← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أقوال العلماء في القاعدة: خالف الحنفية في مسألة الزيادة على النص، فقالوا: إن الزيادة على المنصوص نسخ. فكل زائد على الكتاب ناسخ، كزيادة الإيمان في رقبة الكفارة، وزيادة التغريب على الجلد في جلد الزاني البكر، فما جاء منه بطريق التواتر قُبل، وما جاء منه بطريق الآحاد فلا يقبل؛ لأن الآحاد لا ينسخ المتواتر، كقول النبي ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "فهذا عندهم زيادة على المنصوص في قوله تعالى: " فاقرءوا ما تيسر من القرآن"، وهذا يقتضي افتراض مطلق القراءة لما تيسر من أي سورة، فجعل الفاتحة ركنا، نسخ لهذا القاطع بخبر الواحد فلا يجوز (١). والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن الزيادة على المنصوص ليست نسخا، وإنما هي تخصيص وبيان وتقييد (٢). قال القرطبي: " وأما قولهم: الزيادة على النص نسخ، فليس بمسلم، بل زيادة حكم آخر مع الأصل " (٣). وقال الشنقيطي: "الزيادة على النص لا تكون ناسخة له إلا إن كانت مثبتة شيئاً قد نفاه النص، أو نافية شيئاً أثبته النص. أما إذا كانت الزيادة شيئاً سكت عنه النص السابق، ولم يتعرض لنفيه ولا

стр. 422

لإثباته، فالزيادة حينئذ إنما هي رافعة للبراءة الأصلية، وهي المعروفة في الأصول بالإباحة العقلية وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه , ورفع البراءة الأصلية ليست بنسخ، وإنما النسخ رفع حكم شرعي كان ثابتاً بدليل شرعي" (١). أمثلة تطبيقية على القاعدة: ١ - مثال البقرة: قال تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ (٢). اختلف العلماء في هذه الآية فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة، ومنهم من ذهب إلى أنها محكمة (٣). أما ابن عاشور فلا يرى وقوع النسخ على ما تقدم من الأمر بذبح أي بقرة وإنما عدّ ذلك من الزيادة على النص زيادة في إعناتهم والتكليف عليهم، وليس فيه نسخ، وهذا قوله: " ومما يدل على أنه تكليف لقصد التأديب أن الآية سيقت مساق الذم لهم، وعدت القصة في عداد قصص مساويهم وسوءِ تلقيهم للشريعة بأصناف من التقصير عملاً وشكراً وفهماً بدليل قوله تعالى آخر الآيات: ﴿وَمَا

стр. 423

كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١) مع ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا أي بقرة أجزأتهم , ولكن شددوا على أنفسهم , فشدد الله عليهم. وبهذا تعلمون أن ليس في الآية دليل على تأخير البيان عن وقت الخطاب , ولا على وقوع النسخ قبل التمكن " (٢). وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين ابن كثير، والشوكاني، والقاسمي حيث يرون عدم النسخ في هذه الآية، وأن هذه الأوصاف المزيدة من باب التقييد للمأمور به لا من باب النسخ , وذلك الألوسي فهو يرى أن اختلاف العلماء في هذه الآية من باب النزاع اللفظي (٣). ولم يتعرض الطبري ولا ابن عطية ولا أبو حيان لقضية النسخ، وكل ما ذكروه أنهم لما تعنتوا شددّ الله عليهم (٤). أما الرازي والقرطبي فيرون أن هذه الآية ناسخة للفعل قبل وقوعه (٥).

стр. 424

حجة من يرى أن الآية ناسخة للأمر الأول وهو ذبح أي بقرة: قال الجصاص في أحكام القرآن: "يجوز النسخ قبل وقوع الفعل بعد التمكن منه؛ ذلك أن زيادة هذه الصفات في البقرة كل منها قد نسخ ما قبلها؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١) اقتضى ذبح بقرة أيها كانت وعلى أي وجه شاءوا، وقد كانوا متمكنين من ذلك. فلما قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ (٢) فقال: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا﴾ (٣) نسخ التخيير الذي أوجبه الأمر الأول في ذبح البقرة الموصوفة بهذه الصفة وذبح غيرها، وقصروا على ما كان منها بهذه الصفة وقيل لهم. ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ (٤) فأبان أنه كان عليهم أن يذبحوا من غير تأخير على هذه الصفة أي لو كانت وعلى أي حال كانت من ذلول أو غيرها، فلما قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ (٥) نسخ التخيير الذي كان في ذبح أي لون شاءوا منها وبقي التخيير في الصفة الأخرى من أمرها، فلما راجعوا نسخ ذلك أيضاً وأمروا بذبحها على الصفة التي ذكر واستقر الفرض

стр. 425

عليها بعد تغليظ المحنة وتشديد التكليف وهذا الذي ذكرنا في أمر النسخ دلّ أن الزيادة في النص بعد استقرار حكمه يوجب نسخه؛ لأن جميع ما ذكرنا من الأوامر الواردة بعد مراجعة القوم إنما كان زيادة في نص كان قد استقر حكمه فأوجب نسخه " (١). وقال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ في هذا دليل على جواز النسخ قبل وقت الفعل، لأنه لما أمر ببقرة اقتضى أي بقرة كانت، فلما زاد في الصفة نسخ الحكم الأول بغيره، كما لو قال: في ثلاثين من الإبل بنت مخاض، ثم نسخه بابنة لبون أو حقة , وكذلك ها هنا لما عين الصفة صار ذلك نسخا للحكم المتقدم " (٢). حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن الآية محكمة: حجتهم في ذلك أن الآية فيها من باب الزيادة على النص، والزيادة على النص ليس بنسخ كما تقرر ذلك. قال النحاس: " وأقوال العلماء أن البيان يجوز أن يتأخر فخالفهم قائل في هذا وجعله نسخا، ولو جاز أن يقال لهذا نسخ لجاز أن يقال في قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٣) ثم بين ما هي فلا يقول أحد من الأمة إن هذا نسخ " (٤).

стр. 426

وذكر ابن كثير أن بيان صفات البقرة من باب التقييد بعد الإطلاق فقال: " استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان كما هو مذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا بدليل ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ : "لا تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه ينظر إليها" , وكما وصف النبي ﷺ إبل الدية في قتل الخطأ وشبه العمد بالصفات المذكورة بالحديث " (١). القول الراجح: إن الآية محكمة وليست منسوخة , كما قرر ذلك ابن عاشور وغيره من المفسرين وأما قول القائلين أن ذلك نسخاً , فقد ردّه عدد من العلماء. منهم الراغب حيث يقول: " قال بعض الناس: في هذه الآية دلالة على نسخ الشيء قبل فعله .. وليس كذلك، فإن الأول أمر مطلق، والثاني والثالث كالبيان له، لما راجعوا. ولم يسقط عنهم ذبح البقرة , بل زيد في أوصافها وكشف عن المراد بالأمر الأول , وفي الآية دلالة على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة " (٢). وكذلك الشوكاني ردّ على من يقول: إن الآية منسوخة حيث يقول: " وليس

стр. 427

ذلك عندي بصحيح لوجهين: الأوّل: إن هذه الأوصاف المزيدة بسبب تكرر السؤال هي من باب التقييد للمأمور به، لا من باب النسخ، وبين البابين بَوْن بعيد , كما هو مقرر في علم الأصول. الثاني: أنا لو سلمنا أن هذا من باب النسخ لا من باب التقييد لم يكن فيه دليل على ما قالوه، فإنه قد كان يمكنهم بعد الأمر الأوّل أن يعمدوا إلى بقرة من عُرْض البقر فيذبحونها ثم كذلك بعد الوصف بكونها جامعة بين الوصف بالعوان والصفراء، ولا دليل يدل على أن هذه المحاورة بينهم، وبين موسى ﵇ واقعة في لحظة واحدة، بل الظاهر أن هذه الأسئلة المتعنتة كانوا يتواطؤون عليها، ويديرون الرأي بينهم في أمرها، ثم يوردونها، وأقلّ الأحوال الاحتمال القادح في الاستدلال " (١). ٢ - مثال الصيام: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢). ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة، بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٣) الآية , حيث قالوا: إن التشبيه في

стр. 428

هذه الآية يقتضي موافقة من قبلنا فيما كانوا عليه من تحريم الوطء والأكل بعد النوم ليلة الصوم، وقد نسخ ذلك بقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. وجمهور المفسرين على أنها محكمة، ورجّح ابن عاشور أن الآية محكمة ومن قوله: " وبهذا يتبين أن في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إجمالاً وقع تفصيله في الآيات بعده. فحصل في صيام الإسلام ما يخالف صيام اليهود والنصارى في قيود ماهية الصيام وكيفيتها، ولم يكن صيامنا مماثلاً لصيامهم تمام المماثلة. فقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في الكيفيات، والتشبيهُ يكتفَى فيه ببعض وجوه المشابهة ,وهو وجه الشبه المراد في القصد، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالةَ في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة، ولكن فيهم أغراضاً ثلاثة تضمنها التشبيه: أحدها: الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بها؛ لأنها شرعَها الله قبلَ الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين، وشرعها للمسلمين، وذلك يقتضي اطِّراد صلاحها ووفرة ثوابها , وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم؛ لأن المسلمين كانوا يتنافسون في العبادات. والغرض الثاني: أن في التشبيه بالسابقين تهويناً على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم؛ فإن في الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب، فهذه فائدة لمن

стр. 429

قد يستعظم الصوم من المشركين فيمنعه وجوده في الإسلام من الإيمان ولمن يستثقله من قريبي العهد بالإسلام، وقد أكَّد هذا المعنى الضّمني قوله بعده: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. والغرض الثالث: إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض , بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة " (١). وممن وافق قوله قول ابن عاشور في كون الآية محكمة كل من الطبري، والرازي والألوسي (٢) وساق كل من ابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني الأقوال فيها , ولم يرجحوا (٣). وذهب القاسمي إلى أن تلك الآية منسوخة بما استقر عليه الشرع اليوم (٤). حجة القائلين: إن الآيات منسوخة: استدلوا بما ورد في صحيح البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم

стр. 430

يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي , وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما فلما حضر الإفطار أتى امرأته , فقال لها أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك , وكان يومه يعمل فغلبته عيناه فجاءته امرأته, فلما رأته قالت: خيبة لك , فلما انتصف النهار غشي عليه , فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (١). الآية ففرحوا بها فرحا شديدا ونزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢) (٣). قال ابن العربي: " هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - هي ناسخة للآية التي قبلها وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وذلك أن المفسرين قالوا: إن المراد بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ هم أهل الكتاب، وكان من شأن صومهم إذا جاء وقت الفطر فأفطر من أفطر وترك من ترك إذا نام لا

стр. 431

يحل له وطء ولا أكل إلى حين الفطر من اليوم الثاني، فكان صوم المسلمين على هذا السبيل حتى جاءت هذه الآية" (١). حجة القائلين: إن الآية محكمة: قالوا: إن التشبيه في هذه الآية الكريمة لا يقتضي ما ذكره العلماء من وجوب موافقة أهل الكتاب فيما كانوا عليه في صومهم , استدلالاً بالتشبيه في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فتشبيه شيء بشيء لا يدل على مشابهتهما من كل الوجوه، وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين، وحيث انتفى التعارض انتفى النسخ، وإنما الآية من قبيل رفع ما كان عليه القوم في فهمهم للصوم، وليست من قبيل النسخ (٢). القول الراجح: إن الآية محكمة وليست منسوخة , كما قرر ذلك ابن عاشور وغيره من المفسرين، قال أبو جعفر النحاس: " كتب علينا الصيام وهو شهر رمضان كما كتب صوم شهر رمضان على من قبلنا قال مجاهد: كتب الله جل وعز صوم شهر رمضان على كل أمة وقال قتادة: كتب الله صوم شهر رمضان على من قبلنا وهم النصارى, قال أبو جعفر: وهذا أشبه ما في الآية " (٣).

стр. 432

وفي ذلك يقول ابن الجوزي أيضا: " وقد زعم أرباب هذا القول أن الآية منسوخة وفي هذا بعد كثير؛ لأن قوله كتب عليكم الصيام كالتفسير للصيام والبيان والتشبيه راجع إلى نفس الصوم لا إلى صفته ولا إلى عدده وبيان ذلك أن قوله تعالى كما كتب على الذين من قبلكم لا يدل على عدد ولا صفة ولا وقت وإنما يشير إلى نفس الصيام كيف وقد عقبه الله بقوله تعالى أياما معدودات فتلك يقع على يسير الأيام وكثيرها " (١). ٣ - مثال القتال: قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢). اختلف المفسرون في هذه الآية، فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة، حيث قالوا: هي أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال من قاتلهم من المشركين، والكف عمن كفّ عنهم ثم نسخت بآية السيف ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٣) ونسب الطبري هذا القول إلى الربيع وابن زيد. وذهب آخرون إلى أنها محكمة، وهو قول ابن عباس وعمر بن عبد العزيز

стр. 433

ومجاهد , وقالوا: إن معنى الآية: قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم (١). ورجّح ابن عاشور أن الآية محكمة، ووافقه الشنقيطي على ذلك، وممن ذهب إلى هذا الترجيح فيمن سبقه الطبري، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي (٢). أما ابن عطية فقد ذكر الأقوال الواردة في الآية ولم يرجح، ولم يتطرق القاسمي لهذا الخلاف فدل على أنها محكمة عنده (٣). حجة من يرى أن الآية منسوخة: حجتهم في ذلك: إن هذه الآية هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال حتى نزلت سورة براءة عن الربيع في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤) قال: هذه أوّل آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من

стр. 434

يقاتله، ويكفُّ عمن كفّ عنه، حتى نزلت"براءة" ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (١) (٢). وقال أصحاب هذا القول: إنّ من حكمة الله البالغة في التشريع أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجيا لتخف صعوبته بالتدريج, فالخمر مثلا لما كان تركها شاقا على النفوس التي اعتادتها ذكر أولا بعض معائبها بقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ (٣) ثم بعد ذلك حرمها في وقت دون وقت , كما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٤) الآية , ثم لما استأنست النفوس بتحريمها في الجملة حرّمها تحريما باتاً بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ (٥) وكذلك الصوم لما كان شاقا على النفوس شرعه أولا على سبيل التخيير بينه وبين الإطعام, ثم رغب في الصوم مع التخيير بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٦) , ثم لما استأنست به النفوس أوجبه إيجابا حتما بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ

стр. 435

الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) , وكذلك القتال على هذا القول لما كان شاقا على النفوس أذن فيه أولا من غير إيجاب بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (٢) الآية, ثم أوجب عليهم قتال من قاتلهم بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٣) , ثم لما استأنست نفوسهم بالقتال أوجبه عليهم إيجابا عاما بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (٤) (٥). حجة من يرى أن الآية محكمة: قال جماعة من السلف: إن المراد بهذه الآية من عدا النساء والصبيان والشيوخ والزمنى والرهبان والمجانين والمكافيف ونحوهم، وجعلوا هذه الآية محكمة غير منسوخة (٦)، ومما يدل على قولهم ماروي عنه ﷺ أنه كان إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراٍ ثم قال: " اغزوا بالله في سبيل الله , قاتلوا من كفر بالله , اغزوا, ولا تغلوا,

стр. 436

ولا تمثلوا , ولا تقتلوا وليداً , ولا تعتدوا " (١). قال الرازي: " السبب في أن الله تعالى أمر أولا بقتال من يقاتل، ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا. قلنا: لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين، فكان الصلاح استعمال الرفق واللين والمجاملة، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع، وأقام من أقام منهم على الشرك، بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حالا بعد حال، حصل اليأس من إسلامهم، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق " (٢). القول الراجح: إن الآية محكمة وليست منسوخة , كما قرر ذلك ابن عاشور بناء على قاعدة المبحث أن (الزيادة على النص لا تعد نسخا) ومن قوله في هذه الآية: " احتار كثير من المفسرين في انتظام هذه الآيات من قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٣) إلى قوله هنا ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٤) حتى لجأ بعضهم إلى دعوى نسخ بعضها ببعض , فزعم أن آيات متقارنة بعضها نسخ بعضاً؛ مع أن الأصل أن الآيات المتقارنة في السورة

стр. 437

الواحدة نزلت كذلك , ومع ما في هاته الآيات من حروف العطف المانعة من دعوى كون بعضها قد نزل مستقلاً عن سابقه , وليس هنا ما يلجئ إلى دعوى النسخ، ومن المفسرين من اقتصر على تفسير المفردات اللغوية والتراكيب البلاغية , وأعرض عن بيان المعاني الحاصلة من مجموع هاته الآيات. وقد أذن الله للمسلمين بالقتال والقتل للمقاتل عند المسجد الحرام , ولم يعبأ بما جعله لهذا المسجد من الحرمة؛ لأن حرمته حرمة نسبته إلى الله تعالى, فلما كان قتال الكفار عنده قتالاً لمنع الناس منه ومناوأة لدينه فقد صاروا غير محترمين له , ولذلك أمرنا بقتالهم هنالك تأييداً لحرمة المسجد الحرام (١). ومما يعضد هذا الترجيح قاعدة (الأصل عدم النسخ مالم يقم دليل صحيح صريح على خلاف ذلك) , وهذه القاعدة رجّح بها الطبري في تفسيره فقال: " وأولى هذين القولين بالصواب القولُ الذي قاله عمر بن عبد العزيز؛ لأن دعوى المدَّعي نَسْخَ آية يحتمل أن تكون غيرَ منسوخة، بغير دلالة على صحة دعواه، تحكُّم، فتأويل الآية - إذا كان الأمر على ما وصفنا -: وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله , وسبيلُه: طريقه الذي أوضحه، ودينه الذي شرعه لعباده , يقول لهم تعالى ذكره: قاتلوا في طاعتي وَعلى ما شرعت لكم من ديني، وادعوا إليه من وَلَّى عنه واستكبر بالأيدي والألسن، حتى يُنيبوا إلى طاعتي، أو يعطوكم الجزية صَغارًا إن كانوا أهل كتاب, وأمرهم تعالى ذكره بقتال مَنْ كان منه قتال من مُقاتِلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال من

стр. 438

نسائهم وذراريهم، فإنهم أموال وخَوَلٌ لهم إذا غُلب المقاتلون منهم فقُهروا، فذلك معنى قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ لأنه أباح الكف عمّن كف، فلم يُقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافِّين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صَغارا" (١). كما يقوي هذا الترجيح أيضاً القاعدة الترجيحية التالية، وهي: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له) وقد ذكر أبو جعفر النحاس أنه أصح القولين في السنة والنظر، ومما يدل على صحته في السنة حديث ابن عمران أن رسول الله ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان " (٢). وأما النظر فإن " فاعل " لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان والزمنى والشيوخ والاجراء فلا يقتلون. وبهذا أوصى أبو بكر الصديق ﵁ يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية (٣). كما أكد االشنقيطي أن هذه الآية محكمة فقال: " ويظهر لي أن الصواب: أن

стр. 439

الآية محكمة, وأن معناها: قاتلوا الذين يقاتلونكم , أي: من شأنهم أن يقاتلوكم, أما الكافر الذي ليس من شأنه القتال كالنساء, والذراري, والشيوخ الفانية, والرهبان, وأصحاب الصوامع, ومن ألقى إليكم السلم, فلا تعتدوا بقتالهم؛ لأنهم لا يقاتلونكم, ويدل لهذا الأحاديث المصرحة بالنهي عن قتال الصبي, وأصحاب الصوامع, والمرأة, والشيخ الهرم إذا لم يستعن برأيه, أما صاحب الرأي فيقتل , وقد فسر هذه الآية بهذا المعنى عمر بن عبد العزيز وابن عباس ﵁ والحسن البصري " (١). ٤ - عقوبة الزانية: قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢). اختلف المفسرون في هذه الآية فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٣) وبعضها بالسنة، ومنهم من قال بأن الآية محكمة (٤).

стр. 440

ورجّح ابن عاشور أن الآية منسوخة، وترجيحه هذا لا يعني مخالفته للقاعدة التي نصّ عليها وهي أن (الزيادة على النص ليست بنسخ)، وذلك أن هذه الزيادة خالفت الحكم الذي قبلها فتدخل في حكم النسخ، ومن قوله عند تفسيره لهذه الآية: " وعلى هذا تكون آية النور نزلت تقريراً لبعض الحكم الذي في حديث الرجم، على أنّ قوله: إنّ آية النساء مغيّاة لا يُجدي؛ لأنّ الغاية المبهمة لمّا كان بيانها إبطالا لحكم المغيَّي فاعتبارُها اعتبارُ النسخ، وهل النسخ كلّه إلاّ إيذان بوصول غاية الحكم المرادة لله غير مذكورة في اللفظ، فذكرها في بعض الأحكام على إبهامها لا يكسو النزول غير شعار النسخ (١). وممن وافق قوله قول ابن عاشور في القول بأن الآية منسوخة الطبري، وابن عطية، وابن كثير، والألوسي (٢) في حين يرى الرازي والقرطبي، وأبو حيان أن الآية محكمة، وغير منسوخة (٣). وساق الشوكاني كلا القولين ولم يرجح (٤). ولم يتطرق القاسمي ولا الشنقيطي إلى كون هذه الآية منسوخة أو لا (٥).

стр. 441

حجة القائلين بأن الآية منسوخة: قال قتادة: " قوله ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (١) قال: كان هذا بدء عقوبة الزنا، كانت المرأة تحبس , فيؤذيان جميعا , فيعيران بالقول جميعا في الشتيمة بعد ذلك. ثم إن الله نسخ ذلك بعد في سورة النور فجعل لهن سبيلا , فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٢) " (٣). وذكر ابن الجوزي في كتابه "نواسخ القرآن " بعد إيراد هاتين الآيتين ما نصه: " أما الآية الأولى فإنها دلت على أن حد الزانية كان أول الإسلام: الحبس إلى أن تموت أو يجعل الله لها سبيلا وهو عام في البكر والثيب , والآية الثانية اقتضت أن حد الزانيين الأذى فظهر من الآيتين أن حد المرأة كان الحبس والأذى جميعا ,

стр. 442

وحد الرجل كان الأذى فقط؛ لأن الحبس ورد خاصا في النساء , والأذى ورد عاما في الرجل والمرأة , وإنما خص النساء في الآية الأولى بالذكر؛ لأنهن ينفردن بالحبس دون الرجال , وجمع بينهما في الآية الثانية لأنهما يشتركان في الأذى " (١). وقال ابن كثير في تفسيره: " كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. قال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد، أو الرجم. وكذا رُوي عن عِكْرِمة، وسَعيد بن جُبَيْر، والحسن، وعَطاء الخُراساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك: أنها منسوخة. وهو أمر متفق عليه" (٢).

стр. 443

حجة القائلين بأن الآية محكمة: إن هذه الآية ليست منسوخة، وما جاء في الآية الأخرى إنما هو من باب الزيادة على النص التي تفيد حكما وهذا ما وضحته الآية " أو يجعل الله لهن سبيلا" , وهنا يمكن الجمع والتوفيق بين هاتين الآيتين وبين قوله تعالى في سورة النور" الزانية والزاني"، وذلك بأن نقول: إن الحكم في الآيتين كان معمولا به إلى غاية , كما قال تعالى: " أو يجعل الله لهن سبيلا " (١). قال أبو سليمان الخطابي في "معالم السنن": " لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في هذا الحديث ألبتة، وذلك لأن قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ يدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا , وذلك السبيل كان مجملا، فلما قال ﷺ : " خذوا عني , الثيب ترجم , والبكر تجلد وتنفى " , صار هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخا لها , وصار أيضا مخصصا لعموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٢) ومن المعلوم أن جعل هذا الحديث بيانا لإحدى الآيتين ومخصصا للآية الأخرى، أولى من الحكم بوقوع النسخ مراراً، وكيف وآية الحبس مجملة قطعا فإنه ليس في الآية ما يدل على أن ذلك السبيل كيف

стр. 444

هو؟ فلا بد لها من المبين، وآية الجلد مخصوصة ولا بد لها من المخصص، فنحن جعلنا هذا الحديث مبينا لآية الحبس مخصصا لآية الجلد، وأما على قول أصحاب أبي حنيفة فقد وقع النسخ " (١). وقال القرطبي: " فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما، والجمع ممكن بين الحبس والتعيير والجلد والرجم، وقد قال بعض العلماء: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد، لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد, وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز, والله أعلم" (٢). القول الراجح: إن الآية منسوخة كما قررّ ذلك ابن عاشور وغيره من المفسرين، ومما يعضد هذا القول ويقويه القاعدة الترجيحية (الإجماع يعدُّ ناسخاً) وهي قاعدة نصّ عليها ابن عاشور في تفسيره وعمل بها العلماء. قال ابن عطية: " وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، إلا من قال: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد لأنهما لا يتعارضان بل يتحملان على شخص واحد، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وآية الجلد عامة في الزناة محصنهم وغير محصنهم " (٣).

стр. 445

وأما قول من قال: إن الآية محكمة ذاهباً إلى أن الآية الأولى جاءت فيمن أتين مواضع الريب، والفسوق، ولم يتحقق زناهن، فهذا القول مردود من وجهين: أحدهما: أنه تأويل يصادم الظاهر بدون دليل لأن قوله: " يأتين الفاحشة " يتبادر إلى الذهن مقارفتهن نفس الفاحشة، لا مجرد غشيان مكانها والأخذ بأسبابها. وثانيهما: قوله ﷺ : " خذوا عني ,خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم (١) " (٢). ٥ - مثال الأنعام: قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). اختلف بعض المفسرين في هذه الآية فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة، واختلفوا في ناسخها فمنهم من ذهب إلى أن ناسخها آية المائدة ﴿حُرِّمَتْ

стр. 446

عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (١) , إذ أضاف الله بعض ما حرم بهذه الآية إلى ما حرم بآية الأنعام، وهذا نسخ لها، أو لأسلوب الحصر فيها , ومنهم من ذهب إلى أن ناسخها ما صحّ من السنة التي حرمت الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وذهب آخرون إلى أنها محكمة وليست منسوخة (٢). ورجّح ابن عاشور أن الآية محكمة بناءً على أن الزيادة على النص لا تعدُّ نسخاً فقال: " وقد دلّت الآية على انحصار المحرّمات من الحيوان في هذه الأربعة، وذلك الانحصار بحسب ما كان مُحرّماً يوم نزول هذه الآية، فإنَّه لم يحرّم بمكّة غيرها من لحم الحيوان الّذي يأكلونه، وهذه السّورة مكّيّة كلّها على الصّحيح، ثمّ حرّم بالمدينة أشياء أخرى، وهي: المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وأكيلة السّبع بآية سورة العقود, حُرّم لحم الحُمر الإنسيّة بأمر النّبي ﷺ على اختلاف بين العلماء في أنّ تحريمه لذاته كالخنزير، أو لكونها يومئذ حَمولة جيش خيبر، وفي أنّ تحريمه عند القائلين بأنّه لذاته مستمرّ أو منسوخ، والمسألة ليست من غرض التّفسير فلا حاجه بنا إلى ما تكلّفوه من تأويل حصر هذه الآية المحرّمات في الأربعة. وكذلك مسألة تحريم لحم كلّ ذي ناب من السّباع ولحم سباع

стр. 447

الطّير وقد بسطها القرطبي وتقدّم معنى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) في تفسير سورة المائدة " (٢). وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن تقدم من المفسرين ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي بعده. وأما الطبري فلم يتطرق لموضوع الخلاف في الآية ونسخها وإحكامها , فدل ذلك على أنها محكمة عنده (٣). أما الرازي فيرى أن الآية منسوخة (٤). حجة القائلين بأن الآية منسوخة: منشأ دعوى النسخ عندهم في هذه الآية أنها حصرت المحرم أكله من الحيوان فيما ذكرته: من الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذبح لغير الله من آلهتهم الباطلة، مع أن هناك محرماً غير هذه. ومن ثم اختلف أصحاب دعوى النسخ على الآية في الناسخ لها:

стр. 448

فذهب قوم منهم إلى أنه هو آية المائدة التي يقول الله جل ثناؤه فيها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾؛ إذ أضاف الله بعض ما حرم بهذه الآية إلى ما حرم بآية الأنعام، وهذا نسخ لها، أو لأسلوب الحصر فيها. وذهب آخرون إلى أن الناسخ لها ما صحّ من السنة التي حرمت الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير (١). حجة القائلين بأن الآية محكمة: حجتهم: أن ذلك زيادة في النص، والزيادة في النص إذا كانت لا تنفي ما سبق فلا تعد نسخاً. قال ابن عطية: " وهذه الآية نزلت بمكة ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والممتردية والنطيحة، فإن هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق بالمذكيات لأنها بأسباب وليست حتف الأنف، فلما بين النص إلحاقها بالميتة كانت زيادة في المحرمات، ثم نزل النص على رسول الله ﷺ في تحريم الخمر بوحي غير مُنْجَز، وبتحريم كل ذي ناب من السباع،

стр. 449

فهذه كلها زيادات في التحريم ولفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله ﷺ ، فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور إلى غاية المنع والحظر، وصالحة بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين , وأجمع عليه الكل منهم , ولم يضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وأمضاه الناس على إذلاله , وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر وما اقترنت به قرينة ألفاظ الحديث واختلفت الأمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله ﵇ «كل ذي ناب من السباع حرام» (١). وذكر ابن الجوزي أجوبة أخرى للقائلين بالإحكام: أحدها: إنها خبر، والخبر لا يدخله النسخ. والثاني: إنها جاءت جواباً عن سؤال سألوه؛ فكان الجواب بقدر السؤال، ثم حُرِّم بعد ذلك ما حُرِّم. والثالث: إنه ليس في الحيوان محرم إلا ما ذُكر فيها (٢). وقال القرطبي: " كل محرم حرمه رسول الله ﷺ أو جاء في الكتاب مضموم إليها؛ فهو زيادة حكم من الله على لسان نبيه ﵇. على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر، والفقه والأثر. ... ولم ينزل بعدها ناسخ فهي محكمة " (٣).

стр. 450

القول الراجح: إن الآية محكمة وليست منسوخة , كما قررّ ذلك ابن عاشور بناءً على هذه القاعدة وإن لم يصرح بها إلا أن فحوى كلامه تدل عليه. والذين قالوا: إنها منسوخة بآية المائدة , فاتهم أن آية المائدة داخلة فيها، وليست متعارضة معها في شيء؛ فإن المنخنقة والمتردية والنطيحة من الميتة، وقد اجتمعت الآيتان على تحريم الميتة , ومن الميتة ما أكله السبع فأماته , ومن الفسق الذي أهل لغير الله به: ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب , أما الدم ولحم الخنزير فقد ذكرتهما الآيتان، وقيدت آية الأنعام إطلاق الدم في آية المائدة بأن يكون مسفوحاً، وهو شرط لا بد منه للتحريم. وأما الذين قالوا: إنها منسوخة بالسنة فقد غاب عنهم أن السنة لا تنسخ القرآن إطلاقاً عند بعض الأئمة، ولا ينسخه منها إلا المتواتر عند بعضهم الآخر، والسنة التي حرمت الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير ليست متواترة، فهي لا تنسخ القرآن، ولكنها تبيينه، وهؤلاء وأولئك لم يلتفتوا إلى أن أسلوب الآية يسمح بإضافة محرمات جديدة إلى ماحرمته؛ فإن عبارة ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ تفتح الباب للتحريم بعد نزولها: بغيرها من الآيات وبالسنة؛ ذلك أن الآية مكية، ومعناها حصر المحرم إلى حين نزلت فيما ذكرته , ولعله من أجل هذا اختير الفعل من مادة الوحي ماضياً؛ ليقرر أن هذا هو الذي حرم حتى وقته (١).

стр. 451

قال ابن العربي: " ومما يجب أن تحيطوا به علماً ما بيناه في كتب الأصول أنه لو ثبت نزول هذه الآية متى ثبت وثبت قول النبي ﷺ لم يكن ذلك نسخاً لأن الزيادة في التكليفات بعد حصرها بالنفي والإثبات لا تعدُّ نسخاً " (١). وقال القاسمي: " وبالجملة فالآية تدل على أنه ﷺ لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية غيره، ولا ينافيه ورود التحريم بعد ذلك في شيء آخر، كالموقوذة والمنخنقة والنطيحة وغيرها. وذلك لأن هذه السورة مكية. فما عدا ما ذكر تحريمه فيها مما حرم أيضا، طارئ - وإن - قيل: إذا حرم غير ما ذكر كان نسخاً لما اقتضته هذه الآية من تحليله. وجوابه أن ذلك زيادة تحريم وليس بنسخ لما في الآية. فصح تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير " (٢). أما ماروي عن عائشة ﵂ أنه لا حرام إلا ما ورد في هذه الآية فهو قول ضعيف، قال الشوكاني: " ما روي عن مالك قول ساقط، ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه لإهمال غيرها مما نزل بعدها من القرآن، وإهمال ما صحّ عن النبي ﷺ " (٣). ومما يعضد هذا الترجيح بهذه القاعدة قاعدة أخرى وهي: (أن الأصل عدم النسخ مالم يرد دليل صريح على خلافه)، وحيث لم يرد دليل على حصرها في هذه الآية فتعين أن الآية محكمة، وغير منسوخة. كما يعضدها قاعدة أخرى، هي (النسخ لا يقع في الأخبار) , وقد تقدم

стр. 452

هذا في كلام ابن الجوزي، وأيضاً دلّ عليه كلام ابن كثير حيث يقول: " والمقصود من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه، من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البَحِيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وإنما حُرِّم ما ذكر في هذه الآية، من الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به , وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام، ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله؟ وعلى هذا فلا ينفي تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر ولحوم السباع، وكل ذي مخلب من الطير " (١).

стр. 453

المبحث الرابع الإجماع يعد ناسخاً صورة القاعدة: إن الإجماع لا بد له من مستند نصي، وهذا المستند النصي هو الناسخ الحقيقي، وكون الإجماع يشترط له الاستناد على نص فإن هذا يعطيه حكم النص , ومن هنا يمكن للإجماع أن يكون ناسخاً (١). شرح مفردات القاعدة: الإجماع: لغة: مصدر (أجمع)، يقال: أجمع يجمع إجماعاً، فهو مجمع، وهو مجمع عليه. وله في اللغة معنيان: أ - العزم على أي أمر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ (٢) أي اعزموا عليه. ب- الاتفاق على أي شيء، ومنه قولهم: "أجمع القوم على كذا "أي اتفقوا عليه، ومنه قوله ﷺ : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " (٣)، وكلا المعنيين مأخوذ من

стр. 454

الجمع، فإن العزم فيه جمع الخواطر، والاتفاق فيه جمع الآراء " (١). اصطلاحاً: هو اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته، في عصر من العصور، على أمر من أمور الدين، اتفاقاً لم يسبقه خلاف مستقر (٢). وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة في تفسيره ورجح بها حيث قال في معرض تفسيره لآية الوصية: " ثبت حكم جديد للوصية وهو الندب أو الوجوب على الخلاف في غير الوارث وفي الثلث بدليل الإجماع المستند للأحاديث. وفعل الصحابة " (٣) وسيأتي بيان هذا المثال بالتفصيل في الأمثلة التطبيقية الآتية. أقوال العلماء في القاعدة: اختلف العلماء في حكم النسخ بالإجماع على قولين: فذهب بعض العلماء إلى جواز النسخ بالإجماع، بدليل أن الإجماع يوجب علم اليقين، كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، وإذا كان يجوز النسخ بالخبر المشهور أي المتواتر فجوازه بالإجماع أولى. واحتجوا على ذلك بآية الوصية في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا

стр. 455

حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (١) نسخت بالإجماع، كما ذكره السيوطي في الإتقان، وقال: حكاه ابن العربي. وذهب آخرون إلى عدم جواز النسخ بالإجماع، وحجتهم في ذلك أن الإجماع عبارة عن اجتماع آراء على شيء، ولا مجال للرأي في معرفة نهاية وقت الحسن والقبح في الشيء عند الله تعالى , ثم إن النسخ يكون حال حياة النبي ﷺ (٢). القول الراجح: إنه لا يجوز النسخ بالإجماع إلا إذا كان مستنده في ذلك النص، لأنه في حال ذلك يكون الناسخ هو النص حقيقة، أما إذا لم يكن مستنده نص شرعي فلا. ويؤكد ذلك أقوال العلماء: قال ابن حزم: " الإجماع إما أن يكون مستنداً إلى دليل, أو ليس مستنداً إلى دليل , فإن لم يكن مستنداً إلى دليل فهو خطأ. وإن كان مستنداً إلى دليل , فذلك الدليل إما أن يكون نصاً أو قياساً , فإن كان نصاً فالناسخ ذلك النص لا الإجماع , وإن قيل: إن الإجماع ناسخ , فليس إلا بمعنى أنه يدل على الناسخ " (٣).

стр. 456

وقال بعض الحنابلة: يجوز النسخ بالإجماع لكن لا بنفسه بل بسنده , فإذا رأينا متنا صحيحا والإجماع بخلافه , استدللنا بذلك على نسخ , وأن أهل الإجماع اطلعوا على ناسخ وإلا لما خالفوه (١). وقال الشنقيطي: " إذا وجد في كلام العلماء أن نصاً منسوخ بالإجماع، فإنهم إنما يعنون أنه منسوخ بالنص الذي هو مستند الإجماع، لا بنفس الإجماع " (٢). ومن ادعى إجماعا يخالف نص الرسول من غير نص، يكون موافقا لما يدعيه، واعتقد جواز مخالفة أهل الإجماع للرسول برأيهم، وأن الإجماع ينسخ النص، كما تقوله طائفة من أهل الكلام والرأي، فهذا من جنس هؤلاء (٣). الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - مثال الوصية: قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٤). اختلف العلماء في هذه الآية أي في الوصية التي قرّرتها، هل هي منسوخة أو محكمة. وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره، وملخص كلامه: إنه ذهب

стр. 457

جمهور أهل النظر من العلماء، الحسن وقتادة والنخعي والشعبي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وجابر بن زيد إلى أن الآية منسوخة بآية المواريث التي في سورة النساء حيث نسخت هذه الآية نسخاً مجملاً ,بينت ميراث كل قريب فلم يبق حقه موقوفاً على إيصاء الميت له بل صار حقه ثابتاً معيناً رضي الميت أم كره، ولذلك صدر الله تعالى آية الفرائض بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١). وقال بعضهم: الآية محكمة لم تُنسخ , والمقصود بها من أول الأمر الوصية لغير الوارث من الوالدين والأقربين مثل الأبوين الكافرين والعبْدين والأقارِب الذين لا ميراث لهم وبهذا قال الضحاك والحسن في رواية وطاووس واختاره الطبري (٢). ورجح ابن عاشور أن الآية منسوخة مستندا في ذلك إلى الإجماع المستند للأحاديث وفعل الصحابة ومن قوله: " ثبت حكم جديد للوصية وهو الندب أو الوجوب على الخلاف في غير الوارث وفي الثلث بدليل الإجماع المستند للأحاديث وفعل الصحابة، ولمَّا ثبت حكم جديد للوصية فهو حكم غير مأخوذ من الآية المنسوخة بل هو حكم مستند للإِجماع، هذا تقرير أصل استنباط العلماء في هذه المسألة وفيه ما يدفع عن الناظر إشكالات كثيرة للمفسرين

стр. 458

والفقهاء في تقرير كيفية النسخ (١). وممن وافق ابن عاشور في اختياره فيمن سبقه من المفسرين ابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي (٢). ورجّح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة، وكذلك الرازي. ولم يتطرق القاسمي، ولا الشنقيطي لهذا الخلاف ولا حتى إشارة (٣). حجة القائلين بأن الآية منسوخة: حجتهم في ذلك آية المواريث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ التي بينت نصيب كل من الوالدين والأقربين. قال ابن عاشور: " وهذه الآية صريحة في إيجاب الوصية؛ لأن قوله " كتب عليكم" صريح في ذلك , وجمهور العلماء على أنها ثبت بها حكم وجوب الإيصاء للوالدين والأقربين، .. ثم إن آية المواريث التي في سورة النساء نسخت هذه الآية نسخاٍ مجملاً فبينت ميراث كل قريب معين فلم يبق حقه موقوفاً على إيصاء الميت له بل صار حقه ثابتاً معيناً رضي الميت أم كره " (٤).

стр. 459

كما استدل أصحاب هذا القول بالسنة المتواترة، ومن ذلك حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: " قال كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع " (١). وحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " (٢). قال ابن كثير: " اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين , وقد كان ذلك واجبًا -على أصح القولين -قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل منَّة الموصي، ولهذا جاء الحديث في السنن وغيرها عن عَمْرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: "إن الله قد أعطى كلّ ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (٣). وقال ابن أبي حاتم فيما يرويه بسنده عن ابن عباس، في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ

стр. 460

لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ نسختها هذه الآية: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (١). ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وأبي موسى، وسعيد بن المسيَّب، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جُبَير، ومحمد بن سيرين، وعكرمة، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حَيّان، وطاوس، وإبراهيم النَّخَعي، وشُرَيح، والضحاك، والزهري: أن هذه الآية منسوخة نسختها آية الميراث " (٢). وذكر أحد العلماء وجهاً آخر للقول بالنسخ، فقال: " هذه الآية نزلت بعد آية الوصية بالاتفاق وقد قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣) فرتب الميراث على وصية منكرة والوصية الأولى كانت معهودة فلو كانت تلك الوصية باقية لوجب ترتيبه على المعهود فلما لم يترتب عليه ورتب على المطلق دل على نسخ الوصية المقيدة لأن الإطلاق بعد التقييد نسخ كما أن التقييد بعد الإطلاق كذلك لتغاير المعنيين " (٤).
следующие страницы →