المملكة العربية السعودية
جامعة الملك سعود
عمادة الدراسات العليا
كلية التربية
قسم الثقافة الإسلامية
قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"
دراسة تأصيلية تطبيقية
رسالة علمية مقدمة استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الدكتوراه في الآداب
تخصص: تفسير
إعداد الطالبة
عبير بنت عبد الله النعيم
الرقم الجامعي: ٤٢٦٢٢١٣١٠
стр. 2
إشراف فضيلة الدكتور /ناصر بن محمد المنيع
أستاذ التفسير وعلومه المشارك
العام الدراسي ١٤٢٩ - ١٤٣٠ هـ
إهداء
إلى من عشق الفؤاد قربهما ... إلى من سكنت الروح في حضنهما
إلى من صاغا لي أجمل معاني الحياة ... إلى من حياتي لهم أسيرة
إلى من أضاءا لي كل بصيرة ... إلى من يتقازم كل حب أمام حبهما
إلى الحضن الدافئ والبلسم الشافي ... إلى والديّ الغاليين حفظهما الله
أهدي هذه الرسالة
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
أما بعد:
فقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، لم تشبهه عجمة، ولم يكدره لبس، عجز بلغاء العرب وفصحاؤهم عن الإتيان بمثله، سره في يسره، وإعجازه في وفائه، فأذعن البلغاء لبلاغته، وركن الحكماء إلى حكمته، وأدهشت علماء التشريع أحكامه.
ما أقبلت عليه أمة تلاوة وعملاً فذلت، ولا أدبرت عنه أمة فعزت، ولو ابتغت في الأرض نفقاً، أو اتخذت في السماء سلماً.
أقبل عليه العلماء منذ نزل يتدبرون آياته، ويستنبطون أحكامه، ويستلهمون هداياته، ويعلمون أذهانهم في استنباط معانيه، وما زالت معانيه تفيض وبحاره تتجدد.
وها نحن بعد قرون وقرون نرى عزم العلماء يتجدد، وعطاؤهم يتمدد، وكأن معاني القرآن لا تزال بكراً لم تطمث من قبل، بل ما زالوا يعملون أذهانهم في التفسير وأصوله الترجيح وقواعده، على تفاوت بينهم.
وابن عاشور طبري زمانه علماً، وزمخشري أوانه بلاغة، يعني بقواعد التفسير والاستنباط، بل قواعد الترجيح والاختيار عناية ظاهرة، كيف لا والبلاغة صبغة تفسيره، وكشف المعاني البلاغية الدقيقة ديدنه، فلا عجب أن يكون لهذه الكنوز أبواب ومداخل ولها ضوابط وقواعد.
стр. 4
وقد تصدت الباحثة الدكتورة/ عبير بنت عبد الله النعيم في رسالتها للدكتوراه لهذا الأمر -وأحسبها- قد أحكمته وأتقنته فجاءت رسالتها وافية، بل أقتصرت على نوع واحد من قواعد الترجيح وهي قواعد الترجيح المتعلقة بالنص وبعنوان (قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير دراسة تأصيلية تطبيقية)، وظهرت شخصية الباحثة، ليس في جمع وعرض هذه القواعد ومناقشتها فحسب بل خصصت فصلاً لتقويم منهج ابن عاشور في الترجيح، درست فيه معالم منهج ابن عاشور في الترجيح ومميزاته، والمؤاخذات على منهجه، وأثر عقيدته في صياغة القواعد والترجيح بها، ولا شك أن مثل هذا يحتاج إلى دقة في الفهم وثقة علمية وظهور شخصية.
وقد أصدرت هذا البحث الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان) ضمن إصداراتها العلمية، وهي تعني بنشر الكتب والرسائل العلمية المتميزة والنافعة.
أسأل الله أن يعم بنفعها وعلمها، وأن يكون فتحاً للباحثين لتوسيع أفق الموضوع، وفق الله الجميع وسدد الخطى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه
أ. د. فهد بن عبد الرحمن الرومي
رئيس اللجنة العلمية بالجمعية العلمية
السعودية للقرآن الكريم وعلومه "تبيان"
стр. 5
المقدمة
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً ... وبعد:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ (٣).
أما بعد:
فإن شرف العلم على قدر شرف المعلوم، وإن أحق ما يتعلمه المتعلمون، وأشرف ما يشتغل به الباحثون، وأفضل ما يتسابق إليه المتسابقون، مدارسة كتاب الله، فهو خير ما صرفت إليه الهمم، وأعظم ما نطق به لسان، وجال فيه
стр. 6
فكر، ومُدَّ به قلم، فقد أنزله الله على نبيه محمد ﷺ بأحسن بيانٍ وأجمل عبارةٍ، وأبلغ دلالةٍ وهدايةٍ، غير أن الغاية العظمى من إنزاله هي تدبره، والعمل بمقتضى أحكامه وشريعته، والاعتبار بقصصه وأخباره، والاستنارة بتوجيهاته وهداياته، والتفكر في آياته ومعانيه، فهو كتاب هذه الأمة المباركة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وهو السبيل إلى عزها ونصرها وسموها.
وقد ندب الله تعالى خلقه إلى فهمه وتدبر معانيه، فقال عز من قائل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١).
وقد أدرك المسلمون كبير فضل الله عليهم، فأفنوا الأعمار واجتهدوا في خدمة دين الله، وتبليغ رسالته، ودراسة كتابه المجيد.
هذا ولا يمكن للراغب في دراسة فن من الفنون أن يحصِّلٌ فيه تحصيلاً معتبراً إلا بمعرفة قواعده، والأصول التي تبنى عليها مسائله، وقد حرص أهل الشأن على الحيلولة دون العبث بتفسير النص، فعمدوا بعد استقراء وجمع إلى استنباط مجموعة من القواعد التي تعين على التفسير السليم، ولتكون بمثابة الميزان الذي يعرف به التفسير المقبول من غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد
стр. 7
عظيم "اهـ (١).
ومعلوم أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان، من خلالها نعرف أصح الأقوال وأولاها بالقبول في تفسير كتاب الله تعالى.
ولقد آتت هذه الضوابط والمعالم ثمارها، وبرزت آثارها، فصار لها حضور مشهود لدى مفسري القرآن الكريم، والتي صارت تعرف فيما بعد بقواعد الترجيح، والتي صاحبها كذلك قواعد عرفت بقواعد التفسير.
ولقد تفاوتت عناية المفسرين بهذه القواعد، من حيث الإشارة إليها أو التأصيل لها، وكان الإمام محمد الطاهر بن عاشور ممن عني بها في تفسيره المسمى" التحرير والتنوير" والذي اختصره من اسمه الأصلي " تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد، وتفسير الكتاب المجيد "، والمتأمل فيه يجد لمؤلفه عقلاً راجحاً، ورأياً صائباً، وسعة فكر، وقوة بيان، وحجةً قويةً، وبرهاناً قاطعاً.
قال ابن عاشور: " إن علم التفسير لا يخلو من قواعد كلية في أثنائه مثل تقرير قواعد النسخ عند تفسير ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٢) وتقرير قواعد التأويل عند تقرير ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) وقواعد المحكم عند تقرير ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ (٤) فسمي مجموع ذلك وما معه علما تغليبا " (٥).
стр. 8
وكون هذا الكتاب له قيمته العلمية التي لا تخفى على كل مهتم بعلم التفسير، فقد عزمت البحث مستعينة بالله العظيم على استنباط ودراسة قواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآني والتي اعتمدها ابن عاشور في الترجيح في تفسيره، فكانت هذا الدراسة بعنوان:
(قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير")
مشكلة البحث:
تتجلى مشكلة البحث في أن كثيراً من المفسرين يذكر الأقوال المختلفة في الآية دون ترجيح فيكتفي بعرضها فقط، أو عرض الرأي الذي يراه مجرداً، أو على سبيل الحكاية، حتى كثرت هذه الأقوال واختلط الحق فيها بالباطل، الأمر الذي جعل التمييز بين هذه الأقوال ودراستها والتعمق فيها ضرورة ملحة، لذا لزم الأمر أن تُدرس كتب التفسير ويبين فيها صحة اختيارات وترجيحات المفسرين أو خطؤها، وبيان القواعد التي أقام عليها هؤلاء المفسرين ترجيحاتهم.
ولما كان الرجوع إلى النص القرآني يعد من القواعد المهمة في الترجيح بين الأقوال من خلال معرفة الناسخ والمنسوخ، والقراءات، والسياق القرآني، والغالب من أسلوب القرآن، وغيرها من الأمور المتعلقة بالنص رأيت من الأهمية دراسة هذه القواعد.
وكون ابن عاشور أحد المفسرين الذين اعتنوا بدلالة النص القرآني، حيث كان لها أثر ظاهر في اختياراته وترجيحاته، آثرت إبراز هذا الجهد بالبيان والتمثيل من خلال هذه الدراسة.
стр. 9
حدود البحث:
يقتصر البحث على ترجيحات ابن عاشور في ضوء قواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآني, وذلك من خلال تفسيره "التحرير والتنوير"، والطبعة المعتمدة في هذا البحث: طبعة دار سحنون التونسية للنشر والتوزيع.
أهمية البحث وأسباب اختياره:
١ - الرغبة الملحة في قراءة هذا التفسير الضخم المبسوط في حجمه، والذي قضى المؤلف في تأليفه ما يقارب أربعين عاماً، حتى صيّره دائرة معارف أو موسوعة علمية.
٢ - أهمية قواعد الترجيح في استنباط معاني القرآن، وفهمها على الوجه الصحيح، وضبط التفسير بقواعده الصحيحة لا سيما والمتعلقة بالنص القرآني، موضع عناية البحث.
٣ - ما يورثه التعامل مع قواعد الترجيح من ملكة علمية، وفائدة عظيمة تعين على فهم القرآن، ومعرفة تفسيره.
٤ - بيان مدى إنزال ابن عاشور قواعد الترجيح المتعلقة بالنص منزلتها بين القواعد.
٥ - بيان مدى موافقته أو مخالفته لمن سبقه من المفسرين ممن عنوا بهذا الجانب.
٦ - معرفة وجوه الترجيح التي يستعملها العلماء في الترجيح في التفسير والمقارنة والموازنة بين هذه الأقوال.
стр. 10
٧ - أهمية هذه الدراسة في إبراز قواعد الترجيح المتعلقة بالنص، وتفاوتها في القوة مع القواعد الأخرى ذات الصلة بالآثار واللغة، وبيان كيفية التعامل مع القواعد الترجيحية، وأيها يقدم حال تنازعها.
٨ - لم يسبق أحد - فيما أعلم - إلى تحرير هذا الموضوع مع عظيم أهميته، وشدة الحاجة إليه.
الدراسات السابقة:
بعد البحث والسؤال لدى كل من مؤسسة الملك فيصل، ومكتبة الملك فهد الوطنية، وبعض الجامعات، وبعض المختصين، تبين أنه ليس هناك أي دراسة خاصة مستقلة في هذا الموضوع، وإنما هناك دراسات عامة في ابن عاشور وتفسيره ,من أهمها:
١ - ابن عاشور ومنهجه في تفسيره التحرير والتنوير / للباحث عبد الله بن إبراهيم الريس، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، رسالة ماجستير، ١٤٠٨ هـ.
اعتنى الباحث في القسم الأول من الرسالة بترجمة ابن عاشور من الناحية السياسية، والعلمية، والاجتماعية، وجعل القسم الثاني من الرسالة في منهج ابن عاشور في تفسيره تحدث فيه عن أسلوبه وطريقته في عرض المعلومات، ومدى عنايته بالتفسير بالمأثور، وموقفه من التفسير بالرأي، ومنهجه في تفسير آيات الأحكام، ثم جعل القسم الثالث من الرسالة في تقويم تفسيره من حيث المميزات والمؤاخذات عليه.
стр. 11
٢ - استدراكات الإمام محمد الطاهر ابن عاشور في تفسيره على من سبقه في أسباب النزول جمعا ودراسة / سعيد محمد بن سعد الشهراني، جامعة الملك سعود، (١٤٢١ هـ) , بيَّن فيها الباحث مدى عناية ابن عاشور بأسباب النزول من حيث المصادر التي اعتمد عليها، ومنهجه في التعامل معها. كما جعل قسماً من الرسالة في بيان أسباب النزول التي ردّها لعلة في السند ومنها الضعيفة والموضوعة، وجعل قسماً آخر في بيان أسباب النزول التي ردّها لعلة في المتن ومنها أسباب النزول التي ردّها لمخالفتها السياق، ومنها أسباب النزول التي ردّها لوجود سبب نزول أقوى منها، ومنها أسباب النزول التي ردّها لنزول الآية قبل وقوع الحادثة أو بعدها بفترة طويلة.
٣ - الإمام الطاهر محمد ابن عاشور ومنهجه في توجيه القراءات من خلال كتابه التحرير والتنوير / محمد سعد عبد الله القرني، جامعة أم القرى، رسالة ماجستير، (١٤٢٤ هـ)، اعتنى فيها الباحث بشروط القراءات وفوائدها عند ابن عاشور ومنهجه في عزوها، وطريقة عرضها، كما بيّن فيها وهو لب رسالته توجيه القراءات عند ابن عاشور من حيث مصادره في توجيه القراءات، وتعبيراته، وموقفه من الترجيح بين القراءات المتواترة، ودفاعه عنها ضد الطاعنين بها، وكذلك موقفه من القراءات الشاذة.
٤ - محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية / الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: دولة قطر، (١٤٢٥ هـ) اعتنى فيها المؤلف بكتاب الشيخ ابن عاشور مقاصد الشريعة
стр. 12
الإسلامية وبحثه في ثلاثة أجزاء، الجزء الأول جعلها في ترجمته وبيان حركته الإصلاحية، والحديث عن مؤلفاته، والثاني ساير فيه مقاصد الشريعة مضيفاً إليها جملة من البحوث الأصولية، والثالث في كتاب المقاصد المتميز بمباحثه وأصوله واعتنى به من حيث تحقيقه ونشره بعد إقامة نصه، والتقديم له والتعليق عليه ليكون ميسوراً على من يقف عليه من طلاب العلم والمراجعين.
٥ - قواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب في تفسير ابن عاشور / عليوي بن عبد الله الشمراني / رسالة دكتوراه: جامعة الملك سعود، والدراسة لا زالت قيد البحث.
стр. 13
أهداف البحث:
١ - معرفة قواعد الترجيح المتعلقة بالنص في تفسير ابن عاشور.
٢ - بيان مدى عناية ابن عاشور بقواعد الترجيح المتعلقة بالنص.
٣ - التعرف على منهج ابن عاشور في الترجيح، وموقفه من الأقوال الأخرى.
٤ - بيان مدى اهتمام ابن عاشور بالتعليل للقواعد التي يرجح قوله بناءً عليها.
٥ - إيضاح منهج ابن عاشور في ترجيحه عند تنازع قواعد الترجيح في المثال الواحد.
٦ - تقييم منهج ابن عاشور في الترجيح.
٧ - الكشف عن الطريق الأمثل للوصول إلى الراجح من الأقوال في التفسير.
أسئلة البحث:
- ماهي قواعد الترجيح المتعلقة بالنص في تفسير ابن عاشور؟
- ما مدى عناية ابن عاشور بقواعد الترجيح المتعلقة بالنص في تفسيره؟
- كيف تعامل ابن عاشور مع هذه القواعد عند الترجيح بها؟ .
- هل التزم ابن عاشور التعليل لهذه القواعد عند اختياره؟ .
- هل كان ابن عاشور يقدّم قواعد الترجيح المتعلقة بالنص على غيرها من القواعد؟
стр. 14
- ما منهج ابن عاشور في الرد على الأقوال المرجوحة؟
- ماهو الطريق الأمثل للوصول إلى القول الراجح عند اختلاف الأقوال؟ .
المنهج في كتابة البحث:
اتبعت في هذا البحث المنهج الاستقرائي الموصول بالتحليل، ويتمثل في استقصاء كل القواعد المتعلقة بالنص القرآني والتي نص عليها ابن عاشور في تفسيره، ثم المناقشة من خلال الجمع وتحليل الأقوال للوصول إلى النتائج.
إجراءات البحث:
- استخراج واستنباط قواعد الترجيح المتعلقة بالنص من تفسير ابن عاشور.
ومنهجي في دراسة هذه القواعد كالآتي:
١ - عرّفتُ بالقاعدة، وشرحتُ مفرداتها إذا كانت تحتاج إلى الشرح، ثم بيّنتُ مدى اهتمام ابن عاشور بها وموقف العلماء منها.
وهذه القواعد منها مانصّ عليها ابن عاشور بلفظه، ومنها ما ذكرها بمعناها، ومنها ماهو موافق للقواعد المشهورة عند العلماء، ومنها ماتفردّ به ابن عاشور.
كما أن بعض هذه القواعد الترجيحية قواعد تفسيرية، تفسّر بها آيات القرآن ابتداء، وذكرتها هنا لمخالفة بعض الأقوال لها، فهي تفسيرية من حيث إنه ينبغي أن تفسر الآية ابتداء، وترجيحية من حيث النظر بها بين الأقوال المختلفة في التفسير، فهي تفسيرية من وجه وترجيحية من وجه آخر.
٢ - ذكرتُ عدداً من الأمثلة التطبيقية لهذه القواعد فيما لا يقل عن خمسة
стр. 15
أمثلة، مع الإحالة في نهاية المثال في الهامش إلى نظائره من تفسير ابن عاشور إن أمكن، وأذكر فيها الشاهد من كلامه في الترجيح مع ذكر الجزء ورقم الصفحة.
أما المنهج المتبع في دراسة تلك الأمثلة فهو الآتي:
- أذكر الآية والأقوال المختلفة في تفسيرها، وغالباً ما أذكرها من تفسير ابن عاشور إن كان مستوعباً لها ثم أذكر اختيار ابن عاشور فيها، وأبرز القاعدة التي اعتمد عليها في ترجيحه، وإن خالف القاعدة التي اعتمدها فإنني أبين سبب ذلك، ثم أُثِّّني بموقف المفسرين منها ببيان أقوالهم وحججهم التي استندوا إليها.
- لا أخرِّج النصوص التي يذكرها ابن عاشور وغيره من المفسرين سواءٍ كانت أحاديث أو أقوالاً للمفسرين إلا إذا لزم الأمر؛ كأن يكون النص له علاقة بالترجيح.
- أذكر توجيهات العلماء لتلك الأقوال، وأسعى إلى الترجيح حسب قواعد الترجيح وضوابطها المعتبرة عند العلماء مجتهدة في ذكر القواعد التي تعضد الرأي الراجح ما أمكن.
- أسرد أقوال أهل العلم في الدراسة التأصيلية حسب تواريخ وفاتهم، وقد أعدل قليلاً عن هذا المنهج لضرورة، وذلك مثلاً إذا كان قول المتأخر شرحاً أو تعليقاً لقول المتقدم، وهكذا في الإحالات الواردة في الحاشية يقدم المتقدم على المتأخر في الوفاة.
стр. 16
- أذكر ترجيح ابن عاشور في كل مسألة، وأبيّن مدى موافقته للصواب.
- اخترت عشرة تفاسير لمقارنة قول ابن عاشور بها، وراعيت في ذلك تنوع أسلوب عرضها بعداً عن التكرار، وهذه الكتب هي:
١ - تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)، ت ٣١٠ هـ.
٢ - المحرر الوجيز / ابن عطية، ت ٥٤٢ هـ.
٣ - التفسير الكبير/ الرازي، ت ٦٠٦ هـ.
٤ - الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ت ٦٧١ هـ.
٥ - البحر المحيط / أبو حيان، ت ٧٤٥ هـ.
٦ - تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ت ٧٧٤ هـ.
٧ - فتح القدير / الشوكاني، ت ١٢٥٠ هـ.
٨ - روح المعاني / الألوسي، ت ١٢٧٠ هـ.
٩ - محاسن التأويل / القاسمي، ١٣٣٢ هـ
١٠ - أضواء البيان / الشنقيطي، ت ١٣٩٣ هـ.
ولا يعني اختيار هذه الكتب إغفال بقية كتب التفسير الأخرى، فقد رجعت بعون من الله إلى العديد من كتب التفسير التي يظهر لي اهتمامها بالخلاف والترجيح حول قاعدة معينة.
- قد أحتاج أحياناً إلى إدخال بعض كلامي أثناء نص منقول بلفظه لأحد من العلماء لإيضاح ونحوه، فأميزه بوضعه معترضاً بين شرطتين هكذا - ... -.
- توثيق المادة العلمية على النحو التالي:
стр. 17
أعزو الآيات القرآنية إلى سورها.
ب-عزو القراءات القرآنية الواردة في الدراسة إلى مصادرها الأصلية مع بيان المتواتر منها والشاذ.
ج- تخريج الأحاديث والآثار من مصادرها الأصلية.
د-شرح غريب الألفاظ والمصطلحات، وضبط ذلك بالشكل.
هـ-التعريف بالأعلام غير المشهورين، وهم قليل لأن أغلب من ذكر في هذه الرسالة هم من المشهورين.
و- عمل الفهارس اللازمة.
وسرت في بحثي هذا على خطة مرسومة مكونة من: مقدمة وتمهيد وسبعة فصول وخاتمة.
стр. 18
خطة البحث
يشتمل هذا البحث على مقدمة وتمهيد وسبعة فصول وخاتمة.
المقدمة وتشمل:
أسباب اختيار الموضوع، وأهداف البحث، وأسئلته، والدراسات السابقة، ومنهج البحث , وإجراءاته.
التمهيد:
وفيه مبحثان:
المبحث الأول - التعريف بالمؤلف.
المبحث الثاني - التعريف بتفسيره، وبيان منهجه فيه.
الفصل الأول: مقدمات في قواعد التفسير والترجيح
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: معنى القاعدة والتفسير والترجيح، وبيان مفهومهما عند المفسرين.
المبحث الثاني ... : الفرق بين قواعد الترجيح وقواعد التفسير.
المبحث الثالث: نشأة قواعد الترجيح.
المبحث الرابع: أنواع قواعد الترجيح.
المبحث الخامس: الأسباب الموجبة للترجيح.
المبحث السادس: قواعد التفسير عند ابن عاشور.
الفصل الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بذات النص القرآني
وفيه خمسة مباحث:
стр. 19
المبحث الأول: القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره.
المبحث الثاني: الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره مالم يرد دليل يصرفه عن ظاهره.
المبحث الثالث: الأولى إعمال اللفظ بكلا معنييه الحقيقي والمجازي متى أمكن.
المبحث الرابع: يقدم المجاز على الحقيقة إذا وجدت القرينة.
المبحث الخامس: إذا خلت الأقوال في الآية من مستند شرعي وكانت متساوية في القوة، فالقول الموافق لما جاء في التوراة مقدم على غيره.
الفصل الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالنسخ
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: الأصل عدم النسخ ما لم يقم دليل صحيح صريح على خلاف ذلك.
المبحث الثاني: النسخ لا يقع في الأخبار.
المبحث الثالث: إن الزيادة على النص ليست بنسخ.
المبحث الرابع: الإجماع يعد ناسخاً.
المبحث الخامس: التخصيص بعد العمل بالعام، والتقييد بعد العمل بالمطلق لا يُعدُّ نسخاً.
الفصل الرابع: قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها.
المبحث الثاني: الأصل توافق القراءات في المعنى.
стр. 20
المبحث الثالث: اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن يكثر المعاني في الآية الواحدة.
المبحث الرابع: تأتي القراءة في معنى الترجيح لأحد المعاني القائمة من الآية.
المبحث الخامس: التفسير الموافق لرسم المصحف مقدم على غيره من التفاسير.
الفصل الخامس: قواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره، مالم توجد حجة يجب إعمالها.
المبحث الثاني: القول المبني على مراعاة النظم، وظاهر ترتيب الكلام أولى من غيره.
المبحث الثالث: لكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها، فلا تعارض بين الآيات.
الفصل السادس: قواعد الترجيح المتعلقة بالمفردة القرآنية
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إعمال الأغلب في القرآن وتقديم المفهوم الجاري في استعماله أولى.
المبحث الثاني: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
المبحث الثالث: إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها.
الفصل السابع: تقويم منهج ابن عاشور في الترجيح
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: معالم منهج ابن عاشور في الترجيح ومميزاته،
стр. 21
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: صيغ الترجيح عند ابن عاشور.
المطلب الثاني: منهج ابن عاشور في استعمال وجوه الترجيح.
المطلب الثالث: مميزات الترجيح عند ابن عاشور.
المبحث الثاني: المؤاخذات على منهج ابن عاشور في الترجيح.
المبحث الثالث: أثر عقيدة ابن عاشور في صياغة القواعد والترجيح بها.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج العامة والتوصيات الهامة على ضوء هذا البحث.
الفهارس وتضمنت ما يلي:
- فهرس الآيات القرآنية.
- فهرس الأحاديث والآثار.
- فهرس الأعلام المترجم لهم.
- فهرس المصادر والمراجع.
- فهرس الموضوعات.
стр. 22
كلمة شكر وتقدير
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (١).
فبتوفيق الله وإعانته أنجزت هذا البحث، فله الحمد والشكر والثناء الحسن في الأولى والآخرة على تيسيره وتسهيله.
ثم أتقدم بالشكر الجزيل والدعاء العريض لوالدي الكريمين اللذين لا أستطيع أن أوفيهما حقهما، فنور عينيهما يضيء لي طريقي، وبركة دعاؤهما فتحت لي أبواباً كانت مغلقة، فأسأل الله العلي العظيم أن يجزهما عني من الخير أجزله، ومن الثواب أعظمه، وأن يحفظهما ويبارك لهما في حياتهما ويمدهما بالصحة والقوة والعافية.
ثم أتقدّم بالشكر الجزيل لجامعة الملك سعود والقائمين عليها، ولا يفوتني أن أشكر وأدعو لجميع أساتذتي الكرام الذين درست على أيديهم فلهم الفضل بعد الله تعالى في وصولي لهذه المرحلة، وأخص بالشكر والتقدير وفائق الاحترام أستاذي الفاضل المشرف على هذا البحث فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ / ناصر بن محمد المنيع أستاذ التفسير وعلومه المشارك بكلية التربية في جامعة الملك سعود بالرياض على تفضله بقبول الإشراف على رسالتي، وعلى ما منحني من جهده ووقته وعلمه، وقد أفادني بتوجيهاته السديدة وإرشاداته القيمة،
стр. 23
وأعارني بعض المراجع المهمة، فله الشكر الجزيل، والثناء العاطر، والدعاء المتواصل أن يجزيه الله خير الجزاء، وأن يوفقه لصالح العمل، ويشرّفه بخدمة كتاب الله تعالى، ويبارك في حياته إنه سميع الدعاء.
كما أتقدم بالشكر والعرفان لفضيلة المناقشين الفاضلين: فضيلة الأستاذ الدكتور إبراهيم بن سليمان الهويمل وكيل الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأستاذ التفسير وعلومه المشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
وفضيلة الأستاذ الدكتور زيد بن عمر بن عبد الله العيص أستاذ التفسير وعلومه المشارك في قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الملك سعود على قيامهما بتقويم هذه الرسالة، ومناقشتها، وإبداء ملاحظاتهما القيمة. فجزاهما الله كل خير، وجعلهما عوناً لطلاب العلم على إتمام المسيرة العلمية.
ويقف قلمي حائراً عند تسطير شكري وجل تقديري لزوجي العزيز أ / محمد عبد الله النعيم، الذي ساهم في دفع عجلة هذا البحث للوصول به إلى النور، حيث أحاطني بجو مفعم بالراحة والاطمئنان، ولم يتوان في تقديم المساعدات المتوالية لدعم مسيرتي العلمية، فأسأل الله تعالى أن يحفظه، وأن يديمه سنداً وعزاً لي، وأن يجزيه من خيري الدنيا ولآخرة.
وباقة ورد معطرة تعبق بالحب والحنان أتوج بها أولادي؛ لما عانوه في مسيرتي العلمية, من انشغالي عنهم، فأسأل الله ﵎ أن يحفظهم، ويوفقهم، ويقرّ عيني بهم
وأرجو الله أن يتقبل عملي هذا، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، ولا أدّعي
стр. 24
أني استكملت جوانب الموضوع فإن الكمال لله ، والنقص من طبيعة البشر، ولكنني بذلت وسعي، فما كان فيه من صواب فمن توفيق الله ، وما كان غير ذلك، فأستغفر الله منه، هو حسبي ونعم الوكيل.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، محمد إمام المتقين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
المطلب الأول
نشأته وبيئته العلمية
اسمه ونسبه:
هو العلامة الإمام الشيخ محمد الطاهر الثاني بن الشيخ محمد بن محمد الطاهر الأول بن محمد الشاذلي بن عبد القادر محمد بن عاشور الشريف الأندلسي ثم التونسي (١).
مولده:
ولد الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور بقصر جده لأمه الوزير الشيخ محمد العزيز بو عتور، بالمرسى (٢) ضاحية من ضواحي العاصمة التونسية في جمادى الأولى سنة (١٢٩٦ هـ) الموافق لشهر سبتمبر (١٨٧٩ م) (٣).
стр. 28
نشأته:
نشأ الشيخ في بيئة علمية؛ فجده لأبيه عالم وهو قاضي قضاة الحاضرة التونسية، وجده لأمه الشيخ محمد العزيز بو عتور عالم أيضاً، تولى الوزارة، والأسرة من أفضل أسر العاصمة، ومن ذوي اليسار لها مكتبات علمية كالمكتبة العاشورية وغيرها تشتمل على مخطوطات نادرة في الأدب والدين والقانون، في هذا الوسط العلمي والسياسي والإصلاحي شبّ مترجمنا فحفظ القرآن الكريم حفظًا متقنًا منذ صغر سنه، وحفظ المتون العلمية كسائر أبناء عصره من التلاميذ، ثم تعلم ما تيسر له من اللغة الفرنسية (١).
مسيرته العلمية والعملية:
التحق الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور بجامع الزيتونة في سنة (١٣٠٣ هـ-١٨٨٦ م) وثابر على تعليمه به حتى أحرز شهادة التطويع (٢) سنة (١٣١٧ هـ-١٨٩٩ م) وسمي عدلاً مبرزًا، وابتداءً من سنة (١٩٠٠ م) إلى سنة (١٩٣٢ م) أقبل على التدريس بجامع الزيتونة والمدرسة الصادقية كمدرس من الدرجة
стр. 29
الثانية، فمدرسًا من الدرجة الأولى سنة (١٩٠٥ م)، ثم عضوًا مؤسسًا للجنة إصلاح التعليم بجامع الزيتونة سنة (١٩١٠ م).
التحق الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور بالقضاء سنة (١٩١١ م) فكان عضوًا بالمحكمة العقارية وقاضيًا مالكيًا، ثم مفتيًا مالكيًا سنة (١٩٢٣ م) فكبير المفتين سنة (١٩٢٤ م) فشيخ الإسلام للمذهب المالكي سنة (١٩٣٢ م)، وقد باشر كل هذه المهام بمهارة ودقة علمية نادرة، وبنزاهة وحسن نظر، فكان حجة ومرجعًا فيما يقضي به، سمي شيخ جامع الزيتونة وفروعه لأول مرة في سبتمبر عام (١٩٣٢ م) بعد أن اشترك في إدارة الكلية الزيتونية، ولكنه استقال من مشيخة جامع الزيتونة بعد سبتمبر عام (١٩٣٣ م) بعد اضطرابات وقلاقل ظهرت دون ترو بسبب دسائس ترمي لمعارضة موقفه حيث اتهم باطلا بقضية فتوى التجنيس .. ، ثم سمي من جديد شيخًا لجامع الزيتونة سنة (١٩٤٥ م) وفي سنة (١٩٥٦ م) شيخًا عميدًا للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين حتى سنة (١٩٦٠ م)، حيث أحيل إلى الراحة بسبب موقفه تجاه الحملة التي شنها بورقيبة يومئذ ضد فريضة الصيام في رمضان, حيث أعلن بورقيبة سنة (١٩٤٥ م) قبل إعلان الاستقلال بسنتين أنه ينوي إقامة حكم لا ديني في البلد، حيث قرر وحزبه تجريد البلد من كل مقوماته الإسلامية، وتهجم على القرآن الكريم والسنة النبوية، والآداب الشرعية والعادات الإسلامية، وشن حرباً ضد الصيام، ودعا بورقيبة الشيخ ابن عاشور ليفتي في الإذاعة بفتوى تبيح الفطر في رمضان للعمال بدعوى زيادة الإنتاج بما يوافق هذا، لكن الشيخ رفض ذلك رفضاً قاطعاً
стр. 30
وصرح في الإذاعة بما يريده الله تعالى، بعد أن قرأ آية الصيام، وقال بعدها: "صدق الله وكذب بورقيبة"، فخمد هذا التطاول المقيت وهذه الدعوة الباطلة بفضل مقولة ابن عاشور (١).
وكان مقبلاً على الكتابة والتحقيق والتأليف، فقد شارك في إنشاء مجلة السعادة العظمى مع صديقه العلامة الشيخ محمد الخضر حسين سنة (١٩٥٢ م)، وهي أول مجلة تونسية، ونشر بحوثًا عديدة خصوصًا في المجلة الزيتونية ومجلات شرقية مثل هدى الإسلام، والمنار، والهداية الإسلامية، ونور الإسلام، ومجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، كما نشرت له مجلة المجمع العلمي بدمشق.
وشارك في الموسوعة الفقهية التي تشرف عليها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت بمبحث قيم.
ارتحل إلى المشرق العربي وأوروبا، وشارك في عدة ملتقيات إسلامية، كما كان عضوًا مراسلًا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (١٩٥٦ م)، وبالمجمع العلمي العربي بدمشق سنة (١٩٥٥ م) (٢).
شيوخه وعلماء عصره:
اكتسب الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ثقافة واسعة شملت التفسير والحديث والقراءات، ومصطلح الحديث، والبيان، واللغة، والتاريخ، والمنطق، ..
стр. 31
فقد تخرج على أيدي ثلّة من علماء عصره امتازوا بثقافة موسوعية في علوم الدين وقواعد اللغة العربية وبلاغتها وبيانها وبديعها، إلى جانب قدرة على التبليغ، ومعرفة بطرق التدريس، وتركيز على تربية الملكات في العلوم، ومن أشهر شيوخه:
١ - مصطفى رضوان السوسي: ولد بمدينة سوسة (١) سنة (١٢٤٤ هـ)، من أسرة منحدرة من الجنود الأتراك، عُيِّن عضوا في مجلس تنظيم الدروس بجامع الزيتونة، مات سنة (١٣٢٢ هـ) (٢).
٢ - أحمد جمال الدين الفقيه: ولد ببني خيار (٣)، وتلقى العلم بجامع الزيتونة، ودرّس به، كان من أبرز تلامذته الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، مات بعد سنة (١٣٢٣ هـ) (٤).
٣ - محمد العزيز بو عتور: هو الشيخ محمد العزيز بن محمد الحبيب ابن
стр. 32
الوزير محمد بو عتور، ولد سنة (١٢٤٠ هـ) في تونس، وكان من أهل العلم البارزين، له آراؤه المستقلة، مات سنة (١٣٢٥ هـ) (١).
٤ - عمر بن أحمد بن علي بن حسن: المعروف بابن الشيخ، الفقيه المتكلم، العارف بالفلسفة، ولد سنة (١٢٣٩ هـ)، بدأ التدريس في جامع الزيتونة سنة (١٢٦٨ هـ)، مات سنة (١٣٢٩ هـ) (٢).
٥ - الشيخ محمد بن عثمان النجار: أبو عبد الله، ولد سنة (١٢٥٥ هـ) بتونس، وتولى منصب الإفتاء سنة (١٣١٢ هـ)، وكان يجمع بين الفتوى والتدريس بجامع الزيتونة، حتى توفي سنة (١٣٣١ هـ) (٣) ... .
٦ - صالح بن محمد الشريف الجزائري: أصله من الجزائر، ولد في حدود سنة (١٢٨٥ هـ)، وانتصب للتدريس بالجامع الأعظم، مات سنة (١٣٣٨ هـ) (٤) ... .
٧ - سالم بن عمر بو حاجب البنبلي: ولد ببنبلة (٥) سنة (١٢٤٤ هـ)،
стр. 33
انتصب للتدريس بجامع الزيتونة سنة (١٢٦٥ هـ)، ومات سنة (١٣٤٢ هـ) (١) ... .
٨ - محمد النخلي القيرواني: أبو عبد الله، ولد سنة (١٢٨٥ هـ)، التحق بجامع الزيتونة سنة (١٣٠٤ هـ)، فأخذ العلم عن جلة أعلامه إلى أن وصل مدرساً، مات بتونس سنة (١٣٤٢ هـ) (٢) ... .
٩ - إبراهيم بن أحمد بن سليمان المارغني: ولد بتونس سنة (١٢٨١ هـ)، تميز في علم القراءات، وتخرج عليه الشيخ في القراءات السبع والعشر، مات سنة (١٣٤٩ هـ) (٣).
١٠ - محمد بن يوسف، من أعلام تونس في العصر الحديث، ولد بتونس سنة (١٢٧٤ هـ)، وقد كانت له عناية بالأدب، درّس مقامات الحريري بجامع الزيتونة في حدود سنة (١٣١٥ هـ)، وكان يقرض الشعر، مات سنة (١٣٥٨ هـ) (٤).
стр. 34
تلامذته:
كان الشيخ ابن عاشور من الأعلام البارزين الذين درسوا في جامع الزيتونة، وأقرؤوا كتبا عدة من أمهات الكتب، وتخرج على يديه جماعة من كبار العلماء والمصلحين، سأذكر أبرزهم مرتبين على الوفيات، وهم:
١ - الشيخ عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس، ولد سنة (١٣٠٨ هـ)، وهو رئيس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، له كتابات كثيرة جمعها: عمار الطالبي، بعنوان: ابن باديس حياته وآثاره. وهي تقع في أربع مجلدات. مات سنة (١٣٥٩ هـ) (١).
٢ - محمد الصادق بن محمد الشطي , ولد سنة (١٣١٢ هـ)، من مؤلفاته: تهذيب وتحرير إيضاح السالك في قواعد الإمام مالك للنوشريسي ,مات سنة (١٣٦٤ هـ) (٢).
٣ - زين العابدين بن حسين، ولد بتونس سنة (١٣١٧ هـ)، من مؤلفاته: المعجم في النحو والصرف، والمعجم في القرآن، مات سنة (١٣٧٧ هـ) (٣).
стр. 35
٤ - محمد بن خليفة بن حسن بن الحاج المشهور بالمدني، ولد سنة (١٣٠٧ هـ)، من مؤلفاته: تفسير سورة الواقعة، وسورة الفاتحة، وكفاية المريد في فن التوحيد، مات سنة (١٣٧٨ هـ) (١).
٥ - أبو الحسن بن شعبان الأديب الشاعر، ولد بتونس سنة (١٣١٥ هـ)، تميز بذكائه الفذ، وقدرته الشعرية العجيبة، مات سنة (١٣٨٣ هـ) (٢).
٦ - محمد الفاضل وهو ابن محمد الطاهر بن عاشور، ولد سنة (١٣٢٧ هـ) في المرسى، من مؤلفاته: التفسير ورجاله، وأعلام الفكر، وتراجم الأعلام. مات سنة (١٣٩٠ هـ) (٣).
٧ - محمد البشير ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ محمد بن أحمد النيفر، ولد سنة (١٣٠٦ هـ)، كانت له عناية بالاطلاع على المخطوطات وخبرة جيدة بها، من مؤلفاته: تراجم المفتين والقضاة. مات سنة (١٣٩٤ هـ) (٤).
стр. 36
٨ - علي بن محمود بن محمد الخوجة، ولد بتونس (١٣١٠ هـ)، شارك في مجموعة من الأنشطة الاجتماعية، ألف كتابا في الفقه جمع فيه عدة مسائل يقع في أربعة أجزاء، مات سنة (١٤٠٢ هـ) (١).
стр. 37
المطلب الثاني
مذهبه الفقهي والعقدي ومؤلفاته
مذهبه الفقهي:
كان الشيخ الطاهر ابن عاشور فقيهاً بارزاً حيث يعد من العلماء المجددين الذين يأنفون التقليد والتعصب لآراء الشيوخ، وكان يرى أن ارتهان المسلمين لهذه النظرة الجامدة المقلدة سيصيبهم بالتكاسل، وسيعطل إعمال العقل لإيجاد الحلول لقضاياهم التي تجدُّ في حياتهم.
وكان يعنى بالدليل، ويقيم حجته بما ورد من النصوص أو ما يسوغ من رأي وقياس، وإن كان لم يغفل آراء العلماء وأقوالهم بل وضعها في منزلتها التي تستحقها.
وقد ركّز على المذهب المالكي، وهذا أمر طبيعي، فقد عاش في بيئة يعتنق معظم أهلها المذهب المالكي، يقول في مقدمة كتابه (آراء اجتهادية): " ولما نشأت النشأة الدينية اتبعت مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وتلقيت علوم الشريعة في سنة (١٣٠٩ هـ) وتدرجت بها وحذقتها، ثم درست أصول الفقه، وزاولت كتب السنة، وتوسعت في علم الخلاف بين العلماء، وأقرأت كتباً جمة من الفقه والأصول والحديث، وجالست العلماء وجادلتهم، وذاكرت وجادلت"، ثم استطرد في بيان المذاهب والترجيح بينها، وأخبر بأن باب الاجتهاد مفتوح، ولا يجوز للعالم التعبد بالتقليد، بل لا بد من النظر في الراجح
стр. 38
والمرجوح، والأخذ بالصواب والصحيح ... (١)
ومما يُمدح به أنه لم يكن متعصباً لمذهبه، بل كان أحياناً يرجّح مذهباً مخالفاً لمذهب الإمام مالك، ومن ذلك ترجيحه مذهب الإمام أبي حنيفة في طهارة جلد الميتة بالدبغ ما عدا الخنزير؛ لأنه محرم العين، قال: وقول أبي حنيفة أرجح للحديث الصحيح، ثم ذكره (٢).
وتعليقاته وكتاباته في الفقه تشهد بطول باعه وغزارة علمه في هذا الفن، ويظهر هذا في كونه أول من أفرد موضوع المقاصد في كتاب مستقل حيث ألف كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية) ودعا فيه إلى مراعاة مدى تحقيق القول الذي يذهب إليه الفقيه لمقاصد الشريعة.
تأهل للفتيا وعمره ثلاث وعشرون سنة، ونجح في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى في الجامع الأعظم عام (١٣٢٣ هـ - ١٩٠٥ م)، وأصبح مفتياً متطوعاً منذ ذلك الحين، إلى أن عيّن مفتيا رسمياً سنة (١٣٤١ هـ- ١٩٢٣ م)، فتدرج في هذا المنصب، حتى أصبح كبير أهل الشورى من المالكية سنة (١٣٤٥ هـ / ١٩٢٧ م)، وهو أعلى منصب علمي في المذهب المالكي في ذلك الوقت، وفي سنة (١٣٥١ هـ / ١٩٣٢ م)، أطلق عليه لقب شيخ الإسلام المالكي، وله كتاب مخطوط بعنوان الفتاوى (٣).
стр. 39
منهجه في العقيدة:
لم يفرد الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور العقيدة الإسلامية بمؤلف يتناولها فيه بالشرح والتحليل والبيان وإنما تُعرف آراؤه العقدية من خلال تفسيره "التحرير والتنوير".
لقد سار ابن عاشور في الجملة على منهج السلف الصالح في أبواب العقيدة عدا آيات الصفات؛ فهو يسير فيها على وفق منهج الأشاعرة، وذلك يعود إلى دراسته من كتب الأشاعرة مثل: الوسطى، والعقائد النسفية، والمواقف، وإن كان يخالفها ويقترب من منهج السلف أحياناً.
وإذا تعرَّض لتأويل آية جاء بأقوال السلف، وربما انتصر لهم، وإذا خالفهم في تأويل صفة أثنى عليهم، واعتذر لهم دون تعنيف أو تسفيه.
وأحياناً يكون له في الصفة الواحدة قول يسير فيه على منهج أهل التأويل، وفي موضع آخر يوافق فيه السلف.
ففي مسألة الرؤية نراه -على سبيل المثال- يؤولها، في بعض المواضع، وفي سورة المطففين عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١) ... نجده يثبت الرؤية (٢) حيث يقول: " فأما الإهانة فحجبهم عن ربهم، والحجب هو الستر، ويستعمل في المنع من الحضور لدى الملك ولدى سيد القوم، وكلا المعنيين مراد هنا لأن المكذبين بيوم الدين لا يرون الله يوم القيامة حين يراه أهل
стр. 40
الإيمان. ويوضح هذا المعنى قوله في حكاية أحوال الأبرار ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (١)(٢) " ... .
أما بقية أبواب العقيدة كإثبات الوحدانية، أو الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، وحكم مرتكب الكبيرة، ومسألة الشفاعة، ومسائل الحكمة والتعليل، وفي باب الصحابة وغير ذلك من أبواب العقيدة فهو يسير فيها على وفق منهج السلف.
بل إنه يرد على المخالفين في ذلك؛ حيث يناقش المعتزلة، والخوارج في مسألة مرتكب الكبيرة، ويُفنِّد رأيهم (٣)، كما يُخطِّئ الفلاسفة ويرد عليهم في عدد من المسائل كقولهم: بعلم الله بالكليات دون الجزئيات (٤).
وتراه يُخطِّئ الشيعة والباطنية وغيرهم في كثير من مخالفاتهم العقدية.
وعلى الرغم من أن ابن عاشور قد نشأ في جوٍ يسود فيه المذهب الأشعري إلا أنه لم يكن يتحرج من توجيه النقد لما آل إليه المذهب الأشعري (٥).
فتجده يخالف الأشاعرة في عدد من المسائل في باب القدر وغيره كما أنه يُنكر البدع