← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٨ - علي بن محمود بن محمد الخوجة، ولد بتونس (١٣١٠ هـ)، شارك في مجموعة من الأنشطة الاجتماعية، ألف كتابا في الفقه جمع فيه عدة مسائل يقع في أربعة أجزاء، مات سنة (١٤٠٢ هـ) (١).

стр. 37

المطلب الثاني مذهبه الفقهي والعقدي ومؤلفاته مذهبه الفقهي: كان الشيخ الطاهر ابن عاشور فقيهاً بارزاً حيث يعد من العلماء المجددين الذين يأنفون التقليد والتعصب لآراء الشيوخ، وكان يرى أن ارتهان المسلمين لهذه النظرة الجامدة المقلدة سيصيبهم بالتكاسل، وسيعطل إعمال العقل لإيجاد الحلول لقضاياهم التي تجدُّ في حياتهم. وكان يعنى بالدليل، ويقيم حجته بما ورد من النصوص أو ما يسوغ من رأي وقياس، وإن كان لم يغفل آراء العلماء وأقوالهم بل وضعها في منزلتها التي تستحقها. وقد ركّز على المذهب المالكي، وهذا أمر طبيعي، فقد عاش في بيئة يعتنق معظم أهلها المذهب المالكي، يقول في مقدمة كتابه (آراء اجتهادية): " ولما نشأت النشأة الدينية اتبعت مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وتلقيت علوم الشريعة في سنة (١٣٠٩ هـ) وتدرجت بها وحذقتها، ثم درست أصول الفقه، وزاولت كتب السنة، وتوسعت في علم الخلاف بين العلماء، وأقرأت كتباً جمة من الفقه والأصول والحديث، وجالست العلماء وجادلتهم، وذاكرت وجادلت"، ثم استطرد في بيان المذاهب والترجيح بينها، وأخبر بأن باب الاجتهاد مفتوح، ولا يجوز للعالم التعبد بالتقليد، بل لا بد من النظر في الراجح

стр. 38

والمرجوح، والأخذ بالصواب والصحيح ... (١) ومما يُمدح به أنه لم يكن متعصباً لمذهبه، بل كان أحياناً يرجّح مذهباً مخالفاً لمذهب الإمام مالك، ومن ذلك ترجيحه مذهب الإمام أبي حنيفة في طهارة جلد الميتة بالدبغ ما عدا الخنزير؛ لأنه محرم العين، قال: وقول أبي حنيفة أرجح للحديث الصحيح، ثم ذكره (٢). وتعليقاته وكتاباته في الفقه تشهد بطول باعه وغزارة علمه في هذا الفن، ويظهر هذا في كونه أول من أفرد موضوع المقاصد في كتاب مستقل حيث ألف كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية) ودعا فيه إلى مراعاة مدى تحقيق القول الذي يذهب إليه الفقيه لمقاصد الشريعة. تأهل للفتيا وعمره ثلاث وعشرون سنة، ونجح في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى في الجامع الأعظم عام (١٣٢٣ هـ - ١٩٠٥ م)، وأصبح مفتياً متطوعاً منذ ذلك الحين، إلى أن عيّن مفتيا رسمياً سنة (١٣٤١ هـ- ١٩٢٣ م)، فتدرج في هذا المنصب، حتى أصبح كبير أهل الشورى من المالكية سنة (١٣٤٥ هـ / ١٩٢٧ م)، وهو أعلى منصب علمي في المذهب المالكي في ذلك الوقت، وفي سنة (١٣٥١ هـ / ١٩٣٢ م)، أطلق عليه لقب شيخ الإسلام المالكي، وله كتاب مخطوط بعنوان الفتاوى (٣).

стр. 39

منهجه في العقيدة: لم يفرد الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور العقيدة الإسلامية بمؤلف يتناولها فيه بالشرح والتحليل والبيان وإنما تُعرف آراؤه العقدية من خلال تفسيره "التحرير والتنوير". لقد سار ابن عاشور في الجملة على منهج السلف الصالح في أبواب العقيدة عدا آيات الصفات؛ فهو يسير فيها على وفق منهج الأشاعرة، وذلك يعود إلى دراسته من كتب الأشاعرة مثل: الوسطى، والعقائد النسفية، والمواقف، وإن كان يخالفها ويقترب من منهج السلف أحياناً. وإذا تعرَّض لتأويل آية جاء بأقوال السلف، وربما انتصر لهم، وإذا خالفهم في تأويل صفة أثنى عليهم، واعتذر لهم دون تعنيف أو تسفيه. وأحياناً يكون له في الصفة الواحدة قول يسير فيه على منهج أهل التأويل، وفي موضع آخر يوافق فيه السلف. ففي مسألة الرؤية نراه -على سبيل المثال- يؤولها، في بعض المواضع، وفي سورة المطففين عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١) ... نجده يثبت الرؤية (٢) حيث يقول: " فأما الإهانة فحجبهم عن ربهم، والحجب هو الستر، ويستعمل في المنع من الحضور لدى الملك ولدى سيد القوم، وكلا المعنيين مراد هنا لأن المكذبين بيوم الدين لا يرون الله يوم القيامة حين يراه أهل

стр. 40

الإيمان. ويوضح هذا المعنى قوله في حكاية أحوال الأبرار ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (١) (٢) " ... . أما بقية أبواب العقيدة كإثبات الوحدانية، أو الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، وحكم مرتكب الكبيرة، ومسألة الشفاعة، ومسائل الحكمة والتعليل، وفي باب الصحابة وغير ذلك من أبواب العقيدة فهو يسير فيها على وفق منهج السلف. بل إنه يرد على المخالفين في ذلك؛ حيث يناقش المعتزلة، والخوارج في مسألة مرتكب الكبيرة، ويُفنِّد رأيهم (٣)، كما يُخطِّئ الفلاسفة ويرد عليهم في عدد من المسائل كقولهم: بعلم الله بالكليات دون الجزئيات (٤). وتراه يُخطِّئ الشيعة والباطنية وغيرهم في كثير من مخالفاتهم العقدية. وعلى الرغم من أن ابن عاشور قد نشأ في جوٍ يسود فيه المذهب الأشعري إلا أنه لم يكن يتحرج من توجيه النقد لما آل إليه المذهب الأشعري (٥). فتجده يخالف الأشاعرة في عدد من المسائل في باب القدر وغيره كما أنه يُنكر البدع

стр. 41

الحادثة، والأباطيل والخرافات كالطيرة (١)، كما أنه يرد على أباطيل الصوفية (٢) وإن كان أحياناً يورد أقوالاً لبعضهم كابن عربي دون تعليق عليها. كتاباته ومؤلفاته: ساهم ابن عاشور في إثراء المكتبة الإسلامية بالذخائر والنفائس، حتى وصلت مؤلفاته إلى الأربعين، وهي غاية في الدقة العلمية، وتدل على تبحر الشيخ في شتى العلوم الشرعية والأدبية، ومن أجلّها كتابه في التفسير: التحرير والتنوير -موضوع بحثنا- ولا تزال العديد من مؤلفات الشيخ مخطوطة، وقد قسمت مؤلفاته إلى أقسام كالآتي. أولاً: آثاره في التفسير: ١ - تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، اختصر هذا الاسم فسمّاه: التحرير والتنوير (٣)، وهو أول تفسير كامل يصنف في تونس على مر التاريخ، وسيأتي الحديث عنه بالتفصيل. ثانياً: آثاره في الحديث النبوي الشريف: ١ - تعليقات وتحقيق على حديث أم زرع. (مخطوط) (٤). ٢ - النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح ,وهو تعليقات

стр. 42

على مواضع في الجامع الصحيح للبخاري، لم يفصل القول فيها المتقدمون من الشراح، بل توقفوا فيها، أو أحجموا عنها، وقد طبع سنة (١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م) في الدار العربية للكتاب في تونس (١). ٣ - كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، تناول فيه نحو ثلاثمائة حديث ومسألة (٢). ثالثاً: آثاره في الفقه وأصوله: ١ - آراء اجتهادية: وهي مجموعة من الفتاوى في شتى الموضوعات وهو من مؤلفاته المخطوطة (٣). ٢ - الأمالي على مختصر الخليل , ومختصر خليل أكبر مدونة شائعة ومعتمدة في الفروع بين الطلاب والشيوخ بجامع الزيتونة، وهو من مؤلفاته المخطوطة (٤). ٣ - حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح على شرح تنقيح الفصول في الأصول: هذا الكتاب حاشيته على كتاب مدرسي كان مشهوراً بين المالكية، يرجعون إليه في مسائل أصول الفقه، وقد طبع الكتاب

стр. 43

بمطبعة النهضة بتونس سنة (١٣٤١ هـ) (١). ٤ - الفتاوى: وهو من مؤلفاته المخطوطة , وهو تقييدات على جملة من النوازل الشرعية التي عني بتحريرها أيام توليه القضاء (٢). ٥ - قضايا وأحكام شرعية: وهو مجموعة من المسائل الفقهية التي تكثر الحاجة إليها ويعوّل في الأحكام عليها، وهو من مؤلفاته المخطوطة (٣). ٦ - مقاصد الشريعة الإسلامي: يعد هذا الكتاب من أشهر كتب ابن عاشور، وهدفه من تصنيفه أن يكون مرجعاً بين المتفقهين في الدين عند اختلاف الأنظار وتبدل الأعصار، وتوسلاً إلى إقلال الخلاف بين فقهاء الأمصار، ويقع الكتاب في (٢٠٧) من الصفحات، طبع بمصنع الكتاب للشركة التونسية للتوزيع، الطبعة الأولى عام (١٩٧٨ م) (٤). ٧ - الوقف وآثاره في الإسلام: وهو مما نشره في مجلة الهداية الإسلامية، وهو من مؤلفاته المطبوعة (٥).

стр. 44

رابعاً: آثاره في الثقافة الإسلامية: ١ - أصول التقدم في الإسلام: أصل هذا الكتاب محاضرة ألقاها في بيان أسباب تقدم المسلمين في بادئ أمرهم، ثم الأسباب التي رجعت بهم عن ذلك التقدم (١). ٢ - أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: أصل الكتاب مقالات كتبها الشيخ في مجلة (هدى الإسلام)، وغرضه في هذا الكتاب: البحث عن روح الإسلام وحقيقته من جهة مقدار تأثيرها في المدنية الصالحة، وقد صدرت الطبعة الأولى للكتاب عن الدار التونسية للنشر بتونس عام (١٩٧٧ م) (٢). ٣ - أليس الصبح بقريب؟ : الكتاب مطبوع طبعة وحيدة فيما أعلم، في الشركة التونسية للنشر. وهو كتاب قيم في (٢٦٣) صفحة من القطع العادي، وقد كتبه في صيف عام (١٣٢١ هـ)، وقد كتبه رغبة في إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي بعد أن زاوله مدة طويلة متعلماً ومعلماً (٣). والآن يقوم احد طلاب الماجستير بدراسة الفكر التربوي عند العلامة ابن عاشور من خلال كتابه (أليس الصبح بقريب). ٤ - تحقيقات وأنظار في الكتاب والسنة: وهو عبارة عن مقالات جمعها له

стр. 45

ابنه عبد الملك ابن عاشور، وهو مطبوع (١). ٥ - نقد علمي لكتاب (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرزاق: تتبع فيه الشيخ ما وقع فيه المؤلف من مسائل مشتبهة، والكتاب صدر عن المطبعة السلفية بمصر سنة (١٣٤٤ هـ) (٢). خامساً: آثاره في اللغة والأدب: وسأقتصر هنا على المطبوع منها فقط، وهي: ١ - أصول الإنشاء والخطابة، ألفه الشيخ لأنه كان يأخذ على طلبة العلم الشرعي عنايتهم بالنحو وقواعده دون عنايتهم بالإنشاء، والكتاب طبع بتونس عام (١٣٣٩ هـ -١٩٢٠ م) (٣). ٢ - سرقات المتنبي ومشكل معانيه لابن بسام النحوي، يجمع هذا الكتاب الذي حققه ابن عاشور، بين غرضين: الأبيات المحتاجة إلى بيان وشرح، والأبيات التي اقتفى فيها المتنبي معاني غيره مما استجاده عند الشعراء قبله. وقد صدر هذا الكتاب عن الدار التونسية للنشر في تونس سنة

стр. 46

(١٩٧٠ م) (١). ٣ - قصيدة الأعشى (٢) الأكبر في مدح المحلَّق، قام ابن عاشور بجمع هذه القصيدة من نحو عشرين مصدراً أدبياً، وشرحها طبعت في تونس، سنة (١٣٤٨ هـ -١٩٢٩ م) (٣) ... . ٤ - موجز البلاغة، وهو رسالة في البلاغة ألفها ابن عاشور بسبب أنه رأى طلبة العلم يزاولون البلاغة بطريقة بعيدة عن المقصود (٤). ٥ - الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم الأصفهاني (٥)، وقد وضع هذا الكتاب رداً على ابن جني في شرحيه لديوان صاحبه أبي الطيب المتنبي، وقد طبع الكتاب في تونس في الدار التونسية سنة (١٩٦٨ م) (٦).

стр. 47

سادساً: آثاره في التاريخ والتراجم . ١ - قصة المولد النبوي الشريف، تناولت حياة النبي ﷺ ، وهو مطبوع بتونس سنة (١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م) (١). ٢ - قلائد العقيان ومحاسن الأعيان لأبي نصر الفتح ابن خاقان، حوى هذا الكتاب أصنافاً من الأدبيات: كالقصائد والأراجيز الطويلة، وقد قام الشيخ ابن عاشور بتحقيق الكتاب، وهو مطبوع (٢). كما ساهم الشيخ ابن عاشور بالكتابة في المجلات العلمية، والتي أذكر منها (٣): - مجلة السعادة العظمى في تونس. - المجلة الزيتونية. ومن الصحف والمجلات الشرقية: - مجلة هدى الإسلام. - مجلة نور الإسلام. - مجلة مصباح الشرق. - ... مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة. - ... مجلة المجمع العلمي بدمشق.

стр. 48

وفاته: توفي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور عن أربع وتسعين سنة في ضاحية المرسى قرب تونس العاصمة، يوم الأحد (١٣) رجب (١٣٩٤ هـ - ١٩٧٣ م)، ووري الثرى ﵀ بمقبرة الزلاج من مدينة تونس (١)، وبموته ودعت تونس أبرز شخصية علمية عرفتها في القرن الرابع عشر الهجري.

стр. 49

المبحث الثاني التعريف بتفسير (التحرير والتنوير) وفيه مطالب: المطلب الأول: التعريف بـ (التحرير والتنوير). المطلب الثاني: موقف ابن عاشور من أنواع التفسير. المطلب الثالث: منهج ابن عاشور في القراءات المتواترة والشاذة. المطلب الرابع: عناية ابن عاشور بالوجوه البلاغية واللغة. المطلب الخامس: مصادر ابن عاشور في تفسيره.

стр. 50

المطلب الأول التعريف بـ " التحرير والتنوير " يعد كتاب التحرير والتنوير من أشهر كتب التفسير في العصر الحديث، يقع في ثلاثين جزءا طبع في دار الكتب الشرقية، وفي الدار التونسية للنشر، والطبعة التي بين يدي تقع في خمسة عشر جزءا لدار سحنون للنشر والتوزيع في تونس. عقد الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور العزم على تناول كتاب الله بالتفسير بعد أن راودته الفكرة مرات ومرات، وفي كل مرة يثني عزمه عن ذلك خوف أن يعتريه من هذا الطريق ما يعتري بعض من يقدم على تفسير كتاب الله من خروج عن المراد الحقيقي للفظ يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في هذا الصدد: " كنت على كلفي بذلك أتجهم التقحّم على هذا المجال، ............ . ما عسى أن يعرِّض له المرء نفسه من متاعب تنوء بالقوة، أو فلتات سهام الفهم وإن بلغ ساعد الذهن الفُتوّة " (١). كما كان يتحرّى من نفسه ثبات عزمه على تفسير القرآن قبل أن يبدأ فيه، فلم تكن فكرة تفسيره للقرآن الكريم مجرد إرادة عابرة أو فكرة خاطفة أو فراغ أو ترف فكري أو أدبي. فقد راودته هذه الأمنية منذ بعيد كما يقول وهو لم يتجاوز الـ (٣٠)

стр. 51

سنة، ولكنه انشغل عن مشروعه هذا بإسناده خطة القضاء في (٢٦) رمضان (١٣٣١ هـ). ومن تصميمه على الفكرة - فكرة التفسير- عقد العزم على تحقيق أمنيته بمجرد تفرغه بنقله إلى خطة الفتيا في (٢٦) رجب (١٣٤١ هـ)، إذ يقول: " هنالك عقدت العزم على ما كنت أضمرته، واستعنت بالله تعالى واستخرته، وعلمت أن ما يَهُولُ من توقع كلل أو غلط، لا ينبغي أن يحول بيني وبين نسيج هذا النمط، إذا بذلت الوسع من الاجتهاد، وتوخيت طرق الصواب والسداد. أقدمت على هذا المهم إقدام الشجاع، على وادي السباع (١) .. " (٢) وسمّاه: " تحرير المعنى السديد وتنوير العقل المجيد من تفسير الكتاب المجيد"، واختصر هذا الاسم فسماه بـ (التحرير والتنوير من التفسير). وقد كان ينشر هذا الكتاب على شكل مقالات في المجلة الزيتونية، ثم طبع مقدمات التفسير، وتفسير سورة الفاتحة، وجزء عم في كتاب مستقل عام (١٣٧٦ هـ)، ثم طُبعت منه أجزاء في عام (١٣٩٠ هـ)، وَوَصلتْ إلى الجزء الرابع عشر عام (١٣٩٧ هـ). وفي عام (١٤٠٤ هـ- ١٩٨٤ م) طبع الطبعة الكاملة في (١٥) مجلدا، عدد صفحات الجزء الواحد تزيد عن (٣٠٠) صفحة غالباً.

стр. 52

احتوى تفسيره "التحرير والتنوير" على خلاصة آرائه الاجتهادية والتجديدية؛ إذ استمر في هذا التفسير ما يقرب من (٤٠) عاما، وأشار في بدايته إلى أن منهجه هو أن يقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين، تارة لها وأخرى عليها؛ حيث بيّن أن الاقتصار على الحديث المعاد في التفسير هو تعطيل لفيض القرآن الكريم الذي ما له من نفاد، ووصف تفسيره بأنه احتوى أحسن ما في التفاسير، وأن فيه أحسن مما في التفسير. وتفسير التحرير والتنوير في حقيقته تفسير بلاغي، اهتم فيه بدقائق البلاغة في كل آية من آياته، وأورد فيه بعض الحقائق العلمية، ولكن باعتدال ودون توسع أو إغراق في تفريعاتها ومسائلها. وقد انتقد ابن عاشور كثيرا من التفاسير والمفسرين، وانتقد فهم الناس للتفسير، ورأى أن أحد أسباب تأخر علم التفسير هو الولع بالتوقف عند النقل حتى وإن كان ضعيفا أو فيه كذب، وكذلك اتقاء الرأي ولو كان صواباً حقيقيا، ، وبيّن أن توهمهم في أن مخالفة النقل عن السابقين إخراج للقرآن عما أراد الله به؛ جعل من كتب التفسير عالة على كلام الأقدمين، بل أصبح التفسير "تسجيلا يقيَّد به فهم القرآن ويضيَّق به معناه". ولعل نظرة التجديد الإصلاحية في التفسير التي نادى بها ابن عاشور تتفق مع المدرسة الإصلاحية التي كان من روادها محمد عبده الذي رأى أن أفضل مفسر للقرآن الكريم هو الزمن، وهو ما يشير إلى معان تجديدية، ويتيح للأفهام والعقول المتعاقبة الغوص في معاني القرآن. وكان لنظرة الطاهر ابن عاشور هذه أثرها البالغ في تفسيره حيث التفت إلى مقاصد الكتاب الحكيم وفصل بيان

стр. 53

أهدافه وأغراضه، مما كان سببا في فهمه لمقاصد الشريعة الإسلامية التي وضع فيها أهم كتبه بعد "التحرير والتنوير" وهو كتاب "مقاصد الشريعة ". صدّرّّّ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور تفسيره بمقدمات في علوم القرآن، اشتملت هذه المقدمات على كل ما يحتاج إليه المفسر، حتى لا يضل ولا يزل عن المنهج السليم عند تفسيره لكتاب الله العظيم، وجعل المقدمات قسما من الجزء الأول من التحرير، تناول فيه عدداً من القضايا الهامة، وهي: الأولى: في التفسير والتأويل، ومعنى كل منهما. الثانية: في استمداد علم التفسير، ويريد به العلوم التي يستمد منها علم التفسير. الثالثة: في بيان موقفه من التفسير بالرأي، وعدم الاقتصار على التفسير بالمأثور. الرابعة: في بيان مقاصد القرآن التي يجب على المفسر أن يبرزها في تفسيره. الخامسة: في أسباب النزول وبيان أهميتها في التفسير. السادسة: القراءات وبيان علاقتها بالتفسير. السابعة: قصص القرآن وبيان فوائدها، وفوائد تكرارها. الثامنة: في بيان اسم القرآن وآياته وسوره وترتيبها وأسمائها، وعدد الآي ووقوف القرآن. التاسعة: في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة بها، وإن كثرت. العاشرة: في إعجاز القرآن ووجوه الإعجاز، وأقوال العلماء فيه، ومبتكرات القرآن، وعاداته (١).

стр. 54

منهجه في إيراد المعلومات: ١ - يذكر أولاً اسم السورة معتمداً في ذلك على ما ورد في السنة عن النبي ﷺ ، أو عن الصحابة ﵃، وما هو مكتوب في المصاحف القديمة، أو بطريق الاستنباط فمثلاً عند تفسيره لسورة الحجر قال في افتتاحه للسورة: " سُميت هذه السورة سورة الحجر، ولا يعرف لها اسم غيره. ووجه التسمية أن اسم الحجر لم يذكر في غيرها، والحجر اسم البلاد المعروفة وهو حجر ثمود " (١). ٢ - وبعد أن يعرض لتسمية السورة، ينتقل إلى الحديث عن مكية السورة أومدنيتها، ذاكراً الخلاف ومرجحاً ما يختاره، مبينا تاريخ النزول وعدادها بين سور القرآن الكريم المكية والمدنية على رواية جابر بن زيد عن ابن عباس ﵁، ومثال ذلك عند تفسيره لسورة الإخلاص وبعد أن ذكر وجه تسمية السورة قال: " وهي مكية في قول الجمهور، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية والقرظي: هي مدنية , ونسب كلا القولين إلى ابن عباس. ومنشأ هذا الخلاف الاختلاف في سبب نزولها فروى الترمذي عن أبي بن كعب، وروى العطار عن ابن مسعود، وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله " أن قريشاً قالوا للنبي ﷺ : " انسب لنا ربك " فنزلت قل هو الله أحد إلى آخرها " فتكون مكية، روى أبو صالح عن ابن عباس: " إن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة (أخا لبيد) أتيا النبي ﷺ فقال عامر: إلام تدعونا؟ قال: إلى الله،

стр. 55

قال صفه لنا أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة، فتكون مدنية لأنهما ما أتياه إلا بعد الهجرة. وقال الواحدي: " إن أحبار اليهود (منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف) قالوا للنبي ﷺ : صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فنزلت ". والصحيح أنها مكية، فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة، ولعل تأويل من قال: إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربد، أو حينما سأل أحبار اليهود: أن النبي ﷺ قرأ عليهم هذه السورة، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ أو لم يضبط الرواة عنهم تمام الضبط .. وعدت السورة الثانية والعشرون في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الناس وقبل سورة النجم " (١). ٣ - ثم يعرض المعلومات التفصيلية للآيات، وهو حين يفسرها يحرص على تفسير كل مجموعة آيات ذات موضوع واحد تحت مقطع واحد، إلا إن هذا لا يتيسّر له نظراً لطول بعض الآيات، فنجده أحياناً يفسر السورة آية آية، وأحياناً الآية جملة جملة، وأحياناً كل مجموعة آيات يفسرها معاً. ٤ - حرص على توضيح المشكل والغريب في المتن، ومثاله: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٢) قال: " وما مسنا من لغوب ": ما أصابنا من

стр. 56

تعب. واللغوب: الإعياء من الجري والعمل الشديد " (١). ٥ - كما تعرض لتخريج الأحاديث والآثار، ومثاله ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) قال ابن عاشور تعليقاً على قوله: (الحمد لله): " ولما كان الحمد مظهراً من مظاهر الشكر في مظهر النّطق جعل كناية عن الشكر هنا، إذ كان الكلام على إخلال المشركين بواجب الشكر إذْ أثنوا على الأصنام وتركوا الثناء على الله، وفي الحديث «الحمدُ رأس الشّكر». قال في الحاشية مخرجاً للحديث: رواه عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر مرفوعاً وفي سنده انقطاع، وروى الديلمي ما يؤيد معنى هذا الحديث من حديث أنس بن مالك مرفوعا " (٣). ٦ - اعتنى بترجمة الأعلام وضبطها يذكر ذلك في الحاشية، ومثال ذلك ما ذكره عند تفسيره لسورة الفاتحة قال: " وأما تسميتها السبع المثاني فهي تسمية ثبتت بالسنة، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد ابن المعلى: " أن رسول الله ﷺ قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته "، قال

стр. 57

ابن عاشور معرفاً بأبي سعيد بن المعلى في الحاشية: " هو الحارث بن نُفَيع (مصغراً) الزرقي - بضم ففتح - الأنصاري المتوفى سنة (٧٤ هـ) " (١). ٧ - وقد حرص كذلك على التعريف بالأماكن والقبائل، أحياناً في المتن، وأحياناً في الحاشية، ومثال ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ (٢) حيث ذكر مجيء وفد نصارى نجران للرسول ﷺ ، علق في الحاشية: " نجران بفتح النون وسكون الجيم، قبيلة من عرب اليمن، كانوا ينزلون قرية كبيرة تسمى نجران بين اليمن واليمامة وهم على دين النصرانية ولهم الكعبة اليمانية المشهورة وهي كنيستهم التي ذكرها الأعشى في شعره وقد وفد منهم على النبي ﷺ في ستين رجلاً منهم اثنا عشر نقيباً " (٣). ٨ - كما حرص على توثيق الأشعار وإكمالها، وبيان معناها، ومن ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤)، قال: " مراد منه أنه لا عدل فيقبل، ولا شفاعة شفيع يجدونه فتقبل شفاعته؛ لأن

стр. 58

دفع الفداء متعذر وتوسط الشفيع لمثلهم ممنوع إذ لا يشفع الشفيع إلا لمن أذن له , قال ابن عرفة: فيكون نفي نفع الشفاعة هنا من باب قوله: على لا حب يهتدي بمنارة .. قال معلقاً في الحاشية: " قائله امرؤ القيس، وقبله: وإني زعيم إن رجعت مملكاً ... بسير ترى منه الفرانق أزدرا على لا حب ........ إلخ ... إذا سافه العوذ الديافي جرجرا الفرانق: بضم الفاء وكسر النون هو الذي يدل صاحب البريد. وأزدرا أفعل تفضيل لغة في أصدرا قرئ بها قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ (١). واللاحب: الطريق الواسع. والمنار: العلامة. وسافه: شده. والديافي: منسوب إلى دياف - بكسر الدال - قرية تنسب لها كرام الإبل، وجرجرا أي صوت " (٢). ٩ - أحال على مواضع أخرى في تفسيره، ومن ذلك ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ (٣) قال: "جعل افتراءهم الكذب _ لشدّة تحقّق وقوعه _ كأنّه أمر مَرئيّ ينظره الناس بأعينهم، وإنّما هو ممّا يسمع ويعقل، وكلمة: " وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا " نهاية في بلوغه غاية الإثم كما يؤذن به تركيب (كفى به كذا)،

стр. 59

وقد تقدّم القول في (كفى) عند قوله آنفاً: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١) " (٢). كما يحيل إلى كتب أخرى، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٣): " وهذا النهي يفيد تعميم كل استكثار كيفما كان ما يعطيه من الكثرة, وللأسبقين من المفسرين تفسيرات لمعنى ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ليس شيء منها بمناسب, وقد أنهاها القرطبي إلى أحد عشر " (٤).

стр. 60

المطلب الثاني موقف ابن عاشور من أنواع التفسير أولاً: موقفه من التفسير بالمأثور: اعتمد في تفسيره على التفسير بالمأثور، كركيزة ينطلق منها إلى التفسير بالرأي بما يؤدي إليه اجتهاده من المعاني التي يعضدها الدليل، وتشهد لها اللغة والعقل الصحيح. ، ولقد بين ذلك الشيخ ابن عاشور في مقدمته الثالثة التي عنون لها بـ: صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأي. حيث قال: "أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب أن لا يعدو ما هو مأثور فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها ولم يضبطوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر فإن أرادوا به ما روى عن النبي ﷺ من تفسير بعض آيات إن كان مروياً بسند مقبول من صحيح أو حسن، فإن التزموا هذا الظن بهم فقد ضيقوا سعة معاني القرآن وينابيع ما يستنبط من علومه، وناقضوا أنفسهم فيما دونوه من التفاسير، وغلطوا سلفهم فيما تأولوه، إذ لا ملجأ لهم من الاعتراف بأن أئمة المسلمين من الصحابة فمن بعدهم لم يقصروا أنفسهم على أن يرووا ما بلغهم من تفسير عن النبي ﷺ ، وقد سأل عمر بن الخطاب أهل العلم عن معاني آيات كثيرة ولم يشترط عليهم أن يرووا ما بلغهم من تفسير عن النبي ﷺ ... " (١)

стр. 61

وسأبين أولا في هذا المطلب اعتماده على التفسير بالأثر من خلال الأمور التالية: - تفسير القرآن بالقرآن . - تفسير القرآن بالسنة. - تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين. - موقفه من الإسرائيليات. • تفسير القرآن بالقرآن: لم يغفل ابن عاشور هذا الجانب المهم من التفسير بالمأثور، بل إنه يرد على بعض التفاسير لمخالفتها للمأثور ويرجح بعضها على بعض بدلالة القرآن. أما طريقته في تناوله لتفسير القرآن بالقرآن فهي لا تخرج عن طريقين: الأول: عنايته بتوضيح المعنى بمعنى آخر من آية أخرى توضحه. الثاني: تفسير مجمل الآية بآية أخرى من باب حمل المطلق على المقيد. ومثال الأول قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (١): " ومعنى إجابة الدعوة إعطاء ما سأله موسى ربّه أن يسلب عن فرعون وملائه النعم، ويواليَ عليهم المصائب حتى يسأموا مقاومةَ دعوة موسى وتنحطّ غلواؤهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢) وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ

стр. 62

وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (١) " (٢). ومثال الثاني قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا .. ﴾ (٣): " والمجعول حراماً هو ما حكى الله بعضه عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ (٤) , وقوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا .. ﴾ (٥) " (٦) ففسر هذه الآية بما ورد في الآيات الأخرى. • تفسير القرآن بالسنة: لم يغفل الشيخ ابن عاشور هذا الجانب بل نجده كثيراً ما يستشهد بقول النبي ﷺ في تفسير الآية وترجيح بعض المعاني على غيرها، قال ابن عاشور: " فاستمداد علم التفسير للمفسر العربي والمولد من المجموع الملتئم من علم العربية

стр. 63

وعلم الآثار، وأما الآثار فالمعني بها ما نقل عن النبي ﷺ من بيان المراد من بعض القرآن في موضع الإشكال والإجمال " (١). ولقد تميز منهج ابن عاشور في تناول الحديث الشريف بملامح متباينة أبرزها من خلال عدة أمور: الأول: طريقته في إيراد الأحاديث. الثاني: طريقته في عزو الأحاديث. الثالث: الحكم على الأحاديث. أولاً: طريقته في إيراد الأحاديث: منهجه فيها على النحو الآتي: أولاً: إنه أحياناً يورد الحديث المفسِّر للآية مباشرة من تفسير النبي ﷺ ، ومنه ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢)، قال ابن عاشور: " وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك. في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁" لمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ شَقّ ذلك على المسلمين وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ " فقال لهم رسول الله ﷺ : " ليس كما تَظُنّون إنَّما هو كما قال لقمان

стр. 64

لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) اهـ " (٢). ثانيا: وأحياناً يورد الحديث في شرح المعنى والاستطراد في بيان معناه، ومن أمثلته ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣) قال ابن عاشور: " وكان أهل الجاهلية لا يعاقبون على الزنى لأنه بالتراضي بين الرجل والمرأة إلا إذا كان للمرأة زوج أو ولي يذب عن عرضه بنفسه .. ولم تكن في ذلك عقوبة مقدرة ولكنه حكم السيف أو التصالح على ما يتراضيان عليه. وفي «الموطأ» عن أبي هريرة وزيد ابن خالد الجهني أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم. فقال: تكلم. قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأخبروني أنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ : أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك. وجلد ابنه مائة ,وغربه عاماً , وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة

стр. 65

الآخر فإن اعترفت رَجمها ,فاعترفت فرجمها. قال مالك: والعسيف الأجير اهـ. فهذا الافتداء أثر مما كانوا عليه في الجاهلية، ثم فرض عقاب الزنى في الإسلام بما في سورة النساء وهو الأذى للرجل الزاني، أي بالعقاب الموجع، وحبس للمرأة الزانية مدة حياتها. وأشارت الآية إلى أن ذلك حكم مجمل بالنسبة للرجل لأن الأذى صالح لأن يبيّن بالضرب أو بالرجم وهو حكم مؤقت بالنسبة إلى المرأة بقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١) ثم فرض حد الزنى بما في هذه السورة. ففرض حد الزنى بهذه الآية جلد مائة فعمّ المحصن وغيره، وخصصته السنة بغير المحصن من الرجال والنساء. فأما من أحصن منهما - أي تزوج بعقد صحيح ووقع الدخول - فإن الزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى يموت. وكان ذلك سُنةً متواترةً في زمن النبي ﷺ ورجم ماعز بن مالك، وأجمع على ذلك العلماء، وكان ذلك الإجماع أثراً من آثار تواترها " (٢). ثانياً: طريقته في عزو الأحاديث: أ) أحياناً يذكر الحديث النبوي الشريف دون الإشارة إلى راويه بل يقول: وفي الحديث كذا ولا ينسبه، وهذا كثير، ومن أمثلته ما أورده في معرض

стр. 66

شرحه لقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (١) قال ابن عاشور في مجال الاستشهاد بالحديث على ما يتعلق بحال الملائكة: " المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم " (٢) ولم ينسبه. ب) وأحياناً أخرى يعزوها وينقسم عزوه لها إلى ثلاثة أقسام: - أن يعزوها إلى مصادر أصلية من كتب السنة: ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (٣) قال ابن عاشور: " وقد بيَّنت السنة أن المستأذن إن لم يؤذن له بالدخول يكرره ثلاث مرات فإذا لم يؤذن له انصرف، وورد في هذا حديث أبي موسى الأشعري مع عمر بن الخطاب رضي الله عليهما في «صحيح البخاري» وهو ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى ﵁ كأنه مذعور فقال استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك قلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقال رسول الله ﷺ إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع فقال والله لتقيمن عليه بينة أَمِنْكُم أحد سمعه من النبي ﷺ فقال أبي بن كعب - رضي

стр. 67

الله عنه -والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك " (١). - ومنها ما يعزوها إلى مصادر ثانوية ككتب التفسير التي لا تروي بالسند: ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (٢) قال ابن عاشور: " وروى القرطبي أن أول من صلى نحو الكعبة من المسلمين أبو سعيد بن المعلى، وفي الحديث ضعف " (٣). - ومنها ما يعزوها عزواً عاماً: ومنه ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ (٤) قال ابن عاشور: " وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر " الحديث. انتهى (٥).

стр. 68

ثالثاً: طريقته في الحكم على الأحاديث: لم يجعل ابن عاشور تخريج الأحاديث والآثار شرطاً في كتابه، ومع ذلك نجده كثيراً ما يخرج الروايات، مبيناً صحيحها من ضعيفها، فيتعقب الروايات الضعيفة، ويحذر من الروايات الموضوعة مبيناً خطورتها على التفسير. ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (١)، وفيها قال ابن عاشور: " وهذه الآية تعمّ جميع الأبرار وعلى ذلك التحم نسجها، وقد تلقَّفَها القصاصون والدعاة فوضعوا لها قصصاً مختلفة، وجاءوا بأخبار موضوعة وأبيات مصنوعة، فمنهم من زعم أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة ﵄ في قصة طويلة ذكرها الثعلبي والنقاش، وساقها القرطبي بطولها ثم زيفها، وذكر عن الحكيم الترمذي أنه قال في «نوادر الأصول»: هذا حديث مروّق مزيف، وأنه يشبه أن يكون من أحاديث أهل السجون. وقيل نزلت في مُطعم بن ورقاء الأنصاري، وقيل في رجل غيره من الأنصار، وقد استوفى ذلك كله القرطبي في تفسيره فلا طائل تحت اجتلابه، وأصحاب رسول الله ﷺ وآله أهلٌ لأن ينزل القرآن فيهم إلاّ أن هذه الأخبار ضعيفة أو موضوعة " (٢).

стр. 69

• تفسير القرآن بمرويات الصحابة والتابعين ومن بعدهم: اعتنى ابن عاشور في تفسيره بأقوال الصحابة والتابعين عناية فائقة حيث أكثر في تفسيره من النقل عنهم، ومن أبرز الذين أفاد منهم ابن عاشور من أعلام الصحابة: عمر بن الخطاب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر ﵃ أجمعين. ومن أعلام التابعين: أبو رزين مسعود بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعامر بن شراحيل الشعبي، ومجاهد بن جبر، والضحاك بن مزاحم، وعكرمة مولى ابن عباس والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة بن دعامة السدوسي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي، ومقاتل بن سليمان البلخي. فنجد ابن عاشور يورد أقوالهم مستدلاً بها، ومعضداً قوله الذي يذهب إليه، وتجده أحياناً يحاول أن يوفق بين أقوالهم والمدلول اللغوي للكلمة، وقد يردُّ ما روى عنهم أحياناً إذا لم يمكن التوفيق بينه وبين سياق الآية، والبحث له عن مخرج، إما بعدم ثبوت القول إلى الصحابي أو التابعي، أو قد يكون خفي عليه المعنى الحقيقي للآية (١).

стр. 70

• موقفه من الإسرائيليات: سلك ابن عاشور في إيراد الإسرائيليات منهجاً متميزاً عن كثير من المفسرين، إذ إنه يندر أن يورد الإسرائيليات عن طريق الرواية عن مسلمي أهل الكتاب، ولكنه يوردها كثيراً عن طريق نقله من الكتب المقدسة بمصدرها الأصلي في العهدين الجديد والقديم , ذاكراً رقم السفر والإصحاح الذي توجد فيه القصة (١). وقد يكون هذا من مميزات التفسير إذا نظرنا من ناحية تأصيلية في كونه يذكر هذه الإسرائيليات من مصدرها الأصلي، ويمكن أن نعده مأخذا على الشيخ من حيث إنه ضمّن ثقافته الإسرائيلية ونشرها في تضاعيف كتابه دون أن يعنى كبير عناية بنقد هذه الإسرائيليات. ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (٢). قال الشيخ نقلاً عن الإسرائيليات: اسم زوج آدم عند العرب "حواء" واسمها في العبرانية مضطرب ففي سفر التكوين في الإصحاح الثاني إن اسمها امرأة سماها كذلك آدم قال لأنها من امرئ أخذت ,وفي الإصحاح الثالث أن آدم دعا اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي ... وفي التوراة أن حواء خلقت في الجنة بعد أن سكن آدم في الجنة وأن الله خلقها لتؤنسه قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا

стр. 71

زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (١) (٢). أورد ابن عاشور هذا الخبر الإسرائيلي هكذا دون أن يعقب عليه بأي تعليق أو على المصدر المستقى منه، وهذه المبهمات لا تحدد في شريعة الإسلام إلا بالخبر الصحيح عن الرسول ... ﷺ (٣). وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا .. ﴾ (٤): " وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان في كتبهم , فقد جاء في سفر الملوك الأول: إن سليمان في زمن شيخوخته أمالت نساؤه المصريات والصيدونيات والعمونيات قلبَه إلى آلهتهن مثل (عشتروت) إله الصيدونيين (ومُولوك) إله العمونيين (الفينيقيين) وبنى لهاته الآلهة هياكل , فغضب الله عليه لأن قلبه مال عن إله إسرائيل الذي أوصاه أن لا يتبع آلهة أخرى" (٥). يبين ابن عاشور في هذا الخبر الدليل على اعتقاد اليهود بكفر سليمان ﵇ وذلك من خلال نصوص كتبهم، وكان من الممكن أن نعتبر هذا النوع من الاستدلال من محاسن "التحرير والتنوير" لو أن الشيخ ابن عاشور بعد

стр. 72

أن استشهد بهذا النص عقب عليه بما يدحض معناه، حيث اشتمل النص على عبارات تنافي عصمة الأنبياء، من كون النساء أثَّرن على سليمان في زمن شيخوخته وأملن قلبه إلى آلهتهن فغضب الله عليه؛ لأن قلبه مال عن إله إسرائيل. فهل يعقل أن الأنبياء بعد نزول الوحي عليهم وهم المعصومون من الكفر والعصيان أن تمُيل النساء قلب أحدهم إلى الكفر ,كما فعلت نساء سليمان معه في زمن شيخوخته في زعم هذه الإسرائيليات الباطلة , فهذه الإسرائيليات وأمثالها تخالف عقيدة أهل الإسلام في عصمة الأنبياء (١). ثانياً: موقفه من التفسير بالرأي: ذكر ابن عاشور في المقدمة الثالثة من تفسيره موقفه من التفسير بالرأي، وهو يرى أن تفسيراً كثيراً للقرآن لم يكن من المأثور عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وأن التفاسير قد اتسعت، وتفنن أصحابها في استنباط معاني القرآن، بما رزقهم الله من فهم كتاب الله. ويقول: " لو كان التفسير مقصوراً على بيان معاني مفردات القرآن من جهة العربية لكان التفسير نزراً، ونحن نشاهد كثرة أقوال السلف من الصحابة فمن يليهم - في تفسير القرآن - وما أكثر ذلك الاستنباط برأيهم وعلمهم " (٢). كما حدّد ابن عاشور الضوابط والحدود التي يسير الرأي في دائرتها إذ

стр. 73

يقول: " إن المراد بالرأي هو القول عن مجرد خاطر دون استناد إلى نظر في أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها، ومالا بد منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول فهذا لا محالة إن أصاب فقد أخطأ في تصوره بلا علم لأنه لم يكن مضمون الصواب كقول المثل: " رمية من غير رام ". ثم ذكر ماجاء في النهي عن التفسير بالرأي من أحاديث وآثار عن سلف الأمة، ثم قام بتوجيه النهي عنه إلى خمسة وجوه: ١ - أن المراد بالرأي هو القول عن مجرد خاطر، دون استناد إلى النظر في أدلة العربية، ومقاصد الشريعة وتصاريفها، ومالا بد منه. ٢ - أن لا يتدبر القرآن حق تدبره، فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأي دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير، مقتصراً على بعض الأدلة دون بعض. ٣ - أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة، فيتأول القرآن على وفق رأيه، ويصرفه عن المراد، ويرغمه على تحمل مالا يساعد عليه المعنى المتعارف. ٤ - أن يفسر القرآن برأي مستند إلى ما يقتضيه اللفظ، ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره، لما في ذلك من التضييق على المتأولين. ٥ - أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة والحذر في التدبر والتأويل ونبذ التسرع إلى ذلك. وقَسمهُ إلى محمود مقبول، ومذموم مردود، وذكر من أمثلة المردود التفسير

стр. 74

الباطني والتفسير الإشاري (١) ... . ومن يدقق النظر في تفسير ابن عاشور يدرك أنه قد وعى واستوعب جميع الشروط والمواصفات الواجب توافرها في المتصدي لتفسير كتاب الله تعالى. ومن مذهبه أن ألفاظ القرآن تحتمل الكثير من المعاني المرادة والمقصودة مالم يمنع من ذلك مانع صريح أو غالب من دلالة شرعية أو لغوية أو توقيفية، وهذا هو الذي جعل تفسيره يزخر بالمعاني العظيمة، والأقوال المتعددة في الآية الواحدة، فله نظر لألفاظ القرآن وما تحويه من الكنوز، وقد بيّن ذلك في مقدمة كاملة من مقدمات التفسير وهي المقدمة التاسعة التي عنونها بقوله: " المقدمة التاسعة في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة بها" (٢). وخلاصة ما ذكره: أن العرب قوم أذكياء ذوو فصاحة وفطنة، وأنزل القرآن بلغتهم، وهي لغة سهلة، وهي أوفر اللغات مادة، وأقلها حروفاً , وأوفرها ألفاظاً , وأكثرها في الدلالة على أغراض المتكلم. ولما كان القرآن نازلاً بهذه اللغة التي هذه صفتها، على أولئك القوم الذين مضى ذكرهم وما هم عليه من الفطنة والذكاء وتمام الفصاحة والبلاغة، كان حقيقاً بأن يودع فيه من المعاني والمقاصد أكثر مما تحتمله الألفاظ، في أقل ما يمكن من المقدار، بحسب ما تسمح به اللغة الوارد هو بها، التي هي أسمح اللغات بهذه الاعتبارات، ليحصل تمام المقصود من الإرشاد الذي جاء لأجله في جميع

стр. 75

نواحي الهدى وهذا الأساس أو القاعدة التي أرساها الشيخ تنبع من منظور عقلي جرت عليه المدرسة العقلية. ثم أخذ يستدل على هذا التأصيل بما ورد عن النبي ﷺ وعن صحابته الكرام رضوان الله عليهم، وعن فقهاء الإسلام، من التفاسير التي ليست هي المعنى الأسبق من التركيب، ولكنها محمولة على أن الرسول ﷺ أراد بذلك إيقاظ الأذهان إلى أخذ أقصى المعاني من ألفاظ القرآن، ومثال ذلك ما رواه أبو سعيد بن المعلى قال: (دعاني رسول الله ﷺ وأنا في الصلاة فلم أجبه، فلما فرغت أقبلت إليه فقال: ما منعك أن تجيبني؟ فقلت: يا رسول الله! كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (١) فلا شك أن المعنى المسوقة فيه الآية هو الاستجابة بمعنى الامتثال، غير أن لفظ الاستجابة لما كان صالحاً للحمل على المعنى الحقيقي أيضاً وهو إجابة النداء حمل النبي ﷺ الآية على ذلك المقام الصالح له، وعلم الصحابة والتابعون أن ذلك مما يسوغ في ألفاظ القرآن الجزلة، المحتملة للمعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة (٢). ومن هنا نتبين موقف ابن عاشور من التفسير بالرأي وأنه قد فتح المجال الواسع لبيان معاني القرآن ومدلولات ألفاظه وتراكيبه.
следующие страницы →