← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

هَادُوا﴾ فيها أن سلمان الفارسي ﵁ سأل النبي ﷺ عن أولئك النصارى، وما رأى من أعمالهم، قال: " لم يموتوا على الإسلام " قال سلمان: فأظلمت علي الأرض، وذكرت اجتهادهم، فنزلت هذه الآية، فدعا سلمان فقال: " نزلت هذه الآية في أصحابك " ثم قال النبي ﷺ : " من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي فهو على خير، ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك " (١). قال الطبري: " والذي قلنا من التأويل أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان بعض خلقه دون بعض منهم، والخبر بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ عن جميع ما ذكر في أول الآية " (٢). وقال الراغب الأصفهاني كلاما جميلا في هذه الآية مقتضاه ما ذهب إليه الطبري، وقسّم الإيمان إلى قسمين أحدهما الإقرار بالشهادتين, والثاني تحري اليقين ,وأن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عني به المتدين بدين محمد أي على الحنيفية، وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ عني به المتحري للاعتقاد اليقيني إلى أن قال: وقول ابن عباس: إن هذا منسوخ بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ يعنون أن هذه الأديان كلها منسوخة بدين الإسلام، وأن الله

стр. 387

عز وجل جعل لهم الأجر قبل وقت النبي ﵇ , فأما في وقته، فالأديان كلها منسوخة بدينه. أي فليس مراد ابن عباس ومن وافقه أنه تعالى كان وعد من عمل صالحاً من اليهود، ومن ذكر معهم على عمله في الجنة ثم نسخه بآية ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ بل مراده ما ذكر الراغب (١). كما رجح ابن كثير هذا القول بناءً على كونه خبراً , والخبر لا يدخله النسخ فقال: " فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا, إلا ما كان موافقا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه ,فهو على هدى وسبيل ونجاة؛ فاليهود أتباع موسى ﵇ والذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم، فلما بعث عيسى وجب على بني إسرائيل إتباعه والانقياد له ,فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، فلما بعث الله محمدا خاتما للنبيين, ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق ,وجب عليهم تصديقه فيما أخبر , وطاعته فيما أمر والانكفاف عما عنه زجر وهؤلاء هم المؤمنون حقا " (٢). حجة أصحاب القول الثالث الذين يرون أن المقصود بالذين آمنوا في أول الآية هم المنافقون: حجتهم في ذلك أن الله تعالى قال في آخر الآية ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فدل

стр. 388

ذلك على أن المقصود بالذين آمنوا في أول الآية المنافقون، بدلالة جعلهم مقترنين باليهود والنصارى والصابئين أي آمنوا في الظاهر. واستبعده ابن عاشور وبين أنه غاية في البعد (١). القول الراجح: ومما تقدم تبين لنا أن القول الثاني هو القول الراجح، وهو الذي رجحه ابن عاشور، ووافق ما عليه أكثر المفسرين، وبنى ترجيحه هذا على قاعدة: النسخ لا يقع في الأخبار حيث قال: " وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال: إن الله أخبر به عن مؤمني أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد ﷺ فيكون معنى الآية كمعنى قوله ﷺ فيما ذكر من يؤتى أجره مرتين " ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم أمن بي فله أجران " (٢). قال القاسمي في تفسيره: "أي فليس مراد ابن عباس، ومن وافقه، أنه تعالى كان وعد من عمل صالحاً من اليهود، ومن ذكر معهم، على عمله، في الآخرة، الجنة، ثم نسخه بآية: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ

стр. 389

فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بل مراده ما ذكر الراغب , وهذا مالا شبهة فيه " (١). وفسّر السعدي هذه الآية بقوله: " وذلك والله أعلم - أنه لما ذكر بني إسرائيل وذمهم، وذكر معاصيهم وقبائحهم، ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه" (٢). والواقع إن من يرى أن الآية منسوخة إنما يراه وقد غاب عنه المعنى الحقيقي للإسلام وخفيت عليه خطة الله في البشر، واضطرب في ذهنه معنى النسخ في القرآن، فالإسلام هو الدين الذي أوحى به الله إلى الأنبياء جميعا والرسل كلهم فدعوا إليه وكما قالت الآية الكريمة فإن من آمن بالله وعمل صالحاً من المؤمنين أو اليهود أو النصارى فأجره عند الله ولا خوف عليه ولا حزن , وكل من كان قويم الخلق صحيح العقيدة فهو عند الله, وفي معنى القرآن مسلم , والمقصود من آية ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الذي دعى إليه كل الأنبياء والرسل والذي اعتنقه أتباعهم , والقرآن يفرق بين المشركين والكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا بالرسل ولا يعملون صالحاً وبين أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن هؤلاء من يؤمن بالله ويعمل صالحاً،

стр. 390

وهو المقصود بالآية الكريمة التي تبشر بأن لا خوف عليه ولا حزن. (١) ومما يعضد ترجيح هذا القول قاعدة (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ما خالفه)، وقد رجّح ابن كثير هذا القول بناء على ما ورد في السنة عن سلمان الفارسي من رواية مجاهد، وقد تقدمت. ٣ - مثال المحاسبة: قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢). اختلف المفسرون في هذه الآية، فذهبت جماعة من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة، وأن ناسخها هو قوله في السورة نفسها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣) وذهب آخرون إلى أنها محكمة وأنها من باب الأخبار والبيان (٤). ورجّح ابن عاشور أنها محكمة لكونها من باب البيان والأخبار، وفي ذلك

стр. 391

يقول: " وإطلاق النسخ على هذا اصطلاح المتقدمين، والمراد البيان والتخصيص، لأن الذي تطمئن النفس إليه أن هذه الآيات متتابعة النظم، ومع ذلك يجوز أن تكون نزلت منجمة، فحدث بين فترة نزولها ما ظنه بعض المسلمين حرجاً " (١). وممن سبق ابن عاشور في القول بأنها محكمة مستنداً في ذلك إلى القاعدة الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي وأبو حيان، والألوسي (٢). في حين رجّح الشوكاني أن الآية منسوخة (٣). وذكر ابن كثير الخلاف الوارد فيها ولم يرجح أحدهما، ولكنه أسهب في ذكر أدلة من يرى أن الآية منسوخة، فكأنه يميل إلى هذا القول (٤). ولم يتطرق القاسمي لهذا الخلاف في كون الآية منسوخة أو محكمة (٥). أما الشنقيطي فلم يتعرض في تفسيره لهذه الآية ولكنه نص على أن الآية منسوخة في كتابه "دفع إيهام الاضطراب عن آيات كتاب الله" (٦).

стр. 392

حجة القائلين بأن الآية منسوخة: قالوا: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ لأن الآية الأولى تفيد أن الله يؤاخذ العباد حتى بالخطوات التي لا يملكون دفعها , والآية الثانية تفيد أنه تعالى لا يكلفهم بها لأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها وهذا رفع للحكم الأول (١). كما استدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس ﵄ قال: " لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي ﷺ : " قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ قال قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ قال قد فعلت " (٢).

стр. 393

وأيضاً ماروي عن النبي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم " (١). قال الشنقيطي: : " قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية, هذه الآية تدل بظاهرها على أنّ الوسوسة وخواطر القلوب يؤاخذ بها الإنسان مع أنه لا قدرة له على دفعها, وقد جاءت آيات أخر تدل على أنّ الإنسان لا يكلّف إلا بما يطيق كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ , وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) والجواب أنّ آية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ منسوخة بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ " (٣). حجة من يقول: إن الآية محكمة: قال الطبري: " وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: إنها محكمة، وليست بمنسوخة , وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا بنفيه بآخر، هو له ناف من كل وجوهه , وليس في قوله جل وعز: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ

стр. 394

نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، نفى الحكم الذي أعلم عبادَه بقوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبةً ولا مؤاخذةً بما حوسب عليه العبد من ذنوبه. وقد أخبر الله عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة يقولون: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (١). فأخبر أن كتبهم محصيةٌ عليهم صغائرَ أعمالهم وكبائرَها، فلم تكن الكتب - وإن أحصت صغائرَ الذنوب وكبائرَها - بموجب إحصاؤها على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين؛ لأن الله وَعدهم العفوَ عن الصغائر، باجتنابهم الكبائر فقال في تنزيله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٢) فذلك محاسبة الله عبادَه المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم، غيرَ موجبٍ لهم منه عقوبة، بل محاسبته إياهم - إن شاء الله - عليها، ليعرّفهم تفضُّله عليهم بعفوه لهم عنها، كما بلغنا عن رسول الله ﷺ في الخبر الذي رواه قتادة، عن صَفوان بن

стр. 395

مُحْرز (١)، عن ابن عمر، عن نبي الله ﷺ قال: يُدْني الله عبدَه المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كَنَفه، فيقرِّره بسيئاته يقول: هل تعرف؟ فيقول: نعم! فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها اليوم! ثم يظهر له حسناته فيقول: ﴿بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٢) أو كما قال , وأما الكافر فإنه ينادي به على رؤوس الأشهاد " (٣). كما نصّ ابن عطية على أن الآية محكمة ,وحجته في ذلك أن الآية خبر, والأخبار لا يدخلها النسخ (٤). القول الر اجح: إن الآية محكمة , كما قرر ذلك ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين بناء على القاعدة أن النسخ لا يقع في الأخبار. أما من استدل بالحديث على نسخ هذه الآية فهو استدلال في غير محله وقد ردّ الرازي على هذا القول وضعفه من وجوه: " أحدها: أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا: إنهم كانوا قبل هذا النسخ

стр. 396

مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها، وذلك باطل، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة، ولذلك قال ﵇: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة». والثاني: أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك. والثالث: أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي " (١). كما أنه يقال فيما روي عن ابن عباس وغيره في أن الآية منسوخة فإن ذلك يريد به تخصيص العموم والمتقدمون يسمون التخصيص نسخا. ٣ - مثال الدراية: قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢). اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ على عدة أقوال، وقد ساق هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال: " منهم من ذهب إلى أن المراد بقوله: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أي لا أدري ما يفعل بي! أُخرج كما أُخرِجَت الأنبياء من قبلي، أو أُقتل كما قُتل الأنبياء من قبلي ولا أدري ما يفعل بكم، إنكم مصدقون أو مكذبون، أو

стр. 397

معذبون أو مؤخرون. ومنهم من يرى أن المراد: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة , وهذا قبل نزول: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية. فلما نزل عليه ذلك عام الحديبية علم ما يفعل به في الآخرة. وذهب آخرون إلى أن المراد: لا أدري ما أؤمر به ولا ما تؤمرون به، قاله الضحاك (١). ورجّح ابن عاشور أن المراد بالآية أي ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، واستنكر على ما أطال به بعض المفسرين من قولهم: إن الآية منسوخة، وذلك لأن الآية في معرض الأخبار , والخبر لا يدخله النسخ، ومن قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ تتميم لقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ وهو بمنزلة الاعتراض فإن المشركين كانوا يسألون النبي ﷺ عن مغيباتٍ استهزاءً فيقول أحدهم إذا ضلَّت ناقته: أين ناقتي؟ ويقول أحدهم: مَن أبي، أو نحو ذلك فأمر الله الرسول ﷺ أن يعلمهم بأنه لا يدري ما يفعل به ولا بهم، أي في الدنيا ... إلى أن يقول: " فدع ما أطال به بعض المفسرين هنا من المراد بقوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ ومن كونها منسوخة أو محكمة

стр. 398

ومن حُكم نسخ الخبر " (١). وقد وافق ترجيح ابن عاشور هذا ما اختاره الطبري بناءً على هذه القاعدة. وكذلك رجحه القرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي، والشنقيطي (٢). ورجح ابن عطية أن المراد الآخرة (٣). وساق الرازي تلك الأقوال وفصّل فيها ولم يرجح (٤). أما الألوسي فقد اختار معنىً آخر للآية حيث يقول: "والذي أختاره أن المعنى على نفي الدراية من غير جهة الوحي سواء كانت الدراية تفصيلية أو إجمالية , وسواء كان ذلك في الأمور الدنيوية أو الأخروية , وأعتقد أنه ﷺ لم ينتقل من الدنيا حتى أوتي من العلم بالله تعالى وصفاته وشؤونه , والعلم بأشياء يعد العلم بها كمالاً ما لم يؤته أحد غيره من العالمين " (٥).

стр. 399

حجة أصحاب القول الأول الذين يقولون أن المراد (ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا): قال الطبري: " وإنما قلنا ذلك أولاها بالصواب؛ لأن الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله خطابا للمشركين وخبرا عنهم، وتوبيخا لهم، واحتجاجا من الله تعالى ذكره لنبيه ﷺ عليهم, فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن هذه الآية أيضًا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، أو خبر عنهم. وإذا كان ذلك كذلك، فمحال أن يقال للنبي ﷺ : قل للمشركين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وآيات كتاب الله في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مخلدون، والمؤمنون به في الجنان منعمون، وبذلك يرهبهم مرّة، ويرغبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك، لقالوا له: فعلام نتبعك إذن وأنت لا تدري إلى أيّ حال تصير غدا في القيامة، إلى خفض ودعة، أم إلى شدّة وعذاب " (١). قال الحسن البصري: أما في الآخرة فمعاذ الله , قد علم أنه في الجنة (٢)، ورجح الطبري قول الحسن بقوله: " وأولى الأقوال في ذلك بالصحة وأشبهها بما دلّ عليه التنزيل، القول الذي قاله الحسن البصري " (٣).

стр. 400

حجة أصحاب القول الثاني الذين يقولون أن المراد (ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة): أصحاب هذا القول يرون أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾. ذكر الرازي حجتهم على قولهم , وهو ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا كيف نتبع نبياً لايدري ما يفعل به وبنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١) , فبيّن تعالى ما يفعل به وبمن اتبعه ونسخت هذه الآية، وأرغم الله المنافقين والمشركين (٢). روى الطبراني في الأوسط بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ لما أنزلت عليه هذه الآية، قال: «لقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا جميعا»، فلما تلا نبي الله ﷺ قال رجل من القوم: هنيئا لك يا نبي الله، قد بين الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (٣) لم يرو هذا الحديث عن

стр. 401

همام إلا عبد الله بن محمد بن المغيرة (١). كما استدلوا على ذلك أيضاً بما جاء في صحيح البخاري من أن أم العلاء امرأة من نسائهم - أي من الأنصار - قد بايعت النبي ﷺ أخبرته أن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السكنى حين أقرعت الأنصار سكنى المهاجرين , قالت أم العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون، فاشتكى فمرضناه حتى إذا توفي , وجعلناه في ثيابه , دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال لي النبي ﷺ " وما يدريك أن الله أكرمه ". فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله , فقال رسول الله ﷺ : " أما عثمان فقد جاءه والله اليقين , وإني لأرجو له الخير , والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي " قالت: فو الله لا أزكي أحداً بعده أبداً وأحزنني ذلك قالت: فنمت فأريت لعثمان عيناً تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: " ذلك عمله" (٢). حجة أصحاب القول الثالث الذين يقولون: إن المراد بالآية الأوامر والنواهي: وذهب إليه الضحاك فيما يبدو لي لأنه لما استبعد أن يكون معنى الآية وارد في الآخرة ظهر له أن المقصود بذلك الأوامر والنواهي لأنها كانت تتنزل بين فترة وأخرى دون أن يكون له ﷺ سابق علم بها.

стр. 402

القول الراجح: هو القول الأول، وذلك بناءً على أن هذه الآية جاءت في معرض الخبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، وهذا ما قرره ابن عاشور في تفسيره. قال ابن كثير: " وهذا القول هو الذي عَوّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به صلوات الله وسلامه عليه، فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا: أيؤمنون أم يكفرون، فيعذبون فيستأصلون بكفرهم " (١). قال ابن الجوزي: "والقول بنسخها لا يصح لأنه إذا خفى عليه علم شيء ثم أعلم به لم يدخل ذلك في ناسخ ولا منسوخ " (٢). ومما يعضد الترجيح بهذه القاعدة، قاعدة (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره, ما لم توجد حجة يجب إعمالها) وقد أبان عنها النحاس في "معاني القرآن " ومن بعده ابن جرير الطبري في معرض ترجيحه وبيّن أن سياق الآية فيما قبلها وبعدها قد جاء في سبيل الإخبار عن المشركين والتوبيخ لهم والاحتجاج عليهم، فكيف يقول لهم لا أدري ما يفعل بكم في الآخرة (٣). كما أن هذا المعنى قد يعضده القاعدة الترجيحية الآتية وهي أن (القول الذي تؤيده الآيات القرآنية أولى من غيره).

стр. 403

حيث ذكر الشنقيطي بعد أن رجّح هذا القول: أن هذا المعنى قد دلت عليه آيات كثر من كتاب الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (١)، وقوله تعالى آمراً له ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (٢) (٣). وأما من استدل على أن الآية منسوخة بحديث البخاري , فإن هذا الحديث لا يصلح؛ لأن يكون حجة على قولهم. قال ابن كثير عن حديث البخاري: " إنه وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا إذا نص الشارع على تعيينهم " (٤). وقال النحاس: " محال أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ , من جهتين: أحدهما أنه خبر، والآخر أنه من أول السورة إلى هذا الموضع خطاب للمشركين واحتجاج عليهم وتوبيخ لهم، فوجب أن يكون هذا أيضا خطابا للمشركين كما كان قبله وما بعده، ومحال أن يقول النبي ﷺ للمشركين: " ما أدري ما يفعل بي ولا بكم " في الآخرة، ولم يزل ﷺ من أول مبعثه إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلد في النار، ومن مات على الإيمان واتبعه وأطاعه فهو في الجنة، فقد رأى ﷺ ما يفعل به وبهم في الآخرة.

стр. 404

وليس يجوز أن يقول لهم ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، فيقولون كيف نتبعك وأنت لا تدري أتصير إلى خفض ودعة أم إلى عذاب وعقاب" (١). وذكر الرازي أن أكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا عليه بوجوه هي: الأول: أن النبي ﷺ لا بد وأن يعلم من نفسه كونه نبياً , ومتى علم كونه نبياً علم أنه لا تصدر عنه الكبائر وأنه مغفور له، وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكاً في أنه هل هو مغفور له أم لا. الثاني: لا شك أن الأنبياء أرفع حالاً من الأولياء، فلما قال في هذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأتقياء وقدوة الأنبياء والأولياء شاكاً في أنه هل هو من المغفورين أو من المعذبين؟ . الثالث: أنه تعالى قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٣) والمراد منه كمال حاله ونهاية قربه من حضرة الله تعالى، ومن هذا حاله كيف يليق به أن يبقى شاكاً في أنه من المعذبين أو من المغفورين؟ فثبت أن هذا القول

стр. 405

ضعيف " (١). وكذلك استبعده أبو حيان في البحر المحيط، وذكر بأنه قول غير ظاهر (٢). وبذلك نصل إلى أن هذه الآية محكمة؛ لأنها من باب الأخبار, والأخبار لا يدخلها النسخ. ٤ - مثال سعي الإنسان: قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣). اختلف العلماء في هذه الآية , فمنهم من قال: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤)، فلا ينفع أحدا أن يصدق عنه أحد , ولا أن يجعل له ثواب شيء عمله قالوا: وليس للإنسان إلا ما سعى , كما قال الله جل وعز. ومنهم من قال بأن الآية محكمة، والآيتان خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ. ثم ذكر أصحاب هذا القول جملة من الأحاديث الثابتة التي تدل على لحاق ثواب بعض الأعمال إلى غير من عملها، وقد ساق ابن عاشور جملة من هذه الأحاديث.

стр. 406

ومنهم من تأول الإنسان في هذه الآية بالكافر، وأما المؤمن فله سعيه وما يسعى له غيره (١). والعجيب أن ابن عاشور رجّح أن الآية منسوخة مع أنه نصّ على هذه القاعدة في تفسيره، وهي أن الأخبار لا يدخلها النسخ، ولكنه يرى هنا أن هذا الخبر في شرع من قبلنا، وأن شريعة الإسلام نسخت ذلك فيقول: " وهذه الآية حكاية عن شرعي إبراهيم وموسى، وإذا تقرر أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، تدل هذه الآية على أن عمل أحد لا يجزئ عن أحد فرضاً أو نفلاً ... - إلى أن ساق قول عكرمة في محمل هذه الآية فقال: فعن عكرمة أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ حكاية عن شريعة سابقة فلا تلزم في شريعتنا, يريد أن شريعة الإسلام نسخت ذلك فيكون قبول عمل أحد عن غيره من خصائص هذه الأمة " (٢). أما الطبري فقد ساق رواية ابن عباس بسنده في أن هذه الآية منسوخة، ولم يعقب عليها فكأنه قبلها مع أن هذه الرواية منقطعة كما سيأتي (٣). في حين ذهب جمهور المفسرين الذين اعتمدتهم: ابن عطية والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، إلى أن الآية محكمة، وأنها من باب الأخبار , أو أنها منى باب العام الذي خصصته آيات

стр. 407

إلحاق ثواب العمل (١). حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن الآية منسوخة: استدلوا على القول بالنسخ بقوله تعالى: " ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) حيث قالوا أُدْخِل الأبناء الجنة بصلاح الآباء , فالآية على هذا منسوخة. قال ابن حزم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ نسخت بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ ... ﴾ فيجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء , ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ (٣) (٤). . وكذلك ما روي عن ابن عباس ﵁ قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا

стр. 408

سَعَى﴾ منسوخة بقوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ ... ﴾ (١). كما استدل أصحاب هذا القول على ذلك بما جاء في السنة من الأخبار الصحيحة التي تدل على لحاق ثواب بعض الأعمال إلى غير من عملها. منها ما أخرجه البخاري والنسائي عن ابن عباس قال: «أتى رجل النبي ﷺ فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وأنها ماتت , فقال النبي ﵁: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم قال: فحق الله أحق بالقضاء» (٢). وفي حديث مسلم من رواية أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " (٣). وقد ساق ابن عاشور أدلة كثيرة من السنة تدل على أن بعض الأعمال تصلح للنيابة , وهذا قوله: " وثبتت أخبار صحاح عن النبي ﷺ تدل على أن عمل أحد عن آخر يُجزي عن المنوب عنه، ففي «الموطأ» حديث الفضل بن عباس

стр. 409

«أن امرأة من خثعم سألت رسول الله فقالت: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: نعم حُجّي عنه». وفي قولها: لا يثبت على الراحلة دلالة على أن حجها عنه كان نافلة. وفي «كتاب أبي داود» حديثُ بريدَة «أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفيجزئ أو يَقضي عنها أن أصوم عنها؟ قال: نعم. قالت: وإنها لم تحج أفيجزئ أو يقضي أن أحج عنها؟ قال: نعم». وفيه أيضاً حديث ابن عباس «أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أمي توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم». وفيه حديث عمرو بن العاص وقد أعتق أخوه هشام عن أبيهم العاص بن وائل عبيداً فسأل عَمرو رسول الله ﷺ عن أَن يفعل مثل فعل أخيه فقال له «لو كان أبوكَ مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك». وروي أن عائشة أعتقت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته رقاباً ,واعتكفت عنه " (١). حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن الآية محكمة: حجتهم في ذلك أن الآية خبر، والخبر لا يدخله النسخ. قال ابن عطية: " ما روي عن ابن عباس ﵁ أن قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ

стр. 410

ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ ... ﴾ وهذا لا يصح عندي على ابن عباس، لأنه خبر لا ينسخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا، اللهم إلا أن يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلاً " (١). كما أنهم احتجوا على كونها محكمة بأن الآية لا تعارض الآيات والأحاديث التي فيها أن الإنسان يلحقه ثواب غيره، وقد أجابوا على الأحاديث الواردة في ذلك، وفي ذلك يقول ابن كثير: "وأما الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: " قال رسول الله ﷺ : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به " فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن ولده من كسبه " (٢). والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وثبت في الصحيح: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً " (٣). القول الراجح: إن الآية محكمة وليست منسوخة , وهي من باب الخبر , ولا تحتمل هذا

стр. 411

الخلاف، وظاهر الآية حق , لا يخالف بقية النصوص. قال ابن الجوزي: " قول من قال إن هذا نسخ غلط؛ لأن الآيتين خبر والأخبار لا يدخلها النسخ، ثم إن إلحاق الأبناء بالآباء إدخالهم في حكم الآباء بسبب إيمان الآباء فهم بالبعض تبع الجملة ذاك ليس لهم إنما فعله الله سبحانه بفضله , وهذه الآية تثبت ما للإنسان إلا ما يتفضل به عليه " (١). وأكد الألوسي هذا المعنى بقوله: " إن الغير لما نوى ذلك الفعل له صار بمنزلة الوكيل عنه القائم مقامه شرعاً فكأنه بسعيه، وهذا لا يتأتى إلا بطريق عموم المجاز، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يجوزه، وأجيب أيضاً بأن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه من الإيمان فكأنه سعيه " (٢). كما وضح ذلك الشنقيطي في كتابه "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" حيث يقول: " (وأن ليس للإنسان) محكمة كما أن القول بأن المراد بالإنسان خصوص الكافر غير صحيح أيضا , والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: إن الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره لأنه لم يقل وأن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى , وإنما قال: وأن ليس للإنسان وبين الأمرين فرق ظاهر لأن سعي الغير ملك لساعيه إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير وإن شاء أبقاه لنفسه، وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ونحو ذلك مما ثبت

стр. 412

الانتفاع بعمل الغير فيه. الثاني: إن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم إذ لو كانوا كفارا لما حصل لهم ذلك فإيمان العبد وطاعته سعي منه في انتفاعه بعمل غيره من المسلمين ,كما وقع في الصلاة في الجماعة فإن صلاة بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفردا وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في الجماعة, وهذا الوجه يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾. الثالث: إن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد ليس للأولاد كما هو نص قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ولكنه من سعي الآباء فهو سعي الآباء أقر الله عيونه بسببه بأن رفع إليهم أولادهم ليتمتعوا في الجنة برؤيتهم فالآية تصدق الأخرى ولا تنافيها؛ لأن المقصود بالرفع إكرام الآباء لا الأولاد فانتفاع الأولاد تبع فهو بالنسبة إليهم تفضل من الله عليهم بما ليس لهم كما تفضل بذلك على الولدان والحور العين والخلق الذين ينشؤهم للجنة , والعلم عند الله تعالى " (١). ومما يعضد هذا القول ويرجحه القاعدة الترجيحية: (إذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير) (٢).

стр. 413

قال الطبري: " وإنما عُني بقوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الذي ضَمِن للوليد ابن المغيرة أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة، يقول: ألم يُخْبَرْ قائل هذا القول، وضامن هذا الضمان بالذي في صحف موسى وإبراهيم مكتوب: أن لا تأثم آثمة إثم أخرى غيرها: : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ يقول جلّ ثناؤه: أوَ لم يُنَبأ أنه لا يُجَازي عامل إلا بعمله، خيرا كان ذلك أو شرّا " (١). قال القاسمي: " وظاهر السياق يشعر بنزول الآيات رداً على ما كانوا يتخرصونه ويتمنونه، ويتحكمون فيه على الغيب لجاجاً وجهلاً " (٢). قال القرطبي: " وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره، ، وليس في الصدقة اختلاف " (٣). ٥ - مثال الأحقاب: قال تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٤). اختلف المفسرون في هذه الآية، فذهب بعض العلماء إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (٥).

стр. 414

وذهب أكثرهم إلى أنها محكمة (١) , وهو الذي رجحه ابن عاشور مستنداً في ذلك إلى أن ذلك خبر , والخبر لا ينسخ , وفي ذلك يقول: " وليس فيه دلالة على أن لهذا اللبث نهاية حتى يحتاج إلى دعوى نسخ ذلك بآيات الخلود، وهو وهم لأن الأخبار لا تنسخ، أو يحتاج إلى جعل الآية لعصاة المؤمنين، فإن ذلك ليس من شأن القرآن المكي الأول , إذ قد كان المؤمنون أيامئذ صالحين مخلصين مجدين في أعمالهم " (٢). وما رجحه ابن عاشور قد سبقه إليه الطبري حيث قال بعد أن ذكر قول مقاتل بن حيان في أن الآية منسوخة: " ولا معنى لهذا القول، لأن قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ خبر والأخبار لا يكون فيها نسخ، وإنما النسخ يكون في الأمر والنهي " (٣). وكذلك ابن عطية، والرازي، والقرطبي رجحوا أن الآية محكمة بناءً على قاعدة المبحث، واستظهر أبو حيان، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي أيضاً هذا القول وذكروا أنه قول الجمهور ولكنهم لم يتطرقوا إلى القاعدة، وبحث الشنقيطي في كتابه "دفع إيهام الاضطراب" هذه الآية، ودفع التعارض بين هذه الآية وبالآيات التي تفيد الدوام الأبدي لعذاب الكفار، أما ابن كثير فقد ذكر أقوال العلماء في المراد بالحقب ولكنه لم يذكر الخلاف في كونها محكمة أو

стр. 415

منسوخة " (١). حجة أصحاب القول الأول الذين يقولون بأن الآية منسوخة: قال مقاتل بن حيان: الحقب الواحد سبع عشرة ألف سنة. قال: وهذه الآية منسوخة نسختها ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل. واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، وفيه " الحقب ثمانون سنة " (٢) واستدلوا بما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال «ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً» (٣). حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن الآية محكمة: قالوا: لو أنه قال «لابثين فيها عشرة أحقاب أو خمسة» دل على غاية، هذا قول ابن قتيبة والجمهور، وبيانه: إن زمان أهل الجنة والنار يُتَصَوَّرُ دخوله تحت

стр. 416

العدد، وإن لم يكن لها نهاية (١). وذكر الرازي أيضا وجه التحديد بالحقب وإن كان المراد الأبدية فقال: الأول: أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضي حقب له نهاية وإنما الحقب الواحد متناه، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً كلما مضى حقب تبعه حقب آخر، وهكذا إلى الأبد. والثاني: أنهم يلبثون فيها أحقاباً لا يذوقوق في الأحقاب برداً ولا شراباً، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب. وهو أن لا يذوقوا برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم يبدلون بعد الأحقاب عن الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب. وثالثها: هب أن قوله: أحقاباً يفيد التناهي، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم، والمنطوق دل على أنهم لا يخرجون , قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٢) ولا شك أن المنطوق راجح " (٣). وللقرطبي كلام جميل أيضاً في معنى الحقب حيث يقول: "والمعنى في الآية، لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها، فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليه، إذ في الكلام ذكر الآخرة وهو كما يقال أيام الآخرة، أي أيام بعد أيام إلى غير

стр. 417

نهاية، وإنما كان يدل على التوقيت لو قال خمسة أحقاب أو عشرة أحقاب. وقيل: ذكر الأحقاب دون الأيام، لأن الأحقاب أهول في القلوب، وأدل على الخلود. والمعنى متقارب، وهذا الخلود في حق المشركين. ويمكن حمل الآية على العصاة الذين يخرجون من النار بعد أحقاب" (١). القول الراجح: إن الآية محكمة وليست منسوخة. كما قرر ذلك ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين بناءً على القاعدة الترجيحية (النسخ لا يقع في الأخبار). ومما يعضد هذه القاعدة الترجيح بما هو معروف من كلام العرب، والحقب في عرف العرب المدة الزمنية التي لانهاية لها (٢). قال السمرقندي: " وإنما ذكر أحقاباً، لأن ذلك كان أبعد شيء عندهم. فذكر وتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونه، وهو كناية عن التأبيد، أي: يمكثون فيها أبداً" (٣). وقال البيضاوي: " أحقاباً أي دهوراً متتابعة، وليس فيها ما يدل على خروجهم منها إذ لو صح أن الحقب ثمانون سنة أو سبعون ألف سنة، فليس فيه ما يقتضي تناهي تلك الأحقاب لجواز أن يكون المراد أحقاباً مترادفة كلما مضى

стр. 418

حقب تبعه آخر، وإن كان فمن قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار، ولو جعل قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ (١) , حالاً من المستكن في (لابثين) أو نصب (أَحْقَاباً بـ (لاَ يَذُوقُونَ) احتمل أن يلبثوا فيها أحقاباً غير ذائقين إلا حميماً وغساقاً، ثم يبدلون جنساً آخر من العذاب" (٢). وردّ الزمخشري على من استدل بحديث ابن مسعود ﵁ بقوله: " وقد بلغني أن من الضلال من اغترّ بهذا الحديث، فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار. وهذا ونحوه والعياذ بالله من الخذلان المبين، زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه، وتنبيهاً على أن نعقل عنه، ولئن صح هذا عن ابن العاص، فمعناه أنهم يخرجون من حرّ النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها " (٣). وكذلك قال الخازن: " محمول عند أهل السنة على إخلاء أماكن المؤمنين الذي استحقوا النار من النار بعد إخراجهم منها لأنه ثبت بالدليل الصحيح القاطع إخراج جميع الموحدين وخلود الكفار فيها , أو يكون محمولاً على إخراج الكفار من حر النار إلى برد الزمهرير ليزدادوا عذاباً فوق عذابهم , والله أعلم" (٤).

стр. 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 420

المبحث الثالث إن الزيادة على النص ليست بنسخ صورة القاعدة: إن حقيقة النسخ لا توجد في الزيادة؛ لأن حقيقته تبديل ورفع للحكم المشروع، أما الزيادة فهي تقرير للحكم المشروع وضم حكم آخر إليه (١). ومثاله: أن يوجد هناك نص شرعي من الكتاب أو السنة، يفيد حكماً، ثم يأتي نص آخر أو ما في حكمه في إفادة نفس الحكم الشرعي السابق، ثم يضيف زيادة لم يتضمنها النص الأول، فهذه الزيادة ليست بنسخ للأول (٢). وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة فقال في معرض تفسيره لبعض الآيات: " وبهذا تعلمون أن ليس في الآية دليل على تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا على وقوع النسخ قبل التمكن لأن ما طرأ تكليف خاص للإعنات، على أن الزيادة على النص ليست بنسخ عند المحققين، وتسميتها بالنسخ اصطلاح القدماء" (٣).

стр. 421

أقوال العلماء في القاعدة: خالف الحنفية في مسألة الزيادة على النص، فقالوا: إن الزيادة على المنصوص نسخ. فكل زائد على الكتاب ناسخ، كزيادة الإيمان في رقبة الكفارة، وزيادة التغريب على الجلد في جلد الزاني البكر، فما جاء منه بطريق التواتر قُبل، وما جاء منه بطريق الآحاد فلا يقبل؛ لأن الآحاد لا ينسخ المتواتر، كقول النبي ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "فهذا عندهم زيادة على المنصوص في قوله تعالى: " فاقرءوا ما تيسر من القرآن"، وهذا يقتضي افتراض مطلق القراءة لما تيسر من أي سورة، فجعل الفاتحة ركنا، نسخ لهذا القاطع بخبر الواحد فلا يجوز (١). والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن الزيادة على المنصوص ليست نسخا، وإنما هي تخصيص وبيان وتقييد (٢). قال القرطبي: " وأما قولهم: الزيادة على النص نسخ، فليس بمسلم، بل زيادة حكم آخر مع الأصل " (٣). وقال الشنقيطي: "الزيادة على النص لا تكون ناسخة له إلا إن كانت مثبتة شيئاً قد نفاه النص، أو نافية شيئاً أثبته النص. أما إذا كانت الزيادة شيئاً سكت عنه النص السابق، ولم يتعرض لنفيه ولا

стр. 422

لإثباته، فالزيادة حينئذ إنما هي رافعة للبراءة الأصلية، وهي المعروفة في الأصول بالإباحة العقلية وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه , ورفع البراءة الأصلية ليست بنسخ، وإنما النسخ رفع حكم شرعي كان ثابتاً بدليل شرعي" (١). أمثلة تطبيقية على القاعدة: ١ - مثال البقرة: قال تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ (٢). اختلف العلماء في هذه الآية فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة، ومنهم من ذهب إلى أنها محكمة (٣). أما ابن عاشور فلا يرى وقوع النسخ على ما تقدم من الأمر بذبح أي بقرة وإنما عدّ ذلك من الزيادة على النص زيادة في إعناتهم والتكليف عليهم، وليس فيه نسخ، وهذا قوله: " ومما يدل على أنه تكليف لقصد التأديب أن الآية سيقت مساق الذم لهم، وعدت القصة في عداد قصص مساويهم وسوءِ تلقيهم للشريعة بأصناف من التقصير عملاً وشكراً وفهماً بدليل قوله تعالى آخر الآيات: ﴿وَمَا

стр. 423

كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١) مع ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا أي بقرة أجزأتهم , ولكن شددوا على أنفسهم , فشدد الله عليهم. وبهذا تعلمون أن ليس في الآية دليل على تأخير البيان عن وقت الخطاب , ولا على وقوع النسخ قبل التمكن " (٢). وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين ابن كثير، والشوكاني، والقاسمي حيث يرون عدم النسخ في هذه الآية، وأن هذه الأوصاف المزيدة من باب التقييد للمأمور به لا من باب النسخ , وذلك الألوسي فهو يرى أن اختلاف العلماء في هذه الآية من باب النزاع اللفظي (٣). ولم يتعرض الطبري ولا ابن عطية ولا أبو حيان لقضية النسخ، وكل ما ذكروه أنهم لما تعنتوا شددّ الله عليهم (٤). أما الرازي والقرطبي فيرون أن هذه الآية ناسخة للفعل قبل وقوعه (٥).

стр. 424

حجة من يرى أن الآية ناسخة للأمر الأول وهو ذبح أي بقرة: قال الجصاص في أحكام القرآن: "يجوز النسخ قبل وقوع الفعل بعد التمكن منه؛ ذلك أن زيادة هذه الصفات في البقرة كل منها قد نسخ ما قبلها؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١) اقتضى ذبح بقرة أيها كانت وعلى أي وجه شاءوا، وقد كانوا متمكنين من ذلك. فلما قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ (٢) فقال: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا﴾ (٣) نسخ التخيير الذي أوجبه الأمر الأول في ذبح البقرة الموصوفة بهذه الصفة وذبح غيرها، وقصروا على ما كان منها بهذه الصفة وقيل لهم. ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ (٤) فأبان أنه كان عليهم أن يذبحوا من غير تأخير على هذه الصفة أي لو كانت وعلى أي حال كانت من ذلول أو غيرها، فلما قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ (٥) نسخ التخيير الذي كان في ذبح أي لون شاءوا منها وبقي التخيير في الصفة الأخرى من أمرها، فلما راجعوا نسخ ذلك أيضاً وأمروا بذبحها على الصفة التي ذكر واستقر الفرض

стр. 425

عليها بعد تغليظ المحنة وتشديد التكليف وهذا الذي ذكرنا في أمر النسخ دلّ أن الزيادة في النص بعد استقرار حكمه يوجب نسخه؛ لأن جميع ما ذكرنا من الأوامر الواردة بعد مراجعة القوم إنما كان زيادة في نص كان قد استقر حكمه فأوجب نسخه " (١). وقال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ في هذا دليل على جواز النسخ قبل وقت الفعل، لأنه لما أمر ببقرة اقتضى أي بقرة كانت، فلما زاد في الصفة نسخ الحكم الأول بغيره، كما لو قال: في ثلاثين من الإبل بنت مخاض، ثم نسخه بابنة لبون أو حقة , وكذلك ها هنا لما عين الصفة صار ذلك نسخا للحكم المتقدم " (٢). حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن الآية محكمة: حجتهم في ذلك أن الآية فيها من باب الزيادة على النص، والزيادة على النص ليس بنسخ كما تقرر ذلك. قال النحاس: " وأقوال العلماء أن البيان يجوز أن يتأخر فخالفهم قائل في هذا وجعله نسخا، ولو جاز أن يقال لهذا نسخ لجاز أن يقال في قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٣) ثم بين ما هي فلا يقول أحد من الأمة إن هذا نسخ " (٤).
следующие страницы →