زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (١)(٢).
أورد ابن عاشور هذا الخبر الإسرائيلي هكذا دون أن يعقب عليه بأي تعليق أو على المصدر المستقى منه، وهذه المبهمات لا تحدد في شريعة الإسلام إلا بالخبر الصحيح عن الرسول ... ﷺ (٣).
وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا .. ﴾ (٤): " وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان في كتبهم , فقد جاء في سفر الملوك الأول: إن سليمان في زمن شيخوخته أمالت نساؤه المصريات والصيدونيات والعمونيات قلبَه إلى آلهتهن مثل (عشتروت) إله الصيدونيين (ومُولوك) إله العمونيين (الفينيقيين) وبنى لهاته الآلهة هياكل , فغضب الله عليه لأن قلبه مال عن إله إسرائيل الذي أوصاه أن لا يتبع آلهة أخرى" (٥).
يبين ابن عاشور في هذا الخبر الدليل على اعتقاد اليهود بكفر سليمان ﵇ وذلك من خلال نصوص كتبهم، وكان من الممكن أن نعتبر هذا النوع من الاستدلال من محاسن "التحرير والتنوير" لو أن الشيخ ابن عاشور بعد
стр. 72
أن استشهد بهذا النص عقب عليه بما يدحض معناه، حيث اشتمل النص على عبارات تنافي عصمة الأنبياء، من كون النساء أثَّرن على سليمان في زمن شيخوخته وأملن قلبه إلى آلهتهن فغضب الله عليه؛ لأن قلبه مال عن إله إسرائيل.
فهل يعقل أن الأنبياء بعد نزول الوحي عليهم وهم المعصومون من الكفر والعصيان أن تمُيل النساء قلب أحدهم إلى الكفر ,كما فعلت نساء سليمان معه في زمن شيخوخته في زعم هذه الإسرائيليات الباطلة , فهذه الإسرائيليات وأمثالها تخالف عقيدة أهل الإسلام في عصمة الأنبياء (١).
ثانياً: موقفه من التفسير بالرأي:
ذكر ابن عاشور في المقدمة الثالثة من تفسيره موقفه من التفسير بالرأي، وهو يرى أن تفسيراً كثيراً للقرآن لم يكن من المأثور عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وأن التفاسير قد اتسعت، وتفنن أصحابها في استنباط معاني القرآن، بما رزقهم الله من فهم كتاب الله.
ويقول: " لو كان التفسير مقصوراً على بيان معاني مفردات القرآن من جهة العربية لكان التفسير نزراً، ونحن نشاهد كثرة أقوال السلف من الصحابة فمن يليهم - في تفسير القرآن - وما أكثر ذلك الاستنباط برأيهم وعلمهم " (٢).
كما حدّد ابن عاشور الضوابط والحدود التي يسير الرأي في دائرتها إذ
стр. 73
يقول: " إن المراد بالرأي هو القول عن مجرد خاطر دون استناد إلى نظر في أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها، ومالا بد منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول فهذا لا محالة إن أصاب فقد أخطأ في تصوره بلا علم لأنه لم يكن مضمون الصواب كقول المثل: " رمية من غير رام ". ثم ذكر ماجاء في النهي عن التفسير بالرأي من أحاديث وآثار عن سلف الأمة، ثم قام بتوجيه النهي عنه إلى خمسة وجوه:
١ - أن المراد بالرأي هو القول عن مجرد خاطر، دون استناد إلى النظر في أدلة العربية، ومقاصد الشريعة وتصاريفها، ومالا بد منه.
٢ - أن لا يتدبر القرآن حق تدبره، فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأي دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير، مقتصراً على بعض الأدلة دون بعض.
٣ - أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة، فيتأول القرآن على وفق رأيه، ويصرفه عن المراد، ويرغمه على تحمل مالا يساعد عليه المعنى المتعارف.
٤ - أن يفسر القرآن برأي مستند إلى ما يقتضيه اللفظ، ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره، لما في ذلك من التضييق على المتأولين.
٥ - أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة والحذر في التدبر والتأويل ونبذ التسرع إلى ذلك.
وقَسمهُ إلى محمود مقبول، ومذموم مردود، وذكر من أمثلة المردود التفسير
стр. 74
الباطني والتفسير الإشاري (١) ... .
ومن يدقق النظر في تفسير ابن عاشور يدرك أنه قد وعى واستوعب جميع الشروط والمواصفات الواجب توافرها في المتصدي لتفسير كتاب الله تعالى.
ومن مذهبه أن ألفاظ القرآن تحتمل الكثير من المعاني المرادة والمقصودة مالم يمنع من ذلك مانع صريح أو غالب من دلالة شرعية أو لغوية أو توقيفية، وهذا هو الذي جعل تفسيره يزخر بالمعاني العظيمة، والأقوال المتعددة في الآية الواحدة، فله نظر لألفاظ القرآن وما تحويه من الكنوز، وقد بيّن ذلك في مقدمة كاملة من مقدمات التفسير وهي المقدمة التاسعة التي عنونها بقوله: " المقدمة التاسعة في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة بها" (٢).
وخلاصة ما ذكره: أن العرب قوم أذكياء ذوو فصاحة وفطنة، وأنزل القرآن بلغتهم، وهي لغة سهلة، وهي أوفر اللغات مادة، وأقلها حروفاً , وأوفرها ألفاظاً , وأكثرها في الدلالة على أغراض المتكلم.
ولما كان القرآن نازلاً بهذه اللغة التي هذه صفتها، على أولئك القوم الذين مضى ذكرهم وما هم عليه من الفطنة والذكاء وتمام الفصاحة والبلاغة، كان حقيقاً بأن يودع فيه من المعاني والمقاصد أكثر مما تحتمله الألفاظ، في أقل ما يمكن من المقدار، بحسب ما تسمح به اللغة الوارد هو بها، التي هي أسمح اللغات بهذه الاعتبارات، ليحصل تمام المقصود من الإرشاد الذي جاء لأجله في جميع
стр. 75
نواحي الهدى وهذا الأساس أو القاعدة التي أرساها الشيخ تنبع من منظور عقلي جرت عليه المدرسة العقلية.
ثم أخذ يستدل على هذا التأصيل بما ورد عن النبي ﷺ وعن صحابته الكرام رضوان الله عليهم، وعن فقهاء الإسلام، من التفاسير التي ليست هي المعنى الأسبق من التركيب، ولكنها محمولة على أن الرسول ﷺ أراد بذلك إيقاظ الأذهان إلى أخذ أقصى المعاني من ألفاظ القرآن، ومثال ذلك ما رواه أبو سعيد بن المعلى قال: (دعاني رسول الله ﷺ وأنا في الصلاة فلم أجبه، فلما فرغت أقبلت إليه فقال: ما منعك أن تجيبني؟ فقلت: يا رسول الله! كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (١) فلا شك أن المعنى المسوقة فيه الآية هو الاستجابة بمعنى الامتثال، غير أن لفظ الاستجابة لما كان صالحاً للحمل على المعنى الحقيقي أيضاً وهو إجابة النداء حمل النبي ﷺ الآية على ذلك المقام الصالح له، وعلم الصحابة والتابعون أن ذلك مما يسوغ في ألفاظ القرآن الجزلة، المحتملة للمعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة (٢).
ومن هنا نتبين موقف ابن عاشور من التفسير بالرأي وأنه قد فتح المجال الواسع لبيان معاني القرآن ومدلولات ألفاظه وتراكيبه.
стр. 76
المطلب الثالث
منهج ابن عاشور في القراءات المتواترة والشاذة
اعتنى الشيخ ابن عاشور بالقراءات عناية كبيرة , وجعل المقدمة السادسة من مقدمات التفسير للحديث عنها، وذكر أن السبب في كتابتها في المقدمة هو عناية كثير من المفسرين بها.
وبنى أول التفسير على قراءة نافع برواية عيسى بن مينا المدني الملقب بقالون لأنها القراءة المدنية إماما وراويًا، ولأنها التي يقرأ بها معظم أهل تونس، ثم ذكر خلاف بقية القراء العشرة خاصة.
وذكر أنه اقتصر في تفسيره على ذكر اختلاف القراءات العشر المشهورة خاصة في أشهر روايات الراوين عن أصحابها لأنها متواترة، وإن كانت القراءات السبع قد امتازت على بقية القراءات بالشهرة بين المسلمين في أقطار الإسلام.
ولكنه لم يلتزم بما قال، بل أطنب إطنابا غريبا في بعض المواضع، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١): " والصراط: الطريق ,وهو بالصاد والسين ,وقد قرئ بهما في المشهورة ,وكذلك نطقت به بالسين جمهور العرب إلا أهل الحجاز نطقوه بالصاد مبدلة عن السين لقصد التخفيف في الانتقال من السين إلى الراء ثم إلى الطاء ... وقيسٌ قلبوا السين بين الصاد والزاي وهو إشمام وقرأ به حمزة في رواية خلف عنه. ومن العرب من
стр. 77
قلب السين زايًا خالصة " (١).
أما الشروط التي اشترطها ابن عاشور في القراءة المقبولة فهي نفس الشروط التي ترددت عند العلماء وهي:
١ - موافقة اللغة العربية ولو بوجه من الوجوه.
٢ - موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية.
٣ - صحة سندها.
وإلى ذلك يشير ابن الجزري في "طيبة النشر " بقوله:
فكل ما وافق وجه نحو ... وكان للرسم احتمالاً يحوي
وصح إسناداً وهو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت شذوذه ... لوأنه في السبعة (٢)
ولكن مما يجدر الإشارة إليه أن ابن عاشور يرى أن التواتر شرط كاف لأن تكون القراءة مقبولة
حيث يرى أن الشروط الثلاثة الأولى هي شروط في قبول القراءة إذا كانت غير متواترة عن النبي ﷺ بأن كانت صحيحة السند إلى النبي ﷺ ولكنها لم تبلغ حد التواتر فهي بمنزلة الحديث الصحيح، وأما القراءة المتواترة فهي غنية عن هذه الشروط لأن تواترها يجعلها حجة في العربية، ويغنيها عن الاعتضاد بموافقة المصحف المجمع عليه (٣).
стр. 78
ويؤيد كلام ابن عاشور ما ذكره ابن الجزري: "وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم ولقد كنت أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده " (١).
ويقول أيضا: " إن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الآخرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي ﷺ وجب قبوله وقطع بكونه قرآناً , سواء أوافق الرسم أم خالفه " (٢).
ومن هنا لا يعبأ الشيخ محمد بن عاشور بمخالفة بعض القراءات المتواترة لرسم المصحف.
أما عن موقفه من القراءات المتواترة من حيث الترجيح والاختيار فهو الآتي:
أولاً: نجده أحياناً يختار من القراءات المتواترة.
ومن أمثلة اختياره بعض القراءات المتواترة الصحيحة ما أورده عند بيان القراءات في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) حيث قال: " وقرأ الجمهور هاء «وهو» بالضم على الأصل، وقرأها قالون وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر بالسكون للتخفيف عند دخول حرف العطف عليه، والسكون أكثر من الضم في كلامهم , وذلك مع الواو والفاء ولام الابتداء،
ووجهه: أن الحروف التي هي على حرف واحد إذا دخلت على الكلمة
стр. 79
تنزلت منزلة الجزء منها فصارت الكلمة ثقيلة بدخول ذلك الحرف فيها , فخففت بالسكون كما فعلوا ذلك في حركة لام الأمر مع الواو والفاء، ومما يدل على أن أفصح لغات العرب إسكان الهاء مِن (هو) إذا دخل عليه حرف، أنك تجده في الشعر فلا يتزن البيت إلا بقراءة الهاء ساكنة ولا تكاد تجد غير ذلك بحيث لا يمكن دَعوى أنه ضرورة" (١).
ثانياً: لا يرجح بين القراءات المتواترة الصحيحة، بل نجده أحيانا يرد على بعض العلماء الذين يرجحون بين القراءات الصحيحة الثابتة ويطعنون فيها:
ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن عاشور عند قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢) قال: " وكلتاهما - أي قراءة ملك ومالك - صحيحة ثابتة , كما هو شأن القراءات المتواترة كما تقدم في المقدمة السادسة , وقد تصدى المفسرون والمحتجون للقراءات لبيان ما في كل من قراءة (ملك) بدون ألف , وقراءة (مالك) بالألف من خصوصيات بحسب قَصْر النظر على مفهوم كلمة ملك ومفهوم كلمة (مالك)، وغفلوا عن إضافة الكلمة إلى يوم الدين، فأما والكلمة مضافة إلى يوم الدين فقد استويا في إفادة أنه المتصرف في شؤون ذلك اليوم دون شبهة مشارك. ولا محيصَ عن اعتبار التوسع في إضافة (ملك) أو (مالك) إلى (يوم) بتأويل شؤون يوم الدين. على أن (مالك) لغة في (ملك) ففي
стр. 80
«القاموس»: «وكأمير وكتف وصاحب ذُو الملك» " (١).
كما نجد ابن عاشور قد ردَّ على بعض العلماء السابقين الذين يرجحون بين القراءات الثابتة، ومن ذلك ردّه على ابن جرير عند توجيه القراءات في كلمة (يطهرن) حيث رجّح الطبري قراءة التشديد قائلاً " وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: " حتى يطَّهَّرن " بتشديدها وفتحها، بمعنى حتى يغتسلن، لإجماع الأمة على أنه حرام على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم عنها حتى تطهر " (٢) ... فكان رد ابن عاشور عليه بقوله: " بأنه مردود بأن لا حاجة إلى الاستدلال بدليل الإجماع , ولا إلى ترجيح القراءة به " (٣).
أما منهجه في ذكر القراءات الشاذة:
فقد ذكر ابن عاشور في تفسيره أنه لن يتعرض للقراءات الشاذة، ولكنه يذكرها أحياناً، ولأغراض معينة، وهو إن ذكرها إما أن يصرح بشذوذها، ويذكر وجه ذكره لها - كما سيأتي - وإما أن لا يصرح بشذوذها، ولكنه يفهم منه تلميحا ضعفها فمثلاً عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ (٤) قال: "والقراءة المتواترة ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ بفتح لام الملكين، وقرأه ابن عباس والضحاك
стр. 81
والحسن بن أبزى بكسر اللام" (١).
فهنا لم يصرح ابن عاشور بشذوذ قراءة ابن عباس ومن معه ولكن فهم منه تلميحاً، وقد يكون هذا الذي لم يصرح به مما نقله من كتب التفاسير، وهذا قليل.
أما أغراض ذكر القراءات الشاذة عند ابن عاشور فهي التالي:
١ - إنه يستشهد بالقراءة الشاذة ليفسر ويبين القراءة المتواترة ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢) قال: " قرأها ابن عباس بزيادة (مواسم الحج) حيث انقطع البيع وحرم، وكانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثمَّوا أن يتجروا في المواسم، فنزلت هذه الآية " (٣).
٢ - كما أنه يستشهد بالقراءة الشاذة ليدلل على أحد الأقوال الواردة في الآية حيث نجده يورد القراءة الشاذة دون أن يصرح بشذوذها ليعضد بها قولاً من الأقوال الواردة في معنى الآية (٤).
٣ - كما أنه يستدل أحياناً بالقراءة الشاذة على صحة بعض الوجوه
стр. 82
النحوية، ومن ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١): " قرأ الجمهور: فيَغفرْ ويعذّب بالجزم، عطفاً على يحاسِبْكم، وقرأه ابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: بالرفع على الاستئناف , بتقدير فهو يغفر، وهما وجهان فصيحان، ويجوز النصب ولم يقرأ به إلا في الشاذ " (٢).
٤ - أحياناً يذكر القراءة الشاذة لقصة طريفة فيها نكتة عربية، قال ابن عاشور: عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ (٣): " ومن القراءات الشاذة في هذه الآية ما ذكره في "الكشاف " أن عليا قرأ " والذين يَتَوفون " بفتح التحتية، على أنه مضارع "توفى"مبنيا للفاعل، بمعنى مات، بمعنى توفى أجله، أي: استوفاه، وأنا وإن كنت التزمت ألا أتعرض للقراءات الشاذة فإنما ذكرت هذه القراءة لقصة طريفة فيها نكتة عربية، أشار إليها في الكشاف وفصلها السكاكي في المفتاح، وهي أن عليا كان يشيع جنازة فقال له قائل " من المتوفي " بلفظ اسم الفاعل " أي بكسر الفاء " سائلا عن المتوفى - بفتح الفاء - فلم يقل: فلان بل قال (الله) مُخَطِّئاً إياه مُنبهاً له بذلك على أنه يحق أن يقول: من المتوفى؟ بلفظ اسم المفعول , وما فعل ذلك إلا لأنه عرف من السائل أنه ما أورد لفظ المتوفى
стр. 83
على الوجه الذي يكسوه جزالة وفخامة وهو وجه القراءة المنسوبة إليه - أي إلى علي - والذين يتوفون منكم بلفظ بناء الفاعل على إرادة معنى: (والذين يستوفون مدة أعمارهم) " (١).
стр. 84
المطلب الرابع
عنايته بالوجوه البلاغية واللغة
اعتنى ابن عاشور في تفسيره ببيان الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن، وجعل المقدمة الثانية، في استمداد علم التفسير، وركز على أهمية علمي البيان والمعاني ثم الشعر وبهما صدر العلوم التي يستمد منها التفسير، فقدم ما حقه التأخير وأخر ما حقه التقديم، كما أنه بيّن في المقدمة العاشرة من تفسيره كيف تفوّق القرآن على كل كلام بليغ بما توفر فيه من الخصائص التي لا تجتمع في كلام آخر البلغاء، ولذلك حرص ابن عاشور من خلال تفسيره على ما هو آتٍ:
- بيان وجوه الإعجاز ونكت البلاغة العربية، فيقول: " فإني بذلت الجهد في الكشف عن نكت من معاني القرآن وإعجازه خلت عنها التفاسير" (١).
- بيان تناسب اتصال الآي بعضها ببعض، مع إعراضه عن تناسب مواقع السور بعضها إثر بعض، قبل أن يبيّن أغراض كل سورة من سور القرآن.
- توضيح مفردات اللغة العربية بالضبط والتحقيق مما خلت عن ضبط كثير منه قواميس اللغة. وهو كما قال فعلا حيث خرج مع التفسير إلى إضافة قاموس لغوي لمفردات القرآن ومن أمثلة ذلك الإطناب في كلمة حجارة، والإطناب الشديد في فواتح السور.
стр. 85
ومن إطناباته اللغوية التي خرجت عن حد التفسير , والتي هي كثيرة: كلامه عن اشتقاق كلمة الفاتحة في قريب من صفحة كاملة.
كما أفاض في وجه إضافة سورة إلى فاتحة الكتاب بما يقرب من صفحة أيضًا
وكذا في أصل كلمة بسملة أكثر من صفحة كاملة.
وقد تحدّث ابن عاشور عن البلاغة وأهميتها ودورها وأطال لاسيما في المقدمة الثانية والعاشرة، ومن أهم الأوجه والقضايا التي تناولها الشيخ بالبحث والدراسة هي:
١ - الإيجاز.
٢ - المجاز.
٣ - الإعجاز.
٤ - التفنن.
٥ - الالتفات.
أولاً: الإيجاز:
الإيجاز من المباحث اللغوية التي عنى بها الشيخ وحاول لفت الأنظار إلى أسلوب من أساليب القرآن الإبداعية البلاغية، وهو الإيجاز، وقد عرّفه الفخر الرازي: " أنه العبارة عن الغرض، بأقل ما يمكن من الحروف من غير إخلال " (١) ... .
وقال الشيخ ابن عاشور في ذلك: " ومن أبدع الأساليب في كلام العرب الإيجاز, وهو متنافسهم غاية تتبارى إليها فصحاؤهم، وقد جاء القرآن بأبدعه إذ
стр. 86
كان مع ما فيه من الإيجاز المبين في علم المعاني فيه إيجاز عظيم آخر، وهو صلوحية معظم آياته لأن تؤخذ منها معانٍ متعددة كلها تصلح لها العبارة باحتمالات لا ينافيها اللفظ ... " (١).
ومن الأمثلة على الإيجاز التي نبّه عليها في تفسيره ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ (٢) وفيها قال ابن عاشور: " ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ وصف للقوم وليس هو من المقول لموسى وهارون لأن التكذيب حينئذ لمّا يقع منهم، ولكنه وصف لإفادة قُراء القرآن أن موسى وهارون بلَّغا الرسالة وأظهر الله منهما الآيات فكذب بها قوم فرعون فاستحقوا التدمير تعريضاً بالمشركين في تكذيبهم محمداً ﷺ وتمهيداً للتفريع بـ ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ الذي هو المقصود من الموعظة والتسلية. والموصول في قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ للإيماء إلى علة الخبر عنهم بالتدمير.
وقد حصل بهذا النظم إيجاز عجيب اختصرت به القصة فذكر منها حاشيتاها: أولُها وآخرها لأنهما المقصود بالقصة وهو استحقاق الأمم التدمير
стр. 87
بتكذيبهم رسلهم " (١).
ثانياً: المجاز:
المجاز من المباحث البلاغية التي عرض لها ابن عاشور في تفسيره وناقش من خلال المجاز كثيراً من القضايا البلاغية لإفادة المعنى الحقيقي، وهو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة (٢).
ولعل في وقوف الشيخ عند مجازات القرآن ليلفت الأنظار وينبه على إمكان تفسير اللفظ المجازي بمعناه الحقيقي الذي وضع له، ما يرشدنا على تمكنه من اللغة بفنونها المختلفة.
ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن عاشور عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٣) قال: " وصف النهار بمبصر، مجاز عقلي للمبالغة في حصول الإبصار فيه حتى جعل النهار هو المبصر، والمراد مبصراً فيه الناس (٤)، وكذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ
стр. 88
إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) قال: " وجملة ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ تعليل للأمر بالصلاة عليهم بأن دعاءه سكن لهم, أي خير، فإطلاق السكن على هذا الدعاء مجاز مرسل " (٢).
ثالثاً: الإعجاز:
الذي يمعن النظر في التحرير والتنوير يرى أن صاحبه بذل جهداً لا يستهان به حتى يبرز في كتابه إعجاز القرآن من خلال فصاحة ألفاظه وقوة تراكيبه.
والإعجاز هو: أن يؤدى المعنى بطريق هو أبلغ من جميع ما عداه من الطرق (٣) ... .وفي ذلك يقول ابن عاشور: " فوجه الإعجاز أمر من جنس البلاغة والفصاحة، لا كما ذهب إليه النظام وجمع من المعتزلة أن إعجازه بالصرفة بمعنى أن الله صرف العرب عن معارضته وسلب قدرتهم عليها، ولا كما ذهب إليه جماعة من أن إعجازه بمخالفة أسلوبه لأساليب كلامهم من الأشعار والخطب والرسائل ولا سيما في المقاطع مثل يؤمنون وينفقون ويعلمون .. اهـ (٤) ... .
والشيخ ابن عاشور قد خصّ قضية إعجاز القرآن بالقدر الأوفى والأكبر من الاهتمام والشرح، وقد انتهى به استقراؤه إلى أن ملاك الإعجاز يتمثل في عدّة
стр. 89
جهات:
الجهة الأولى: بلوغه الغاية القصوى مما يمكن أن يبلغه الكلام العربي البليغ من حصول كيفيات في نظمه مفيدة معاني دقيقة، وهو المصطلح على تسميته حد الإعجاز.
ومن وجوه الإعجاز التي ذكرها ابن عاشور في تلك الجهة:
١ - الالتفات: وسيأتي الحديث عنه مفصلاً.
٢ - التشبيه والاستعارة، وقد جاء في القرآن منهما ما أعجز العرب كقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (١) ... .
٣ - كثرة النكات البلاغية التي يشتمل عليها القرآن.
٤ - فصاحة اللفظ وانسجام النظم، وذلك بسلامة الكلام في أجزائه ومجموعه.
٥ - صراحة كلماته باستعمال أقرب الكلمات في لغة العرب دلالة على المعاني المقصودة وأشملها لمعان عديدة مقصودة بحيث لا يوجد كلمة في القرآن تقصر دلالتها عن جميع المقصود منها في حالة تركيبها، ولا تجدها مستعملة إلا في حقائقها (٢) ... .
والأمثلة على ذلك كثير ة في تفسيره أعرضت عنها خشية الإطالة.
стр. 90
الجهة الثانية: ما أبدعه القرآن من أفانين التصرف في نظم الكلام فيما لم يكن معهوداً في أساليب العرب، ولكنه غير خارج عما تسمح به اللغة.
ومن أساليب القرآن:
١ - إنه جاء أسلوبه جامعاً بين مقصدين: مقصد الموعظة ومقصد التشريع.
٢ - التفنن: وهو بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذييل والإتيان بالمترادفات عند التكرير.
٣ - العدول عن تكرير اللفظ والصيغة، فيما عدا المقامات التي تقتضي التكرير ونحوه.
هذا وللقرآن مبتكرات من الأساليب تميز بها نظمه عن بقية كلام العرب، ذكرها ابن عاشور ومنها:
١ - إنه جاء بأسلوب يخالف الشعر، ويخالف أسلوب الخطابة بعض المخالفة.
٢ - إنه جاء بأسلوب التقسيم والتسوير، وهي سنة جديدة في الكلام العربي.
٣ - الأسلوب القصصي في حكاية أحوال النعيم والعذاب في الآخرة، وقد كان فن القصة نادراً في لغة العرب.
٤ - أوضح الأمثال وأبدع تركيبها خلاف ما عليه أدب العرب حيث تنسى أحداث المثل.
٥ - أبدع الإيجاز، وذلك لصلوحية معظم آياته لأن تؤخذ منها معانٍ
стр. 91
متعددة كلها تصلح لها العبارة باحتمال لا ينافيها اللفظ، ومن بديع الإيجاز الحذف مع الالتباس والتضمين.
٦ - استعمال اللفظ المشترك في معنيين أو معان إذا صلح المقام بحسب اللغة العربية لإرادة ما يصلح منها (١).
والأمثلة على ما تقدم كثيرة جداً في تفسير ابن عاشور أعرضت عنها خشية الإطالة.
الجهة الثالثة: ما أودع فيه من المعاني الحكيمة والإشارات إلى الحقائق العلمية.
ويعني به الإعجاز العلمي، حيث ذكر أقوال العلماء فيه، وتعقَّب الشاطبي في نفيه للإعجاز العلمي ثم قال: " إن هذه الجهة من الإعجاز إنما تثبت للقرآن بجموعه إذ ليست كل آية من آياته وسورة من سوره مشتملة على هذا النوع " (٢).
فابن عاشور يرى شرعية تفسير الآيات تفسيراً علمياً، إلا أنه جعل له شروطاً وضوابط حتى لا يخرج عن مساره الصحيح ذكرها في المقدمة العاشرة من تفسيره منها:
١ - أن لا يبعد عن الظاهر إلا بدليل.
٢ - أن لا يكون تكلفاً بيَّناً ولا خارجاً من المعنى الأصلي.
стр. 92
٣ - وقد اعتنى ببيان الإعجاز القرآني وإظهاره من خلال تفسيره للآيات (١)، ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (٢) قال: "ومن دقائق القرآن قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ وهي عبارة لم يأت مثلها فيما كتب من أخبار فرعون، وإنها لمن الإعجاز العلمي في القرآن إذ كانت الآية منطبقة على الواقع التاريخي. والظاهر أن الأمواج ألْقَت جثّته على الساحل الغربي من البحر الأحمر فعثر عليه الذين خرجوا يتقصون آثاره ممن بقُوا بعده بمدينة مصر لما استبطأوا رجوعه ورجوع جيشه، فرفعوه إلى المدينة وكان عبرة لهم " (٣).
الجهة الرابعة: وهي الإخبار بالمغيبات (٤):
ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٥) قال: " وفي هذه الآية طرف من الإعجاز
стр. 93
بالإخبار عن الغيب إذ أخبرتْ بالوعد بحصول النصر له ولدينه، وذلك بما يسَّر الله لرسوله ﷺ ولخلفائه مِن بعده في آفاق الدّنيا والمشرق والمغرب عامة وفي بَاحة العرب خاصة من الفتوح وثباتها وانطباع الأمم بها ما لم تتيسر أمْثالها لأحد من ملوك الأرض والقياصرة والأكاسرة على قلة المسلمين إن نسب عددهم إلى عدد الأمم التي فتحوا آفاقها بنشر دعوة الإسلام في أقطار الأرض، والتّاريخ شاهد بأن ما تهيأ للمسلمين من عجائب الانتشار والسلطان على الأمم أمر خارق للعادة " (١) ... .
رابعاً: التفنن:
قال ابن عاشور: " ومن أساليبه ما أسميه بالتفنن , وهو: بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذليل والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنباً لثقل تكرير الكلم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم التفنن عند بلغاء العربية , فهو في القرآن كثير، ثم الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه وإقبالهم عليه " (٢).
ومن أبدع الأمثلة التي نبّه عليها ابن عاشور في تفسيره مما يدخل في هذا الباب قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ
стр. 94
بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا. . . . .﴾ (١).
قال ابن عاشور: " وفي هذا التفنن والتنقل مناسبات بين المنتقل منه، والمنتقل إليه هي في منتهى الرقة والبداعة بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلا عند حصوله" (٢).
خامساً: الالتفات:
وهو نوع من أنواع التفنين , نبّه الشيخ ابن عاشور وأشار إليه في تفسيره وقد ذكر الزمخشري الالتفات في كشافه، مقروناً بالتفنين فيقول: " الالتفات في علم البيان قد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم " (٣) ... .
وعرف الثعالبي الالتفات بقوله: " هو أن تذكر الشيء وتتم معنى الكلام به، ثم تعود لذكره كأنك تلتفت إليه " (٤).
стр. 95
وقد عرض الشيخ ابن عاشور نماذج كثيرة من خلال التحرير والتنوير، ومن ذلك ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) ... .
ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة وإبعاد لهم عن مقام الحضور فهومن الالتفات الذي نكتته أن ما أجري على المخاطب من صفات النقص والفظاعة قد أوجب إبعاده عن البال وإعراضَ البال عنه فيشار إلى هذا الإبعاد بخطابه بخطاب البعد فهو كناية.
وقد حسَّن الالتفاتَ أنه مؤذن بانتقال الكلام إلى سوء مقابلتهم للدعوة المحمدية , وهو غرض جديد , فإنهم لما تحدث عنهم بما هو من شؤونهم مع أنبيائهم وجّه الخطاب إليهم، ولما أريد الحديث عنهم في إعراضهم عن النبي ﷺ صار الخطاب جارياً مع المؤمنين وأجرى على اليهود ضمير الغيبة (٢).
стр. 96
المطلب الخامس
مصادر ابن عاشور في تفسيره
لا شك أن المصادر تعتبر النواة الأولى للمفسر سواء كانت هذه المصادر تلقِّيا عن الشيوخ أو متمثلة في الكتب التي استفاد منها في كتابة التفسير، ومن خلال قراءتي لهذا التفسير وتتبع محتواه العلمي وجدت أن ابن عاشور نهج في الإشارة إلى مصادره ومراجعه التي استقى منها معلوماته الطرق التالية:
- إنه أحياناً يصرح بذكر اسم الكتاب ولا يشير إلى اسم المؤلف.
- وأحياناً يصرح باسم المؤلف ولا يصرح باسم المصدر.
- وأحياناً أخرى يصرح باسم المصدر والمؤلف جميعاً.
ولقد أشار الشيخ في مقدمته إلى أهم كتب التفسير التي رجع إليها واستعان بها، وهو يرى أنها أهم كتب التفسير المعول عليها من وجهة نظره حيث يقول:
" والتفاسير - وإن كانت كثيرة - فإنك لا تجد الكثير منها إلا عالة على كلام سابق بحيث لاحظَّ لمؤلفه إلا الجمع على تفاوت بين اختصار وتطويل، وإن أهم التفاسير:
" تفسير الكشاف " و " المحرر الوجيز " لابن عطية و " مفاتيح الغيب " لفخر الدين الرازي، وتفسير البيضاوي الملخص من الكشاف ومن مفاتيح الغيب بتحقيق بديع، وتفسير الشهاب الآلوسي، وما كتبه الطيبي، والقزويني، والتفتزاني على الكشاف، وما كتبه الخفاجي على تفسير البيضاوي، وتفسير أبي السعود، وتفسير القرطبي والموجود من تفسير الشيخ محمد بن عرفة التونسي
стр. 97
من تقييد تلميذه الأبي وهو بكونه تعليقا على تفسير ابن عطية أشبه منه بالتفسير لذلك لا يأتي على جميع آي القرآن وتفاسير الأحكام، وتفسير الإمام محمد ابن جرير الطبري، وكتاب " درة التنزيل " المنسوب لفخر الدين الرازي، وربما ينسب للراغب الأصفهاني.
ولقصد الاختصار أعرض عن العزو إليها وقد ميزت ما يفتح الله لي من فهم في معاني كتابه وما أجلبه من المسائل العلمية، مما لا يذكره المفسرون، وإنما حسبي في ذلك عدم عثوري عليه فيما بين يدي من التفاسير في تلك الآية خاصة، ولست أدعي انفرادي به في نفس الأمر، فكم من كلام تنشئه تجدك قد سبقك إليه متكلم وكم من فهم تستظهره وقد تقدمك إليه متفهم" (١).
وتعداده لهذه المراجع لا يعني الحصر؛ فهناك الكثير من المراجع التي لم يتطرق إليها في المقدمة ومن ذلك ما يتعلق بـ ... :
١ - التفسير وعلوم القرآن:
اعتمد على شروح الكشاف لكل من الجرجاني والتفتازاني، كما رجع أيضاً لابن كثير في تفسيره، وكذلك البغوي في تفسيره. وإلى كتب الأحكام في تفسير القرآن لكل من ابن العربي، والجصاص.
واعتمد في مجال علوم القرآن اعتماداً كبيراً على السيوطي في "الإتقان"، والواحدي في "أسباب النزول".
стр. 98
٢ - في القراءات:
اعتمد ابن عاشور في ذكر بعض القراءات على كتب السنة المشهورة كصحيح البخاري وسنن الترمذي، كما رجع إلى كتاب "السبعة "لابن مجاهد وقد نصّ عليه في تفسيره، و"حرز الأماني ووجه التهاني" للشاطبي، وكذلك "الدرر المضيئة في القراءات الثلاث" المتممة للعشر لابن الجزري، و"غيث النفع في القراءات السبع " للشيخ علي النوري الصفاقسي، كما أخذ القراءات من كتب التفسير ومن ذلك: كتاب "الكشاف" للزمخشري، و" المحرر الوجيز "لابن عطية.
٣ - الحديث النبوي:
أكثر المصادر التي اعتمد عليها في الحديث: صحيح البخاري وصحيح مسلم، والنسائي، والترمذي، وأبو داوود، ومالك، ومسند أحمد بن حنبل ومعجم الطبراني ومسند البزار وابن أبي حاتم وسنن البيهقي والدارقطني.
ومن أكثر هذه المصادر التي اعتمد عليها الشيخ كثيراً في تفسيره: البخاري ومسلم وموطأ مالك.
٤ - الفقه والأصول:
أكثر ابن عاشور من النقل كثيراً عن الإمام مالك، كما اعتمد في استشهاداته الفقهية وتأييده على كل من ابن رشد في "بداية المجتهد"، و"الهداية" في الفقه، وأبو بكر ابن العربي في "أحكام القرآن"، وابن حزم في" المحلى "، والجصاص في تفسير "آيات الأحكام" , والإمام الشافعي، والقرافي في "أنوار الفروق " والشاطبي في " الموافقات ".
стр. 99
٥ - العقيدة وعلم الكلام:
اعتمد على كتاب " المستصفى " للغزالي، وكتاب "الإحياء "، وكذلك " المنقذ من الضلال"، وهناك أسماء كثيرة نهل الشيخ منها على سبيل المثال لا الحصر الجلال الدواني في شرح " ديباجة هياكل النور "، والسهروردي في " هياكل النور وحكمة الإشراق " و" حل الرموز ومفاتيح الكنوز " للعز بن عبد السلام، و" شرح المقاصد " لسعد الدين التفتازاني، و"العواصم من القواصم" لابن العربي.
٦ - اللغة والنحو:
مصادره في ذلك كثيرة ومتنوعة من أبرزها: " دلائل الإعجاز"، و "أسرار البلاغة" للجرجاني و"الكتاب" لسيبويه، و"مفتاح العلوم" للسكاكي، و"شرح المفصل " لابن الحاجب و"الأشباه والنظائر" للسيوطي.
ما تقدم يعد أهم المصادر التي تتردد وتتكرر في التحرير.
стр. 100
الفصل الأول
مقدمات في قواعد التفسير والترجيح
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: معنى القاعدة والتفسير
والترجيح
المبحث الثاني: الفرق بين قواعد الترجيح
وقواعد التفسير.
المبحث الثالث: نشأة قواعد الترجيح.
المبحث الرابع: أنواع قواعد الترجيح.
المبحث الخامس: الأسباب الموجبة للترجيح.
المبحث السادس: قواعد التفسير عند ابن
عاشور.
стр. 101
المبحث الأول
معنى القاعدة والتفسير والترجيح
تعريف القاعدة:
القاعدة لغة: الأساس، قال ابن فارس: " قواعد البيت أساسه، وقواعد الهودج: خشبات أربع معترضات في أسفله، والإقعاد والقعاد: داء يأخذ الإبل في أوراكها فيميلها إلى الأرض " (١).
وقال ابن منظور: " القاعدة: أصل الأس، والقواعد: الأساس، وقواعد البيت أساسه وفي التنزيل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) وفيه: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (٣) " (٤).
وقال الرازي: "القَاعِدُ من النساء التي قعدت عن الولد والحيض، الجمع القَواعِدُ وقوَاعِدُ البيت أساسه" (٥).
واستعملت القاعدة مجازاً في الأمور المعنوية فيقال: بنى أمره على قاعدة
стр. 102
وقواعد , وقاعدة أمرك واهية.
وتطلق القاعدة بمعنى الأمر الضابط والأمر الكلي الذي ينطبق على جزئيات.
وبوجه عام فإن المعنى اللغوي لهذه المادة هو الاستقرار والثبات، وإذا أمعنا النظر في هذه المعاني المتعددة، وجدناها تؤول كلها إلى معنى واحد يجمعها وهو الأساس، فقواعد كل شيء: أسسه وأصوله التي ينبني علها، سواء كان ذلك الشيء حسياً كما في الأمثلة السابقة، أو معنوياً كما نقول مثلاً: قواعد الإسلام وقواعد العلم وغير ذلك (١).
القاعدة اصطلاحا: عُرِّفت القاعدة بتعريفات كثيرة، والناظر في تعريفات العلماء للقاعدة يجد اختلافاً في عباراتهم فمن تعريفاتهم:
١ - عرّفها الجرجاني بأنها: قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها (٢).
٢ - عرفها الكفوي بأنها: قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها (٣).
٣ - عرّفها الفيومي بأنها: الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته (٤).
٤ - وعرفها التفتازاني بأنها: حكم كلي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منه (٥).
٥ - وقال الفتوحي في تعريفها: صور كلية تنطبق كل واحدة منها على
стр. 103
جزئياتها التي تحتها (١).
وهذه التعريفات وإن أطلقها بعضهم على القواعد الفقهية فهي في الأصل تعريف للقاعدة بمدلولها العام فتشمل كل ما يطلق عليه قاعدة في العلوم كافة، وهذه التعريفات وإن اختلفت بعض العبارات فيما بينها إلا أنها التقت في معان مشتركة ويمكننا أن نخرج من هذه التعريفات بأن القاعدة اصطلاحاً هي:
الحكم الكلي الذي يتعرف به على أحكام جزئياته (٢).
ذكر بعض محترزات التعريف:
الحكم الكلي: لا يرد عليه أن كثيراً من القواعد لها استثناءات وأحكام تندُّ عنها، لأن العبرة بالأغلب، والنادر والشاذ لا يخرم القاعدة (٣).
قال الشاطبي: " .. والأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كلياً. وأيضاً فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت .. " (٤).
يتعرف به: لأن استخراج الحكم المندرج تحت القاعدة لا يكون أمراً بدهياً، بل يحتاج إلى إعمال ذهن وشيء من التفكير والتأمل (٥).
стр. 104
على أحكام جزئياته: ولم نقل على جميع جزئياته؛ لأن كثيراً من القواعد أغلبية، وذلك لوجود مستثنيات خارجة عنها (١).
تعريف التفسير لغة:
التفسير لغة على وزن تفعيل من الفسر (٢)، وهو يدل على معنى البيان، والكشف، والإظهار، والإيضاح، والتفصيل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٣)، أي بياناً وتفصيلاً.
وقيل: إنه مأخوذ من مقلوب لفظة " السفر"، ومعناه أيضاً الكشف والإبانة، تقول العرب: سفرت المرأة سفوراً، إذا ألقت خمارها عن وجهها، وهي سافرة، وأسفر الصبح أضاء، ومنه قيل للسفر سفر لأنه يسفر عن أخلاق الرجل (٤).
وقال الراغب: " والفسر والسفر يتقارب معناهما، كتقارب لفظيهما، لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول .. ، وجعل السفر لإبراز الأعيان للأبصار فقيل: سفرت المرأة عن وجهها وأسفر الصبح (٥).
стр. 105
تعريف التفسير اصطلاحاً:
تنوعت أقوال أهل العلم في تعريف التفسير اصطلاحاً (١)، والقول المختار منها كما قال الشيخ مناع القطان: والأولى عندي أن يقال في تعريفه: بيان كلام الله المتعبد بتلاوته المنزل على محمد ﷺ .
(فبيان كلام الله)، يخرج بيان كلام غيره من الإنس والجن والملائكة.
(المتعبد بتلاوته) أخرج الحديث القدسي.
(المنزل) يخرج كلام الله الذي استأثر به سبحانه.
وتقييد المنزل بكونه على (محمد ﷺ ) يخرج ما أنزل على الأنبياء قبله كالتوراة والإنجيل (٢).
وبنحو هذا التعريف عرّفه فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فقال: " بيان معاني القرآن الكريم " (٣).
تعريف الترجيح:
الترجيح لغة: قال ابن فارس: " الراء والجيم والحاء أصل واحد، يدل على رزانة وزيادة. يقال: رجح الشيء، وهو راجح إذا رزن، وهو من الرجحان" (٤).
وقال ابن منظور: " الراجح الوازن، ورجح الشيء بيده ونظر ما ثقله،
стр. 106
وأرجح الميزان أي أثقله حتى مال " (١).
وفي اصطلاح الأصوليين: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى بدليل (٢).
والمراد به هنا: تقوية أحد الأقوال في تفسير الآية لدليل من الأدلة الشرعية أو قاعدة من القواعد التفسيرية التي قرّرها العلماء، وتضعيف أو ردّ ما سواه , فمن القواعد الترجيحية ما يدل على الرجحان، ومنها ما يشير إلى البطلان، ومنها ما تضعف بعض الأقوال التفسيرية (٣).
وقيل: بيان اختصاص الدليل بمزيد قوة عن مقابله ليُعمل بالأقوى (٤).
وقيل: تقوية أحد الدليلين المتعارضين (٥).
وأما المفسرون فليس للترجيح عندهم حدّ أو تعريف متفق عليه، ولم أرَ من ذكر له تعريفاً من المتقدمين, واستعمالهم للترجيح في تفاسيرهم يدل على توسعهم في إطلاقه، فهو عندهم يشمل كلّ تقديم لقول على آخر، سواء كان تقديماً يلزم منه ردّ الأقوال الأخرى، أو كان تقديماً لا يلزم منه ذلك.
التعريف بالمركب الإضافي "قواعد الترجيح ":
تعريف قواعد الترجيح كاسم مركب لم يتعرض له أحد من المتقدمين، وعرفه من المتأخرين الدكتور حسين الحربي وأحسن في تحديد معالمه حيث
стр. 107
يقول:
قواعد الترجيح عند المفسرين: ضوابط وأمور أغلبية يتوصل بها إلى معرفة الراجح من الأقوال المختلفة في تفسير كتاب الله تعالى (١).
стр. 108
المبحث الثاني
نشأة قواعد الترجيح
إن القرآن الكريم منذ اللحظات الأولى لنزوله على النبي ﷺ ، أثار حركة فكرية علمية ثقافية عند العرب، حيث دعاهم إلى الالتفات إلى ما جاءهم من جديد في أساليب التعبير والبيان، بما لم يعهدوه من قبل، فتعلقت قلوبهم وأسماعهم بروعة بيانه وبليغ نظمه
وكان الرسول ﷺ هو المرجع للصحابة في فهم معانيه وتوضيح غامضه.
ولم يكن تفسير القرآن وضبط قواعده يظهر في عهد النبي ﷺ كعلم مستقل بنفسه، وإنما كان يروى منه عن النبي ﷺ ما كان يتعرض لتفسيره.
ولكن يمكننا القول أن قواعد التفسير - وقواعد الترجيح جزء منها - قد ظهرت بواكيرها والإشارة إليها منذ عهده ﷺ ، وإن كانت لم توجد كفن مدون ومستقل إلا في القرن الرابع عشر.
فالنبي ﷺ هو أول من اهتم بهذه القواعد من حيث التطبيق العملي، واستعملها في تفسيره لبعض الآيات، وصحح فهم الصحابة بناء عليها , يدل على ذلك ما ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: " لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١) قلنا: يا رسول الله! أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس كما
стр. 109
تقولون: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بشرك، أَوَلم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١)(٢).
حيث نبّه الرسول ﷺ أمته إلى هذه القاعدة، وإن لم ينص عليها , وأرشدهم إلى اعتبارها، وهي تفسير القرآن بالقرآن.
وفي عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، كان لديهم سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله تعالى ما أراد، ولهم من سليقتهم العربية ومعرفتهم لأسباب النزول وطبيعة الحال التي نزل فيها الوحي، وإدراكهم لأسرار القرآن الكريم، ما أغناهم عن وضع قواعد لتفسير القرآن الكريم.
وإذا كانت الأصول والقواعد والضوابط، توضع لتكون موازين ضبط للفهم والإدراك، منعاً للانحراف، فإن ما توفر للصحابة من ملكة اللسان والوقوف على مشاهد نزول الوحي وأسبابه، وبيان المبلغ عن ربه ﵎، كافٍ كل الكفاية لأداء الغرض الذي من أجله توضع القواعد والضوابط.
ولذلك يحمل إلينا تاريخهم المضيء نماذج من الفهم للقرآن الكريم ,كانت الأساس الثاني بعد المنهج النبوي، لقواعد وضوابط التفسير وأصوله، التي وضعت فيما بعد.
стр. 110
وقد اهتم الصحابة رضوان الله عنهم بهذه القواعد التفسيرية وإن لم ينصوا عليها ومنهم:
أبي بن كعب، حيث أخرج الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: مرّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ .. حتى بلغ ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١) قال: وأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبي بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: أنت سمعتها من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم قال: لقد كنت أظن أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أبي: بلى تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)، وفي سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (٣)، وفي الأنفال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ (٤)(٥).