الله ذاك الصَّرم بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا» (١).
٣٥٧٢ - عن أنس ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ بإناء وهو بالزَّوراء (٢)، فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة، أو زهاء ثلاثمائة».
٣٥٧٤ - عن عبد الرحمن بن مُبارك حدثنا حزم (٣) قال سمعت الحسن قال: حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال: «خرج النبي ﷺ في بعض مخارجه ومعه أناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة فلم يجدوا ماء يتوضئون. فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير. فأخذه النبي ﷺ فتوضأ، ثم مدَّ أصابعه الأربع على القدح، ثم قال: قوموا فتوضئوا، فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء، وكانوا سبعين أو نحوه».
٣٥٧٥ - عن أنس ﵁ قال «حضّرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ، وبقي قوم. فأتىَ النبي ﷺ بمخضب من حجارة
стр. 1151
فيه ماء، فوضع كفَّه فصغُر المخصب أن يبسط فيه كفَّه، فضم أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القوم كلُّهم جميعًا. قلت: كم كانوا؟ قال: ثمانون رجلًا» (١).
٣٥٧٧ - عن البراء ﵁ قال «كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير البئر، فدعا بماء فمضمض ومجَّ في البئر، فمكثنا غير بعيد، ثم استقينا حتى روينا وروَت -أو صدرت- ركائبنا» (٢).
٣٥٧٨ - عن أنس بن مالك قال: «قال أبو طلحة لأم سُليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصًا من شعير، ... الحديث ... هلُمي يا أمَّ سُليم ما عندك، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففُتَّ، وعصرت أمُّ سُليم عُكَّة فأدَمَته، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول (٣)، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأكل القوم كلُّهم حتى شبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلًا».
стр. 1152
٣٥٧٩ - عن علقمة عن عبد الله قال: «كنا نعدُّ الآيات بركة، وأنتم تعدُّونها تخويفًا (١)، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقل الماء، فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاء بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: حيَّ على الطهور المبارك، والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبُعُ من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل».
٣٥٨٠ - عن جابر ﵁ «أن أباه توفي وعليه دين، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبي ترك عليه دينًا، وليس عندي إلا ما يُخرج نخلة، ولا يبلُغ ما يُخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يُفحش عليَّ الغرماء. فمشي حول بيدر من بيادر التمر فدعا، ثم آخَرَ، ثم جلس عليه فقال: انزعوه، فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أعطاهم» (٢).
٣٥٨١ - عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ «أن أصحاب الصُفَّة كانوا أناسًا فقراء، وأن النبي ﷺ قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس ... الحديث ... فنظر أبو بكر فإذا شيء أو أكثر. فقال لامرأته: يا أخت بني فراس. قالت: لا وقُرَّة (٣) عيني، لهي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرار. فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان الشيطان -يعني يمينه- ثم أكل منها لقمة (٤)، ثم حملها إلى النبي ﷺ فأصبحت عنده. وكان بيننا وبين قوم عهد، فمضى الأجل
стр. 1153
ففرَّقنا اثنا عشرَ رجلًا مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل، غير أنه بعث معهم، قال: أكلوا منها أجمعون، أو كما قال».
٣٥٨٢ - عن أنس ﵁ قال «أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله، هلكت الكُراع، هلكت الشاء، فادع الله يسقينا. فمدَّ يده ودعا. قال أنس: وإن السماء كمثل الزجاجة. فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عزالَيها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، فلم نزل نُمطر إلى الجمعة الأخرى. فقام إليه ذلك الرجل -أو غيره- فقال: يا رسول الله، تهدَّمت البيوت، فادع الله يحبسه. فتبسَّم ثم قال: حوالينا ولا علينا. فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل» (١).
٣٥٨٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ «أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار -أو رجل-: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: إن شئتم. فجعلوا له منبرًا. فلما كان
стр. 1154
يوم الجمعة دُفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فضمه إليه، يئن أنين الصبيِّ الذي يسكَّن. قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها» (١).
٣٥٨٦ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أيُّكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال. قال: هات، إنك لجريء. قال رسول الله ﷺ : فتنة (٢) الرجل في أهله وماله وجاره تُكفَّرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليست هذه، ولكن التي تموج كموج البحر، قال: يا أمير المؤمنين لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: يُفتح الباب أو يُكسر؟ قال: لا، بل يكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يغلق. قلنا: علم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون غد الليلة. إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط. فنهينا أن نسأله، وأمرنا مسروقًا فسأله فقال: من الباب؟ قال: عمر».
стр. 1155
٣٥٨٩ - «وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحبُّ إليه من أن يكون له مثل أهله وماله» (١).
٣٥٩١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: صبحت رسول الله ﷺ ثلاث سنين لم أكن في سنيَّ أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن، سمعته يقول -وقال هكذا بيده-: «بين يدي الساعة تقاتلون قومًا نعالهم الشَّعر، وهو هذا البارز» (٢). وقال سفيان مرَّة: وهم أهل البارز.
٣٥٩٢ - عن عمرو بن تغلب قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: بين يدي الساعة تقاتلون قومًا ينتعلون الشعر، وتقاتلون قومًا كأن وجوههم المجانُّ المطرقة» (٣).
٣٥٩٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقاتلكم اليهود، فتُسلَّطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله» (٤).
٣٥٩٥ - عن عدي بن حاتم قال «بينا أنا عند النبي ﷺ إذا أتاه رجل فشكا
стр. 1156
إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عديُّ، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: فإن طالت بك حياة لتريَنَّ الظعينة (١) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله -قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دُعار طَي الذين قد سعَّروا البلاد؟ - ولئن طالت بك حياة لتُفتحتن كنوز كسرى. قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترَينَّ الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه لا يجد أحدًا يقبله منه (٢) ... الحديث ... قال عدي: سمعت النبي ﷺ يقول: اتَّقوا النار ولو بشق تمرة (٣)، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة. قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله ... ».
٣٥٩٦ - عن عقبة بن عامر «عن النبي ﷺ خرج يومًا فصلى على أهل أحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرَطُكم، وأنا شهيد عليكم. إني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت خزائن مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف بعدي أن تُشركوا (٤)، ولكن أخاف أن تنافسوا فيها».
стр. 1157
٣٥٩٨ - عن زينب بنت جحش ﵂ «أن النبي دخل عليها فزعًا يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب (١) من شر قد اقترب: فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا. وحلَّق بإصبعه وبالتي تليها. فقالت زينب: فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث» (٢).
٣٦٠٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «قال لي: إني أراك تحب الغنم وتتخذها، فأصلحها وأصلح رُعاتها (٣)، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: يأتي على الناس زمان تكون فيه الغنم فيه خير مال المسلم يتبَعُ بها شَغف الجبال -أو سعف الجبال- في مواقع القَطْر، يفرُّ بدينه من الفتن» (٤).
٣٦٠١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها
стр. 1158
خير من الساعي، ومن تشرَّف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعُذ به» (١).
٣٦٠٣ - عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «ستكون أثرة وأمور تُنكرونها. قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تُؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» (٢).
٣٦٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يُهلك الناس هذا الحيُّ من قريش. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم» (٣).
٣٦٠٥ - عن عمرو بن سعيد الأموي عن جدِّه قال: «كنت مع مروان وأبي هريرة فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: هلاك أمَّتي على يدَي غلمة من قريش. فقال مروان، غلمة؟ قال أبو هريرة: إن شئت أن أسمِّيهم، بني فلان وبني فلان» (٤).
стр. 1159
٣٦٠٦ - عن حذيفة بن اليمان قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت اسأله عن الشر مخافة أن يُدركني. فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخبر ... الحديث ... فقال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا (١). قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت فإن لم يكن لهم جماعة (٢)
ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يُدركك الموت وأنت على ذلك».
٣٦٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان دعواهما واحدة» (٣).
٣٦١٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا- إذ أتاه الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل. قال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد
стр. 1160
خِبت وخسرت إن لم أكن أعدل ... الحديث ... فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، وأشهد عليَّ بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به، حتى نظرت إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته» (١).
٣٦١١ - عن سُويد بن غفلة قال: «قال عليّ ﵁: إذا حّدَّثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخرّ من السماء أحبُّ إليَّ من أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة. سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي في آخر الزمان قوم حُدَثاء الأسنان، سُفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريَّة، يمرُقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة» (٢).
٣٦١٢ - عن خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بُردة له في ظل الكعبة- قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله